النص المفهرس

صفحات 181-200

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٦) حدیث
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، جَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حِينَ زَالَتِ
الشَّمْسُ، وَأَنَا مَعَهُ،
أن يستمسك بأمر ابن عمر - رضي الله عنهما - وقوله: ويقتدي بفعله في جميع
نسكه، ففعل ذلك ظاهراً، وكمن قتله من حيث لا يشعر به أحد، فأمر أتباعه
بسم سنة أرماحهم، ثم أمرهم بالخروج بها بين الناس، وأسر لواحد منهم أن
ينظر ابن عمر حتى يخرج للمسجد، فيمشي بإزائه، ثم يرى الناس أنه يتشاغل
بالزحمة فيسقط رمحه، ويظهر أنه بغير اختياره على رِجْل ابن عمر، فأصابها
سنانه المسموم، فمات من ذلك.
قال القاري: ووجه غرابته لا يخفى، فإن أمر عبد الملك له ثانياً إنما كان
على مكيدة باطنية دفعاً للفتنة الظاهرية، والحاصل أنه كان خائفاً لخروج ابن
عمر - رضي الله عنهما - وقبول الخلافة من الخاصة والعامة، فإنه كان أحقّ
الناس بها فقتلوه، كما قتلوا سائر الصحابة وأكابر السادة والتابعين من أئمّة
الأمة، ـ قاتلهم الله أنّى يؤفكون -، انتهى.
(قال) سالم: (فلما كان يوم عرفة) قال صاحب ((المحلى)): وكان ابن
الزبير لم يُمَكِّنْ الحجاج وعسكره من دخول مكة، فوقف بعرفة قبل الطواف،
انتهى. (جاءه) أي الحجاج، وليس في النسخ الهندية ضمير المفعول (عبد الله بن
عمر) مسارعة إلى الخير، ومعونة له (حين زالت الشمس) والتهجير حين زالت
الشمس هو السنة في ذلك اليوم (وأنا معه) أي مع ابن عمر - رضي الله عنهما -
والجملة حالية، وهكذا أخرجه البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك.
قال الحافظ(١): القائل هو سالم، ووقع في رواية عبد الرزاق عن معمر
عن الزهري: ((فركب هو وسالم وأنا معهما))، وفي روايته قال ابن شهاب:
((وكنت يومئذ صائماً، فلقيت من الحرّ شدة)).
(١) ((فتح الباري)) (٥١١/٣).
١٨١

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٦) حديث
فَصَاحَ بِهِ عِنْدَ سُرَادِقِهِ: أَيْنَ هُذَا؟ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ
مُعَصْفَرَةٌ ،
واختلف الحفاظ في رواية معمر هذه، فقال يحيى بن معين: هي وهم،
وابن شهاب لم ير ابن عمر - رضي الله عنهما - ولا سمع منه، وروى عنبسة بن
خالد عن يونس عن ابن شهاب قال: وفدت إلى مروان وأنا محتلم، قال
الذهلي: ومروان مات سنة ٦٥هـ وهذه القصّة كانت سنة ٧٣هـ، وقال غيره: إن
رواية عنبسة هذه أيضاً وهم، وإنما قال الزهري: وفدت على عبد الملك، ولو
كان الزهري وفد على مروان، لأدرك جلّة من الصحابة، ممن ليست له عنهم
رواية إلا بواسطة، وقد أدخل مالك وعقيل، وإليهما المرجع في حديث الزهري
بينه وبين ابن عمر - رضي الله عنهما - في هذه القصّة سالماً، فهذا هو
المعتمد، انتهى.
(فصاح به) أي ناداه (عند سرادقه) قال العيني(١): السرادق بضم السين،
قال الكرماني وتبعه غيره: إنه هو الخيمة، وليس كذلك، وإنما السرادق هو
الذي يحيط بالخيمة، وله باب يدخل منه إلى الخيمة، ولا يعمل هذا غالباً إلا
للسلاطين والملوك الكبار، وبالفارسية يسمى ((سرايرده))، انتهى.
(أين هذا؟) أي الحجاج بيان للصياح، قال صاحب ((المحلى)): وفيه
تحقير له (فخرج عليه) أي على ابن عمر - رضي الله عنهما - (الحجاج، وعليه
ملحفة) بكسر الميم وسكون اللام ملاءة يلتحف بها، وقال الحافظ : أي إزار
كبير (معصفرة) أي مصبوغة بالعصفر.
قال الطحاوي: فيه حجة لمن أجاز المعصفر للمحرم، وتعقبه ابن المنير
في ((الحاشية)) بأن الحجاج لم يكن يتقي المنكر الأعظم من سفك الدماء وغيره
حتى يتقي المعصفر، وإنما لم ينهه ابن عمر - رضي الله عنهما - لعلمه بأنه لا
(١) ((عمدة القاري)) (٢٥٠/٧).
١٨٢

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٦) حديث
فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ؟ فَقَالَ: الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ؟
ينجح فيه النهي، ولعلمه بأن الناس لا يقتدون بالحجاج، وما نظر فيه الحافظ
بأن الاحتجاج إنما هو بعدم إنكار ابن عمر - رضي الله عنهما - فليس بوجيه،
لما تقدم في كلام ابن المنير، ولما جزم به الحافظ(١) بنفسه في السكوت على
تأمير الحجاج بأنه إنما أطاع لذلك فراراً من الفتنة، وقد تقدم الكلام على
المعصفر في محله .
(فقال) الحجاج: (ما لك) أي ما جاء بك في هذه الساعة (يا أبا
عبد الرحمن؟) كنية ابن عمر - رضي الله عنهما - (فقال) ابن عمر: (الرواح)
بالنصب أي عَجِّلْ أو رُح أو على الإغراء (إن كنت تريد السنة) قال الحافظ:
وفي رواية ابن وهب: ((إن كنت تريد أن تصيب السنة))، قال ابن عبد البر: هذا
الحديث يدخل عندهم في ((المسند))؛ لأن المراد بالسنة سنّة رسول الله وَّةٍ، إذا
أطلقت ما لم تُضِف إلى صاحبها كسنة العمرين، قال الحافظ: وهي مسألة
خلاف عند أهل الحديث والأصول وجمهورهم على ما قال ابن عبد البر، وهي
طريقة البخاري ومسلم، ويقوّيه قول سالم لابن شهاب؛ إذ قال له: أفعل ذلك
رسول الله ◌َّ﴾؟ فقال: ((وهل يتبعون في ذلك إلا سنته؟))، انتهى.
وفي ((شرح النخبة)) (٢): من الصيغ المحتملة قول الصحابي: من السنّة
كذا، فالأكثر على أن ذلك مرفوع، ونقل ابن عبد البر عليه الاتفاق، قال: وإذا
قالها غير الصحابي، فكذلك ما لم يضفها إلى صاحبها كسنة العمرين، وفي نقل
الاتفاق نظر، فعن الشافعي في أصل المسألة قولان، وذهب إلى أنه غير مرفوع
أبو بكر الصيرفي من الشافعية، وأبو بكر الرازي من الحنفية ، وابن حزم من
أهل الظاهر.
(١) ((فتح الباري)) (٥١٢/٣).
(٢) (ص٨٦)، وانظر ((ظفر الأماني)) (ص٢٤٨).
١٨٣

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٦) حديث
فَقَالَ: أَهْذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَيَّ
مَاءَ، ثُمَّ أَخْرُجَ. فَنَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ، حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ،
(فقال) الحجاج (أهذه الساعة؟) بهمزة الاستفهام أي هل تريد وقت
الهاجرة، ولذا بوّب البخاري على حديث الباب ((باب التهجير بالرواح يوم
عرفة))(١)، (فقال) ابن عمر - رضي الله عنهما - (نعم) وقد ورد أيضاً من حديث
ابن عمر: ((غدا رسول الله وَ ل حين صلّى الصبح في صبيحة يوم عرفة حتى أتى
عرفة، فنزل بنمرة حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله مَالقر مهجراً،
فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف))، أخرجه أحمد
وأبو داود.
وظاهره: أنه توجه من منى حين صلّى الصبح، لكن في حديث جابر
الطويل عند مسلم أن توجهه ول# منها كان بعد طلوع الشمس، كذا في
((الفتح)).
(قال: فأنظرني) بفتح الهمزة وكسر الظاء المعجمة أي أمهلني، وفي
بعض روايات البخاري، كما ضبطه الحافظ وغيره بألف وصل، وضم
الظاء، أي انتظرني (حتى أفيض عليّ) بتشديد ياء المتكلم (ماء) أي أغتسل،
ولفظ البخاري ((حتى أفيض على رأسي ماء))، قال العيني: أي حتى أغتسل
لأن إفاضة الماء على الرأس إنما يكون غالباً في الغسل، وأصله حتى أن
أفيض، وقال ابن التين: صوابه أفض، لأنه جواب الأمر (ثم أخرج)
بالنصب عطف على أفيض.
(فنزل عبد الله) بن عمر - رضي الله عنهما - عن مركوبه، قال العيني(٢):
وهذا يدلّ على أنه كان راكباً (حتى خرج الحجّاج) من مغتسله، قال ابن بطال
(١) ((فتح الباري)) (٥١١/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٥١/٧).
١٨٤

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٦) حديث
فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي، فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّة
الْيَوْمَ، فَاقْصُرِ الْخُْبَةَ
في هذا الحديث: الغسل للوقوف بعرفة لقول الحجّاج لعبد الله: أنظرني
فانتظره، وأهل العلم يستحبونه.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ابن عمر - رضي الله عنهما - إنما انتظره
لحمله على أن اغتساله عن ضرورة، نعم، روى مالك في ((الموطأ)) عن نافع أن
ابن عمر - رضي الله عنهما -؛ كان يغتسل لوقوفه عشية عرفة.
قلت: قد تقدم أثر ابن عمر - رضي الله عنهما - في الغسل للإهلال،
وتقدم هناك أن الجمهور استحبوا هذا الغسل.
(فسار بيني) أي بين سالم (وبين أبي) أي عبد الله بن عمر، والظاهر أنهم
كانوا على رواحلهم (فقلت له) أي الحجاج (إن كنت تريد أن تصيب السنة) أي
اتّباع رسول الله بَّ﴾ (اليوم) أي في يوم عرفة (فاقصر الخطبة) بوصل الهمزة مع
ضم الصاد وقطعها مع كسر الصاد، هكذا ضبطه الزرقاني (١)، وبالأول فقد
ضبطه عامة شرّاح البخاري.
وبوّب عليه البخاري: ((باب قصر الخطبة بعرفة)) قال الحافظ(٢): قيد
المصنف قصر الخطبة بعرفة اتباعاً للفظ الحديث، وقد أخرج مسلم الأمر
باقتصار الخطبة في أثناء حديثٍ لعمار، أخرجه في الجمعة، قلت: ولفظه كما
في ((جمع الفوائد)) برواية مسلم لأبي داود عن عمار رفعه ((أن طول صلاة
الرجل وقصر خطبته مئنةٌ من فقهه، فاقصرُوا الخطبة، وأطيلوا الصلاة))، وفيه
أيضاً عن جابر بن سمرة: كانت صلاة النبيّ ◌َ ﴿ قصداً وخطبته قصداً، يقرأ
بآيات من القرآن، يُذَكِّرُ الناس، وفي رواية: ((كان ◌ََّ لا يُطيل الموعظةَ يوم
الجمعة))، إنما هو كلمات يسيرات.
(١) (شرح الزرقاني)) (٣٥٧/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٥١٤/٣).
١٨٥

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٦) حدیث
قال الحافظ(١) وتبعه الزرقاني: قال ابن التين: أطلق أصحابنا العراقيون
أن الإمام لا يخطب يوم عرفة، وقال المدنيون والمغاربة: يخطب، وهو قول
الجمهور، ويحمل قول العراقيين على معنى أنه ليس لما يأتي به من الخطبة
تعلق بالصلاة كخطبة الجمعة، وكأنهم أخذوه من قول مالك: ((كل صلاة
يخطب لها يجهر فيها بالقراءة)»، فقيل له: فعرفة يخطب فيها، ولا يجهر
بالقراءة، فقال: إنما تلك للتعليم، انتهى.
وقال الزرقاني في (شرح المواهب)) تحت حديث جابر بلفظ: ((فأتى بطن
الوادي فخطب الناس)): ففيه أنه يستحب للإمام أن يخطب يوم عرفة في هذا
الموضع، وبه قال الجمهور والمدنيون والمغاربة من المالكية، وهو المشهور،
فقول النووي: خالف فيه المالكية، فيه نظر، إنما هو قول العراقيين منهم،
والمشهور خلافه، واتّفق الشافعية أيضاً على استحبابها خلافاً لما توهمه عياض
والقرطبي، انتهى.
وقال الباجي(٢): أصحابنا العراقيون يطلقون أنه لا يخطب الإمام يوم
عرفة، ومعنى ذلك أنه ليس لها تعلق بالصلاة كخطبة الجمعة، ولا يغير حكم
الصلاة فينقلها إلى القصر والجهر، وأصحابنا المغاربة والمدنيون يقولون:
يخطب الإمام إلّ أنهم لا يجعلون للخطبة حكم الخطبة للصلاة، وإنما يجعلون
لها حكم التعليم.
ولا يبعد أن يكون ابن حبيب إنما قال: يخطب بعرفة قبل الزوال، لأنها
ليست للصلاة، ولو كانت للصلاة لوجب أن يشتركا في الوقت، وقد قال
مالك: كل صلاة يخطب لها فإنه يجهر فيها بالقراءة، فقيل له: فعرفة يخطب
(١) ((فتح الباري)) (٥١٤/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٣٦/٣).
١٨٦

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٦) حديث
فيها ولا يجهر لها بالقراءة؟ فقال: إنما تلك للتعليم، ومما يبيّن أنها ليست
للصلاة؟ أن المؤذن لا يؤذن إلاّ بعد الخطبة، ولو كانت الخطبة للصلاة لوجب
أن يؤذّن في أول الخطبة كالجمعة، ومن حكم هذه السنّة أن يخطب خطبتين
يجلس بينهما .
قال ابن المواز: خُطَب الحج ثلاث، أوّلهن: قبل يوم التروية بيوم بعد
صلاة الظهر في المسجد الحرام، وقيل: قبل الزوال، والأول قولنا، وهي
لا يجلس في وسطها، يعلم الناس مناسكهم، وخروجهم إلى منى، وصلاتهم
بها، وغدوّهم منها وغير ذلك، والخطبة الثانية: بعرفة يجلس بينها، وهي تعليم
الناس ما بقي من مناسكهم من صلاتهم بعرفة ودفعهم ومبيتهم بمزدلفة وغير
ذلك، والثالثة: بعد يوم النحر بيوم وهو أول أيام الرمي، وهي خطبة واحدة،
لا يجلس فيها، وهي بعد الظهر يعلّم الناس الرمي، وأوقاته، ويوم نفر، وما
لهم من التعجيل في يومين، ولا يجهر بالقراءة في شيء من هذه الخطب.
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: تفتح هذه الخطب الثلاثة
بالتكبير كالأعياد، ويكبر في خلال كل خطبة، ومتى يؤذن للظهر؟ فقال ابن
حبيب: يؤذن لها إذا جلس الإمام بين الخطبتين، وفي ((العتبية)) من رواية ابن
القاسم عن مالك: يؤذن يوم عرفة، والإمام يخطب، وفي ((المدونة)): إذا فرغ
الإمام من خطبته قعد على المنبر وأذن المؤذن، فإذا فرغ من أذانه قام فنزل
الإمام، فصلَّى بالناس، انتهى. وهذه نصوص المالكية، وما سيأتي من كلام
الدردير صريح في أن خطبة عرفة ليست بفردة، وأنها قبل الصلاة بخلاف ما
حكي عن مذهب الإمام مالك في المسألتين، كما سيأتي.
قلت: لا خلاف بين المالكية في أن خطب الحج ثلاث، كما عرفت مع
الخلاف فيما بينهم في بعض ما يتعلق بها، أمّا الأولى فخطبة يوم السابع من
ذي الحجّة، وهي خطبة واحدة على ما تقدم عن ابن المواز.
١٨٧

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٦) حدیث
وقال الدردير(١): نُدِب للإمام خطبة بعد ظهر يوم السابع بمكة واحدة،
فلا يجلس في وسطها، والراجح الجلوس، فهما خطبتان وأنّهما سنة يخبر فيها
الناس بالمناسك التي تفعل منها إلى الخطبة الثانية.
قال الدسوقي: ما قال من ندب تلك الخطبة ضعيف، والمعتمد أنها
سنة، والخطيب يفتح تلك الخطبة بالتلبية إن كان محرماً، وإن كان غير محرم
افتتحها بالتكبير، وقيل: يفتتحها بالتكبير مطلقاً، كان محرماً أم لا، وقوله:
الراجح ... إلخ، أي لأن ابن عرفة عزاه (للمدونة))، والقول الأول عزاه لابن
المواز، وشَهَّرَه ابن الحاجب، والحاصل أن المشهور الأول، وعزو ابن عرفة
الثاني إلى ((المدونة))، يفيد أنه أرجح، انتهى.
والخطبة الثانية خطبة عرفة أنكرها العراقيون من المالكية وجمهورهم
أثبتوها، وأوّلوا كلام العراقيين، وهي خطبتان قبل الظهر.
قال الدردير(٢): وندب خطبتان، والراجح أنها سنة بعد الزوال يوم عرفة،
يجلس بينهما، يعلِّم الناس فيهما ما بقي من المناسك إلى طواف الإفاضة، ثم
بعد فراغه من خطبته أذّن للظهر وأقيم لها، والإمام جالس على المنبر، فإذا
فرغ من الإقامة نزل الإمام وجمع بين الظهرين، قال الدسوقي قوله: ((خطبتان
بعد الزوال))، فلو خطب قبل الزوال وصلّى بعده أو صلّى بغير خطبته أجزأه
إجماعاً، وقوله: ((ثم بعد فراغه أُذِّن)) فيه نظر.
ولفظ ((المدونة)) (٣): متى يؤذن المؤذن يوم عرفة؟ أبعد فراغ الإمام من
خطبته أو وهو يخطبها؟ قال: ذلك واسع إن شاء بعد ما يفرغ من خطبته، وإن
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٣/٢).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤٣/٢).
(٣) (٣٢٠/١).
١٨٨

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٦) حدیث
شاء والإمام يخطب، انتهى. والخطبة الثالثة لم أجدها في الدردير، لكن كلامه
في الخطبة الثانية يُعَلِّم فيها ما بقي من المناسك إلى طواف الإفاضة، يشير إلى
ذلك، وتقدم عن ابن المواز أنها خطبة واحدة بعد الظهر من اليوم الحادي
عشر .
وفي مسلك المالكية من ((الأنوار)) (١): يستحب في اليوم الحادي عشر أن
يخطب الإمام خطبة واحدة بمنى، يُعَلِّمُ الناس فيها حكم مبيتهم بمنى وكيفية
الرمي إلى آخر ما ذكر من الأعمال، ووافقهم الحنفية في هذه الخطب الثلاث،
ففي (الهداية)): إذا كان قبل يوم التروية بيوم خطب الإمام خطبة يُعَلِّمُ فيها
الناسَ الخروج إلى منى.
والحاصل أن في الحج ثلاث خطب، أولاها: ما ذكرنا، والثانية:
بعرفات يوم عرفة، والثالثة: بمنى في اليوم الحادي عشر، فيفصل بين كل
خطبتين بيوم، وقال زفر: يخطب في ثلاثة أيام متوالية، أولاها يوم التروية،
ولنا، أن المقصود منها التعليم، ويوم التروية ويوم النحر يوم اشتغال، فكان ما
ذكرنا أنفع، وفي القلوب أنجع، انتهى.
وهكذا في ((شرح اللباب))(٢) وزاد: ولأن الموالاة بما تورث الملالة
خلافاً لزفر حيث يخطب عنده في ثلاثة أيام متواليات، أوّلها يوم التروية،
وآخرها يوم النحر، وقال أيضاً: كلها خطبة واحدة بلا جلسة في وسطها إلا
خطبة يوم عرفة، فإنها بخطبتين يفصل بينهما بجلسة واحدة، وكلّها بعد ما صلّى
الظهر إلاّ بعرفة، فإنها قبل أن يصلّي الظهر، وكلّها سنة، وقال أيضاً: إذا كان
اليوم السابع من ذي الحجّة، فالسنة أن يخطب الإمام بعد الظهر خطبة واحدة،
يبدأ بالتكبير ثم بالتلبية.
(١) انظر: ((الأنوار الساطعة)) (ص ٦٤٥).
(٢) انظر: ((شرح اللباب)) (ص٩٦).
١٨٩

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٦) حدیث
وقال أيضاً(١) في الجمع بعرفة: فإذا اغتسل، وزالت الشمس سار إلى
المسجد من غير تأخير، فإذا بلغه - أي المسجد - صعد الإمام الأعظم وهو
الخليفة أو نائبه، وهو الخطيبُ المنصوبُ المنبرَ، ويجلس عليه ويؤذّن المؤذّن
بين يديه قبل الخطبة، كما في الجمعة وهو الصحيح، المطابق لظاهر الرواية،
وهو لا ينافي ما روي عن أبي يوسف أنه يؤذن المؤذن والإمام في الفسطاط،
ثم يخرج بعد فراغ المؤذن، فإذا فرغ المؤذن قام الإمام فخطب خطبتين قائماً
يجلس بينهما كالجمعة، وصفتها أن يحمد الله ويثني عليه، ويلبي ويهلّل،
ويكبّر، ويصلّي على النبيّ وَّة، ويعظ الناس ويُعَلِّمهم المناسك، أي بقيتها.
وقال أيضاً: إذا كان اليوم الحادي عشر، وهو ثاني أيام النحر خطب
الإمام خطبة واحدة بعد الظهر كخطبة اليوم السابع يُعَلُّم الناس ما بقي من
المناسك، انتهى.
وخالفهم الشافعية - رحمهم الله - في الكمية أيضاً، وفي بعض الأوقات
أيضاً، فقد قال النووي في ((مناسكه)): ينبغي للإمام أو منصوبه أن يخطب
خطب الحج وهنّ أربع خطب، إحداهنّ: يوم السابع بمكة، والثانية: يوم
عرفة، والثالثة: يوم النحر بمنى، والرابعة: يوم النفر الأوّل بمنى أيضاً،
ويخبرهم في كل خطبة بما بين أيديهم من المناسك إلى الخطبة الأخرى،
وكلّهم أفراد، وبعد الظهر إلاّ التي بعرفة فإنهما خطبتان، وقبل صلاة الظهر.
وقال أيضاً في خطبة يوم عرفة: فإذا زالت الشمس، وذهب الإمام
والناس إلى المسجد المسمى مسجد إبراهيم، ويخطب الإمام قبل صلاة الظهر
خطبتين، يبيّن لهم في الأولى الوقوف وشرطه ومتى الدفع من عرفة وغير ذلك
مما بين أيديهم، ويخفّف هذه الخطبة، لكن لا يبلغ تخفيفها تخفيف الثانية،
(١) أيضاً (ص ٣٠٠).
١٩٠

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٦) حديث
فإذا فرغ منها جلس قدر قراءة سورة الإخلاص، ثم يقوم إلى الخطبة الثانية،
ويأخذ المؤذن في الأذان، ويخفّف الثانية بحيث يفرغ منها مع فراغ المؤذن من
الأذان، وقيل: مع فراغه من الإقامة، ثم ينزل فيصلّي بالناس الظهر والعصر.
وحقّق ابن حجر في ((شرحه)): أن المقصود بالخطبة الأولى إذ هي
للتعليم، والثانية لمجرد الذكر، فشرعت مع الأذان إعلاماً للحاضرين بتأكّد
المسارعة إلى الوقوف واستفراغ الوسع فيه .
وقال النووي أيضاً: في خطبة يوم النحر يسنّ للإمام أن يخطب هذا اليوم
بعد صلاة الظهر بمنى خطبة مفردة يعلم الناس فيها المبيت وغير ذلك، قال ابن
حجر: قوله: بعد الظهر، هذا ما اتّفق عليه الشافعي - رحمه الله - والأصحاب،
لكنه مشكل؛ لأن الأحاديث مصرّحة بأنها كانت ضحوةً يوم النحر لا بعد الظهر.
منها: رواية أبي داود بسند رجاله ثقات: ((رأيت رسول الله مَ له يخطب
بمنى حتى ارتفع الضحى على بغلة شهباء»، وأجاب عنه المصنف أي النووي
بأن رواية ابن عباس في ((الصحيح)) تدلّ على أن ذلك كان بعد الظهر؛ إذ فيها
أن بعض السائلين قال: رميت بعد ما أمسيت، والمساء يطلق على ما بعد
الزوال، أي فقدّمت هذه، لأنها أصح وأشهر.
وحكي عن بعضهم الجمع باحتمال خطبتين في يوم النحر في وقتين، ولم
أجد تفصيل الخطب في فروع الحنابلة إلاّ ما سيأتي بيان بعضها من ((المغني))
و((الروض))، وقال القسطلاني(١) تحت حديث ابن عباس في خطبة يوم النحر:
هذه الخطبة هي الثالثة من خطب الحج الأربعة كلها بعد الصلاة إلا عرفة
فقبلها، وهي خطبتان بخلاف الثلاثة الباقية ففرادى، وهذا مذهب الشافعي
وأحمد، انتهى. فالظاهر توافقهما في ذلك، لكن قال العيني في ((البناية)):
(١) ((إرشاد الساري)) (٤/ ٢٩٢).
١٩١

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٦) حدیث
وبقولنا قال الشافعي. وعن أحمد: لا يخطب في اليوم السابع، ولم أجد خطبة
يوم السابع في فروع الحنابلة من ((المغني)) و((الروض)) وغيرهما.
وقال الموفق(١) في خطبة عرفة: إن المستحب أن يدفع إلى الموقف من
منى إذا طلعت الشمس يوم عرفة فيقيم بنمرة، وإن شاء بعرفة حتى تزول
الشمس، ثم يخطب الإمام خطبة يعلم الناس فيها مناسكهم، لما ورد في
حديث جابر أن النبيّ 18َّ فعل ذلك، ثم يأمر بالأذان فينزل، فيصلّي الظهر
والعصر يجمع بينهما، وقال أبو ثور: يؤذن المؤذن إذا صعد الإمام المنبر
فجلس، فإذا فرغ المؤذن قام الإمام فخطب، وقيل: يؤذن في آخر خطبة
الإمام، وحديث جابر يدلّ على أنه أذن بعد فراغ النبيّ وَّر من خطبته، وكيفما
فعل فهو حسن، انتهى.
وفي ((الروض)): يخطب بها الإمام أو نائبه خطبة قصيرة مفتتحة بالتكبير،
یعلّمهم فيها الوقوف ووقته والدفع منه وغير ذلك، انتهى.
وقال الشيخ ابن القيم في ((الهدي))(٢): وخطب خطبة واحدة، ولم تكن
خطبتين جلس بينهما، فلما أتمّها أمر بلالاً فأذن ثم أقام الصلاة، انتهى.
وقال الموفق(٣) أيضاً: يسنّ أن يخطب الإمام بمنى يوم النحر خطبة يُعَلِّم
الناس فيها مناسكهم من النحر والإفاضة وغير ذلك، نصّ عليه أحمد، وهو
مذهب الشافعي وابن المنذر، وذكر بعض أصحابنا أنه لا يخطب يومئذ وهو
مذهب مالك، ثم ذكر الروايات الواردة في خطبة يوم النحر من حديث ابن
عباس عند البخاري، وحديث رافع بن عمرو المزني وأبي أمامة والهرماس بن
زياد الباهلي كلّها عند أبي داود، وليس في بعضها تصريح يوم النحر.
(١) ((المغني)) (٢٦٢/٥).
(٢) ((زاد المعاد)) (٢١٦/٢).
(٣) («المغني)) (٣١٩/٥).
١٩٢

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٦) حديث
وَعَجِّلِ الصَّلَاةِ،
وذكر صاحب ((الروض)) هذه الخطبة بين النحر والإفاضة، فقال: ثم
يخطب الإمام بمنى يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير يعلّمهم فيها النحر
والإفاضة والرمي، ثم ذكر طواف الإفاضة وصلاة الظهر بمنى بعد الرجوع
عنها .
وقال الموفق (١): يستحب أن يخطب الإمام في اليوم الثاني من أيام
التشريق خطبة، يعلّم الناس فيها حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم، وبهذا قال
الشافعي وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: لا يستحب، ثم ذكر روايات هذه
الخطبة بلفظ يوم الرؤوس، وأوسط أيام التشريق، وبه جزم في ((الروض))(٢)؛ إذ
قال: يخطب الإمام ثاني أيام التشريق خطبة يعلّمهم فيها حكم التعجيل والتأخير
والتودیع، انتهى.
(وعجّل الصلاة)، ولفظ البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك:
((عجّل الوقوف))، قال ابن عبد البر(٣): كذا رواه القعنبي وأشهب وهو عندي
غلط؛ لأن أكثر الرواة عن مالك قالوا: وعجّل الصلاة، قال: ورواية القعنبي
لها وجه، لأن تعجيل الوقوف يستلزم تعجيل الصلاة، قال الحافظ: قد وافق
القعنبي عبد الله بن يوسف كما ترى، ورواية أشهب التي أشار إليها عند
النسائي، فهؤلاء ثلاثة رووه هكذا، فالظاهر أن الاختلاف فيه من مالك، وكأنه
ذكره باللازم لأن الغرض بتعجيل الصلاة حينئذ تعجيل الوقوف، انتهى.
وقال الزرقاني(٤) لرواية يحيى بلفظ ((عجل الصلاة)): هكذا رواه الجمهور
(١) (٣٣٤/٥).
(٢) (٥١٨/١).
(٣) ((الاستذكار)) (١٣ /١٤١).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٧/٢).
١٩٣

٢٠ - كتاب الحج
(٦٤) باب
(٨٨٦) حديث
قَالَ: فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، كَيْمَا يَسْمَعَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا
رَأَى ذُلِكَ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: صَدَقَ سَالِمٌ.
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٨٧ - باب التهجير بالرواح يوم
عرفة .
(٦٤) باب الصلاة بمنى يوم التروية والجمعة بمنى وعرفة
كيحيى وابن القاسم وابن وهب، (قال) سالم: (فجعل) أي الحجاج كما في
المصرية (ينظر إلى عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كيما يسمع ذلك) أي
الذي قال سالم للحجاج (منه) أي من ابن عمر (فلما رأى ذلك) أي نظر
الحجاج، وفي بعض النسخ المصرية: فلما سمع ذلك أي كلامي (عبد الله)
فاعل رأى، وفهم منه ابن عمر أنه ينبغي التصديق والتثبيت (قال: صدق سالم)
في أن السنة قصر الخطبة وتعجيل الصلاة، وتقدم في أوّل الباب أن المسألتين
كلتيهما إجماعيّتان.
(٦٤) الصلاة بمنى
كذا في النسخ المصرية وفي النسخ الهندية: ((صلاة منى)) بالإضافة، ومنى
يصرف ويمنع، كما تقدم في ((باب الرخصة في المرور بين يدي المصلي))،
موضع معروف من الحرم بين مكة والمزدلفة، وهي شِعْبٌ ممدود بين جبلين،
أحدهما: ثبير، والآخر: الضائع، وحَدُّها من جهة الغرب، ومن جهة مكة
جمرة العقبة، ومن الشرق وجهة مزدلفة بطن المسيل، إذا هبطت من وادي
محسر، قاله النووي في ((تهذيبه)) (١) .
وقال: سمّيت بذلك لما تمنى فيه من الدماء، أي تُراق وتُصَبُّ، هذا هو
المشهور الذي قاله الجماهير من أهل اللغة وغيرهم، وبسط فيه أقوالاً أُخَر.
(١) (تهذيب الأسماء واللغات)) (١٥٧/١).
١٩٤
-----------------

٢٠ - كتاب الحج
(٦٤) باب
(٨٨٧) حديث
١٩٥/٨٨٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ
وَالصُّبْحَ بِمِنَىَ،
وقال أيضاً في ((مناسكه)): إن حَدَّ منى ما بين وادي محسر وجمرة العقبة،
ومنى شعب طوله نحو ميلين وعرضه يسير، والجبال المحيطة به ما أقبل منها
عليه فهو من منى وما أدبر منها فليس من منى، وليست العقبة من منى، انتهى.
قلت: وسيأتي الكلام على أن الجمرة من منى أم لا في ((باب البيتوتة
بمكة ليالي منى)).
يوم التروية
بفتح الفوقية وسكون الراء وخفة التحتية ثامن ذي الحجة، قد تقدمت في
((التلبية والعمل في الإهلال)) الأقوال في سبب التسمية بذلك.
والجمعة بمنى وعرفة
تقدم الكلام على لفظ عرفة وحدودها في ((باب الوقوف بعرفة))، وذكر
المصنف في الباب ثلاث مسائل، الأولى: كم يصلّي من الصلوات بمنى إذا
راح من مكة يوم التروية، وبوَّب البخاري في ((صحيحه)) ((باب أين يصلّي الظهر
يوم التروية))، ولعلّه صرّح بذكر الظهر خاصة لمكان الاختلاف في ذلك كما
سيأتي، والثانية: الجمعة بمنى، والثالثة: بعرفة إذا وافق يومهما يوم الجمعة.
١٩٥/٨٨٧ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(كان يصلّي الظهر والعصر والمغرب والعشاء) يوم التروية ثامن ذي الحجّة
(والصبح) من الغد تاسع ذي الحجة (بمنى) اتّباعاً لفعله وَلّ كما رواه هو
وغيره، فقد روى أحمد(١) عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يحب إذا
(١) (مسند الإمام أحمد)) (١٢٩/٢).
١٩٥

٢٠ - كتاب الحج
(٦٤) باب
(٨٨٧) حديث
استطاع أن يصلّي الظهر بمنى يوم التروية، وذلك أن رسول الله وَلّهِ صلّى الظهر
بمنى، وفي حديث جابر الطويل عند مسلم (١): ((فلما كان يوم التروية توجهوا
إلى منى، وركب رسول الله ﴾ فصلّى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء
والفجر))، الحديث.
وروى أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم من حديث ابن عباس، قال:
((صلّى رسول الله مَّ الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى))، ولأحمد من
حديثه: ((صلّى النبيّ مَ﴾ بمنى خمس صلوات)) وغير ذلك من الروايات في
الباب، وفي ((الصحيحين)) عن عبد العزيز بن رفيع قال: ((سألت أنساً - رضي الله
عنه - قلت: أخبرني بشيء عقلته عن النبيّ وَ لّ أين صلّى الظهر والعصر يوم
التروية؟ قال: بمنى، قلت: فأين صلّى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح، ثم
قال: افعل كما يفعل أمراؤك))، قال المهلب: الناس في سعة من هذا يخرجون
متى أحبّوا ويصلّون حيث أمكنهم، ولذلك قال أنس: صلِّ حيث يصلّي
أمراؤك.
والمستحب في ذلك ما فعله الشارع وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة
والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وكانت عائشة - رضي الله عنها - تخرج
ثلث الليل، وهذا يدلّ على التوسعة، قاله العيني(٢).
وقال الموفق(٣): المستحب أن يخرج محرماً من مكة يوم التروية، فيصلّي
الظهر بمنى ثم يقيم حتى يصلّي بها الصلوات الخمس، ويبيت بها؛ لأنه وَّه
فعل ذلك، وهذا قول سفيان ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، ولا
(١) (١٣١٨).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٤٤/٧).
(٣) ((المغني)) (٢٦٢/٥).
١٩٦

٢٠ - كتاب الحج
(٦٤) باب
(٨٨٧) حديث
نعلم فيه مخالفاً، وليس ذلك واجباً في قولهم جميعاً، قال ابن المنذر: لا
أحفظ عن غيرهم خلافهم، وتخلّفت عائشة ليلة التروية حتى ذهب ثلثا الليل،
وصلّى ابن الزبير بمكة، انتهى.
وقال العيني(١): ذكر أبو سعيد النيسابوري(٢) في كتاب ((شرف
المصطفى)): أن خروجه وَلّ يوم التروية كان ضحّى، وفي ((سيرة الملّا)): أنه وَ ل
خرج إلى منى بعدما زاغت الشمس، وفي ((شرح الموطأ)) لأبي عبد الله
القرطبي: ((خرج رسول الله وَّ﴾ إلى منى عشية يوم التروية))، انتهى. وقال
النووي في ((مناسكه)): ويكون خروجهم بعد صلاة الصبح بمكة حيث يصلّون
الظهر بمنى، وهذا هو المذهب الصحيح المشهور من نصوص الشافعي
والأصحاب. وفي قول: يصلون الظهر بمكة ثم يخرجون، فإن كان اليوم الثامن
يوم الجمعة خرجوا قبل طلوع الفجر؛ لأن السفر يوم الجمعة إلى حيث لا تصلّى
الجمعة حرام أو مكروه، وهم لا يصلّون الجمعة بمنى ولا بعرفات، انتهى.
وفي ((المنتقى)) (٣): قال ابن حبيب: إذا مالت الشمس من يوم التروية
فطف بالبيت سبعاً، واركع واخرج، وإن خرجت قبل ذلك فلا حرج، وروى
ابن المواز عن مالك: يخرج من مكة يوم التروية قدر ما يصلون بها الظهر،
فإذا وصل إلى منى صلّى بها الظهر والعصر، ويبيت بها إلى أن يصبح، فيصلّ
بها الصبح، وكذلك فعل النبيّ ◌َّة، وأفعاله في القرب على الوجوب أو
الندب، فإذا دلّ دليل على انتفاء الوجوب، فهي على الندب.
وكره مالك المقام بمكة يوم التروية حتى يمسي إلاّ أن يدركه وقت
(١) ((عمدة القاري)) (٢٤٤/٧).
(٢) هكذا في الأصل، وفي عمدة القاري: ((أبو سعد)).
(٣) ((المنتقى)) (٣٧/٣).
١٩٧

٢٠ - كتاب الحج
(٦٤) باب
(٨٨٧) حديث
الجمعة بمكة يوم التروية من مكي أو غيره، وقال: فمن أقام بها أربعة أيام
فعليه أن يصلّوا الجمعة قبل أن يخرجوا، قال ابن القاسم: معناه أنه ممن يلزمه
إتمام الصلاة. قال أصبغ: فأمّا المسافر فإن شاء خرج، وإن شاء صلّى
الجمعة، وأخّر إلى أن يصلّي لفضيلة المسجد الحرام، قال محمد: وأحبُّ إليّ
خروجه إلى منى ليدرك بها الظهر، وإنما تكلّم مالك عمّن لم يفعل حتى أخذه
الوقت، انتهى.
وقال الدردير(١): نُدِب خروجه يوم الثامن لمنى قدر ما يدرك بها الظهر
قصراً بوقتها المختار، ولو وافق يوم الجمعة، قال الدسوقي: أشار بهذا إلى أنه
إذا وافق يوم التروية يوم الجمعة، فالأفضل صلاة الظهر بمنى لأجل الإسراع
بالمناسك، ولا يصلّي جمعة بمكة قبل أن يخرج، وقال بعضهم: يصلّي الجمعة
قبل أن يخرج لمنى لإدراك فضيلة الحرم، وهذا إذا كانوا مسافرين، وأمّا
المقيمون الذين يريدون الحج سواء كانوا من أهل مكة أو من غيرهم، فيجب
عليهم صلاة الجمعة بمكة قبل الذهاب لمنى، انتهى.
وقال الدردير في باب الجمعة: وكره لمن تلزمه - أي الجمعة - سفر بعد
الفجر يومها، وجاز قبله وحرم بالزوال، انتهى. وقال الموفق(٢): فإن صادف
يوم التروية يوم جمعة فمن أقام بمكة حتى تزول الشمس ممن تجب عليه
الجمعة لم يخرج حتى يصلّيها، لأن الجمعة فرض، والخروج إلى منى في ذلك
الوقت غير فرض، فأمّا قبل الزوال، فإن شاء خرج وإن شاء أقام حتى يصلّي،
فقد روي أن ذلك وافق أيام عمر بن عبد العزيز، فخرج إلى منى، انتهى.
وفي ((الغنية)): إذا كان يوم التروية راح الإمام والناس معه من مكة إلى
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٣/٢).
(٢) («المغني)) (٢٦٢/٥).
١٩٨

٢٠ - كتاب الحج
(٦٤) باب
(٨٨٧) حديث
ثُمَّ يَغْدُو، إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، إِلَى عَرَفَةَ .
منى، والسنّة خروجه بعد طلوع الشمس، وهو الصحيح، فيقيم بها ويصلّي بها
الظهر، فكُلٌّ من الخروج يوم التروية، وأداء الصلوات الخمس بها والمبيت بها
أكثر الليلة سنة، ولو خرج من مكة بعد الزوال، فلا بأس به إذا صلّى الظهر
بمنى.
ولو وافق يوم التروية يوم الجمعة له أن يخرج إلى منى قبل الزوال لكونه
وقت سنة الخروج، وعدم وجوب الجمعة عليه في ذلك الوقت، وبعده لا
يخرج ما لم يصلّها لوجوبها عليه، فيكره له الخروج قبل أدائها كما هو حكم
الخروج إلى كل موضع لا تجب على أهله الجمعة، ومنى كذلك ما لم
يحضرها أمير مكة، انتهى.
وهكذا في ((شرح اللباب)) (١) من أن الخروج إلى منى بعد طلوع الشمس
هو الصحيح، ومعنى قولهم: ((لو خرج بعد الزوال فلا بأس به))، أنه لو تأخّر
بعد طلوع الشمس، ولحق صلاة الظهر بمنى لم يفته الاستحباب، وأمّا ما ذكره
في (المحيط)) و((المفيد)): يستحب كونه بعد الزوال، فليس بشيء على ما صرّح
به في ((الفتح)).
(ثم يغدو) بمعجمة، أي كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يذهب وقت
الغدو (إذا طلعت الشمس) من منى (إلى عرفة) قال الباجي(٢): وهو السنة، وقد
روى ابن المواز عن مالك: يغدو الإمام والناس إذا طلعت الشمس إلى عرفة
إلا من كان ضعيفاً أو بدابته علّة، فلا بأس أن يغدو قبل طلوع الشمس، وذلك
كلّه للاقتداء بفعل النبيّ ◌َّ .
قال ابن حبيب: ومن غدا من منى إلى عرفة قبل طلوع الشمس فلا يجاوز
(١) (ص٩٨).
(٢) ((المنتقى)) (٣٧/٣).
١٩٩

٢٠ - كتاب الحج
(٦٤) باب
(٨٨٧) حديث
بطن محسر حتى تطلع الشمس على ثبير، ومعنى ذلك أن ما قبل بطن محسر في
حكم منى، فلا يكون غادياً إلى عرفة إلا بخروجه من منى إلى بطن محسر بعد
طلوع الشمس، انتهى.
وقال محمد بعد أثر الباب: هكذا السنة، فإن عجّل أو تأخّر، فلا بأس
إن شاء الله تعالى، وهو قول أبي حنيفة، انتهى. وفي ((التعليق الممجد))(١):
وقد أجمع الأئمّة على استحباب هذا وأولويته، ومنهم من قال: إنه سنّة
مؤكدة، قلت: وهكذا في فروع الأربعة، ففي ((المغني)): المستحب أن يدفع
إلى الموقف من منى إذا طلعت الشمس يوم عرفة. وفي ((مناسك النووي)): فإذا
طلعت الشمس يوم عرفة على ثبير، وهو جبل معروف هناك، ساروا من منى
إلى عرفة.
وقال الدردير (٢): ندب سيره منها بعرفة بعد الطلوع للشمس، وقال
القاري: فإذا أصبح بمنى صلّى الفجر بها لوقتها المختار، وهو زمان الإسفار.
وفي ((فتاوى قاضيخان))(٣): بغلس، فكأنه قاسه على فجر مزدلفة، والأكثر
على الأول، فهو الأفضل، ثم يمكث هنيئة إلى أن تطلع الشمس وتشرق على
ثبير، فإذا طلعت توجّه إلى عرفات، انتهى.
قلت: وفي حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((غدا رسول الله
حين صلّى الصبح في صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة))، الحديث. أخرجه
أحمد وأبو داود(٤)، وقال الحافظ: ظاهره أنه توجه من منى حين صلّى
(١) (٣٩٤/٢).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤٣/٢).
(٣) (١٣٩/١).
(٤) أخرجه أبو داود (١٩١٣).
٢٠٠