النص المفهرس

صفحات 141-160

٢٠ - كتاب الحج
(٦١) باب
(٨٨١) حديث
مِنْ نُسُكِهِ شَيْئاً فَلْيُهْرِقْ دَماً .
١٨٩/٨٨١ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن
عُمَرَ؛ أَنَّهُ لَقِيَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِهِ يُقَالُ لَهُ: الْمُجَبَّرُّ،
أو ترك (من نسكه شيئاً فليهرق دماً) ووجه الاستدلال أنها تركت الحلاق في
محله .
قال الباجي(١): وإذا كان عليه أن يهريق دماً في نسيانه مع عذر النسيان
فبأن يكون عليه في العمد أَوْلى، انتهى.
١٨٩/٨٨١ - (مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر) هكذا في جميع
النسخ، ولفظ محمد: أن عبد الله بن عمر بلفظ ((أن)) بدل ((عن)) وهو أوجه
(أنه) أي ابن عمر - رضي الله عنهما - (لقي رجلاً من أهله) أي من أقاربه وأهل
الرجل من يجمعه وإيّاهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما، قاله الراغب،
وهو ابن أخيه عبد الرحمن بن عبد الرحمن الأصغر بن عمر بن الخطاب. وهو
الذي (يقال له: المجبر) بجيم وموحدة ثقيلة مفتوحة بوزن محمد، تقدم وجه
تلقيبه بذاك قبيل ((العمل في الوضوء)).
وقال الحافظ في ((التعجيل))(٢): مجبر جدّ محمد بن عبد الرحمن، روى
عن عثمان أنه أشرف لما حصروه، فسلّم عليهم فلم يردُّوا، روى عنه ابنه
عبد الرحمن هكذا ترجم الحسيني، ولم يعرف من حاله بشيء، فكأنه ظنه
اسماً، وتبعه ابن شيخنا، وزاد: لا يعرف، وليس كذلك، بل هو معروف،
ومجبر لقب، واسمه عبد الرحمن بن عبد الرحمن الأصغر، وأمّه بنت قدامة بن
مظعون، وابنه عبد الرحمن من شيوخ مالك، قال ابن ماكولا: ليس في الرواة
عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن ثلاثة في نسق غيره.
(١) ((المنتقى)) (٣٣/٢).
(٢) (تعجيل المنفعة)) (ص ٣٩٢).
١٤١

٢٠ - كتاب الحج
(٦١) باب
(٨٨١) حديث
قَدْ أَفَاضَ وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ، جَهِلَ ذُلِكَ، فَأَمَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ
يَرْجِعَ، فَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى الْبَيْتِ فَيُفِيضَ.
والجدّ يسمّى بعبد الرحمن الأصغر، وذلك لأن ثلاثة من أولاد عمر بن
الخطاب - رضي الله عنهم - تسمّى بعبد الرحمن، أحدهما عبد الرحمن الأكبر،
وهو صحابيّ سناً، ولم يحفظ عنه وَّ، والثاني عبد الرحمن الأوسط، وهو
الذي ضربه عمر - رضي الله عنه - في حدّ الخمر، والثالث: عبد الرحمن
الأصغر والد المجبر هذا، وبسط ذكر الثلاثة ابن عبد البرّ في ((الاستيعاب))(١).
(قد أفاض) أي طاف طواف الإفاضة (ولم يحلق ولم يقصر، جهل) أن
(ذلك) كان يلزمه (فأمره) عمّه (عبد الله بن عمر أن يرجع) ظاهر السياق أنه أمره
بالرجوع إلى منى، وإلا يقال: فأمره أن يحلق فيفيض (فيحلق أو يقصر ثم
يرجع إلى البيت فيفيض) ليأتي بالترتيب المطلوب بالكمال، والترتيب بين
الحلق والإفاضة مندوب عند المالكية، كما صرّح به الدردير، وكذا عند
الشافعي وأحمد صرّح به الموفق، وكذا عند الحنفية صرّح به القاري في ((شرح
اللباب))(٢)؛ إذ قال: إن الترتيب بين طواف الزيارة وبين الرمي والحلق فسنّة،
وليس بواجب، حتى لو طاف قبل الرمي والحلق لا شيء عليه إلا أنه خالف
السنة، انتهى.
وقال محمد بعد أثر الباب: وبهذا نأخذ، وفي ((هامشه))(٣): أمره بالرجوع
إلى منى والحلق أو القصر هناك، ثم الطواف أمر ندب مراعاة للترتيب
المسنون، وإلا فيجوز الحلق والقصر في غير منى في الحرم مطلقاً، والطواف
قبلهما يعتدّ به، ولا شيء عليه لكنه مكروه، انتهى.
(١) انظر: (٧٣/٥).
(٢) (ص١٢٥).
(٣) ((التعليق الممجد)) (٤٣٢/٢).
١٤٢

٢٠ - كتاب الحج
(٦١) باب
(٨٨٢) حديث
١٩٠/٨٨٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ سَالَم بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ كَانَ إذا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ دعا بِالجَلَمَيْنِ فَقَصَّ شارِبَهُ وَأَخَذَ مِنْ
لِحْيَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ، وَقَبْلَ أَنْ يُهِلّ مُحْرِماً.
١٩٠/٨٨٢ - (مالك أنه بلغه أن سالم بن عبد الله كان إذا أراد أن يحرم
دعا بالجلمين)(١) بفتحتين (فقصّ شاربه وأخذ من) أطراف (لحيته) تبعاً للتنظيف
وقت الاغتسال للإحرام (قبل أن يركب) دابّته (وقبل أن يهلّ) بالتلبية (محرماً)
لئلّا يطول ذلك بالإحرام.
قال الباجي (٢): وقد روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يوفر
شعر رأسه ولحيته، إذا أراد الحج من آخر رمضان، فيحتمل أن يكون سالم بن
عبد الله رأى في ذلك خلاف رأيه، ويحتمل أن يكون سالم إنما كان يفعل ذلك
في العمرة، وكان ابن عمر يفعل ذلك في الحجّ، وحكمهما عندهما مختلف.
قلت: والظاهر أن لا اختلاف بينهما إلّا في الأخذ من اللحية فقط، أمّا
شعر الرأس فليس في أثر سالم أخذه، وليس فيما تقدم من أثر ابن عمر ترك
الشارب، وقد روي في ((المجموعة)) عن مالك في الذي يريد أن يحرم: لا
بأس أن يقصّ شاربه، ويقلم أظفاره، ويتنوّر عندما يريد أن يحرم، وأمّا شعر
رأسه فأحب إليّ أن يُعفى ويوفر للشعث، قال أبو الوليد: والفرق عندي بين
الشارب واللحية والرأس أن الشارب يلحقه الأذى بطوله ولا يلحق ذلك بطول
شعر الرأس واللحية، والثاني في أن توفير اللحية والرأس تشعيث لهما، ولا
يتشعث الشارب، فلا يفيد توفيره شعثاً، انتهى.
(١) الجلمين: الجلم الذي يجزّ به الشعر والصوف، والجلمان شفرتاه. ((مجمع بحار الأنوار))
(٣٧٨/١).
(٢) ((المنتقى)) (٣٤/٣).
١٤٣

٢٠ - كتاب الحج
(٦٢) باب
(٨٨٣) حديث
(٦٢) باب التلبيد
١٩١/٨٨٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ ضَفَرَ
قلت: وهو كذلك عند الحنفية، ففي ((اللباب))(١): إذا أراد أن يحرم
يستحب أن يقصّ شاربه، ويقلم أظفاره، وينتف أو يحلق إبطيه، ويحلق عانته،
قال القاري: ولم يذكر حلق الرأس؛ لأن المستحب إبقاء شعره لوقت الخروج
من الإحرام تثقيلاً لميزان أجره، انتهى.
وقال النووي في ((مناسكه)): يستحب أن يستكمل التنظيف بحلق العانة
ونتف الإبط وقصّ الشارب وتقليم الأظفار ونحوها .
وبحث ابن حجر في ((شرحه)) في حلق الرأس، هل هو مباح أو سنّة أو
خلاف السنّة؟ ولم يتعرّض الموفق إلى حلق الرأس، وذكر استحباب التنظف
بإزالة الشعث، ونتف الإبط، وقصّ الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق العانة.
(٦٢) التلبيد
تقدّم الكلام على معناه وعلى حكمه في أوّل كتاب الحجّ في ((ما جاء في
الطيب)).
١٩٣/٨٨٣ - (مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (قال) وقد أخرجه البخاري(٢) في
(باب التلبيد)) من ((كتاب اللباس)) برواية أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن
سالم عن أبيه قال: سمعت عمر - رضي الله عنه - يقول: (من ضفر) بفتح
المعجمة والفاء مخفّفة ومثقلةً كذا في ((الفتح))، أي جعل رأسه ضفائر، كل
(١) (ص٣٨).
(٢) (٥٩١٤) ((فتح الباري)) (٣٦٠/١٠).
١٤٤

٢٠ - كتاب الحج
(٦٢) باب
(٨٨٣) حديث
رَأْسَهُ فَلْيَحْلِقْ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالتَّلْبِيدِ.
ضفيرة على حدة، قال العيني: بالضاد المعجمة والفاء الخفيفة والثقيلة، نسج
الشعر عرضاً، ومنه الضفيرة، انتهى.
وفي ((المجمع)): ضفر الشعر إدخال بعضه في بعض، ولفظ النسخ
المصرية: ((من ضفر رأسه))، وليس في الهندية لفظ ((رأسه)). (فليحلق ولا
تشبهوا) قال الحافظ: حكى ابن بطال أنه بفتح أوّله، والأصل: لا تتشبهوا
فحذف إحدى التائين، قال: ويجوز ضمّ أوّله وكسر الموحدة، والأول أظهر،
وعلى الأول اقتصر العيني، وقال ابن عبد البر: روي بضم التاء وفتحها، وهو
الصحيح أي لا تُشبهوا، ومعنى الضم، لا تشبهوا علينا، فتفعلوا ما لا يشبه
التلبيد الذى سنة فاعله الحلق، انتهى.
(بالتلبيد) زاد البخاري في حديثه: وكان ابن عمر - رضي الله عنهما -
يقول: ((لقد رأيت رسول الله وَّيل ملبداً))، واختلف المعتنون لشرح الأحاديث في
مراد عمر - رضي الله عنه - حتى ناقض بعضهم بعضاً في المعنى، فاحتجنا أن
نورد كلامهم بتمامه .
فقال الزرقاني(١): ((من ضفر فليحلق)) وجوباً، فإن قصر لم يجزه، وعليه
الحلق، ((ولا تشبهوا)) الضفر ((بالتلبيد))؛ لأنه أشدّ منه، فيجوز التقصير عند عمر
لمن لَّد دون من ضَفَّر، انتهى.
وقال الحافظ(٢): أمّا قول عمر - رضي الله عنه - فحمله ابن بطال على
أن المراد أن من أراد الإحرام، فضفر شعره ليمنعه من الشعث، لم يجز له أن
يقصر؛ لأنه فعل ما يشبه التلبيد الذي أوجب الشارع فيه الحلق، وكان عمر
- رضي الله عنه - يرى أن من لبّد رأسه في الإحرام، تعيّن عليه الحلق
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٢/٢).
(٢) (فتح الباري)) (٣٦٠/١٠).
١٤٥

٢٠ - كتاب الحج
(٦٢) باب
(٨٨٣) حديث
والنسك، ولا يجزئه التقصير، فشبه من ضفر رأسه بمن لبّده، فلذلك أمر من
ضفر أن يحلق.
ويحتمل أن يكون عمر أراد الأمر بالحلق عند الإحرام حتى لا يحتاج إلى
التلبيد ولا إلى التضفير، أي من أراد أن يضفر أو يلبد فليحلق، فهو أولى من
أن يضفر أو يُلَبِّد، ثم إذا أراد بعد ذلك التقصير لم يصل إلى الأخذ من سائر
النواحي كما هي السنّة. ولما فهم ابن عمر - رضي الله عنهما - عن أبيه أنه
كان يرى أن ترك التلبيد أولى، فأخبر هو أنه رأى رسول الله ◌َ ثير يفعله، انتهى.
وقال العيني(١): كان مذهب عمر - رضي الله عنه - أن من لَبَّدَ رأسه تعيّن
عليه الحلق في النسك ولا يجزئه التقصير، فشبّه من ضفر رأسه بمن لبّده،
فلذلك أمر من ضفر أن يحلق، وقوله: ((لا تشبهوا)) أصله: لا تتشبّهوا أي لا
تضفروا كالملبِّدين، فإنه مكروه في غير الإحرام مندوب فيه، انتهى.
وفي ((المدونة)): قلت لابن القاسم: أرأيت من ضفر أو عقص أو لَبَّدَ
أيأمره مالك بالحلاق؟ قال: نعم، قلت: لِمَ أمرهم بالحلاق؟ قال: للسنة،
قلت: وما معنى هذا القول عندكم ((لا تشبهوا بالتلبيد))؟ قال: معناه: أن السنة
جاءت فيمن لَبَّد، فقد وجب عليه الحلاق، فقيل له: من عقص أو ضفر فليحلق
ولا تشبهوا أي لا تشبهوا علينا، فإنه مثل التلبيد، انتهى.
وجمع الباجي(٢) بين الأثر الماضي والأثر الآتي في الشرح، فقال بعد
بيان معنى التضفير والعقص والتلبيد: فأمر عمر - رضي الله عنه - من فعل هذه
المعاني التي تمنع الشعث أن يحلق، ولم يبح له التقصير، وذلك على وجهين،
أحدهما: أنه بدل ما تمتّعُوا به من مباعدة الشعث، والثاني: أنه لا يكاد مع
التلبيد أن يتوصل إلى التقصير من جميع الشعر.
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (١٠٣/١٥).
(٢) ((المنتقى)) (٣٤/٣).
١٤٦

٢٠ - كتاب الحج
(٦٢) باب
(٨٨٤) حديث
٨٨٤/ ١٩٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ عَقَصَ رَأْسَهُ، أَوْ
ضَفَرَ أَوْ لَبَّدَ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحِلَاقُ.
وقوله: ((لا تشبهوا)»، هكذا رواه أكثر الرواة، أي لا تشبهوا به، فإن من
تشبّه به وجب عليه ما وجب على الملبدين من الحلاق، قاله ابن حبيب،
انتهى .
قلت: وحكى غير واحد من نقلة المذاهب مذهب عمر - رضي الله عنه -
وجوب الحلق على الملبد، ويؤيّده الأثر الآتي بلفظ الوجوب، والأوجه عندي
في معنى الأثر أن من ضفر وجب عليه الحلق، لمعنيين الذين ذكرهما الباجي،
ثم منع عن التضفير، وقال: لا تتشبهوا بذلك بالتلبيد، فإن التلبيد ثابت عن
النبيّ وَّر. وهذا ليس بثابت، فالظاهر عندي أن الجملة الثانية منع لهذا الفعل
مطلقاً، والأولى بيان لحكم هذا الفعل لو فعل أحد.
١٩٢/٨٨٤ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن
المسيب) بالكسر والفتح (أن عمر بن الخطاب قال: من عقص رأسه) أي لوى
شعره، وأدخل أطرافه في أصوله، قال الباجي: العقص أن يعقص شعره في
قفاه، إذا كان ذا جمّة، لئلا يتشعث (أو ضفر) ضبطه صاحب ((المحلى)) بتشديد
الفاء، وقد تقدم الوجهان (أو لبّد) بتشديد الموحدة (فقد وجب عليه الحلاق)
ولا يجزئه التقصير، وإلى هذا ذهب الجمهور، منهم مالك والثوري وأحمد
والشافعي في القديم، وقال في الجديد كالحنفية: لا يتعيّن إلّا إن نذره أو كان
شعره خفيفاً لا يمكن تقصيره، قاله الزرقاني، وتبعه صاحب ((التعليق
الممجد))(١) .
(١) ((التعليق الممجد)) (٣٥٣/٢).
١٤٧

٢٠ - كتاب الحج
(٦٢) باب
(٨٨٤) حديث
قال الموفق(١): وهو أي المحرم مخيّرٌ بين الحلق والتقصير أيّما فعل
أجزأ في قول أكثر أهل العلم، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن
التقصير يجزئ، يعني في حق من لم يوجد منه معنى يقتضي وجوب الحلق
عليه، إلّا أنه يروى عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أوّل حجّة حجّ بها،
ولا يصح هذا؛ لأنه تعالى قال: ﴿مُحِلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾(٢)، ولم يفرق
النبيّ ◌َّ قال: ((رحم الله المحلقين والمقصرين))، وقد كان مع النبيّ ◌َل من
قصر فلم يعب عليه، ولو لم يكن مجزئاً لأنكر عليه.
واختلف أهل العلم فيمن لبّد أو عقص أو ضفر، فقال أحمد: من فعل
ذلك فليحلق، وهو قول النخعي ومالك والشافعي وإسحاق، وكان ابن عباس
- رضي الله عنهما - يقول: من لبّد أو ضفر أو عقد أو فتل أو عقص، فهو على
ما نوى، يعني إن نوى الحلق فليحلق وإلا فلا يلزمه، وقال أصحاب الرأي:
هو مخيَّر على كل حالٍ؛ لأن ما ذكرناه يقتضي التخيير على العموم، ولم يثبت
في خلاف ذلك دليلٌ.
واحتجّ من نصر القول الأول بأنه روي عن النبيّ وَلّ أنّه قال: ((من لبّد
فليحلق))، وثبت عن عمر وابنه أنهما أمرا من لبّد رأسه أن يحلق، وثبت أن
النبيّ وَّ لبّد رأسه، وأنه حلقه، والصحيح أنه مخيّر إلّا أن يثبت الخبر عن
النبيّ وَّة، وقول عمر وابنه قد خالفهما فيه ابن عباس، وفعل النبيّ وَلَّ لا يدلّ
على وجوبه بعدما بيّن لهم جواز الأمرين، انتهى.
قلت: وبه جزم في ((الروض المربع)) (٣)؛ إذ قال: ويحلق أو يقصر من
(١) («المغني)) (٣٠٣/٥).
(٢) سورة الفتح: الآية ٢٧.
(٣) (٥١٤/١).
١٤٨

٢٠ - كتاب الحج
(٦٢) باب
(٨٨٤) حديث
جميع شعره، لا من كل شعرة بعينها، ومن لبّد رأسه أو ضفره أو عقصه
فكغيره، انتهى. وقال النووي في ((مناسكه)): إذا فرغ من النحر حلق رأسه أو
قصر، وأيّهما فعل أجزأ، والحلق أفضل، هذا فيمن لم ينذر الحلق، أمّا من
نذر الحلق في وقته، فيلزمه حلق الجميع، ولا يجزئه التقصير، ولو لبّد رأسه
عند الإحرام لم يكن ملتزماً للحلق على المذهب الصحيح، وللشافعي قول
قديم: إن التلبيد كنذر الحلق، قال ابن حجر: أي لأنه لا يفعله غالباً إلا من
يريد الحلق فهو كتقليد الهدي عند القائل بوجوبه بالتقليد، وخبر من لبّد رأسه
للإحرام فقد وجب عليهم الحلق، ضعيف، والصحيح وقفه على ابن عمر،
انتهى .
وقال الدردير(١): والتقصير مجزئ لمن له الحلق أفضل، قال الدسوقي:
أي إن لم يكن لَبَّدَ شعره، وإلا تعين الحلقُ، ونص («المدونة»: من ضفر أو
عقص أو لبّد فعليه الحلاق، ومثله في ((الموطأ))، وعلّله ابن الحاجب تبعاً لابن
شاس بعدم إمكان تقصيره، وردّه في ((التوضيح)) بأنه يمكن أن يغسله ثم يقصر،
وإنما علّل علماؤنا تعين الحلق في حق هؤلاء بالسنة، انتهى.
وأمّا عند الحنفية، فقال محمد(٢) بعد أثر الباب: وبهذا نأخذ من ضفر
فليحلق، وذكر الشيخ في ((المسوّى))(٣) على أثر الباب: وعليه أبو حنيفة في
((العالمكيرية)): لو تعذّر الحلق لعارض تعين التقصير، أو التقصير لعارض تعين
الحلق كأن لَبَّده بصمغ، فلا يعمل فيه المقراض، ومتى نقض تناثر بعض شعره،
وذلك لا يجوز للمحرم قبل الحلق، انتهى.
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٦/٢).
(٢) («موطأ محمد)) (ص١٥٦).
(٣) (٣٩٢/١).
١٤٩

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٦٣) باب الصلاة في البيت وقصر الصلاة
وتعجيل الخطبة بعرفة
وفي «الدر المختار)) (١): ومتى تعذّر أحدهما لعارض تعين الآخر، فلو لبد
بصمغ بحيث تعذّر التقصير تعين الحلق، قال ابن عابدين: وكذا لو كان
معقوصاً أو مضفوراً، كما عزي إلى ((المبسوط))، ووجهه أنه إذا نقضه تناثر
بعض الشعر، فيكون جناية على إحرامه، لكن قد يقال: إن هذا التناثر غير
جناية؛ لأنه في وقت جواز إزالة الشعر بحلق أو غيره ولو نتفاً منه أو من غيره،
فبقي ما في ((المبسوط)) مشكلاً تأمّل، انتهى.
(٦٣) الصَّلاة في البيت وقصر الصلاة
هكذا في جميع النسخ المصرية وفي جميع الهندية تقصير الصلاة،
والمعنى واحد.
وتعجيل الخطبة بعرفة
ذكر المصنف في هذا الباب ثلاث مسائل، أولاها: الصلاة في جوف
الكعبة، وفيها بحثان، الأول: صحة الصلاة فيها، قال النووي(٢): اختلف
العلماء في الصلاة في الكعبة، إذا صلّى متوجّهاً إلى جدارٍ منها أو إلى الباب،
وهو مردودٌ، فقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد والجمهور: تصح فيها
صلاة الفرض وصلاة النفل، وقال مالك: تصح فيها صلاة النفل المطلق، ولا
يصح الفرض ولا الوتر، ولا ركعتا الطواف، وقال محمد بن جرير وأصبغ
المالكي وبعض أهل الظاهر: لا تصح فيها صلاة أبداً، لا فريضة ولا نافلة،
وحكاه القاضي عياض عن ابن عباس، ودليل الجمهور حديث بلال في
(١) (٥٨٦/٢).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٨٢/٩/٥).
١٥٠
-----

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
صلاته وَّ فيها، وإذا صحت النافلة صحت الفريضة؛ لأنهما في المواضع
سواء في الاستقبال في حال النزول، وإنما يختلفان في حال السير في السفر،
انتهى .
وهكذا حكى العيني(١) مذهب مالك وعزاه إلى ((ذخيرتهم))، وحكى
مذهب أحمد مثل مالك، وزاد: قال الشافعي: من صلّى في جوف البيت
مستقبلاً حائطاً من حيطانها فصلاته جائزة، وإن صلّى نحو باب البيت وكان
مغلقاً فكذلك، وإن كان مفتوحاً فباطلة؛ لأنه لم يستقبل شيئاً منها، فكأنه
استدلّ على ذلك بغلق باب الكعبة حين صلّوا، وقد يقال: إنما أغلقوا لكثرة
الناس عليه، فصلّوا بصلاته، ويكون ذلك عندهم من مناسك الحجّ، كما فعل
في صلاة الليل حين لم يخرج إليهم خشية أن يكتب عليهم، ومتى فتح وكانت
العتبة قدر ثلثي ذراع صحت أيضاً.
ولا يردّ عليه ما إذا انهدمت، وصلّى لأنه صلّى إلى الجهة، وقال
النووي: إذا كان الباب مسدوداً، أوله عتبة قدر ثلثي ذراع يجوز، هذا هو
الصحيح، وفي وجه: يقدر بذراع، وقيل: يكفي شخوصها، وقيل: يشترط قدر
قامة طولاً وعرضاً، ولو وضع بين يديه متاعاً واستقبله لم يجز، انتهى.
وقال الحافظ (٢) في حديث الباب: استحباب الصلاة في الكعبة، وهو
ظاهر في النفل، ويلتحق به الفرض؛ إذ لا فرق بينهما في مسألة الاستقبال
للمقيم، وهو قول الجمهور، وعن ابن عباس لا تصح الصلاة داخلها مطلقاً،
وعلّله بأنه يلزم من ذلك استدبار بعضها، وقد ورد الأمر باستقبالها، فيحمل
على استقبال جميعها، وقال به بعض المالكية والظاهرية والطبري، وقال
(١) ((عمدة القاري)) (١٦٨/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٦٦/٣).
١٥١

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
المازري: المشهور في المذهب منع صلاة الفرض داخلها ووجوب الإعادة،
وعن ابن عبد الحكم: الإجزاء. وصححه ابن عبد البر وابن العربي، وعن ابن
حبيب: يعيد أبداً، وعن أصبغ: إن كان متعمداً، وفي ((شرح العمدة)) لابن دقيق
العيد: كره مالك الفرض أو منعه، فكأنه أشار إلى اختلاف النقل عنه، انتهى.
وقال ابن العربي في ((العارضة))(١): قد اختلف الناس في هذه المسألة،
فأجازه الشافعي في الفريضة والنافلة، ومنعه ابن حبيب من أصحابنا في الكل،
واختلف قول مالك، فتارة منعه أصلاً، وتارة جوّزه في النافلة، وكرهه في
الفريضة، والصحيح جوازه؛ لأن النبيّ وَل قد ثبت فعله من أصح روايات ابن
عمر - رضي الله عنهما - وثبت عن عائشة أن النبيّ وَّ أمرها بالصلاة في
الحِجْرِ، وأخبر أنه من البيت، انتهى.
وفي ((الروض المربع)) (٢): ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا فوقها،
والحجر منها، وإن وقف على منتهاها، بحيث لم يبق وراءه شيء منها، أو
وقف خارجها وسجد فيها صحت؛ لأنه غير مستدبر بشيء منها، وتصح النافلة
والمنذورة فيها، وعليها باستقبال شاخص منها أي مع استقبال شاخص من
الكعبة، فلو صلّى إلى جهة الباب أو على ظهرها، ولا شاخص متصل منها لم
تصح، ذكره في ((المغني))، وفي ((الشرح)) عن الأصحاب؛ لأنه غير مستقبل
بشيء منها، وقال في ((التنقيح)): اختاره الأكثر، وقال في ((المغني)): الأولى أنه
لا يشترط؛ لأن الواجب استقبال موضعها وهوائها دون حيطانها، ولذا تصح
على جبل أبي قبيس، وهو أعلى منها، وقدّمه في ((التنقيح)) وصححه في
تصحيح الفروع، قال في ((الإنصاف)): وهو المذهب على ما اصطلحناه،
انتھی .
(١) ((عارضة الأحوذي)) (١٠٣/٤).
(٢) (١٥٤/١).
١٥٢
-----

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
وقال القاري في ((المرقاة)) (١) بعد ما حكى الإجماع على جواز استقبال
الكعبة من الخارج: ولا فرق بين الداخل والخارج خلافاً للشافعي في اعتبار
الهواء للخارج دون الداخل، انتهى.
وفي ((نيل المآرب)): لا يصح الفرض في الكعبة والحِجْر منها، ولا على
ظهرها، إلّا إذا وقف على منتهاها بحيث لم يبق وراءه شيء منها، ويصح النذر
فيها وعليها إذا كان بين يديه شيء منها، كذا في ((الإقناع))، وكذا يصح النفل،
بل يسنّ التَنَفُّل فيها، انتهى.
وقال الدردير(٢): جازت سُنَّةٌ كوترٍ في الكعبة وفي الحِجْر؛ لأنه جزء
منها، وكذا ركعتا الطواف الواجب وركعتا الفجر، هذا مذهب أشهب وابن
عبد الحكم قياساً على النفل المطلق، وهو ضعيف، كما في ((توضيحه))،
والمعتمد مذهب («المدونة»، وهو المنع من ذلك كلّه، وقيل: والمراد الحرمة،
والراجح الكراهة، وأمّا النفل المطلق والرواتب كأربع قبل الظهر، وركعتا
الطواف المندوب فجائز، بل مندوب، لأي جهة في الكعبة، ولو لجهة بابها
المفتوح، لا لأيّ جهة من الحِجْر، ولا يجوز فرض فيها، ولا في الحجر،
فيعاد في الوقت، وبطل فرض على ظهرها، فيعاد أبداً على المشهور، ولو كان
بين يديه قطعةٌ من حائطها بناءً على أن المأمور به استقبال جملة البناء لا بعضه
ولا الهواء، وهو المعتمد، انتهى.
ومذهب الحنفية كما في ((الدر المختار)) وغيره من فروعهم: يصح فرض
ونفل فيها، وفوقها ولو بلا سترة؛ لأن القبلة عندنا هي العرصة والهواء إلى
عنان السماء، وإن كره الثاني للنهي وترك التعظيم، قال ابن عابدين: قوله: هي
(١) (مرقاة المفاتيح)) (١٨٣/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٢٢٨/١).
١٥٣

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
العرصة، أي لا البناء، بدليل أنه لو نُقِلَ إلى عرصة أخرى، وصلّى إليه لم
يجز، ولأنه لو صلّى على جبل أبي قبيس جازت بالإجماع مع أنه لم يصلّ إلى
البناء ((بدائع))(١). قوله: وإن كره الثاني أي الصلاة فوقها، لأنها من السبع التي
نھی عنها رسول الله ێل .
والبحث الثاني: في أنها هل هي من آداب الحجّ ومندوباته أم لا؟ قال
الشيخ ابن القيم (٢): زعم كثير من الفقهاء وغيرهم، أنه بَّ دخل البيت في
حجّته، ويرى كثير من الناس أن دخول البيت من سنن الحج اقتداءً بالنبيّ مَلآ،
والذي تدلّ عليه سنته، أنه لم يدخل البيت في حجّته، ولا في عمرته، وإنما
دخله عام الفتح، انتھی.
وسيأتي الكلام على أنه وَّ دخلها في حجّه أم لا قريباً، والمقصود ههنا.
بيان المذاهب، فميل ابن القيم إلى أنه ليس من آدابه، ويرى كثير من الناس أنه
من سننه، وقال الحافظ: روى ابن أبي شيبة من قول ابن عباس: إن دخول
البيت ليس من الحج في شيء، وحكى القرطبي عن بعض العلماء أن دخول
البيت من مناسك الحج، وردّه بأنه گیے إنما دخله عام الفتح، ولم یکن حينئذ
محرماً، انتھی .
وقال الموفق(٣): ويستحب لمن حجّ أن يدخل البيت، ويصلّي فيه
ركعتين، كما فعل النبيّ ◌َّل، انتهى. وقال القاري في ((شرح اللباب))(٤):
يُستَحَبُّ الدخول إذا روعي آدابه، ويقصد مصلّى النبيّ ◌ِّ، وإذا صلّى وضع
(١) (بدائع الصنائع)) (٣١٤/١).
(٢) ((زاد المعاد)) (٢٧٢/٢).
(٣) («المغني)) (٤٦٤/٥).
(٤) (ص٢٧٩).
---------- -------
١٥٤
-----

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
خدّه على الجدار، إلى آخر ما بسط من آدابه، وقريب منه ما في ((الدر المختار))
و(رد المحتار))، زاد: ويحرم أخذ الأجرة ممن يدخله، وقد صرّحوا بأن ما
حرم أخذه حرم دفعه إلا لضرورة، ولا ضرورة لههنا؛ لأن دخول البيت ليس من
مناسك الحج، انتهى .
وقال الدردير(١): ندب دخول مكة نهاراً، ودخول البيت أي الكعبة ليلاً
أو نهاراً، قال الدسوقي: ومقتضى كون ستة أذرع من الحجر من البيت أن من
دخل في ذلك المقدار، فقد أتى بهذا المستحب، انتهى. وفي ((مناسك
النووي)): يستحب دخول البيت حافياً وأن يصلّي فيه، والأفضل أن يقصد
مصلى النبيّ ◌َّ، قال ابن حجر: قيل: يشكل عليه ما صح عن عائشة
- رضي الله عنها - أنه وَّ خرج من عندها مسروراً، ثم رجع حزيناً، فقال:
((إني دخلت الكعبة ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها، إني أخاف
أن أكون شققت على أمّتي)).
ولا إشكال إذ لا دلالة فيه على الكراهة، بل دخوله دليل على ندبه،
وتمنّيه عدمه، قد علّله بخشية المشقة على أمته. وذلك لا يرفع حكم
الاستحباب، وقال المحب الطبري: لم يذكروا وقت دخوله للحاج، لكن صرّح
الحليمي بأنه قبل طواف الوداع، وقال الزركشي: كان وجهه أنه لو فعله بعده
لاحتاج إلى إعادته، وكان المراد يكون وقته ذلك أنه بالنسبة لآخر مرات
الدخول، وإلا فالمندوب له دخوله كلما تيسّر، انتهى.
الثانية: في الصلاة بعرفة، وفيها أيضاً بحثان، الأول: ما يدلّ عليه لفظ
الترجمة من قصر الصلاة، والثاني: ما يدلّ عليه لفظ الحديث الوارد فيها من
تعجيل الصلاة .
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٢/٢).
١٥٥

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
أمّا الأول فاختلف في القصر بعرفة هل هو للسفر؟ فمن كان مسافراً
يقصر، ومن لا فلا، أو لأجل النسك، فيقصر أهل النسك كلّهم كانوا مسافرين
أو مقيمين بمكة وغيرها .
قال الموفق(١): أما قصر الصلاة، فلا يجوز لأهل مكّة، وبهذا قال عطاء
ومجاهد والزهري وابن جريج والثوري ويحيى القطان والشافعي وأصحاب
الرأي وابن المنذر، وقال القاسم بن محمد وسالم ومالك والأوزاعي: لهم
القصر؛ لأن لهم الجمع، فكان لهم القصر كغيرهم، ولنا، أنهم في غير سفر
بعيد، فلم يجز لهم القصر كغير من في عرفة ومزدلفة، انتهى.
وجزم الدردير في مكيّ ومنوي ومزلدفي ومحصبي أنه يسنّ له القصر في
خروجه من محله بعرفة للحج، وفي رجوعه لبلده حيث بقي عليه عمل من
النسك بغيرها، وإلّا أتمّ حال رجوعه، كمنوي راجع من مكة بعد الإفاضة
لمنى؛ لأن ما عليه من الرمي إنما هو في محله، وفهم منه أن كلاً من أهل
هذه الأمكنة يتمّ مكانه، ولو كان يعمل بغيره عملاً، كمكي رجع يوم النحر
لمكة للإفاضة، ويقصر بغيره، والمعتمد أن العرفي كمكي، فيقصر في خروجه
منها النسك من إفاضة أو غيرها، ويتمّ بها، انتهى.
ثم المشهور على ألسنة المشايخ والمذكور في أسفار الشروح والحواشي
أن القصر عند مالك لأجل النسك، وعند الجمهور لأجل السفر، والصواب أن
القصر عند مالك أيضاً لأجل السفر، ولذا جزم الدردير بأن أهل هذه المواضع
يُتِمُّون في مواضعهم، وسيأتي التصريح عن الإمام مالك بنفسه في آخر الباب
الآتي، أن الصلاة بعرفة قصرت لأجل السفر، إلّا أن هذا السفر عند مالك
مخصوص من التحديد لعامّة الأسفار، كما سيأتي في آخر الباب الآتي.
(١) ((المغني)) (٢٦٥/٥).
١٥٦

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٥) حدیث
٨٨٥/ ١٩٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِ له دَخَلَ الْكَعْبَةَ،
وأمّا البحث الثاني، فقد قال الموفق: السنّة تعجيل الصلاة حين تزول
الشمس، وأن يقصر الخطبة، ثم يروح إلى الموقف كرواية الباب، رواها
البخاري، ولأن تطويل ذلك يمنع الرواح إلى الموقف في أوّل وقت الزوال،
والسنّة التعجيل في ذلك، فقد روى سالم أن الحجاج أرسل إلى ابن عمر: أيّة
ساعة كان رسول الله وَّ﴾ يروح في هذا اليوم؟ قال: إذا كان ذاك رحنا، فلما أراد
ابن عمر أن يروح قال: أزاغت الشمس؟ قالوا: لم تزغ، فلمّا قالوا: قد زاغت
ارتحل، رواه أبو داود(١). وقال ابن عمر: غدا رسول الله وَل من منى حين صلّى
الصبح صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة، فنزل بنمرة، حتى إذا كان عند صلاة
الظهر راح رسول الله وَلقر مهجراً، فجمع بين الظهر والعصر، الحديث. قال ابن
عبد البر: هذا كلّه لا خلاف فيه بين علماء المسلمين، انتهى.
الثالثة: في الخطبة، وهي أيضاً تتضمن بحثين، أولهما: ما يدلّ عليه لفظ
الترجمة من تعجيل الخطبة، والثاني: ما يدلّ عليه لفظ الحديث الوارد فيها من
قصر الخطبة، وسيأتي الكلام على الخطبة تحت الحديث الثاني في الباب،
والمعنى أن المصنف ذكر الترجمة بلفظ قصر الصلاة وتعجيل الخطبة، ولفظ
الحديث الذي أورد فيها: ((إن كنت تريد أن تصيب السنة، فاقْصر الخطبة
وعَجِّل الصلاة))، وتقدم قريباً ما حكى الموفق عن ابن عبد البرّ أن كليهما
إجماعيّتان، وتعجيل الصلاة مستلزم لتعجيل الخطبة، ونسخ ((الموطأ)» كلّها من
المتون والشروح الهندية والمصرية متظافرة على لفظ الترجمة، ولفظ الحديث
الوارد فيها .
٨٨٥/ ١٩٣ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(أن رسول الله (وَلة: دخل الكعبة) عام فتح مكة، كما وقع مُبَيَّناً عند البخاري في
(١) رواه أبو داود (١٩١٣).
١٥٧

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٥) حدیث
((كتاب الجهاد)) برواية يونس بن يزيد عن نافع بلفظ: أقبل النبيّ ◌َليل يوم الفتح
من أعلى مكّة على راحلته، وللبخاري أيضاً في المغازي برواية فليح عن نافع:
((وهو مردف أسامة))، يعني ابن زيد على القصواء ثم اتفقا، ومعه بلال
وعثمان بن طلحة حتى أناخ في المسجد، وفي رواية فليح: ((عند البيت))، وقال
لعثمان: ((ائتنا بالمفتاح))، فجاء بالمفتاح، ففتح له الباب فدخل.
ولمسلم (١) وعبد الرزاق من رواية أيوب عن نافع: ((ثم دعا عثمان بن
طلحة بالمفتاح، فذهب إلى أمه، فأبت أن تعطيه، فقال: والله لتعطينه أو
لأخرجن هذا السيف من صلبي، فلما رأت ذلك أعطته، فجاء به إلى
رسول الله (َ﴾ ففتح الباب)).
وروى عبد الرزاق والطبراني من جهته من مرسل الزهري أن النبيّ
قال لعثمان يوم الفتح: ((ائتني بمفتاح الكعبة))، الحديث. وفيه: وجعلت المرأة
التي عندها المفتاح، وهي أمّ عثمان تقول: ((إن أخذه منكم لا يعطيكموه أبداً،
فلم يزل بها حتى أعطت المفتاح، فجاء به، ففتح)). وفي رواية: أن عليّاً
- رضي الله عنه - قال: اجمع لنا الحجابة والسقاية فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن
تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فدعا عثمان فقال: خذوها خالدة تالدة، الحديث.
فظهر من رواية فليح أن فاعل فتح هو عثمان المذكور، لكن روى
الفاكهي من طريق ضعيفة عن ابن عمر قال: كان بنو أبي طلحة يزعمون أنه لا
يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم، فأخذ رسول الله ◌َّر المفتاح، ففتحها بيده،
وعثمان المذكور هو ابن طلحة بن أبي طلحة الآتي بيانه هكذا في ((الفتح))(٢).
(١) رواه مسلم (٩٦٦/٢) حديث رقم (٣٨٨) باب (استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره))،
وانظر ((التمهيد)) (٣١٧/١٥ - ٣١٨).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (١٨/٨، ١٩).
١٥٨

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٥) حدیث
. . ..
هُوَ وَأَسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلَالُ بْنُّ رَبَاحِ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ،
(هو) وَلّ (وأسامة بن زيد) بن حارثة حِبّه وابن حِبّه وَّر (وبلال بن رباح)
بفتح الراء المهملة وخفّة الموحدة، المؤذن أحد السابقين الأوّلين (وعثمان بن
طلحة) بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي
(الحجبي) بفتح الحاء المهملة والجيم، نسبة إلى حجابة الكعبة، وهي خدمتها
والقيام بأمرها، قال القاري: الحاجب البوّاب، والجمع الحَجَبَة، ويقال لآل
بيته: الحجبة لحجبهم الكعبة، ويعرفون الآن بالشيْبِيين، نسبة إلى شيبة بن
عثمان بن أبي طلحة، وهو ابن عم عثمان هذا، لا ولده، وله أيضاً صحبة
ورواية .
واسم أم عثمان المذكور سلافة بضم السين المهملة والتخفيف والفاء،
كذا في ((الفتح))(١)، وهي سلافة بنت سعيد، قال العيني (٢): قتل أبوه وعمّه يوم
أُحد كافرين في جماعة من بني عمها، وهاجر هذا مع خالد بن الوليد، ودفع
النبيّ وَّ له وإلى ابن عمه شيبة بن عثمان مفتاح الكعبة، وقال الكرماني: أسلم
هدنةَ الحديبيةِ، وجاء يوم الفتح بالمفتاح وفتحها، قال العلماء: الحَجَابة ولايةٌ
لهم من رسول الله ﴾، فلا يجوز نزعها منهم ما داموا مصلحين لذلك؛ لأنه وعليه
أقرّها فيهم على ما كانت عليه في الجاهلية، قاله الأبيّ(٣).
وفي ((المرقاة)) (٤): قال ابن حجر: عثمان المذكور من بني عبد الدار،
وسبب وصول السدانة إليه أن جرهم لما استخفت بحرمة البيت شرّدهم الله،
ووليته خزاعة، ثم بعدهم قصي بن كلاب، فأعطي ولده عبد الدار الحجابة،
وهي السدانة واللواء ودار الندوة، وأعطي ولده عبد مناف الرفادة والسقاية، ثم
(١) (فتح الباري)) (٤٦٤/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥٣٠/٣).
(٣) ((شرح صحيح مسلم)) للأبّي (٤١٨/٣).
(٤) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٨٦/٢).
١٥٩

٢٠ - كتاب الحج
(٦٣) باب
(٨٨٥) حديث
جعل عبد الدار الحجابة إلى ابنه عثمان. ولم يزل الأمر في أولاده حتى ولي
عثمان بن طلحة المذكور في الحديث قال: ((كنّا نفتح الكعبة يوم الاثنين
والخميس، فجاء رسول الله وَلّل يوماً يريد أن يدخل مع الناس، فنلت منه،
وحلم عليّ، ثم قال: يا عثمان، لعلك سترى هذا المفتاح بيدي أضعه حيث
شئت، فقلت: لقد هلك قريش يومئذ وذلّت، قال عليه السّلام: بل عزّت،
ودخل الكعبة ووقعت كلمته مني موقعاً، وظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال،
وأردت الإسلام، فإذا قومي يزبروني زبراً شديداً.
فلما دخل رسول الله # مكة عام القضاء سنة سبع غيّر الله قلبي،
وأدخلني الإسلام، ولم يعزم لي أن آتيه حتى رجع إلى المدينة، ثم عزم إلى
الخروج إليه، فأدلجت فلقيت خالد بن الوليد فاصطحبنا، فلقينا عمرو بن
العاص، فاصطحبنا، فقدمنا المدينة فبايعته، وأقمت معه حتى خرجت معه في
غزوة الفتح سنة ثمان في رمضان، فلما دخل مكّة، قال: يا عثمان ائت
بالمفتاح، فأتيته به، فأخذه مني، ثم دفعه إليّ، وقال: خذوها يا بني طلحة
خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم))، انتهى.
ثم وقع في حديث الباب ذكر ثلاثة من الرفقاء، وهو كذلك في رواية
سالم عن أبيه عند البخاري في الحجّ. قال الحافظ(١): زاد مسلم من طريق
أخرى: ((ولم يدخلها معهم أحد)»، ووقع عند النسائي من طريق ابن نافع:
((ومعه الفضل بن عباس، وأسامة، وبلال، وعثمان))، زاد الفضل، ولأحمد من
حديث ابن عباس: حدّثني أخي الفضل، وكان معه حين دخلها: أنه وَّ لم
يصلِّ في الكعبة، انتهى.
سيأتي الكلام على الصلاة قريباً. وأفاد الأزرقي في ((كتاب مكة)): أن
(١) ((فتح الباري)) (٤٦٤/٣).
١٦٠
--..
------
-----