النص المفهرس

صفحات 121-140

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٦) حديث
قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((وَالْمُقَصِّرِينَ)).
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ١٢٧ - باب الحلق والتقصير عند
الإحلال .
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٥٥ - باب تفضيل الحلق على التقصير،
حديث ٣١٧.
أولاً لعدم الالتفات إلى المقصرين، بل دعا لهم قصداً، وكرّر الدعاء لهم
خاصة لإظهار فضيلة التحليق (قالوا: والمقصّرين يا رسول الله) أكّدوا الاستدعاء
رحمةً للمقصرين، قال القاري (١): هل هو قول المحلقين أو المقصرين أو
قولهما جميعاً؟ احتمالات ثلاث أظهرها بعض الكل من النوعين (قال:
والمقصرين) قال الحافظ: في قوله ◌َله: ((والمقصرين)) إعطاء المعطوف حكم
المعطوف عليه، انتهى.
والحديث أخرجه البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك مثل سياق
((الموطأ))، قال الحافظ(٢): كذا في معظم الروايات، عن مالك إعادة الدعاء
للمحلقين مرتين، وعطف المقصرين عليهم في المرة الثالثة، وانفرد يحيى بن
بكير دون رواة ((الموطأ)» بإعادة ذلك ثلاث مرات، نبّه عليه ابن عبد البرّ في
((التقصّي))، وأغفله في ((التمهيد))، بل قال فيه: إنهم لم يختلفوا في ذلك، وقد
راجعت أصل سماعي من ((موطأ يحيى بن بكير)) فوجدته، كما قال في
((التقصي))، انتهى.
قلت: ونسخ ((التقصّي)) أيضاً مختلفة في ذلك، والنسخة التي بأيدينا منها
المطبوعة بمكتبة القدسي سنة ١٣٥٠ هـ سكت فيها بعد ذكر الأثر، وفي هامشه
زيادة عن النسخة المصرية ، ونصّها هكذا: رواه يحيى عن مالك لم يذكر
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)» (٣٥٩/٥).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٦٢/٣).
١٢١

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٦) حديث
المحلقين إلا مرتين، وتابعه على ذلك القعنبي وابن القاسم وابن وهب، ورواه
ابن بكير في ((الموطأ)) عن مالك، فقال ذلك ثلاث مرات، انتهى.
قلت: ومثل رواية ابن بكير أخرجه محمد في ((موطئه))(١)، فذكر الدعاء
للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين بعد ذلك، وعلّق البخاري برواية الليث:
حدّثني نافع: رحم الله المحلقين مرّة أو مرتين، قال: وقال عبيد الله: حدثني
نافع: قال في الرابعة: والمقصرين.
قال الحافظ(٢): والشك فيه من الليث وإلا فأكثرهم موافق لما رواه
مالك، ثم قال بعد ما ذكر وصل هذا التعليق وبيان كونها في الرابعة: إن قوله:
((والمقصرين)) معطوف على مقدر، تقديره: يرحم الله المحلقين، وإنما قال ذلك
بعد أن دعا للمحلقين ثلاث مراتٍ صريحاً. فيكون دعاؤه للمحلقين في الرابعة
وقد رواه أبو عوانة في ((مستخرجه)) من طريق الثوري عن عبيد الله بلفظ: ((قال
في الثالثة: والمقصرين))، والجمع بينهما واضح، بأن من قال في الرابعة، فعلى
ما شرحناه، ومن قال في الثالثة، أراد أن قوله: ((والمقصرين)) معطوف على
الدعوة الثالثة، أو أراد بالثالثة المسألة الثالثة، وكان مَّ لا يراجع بعد ثلاث
كما ثبت، ولو لم يدع لهم بعد ثالث مسألة ما سألوه في ذلك.
وأخرج أحمد من طريق أيوب عن نافع بلفظ: ((اللّهمّ اغفر للمحلقين))،
قالوا: وللمقصرين، حتى قالها ثلاثاً أو أربعاً، ثم قال: ((والمقصرين))، ورواية
من جزم مقدمة على رواية من شك، انتهى.
وأخرج البخاري برواية أبي هريرة مرفوعاً: ((اللّهمّ اغفر للمحلقين))،
قالوا: وللمقصرين، قال: ((اللّهمّ اغفر للمحلقين))، قالوا: وللمقصرين، قالها
(١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٥٣/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٦٢/٣).
١٢٢

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٦) حديث
ثلاثاً، قال: ((وللمقصرين))، قال الحافظ: قوله: قالها ثلاثاً، أي قوله: اللّهمّ
اغفر للمحلقين، وهذه الرواية شاهدة؛ لأن عبيد الله العمري حفظ الزيادة،
انتھی .
هذا وقد عرفت أن دعاءه وَل# ثابت في الموضعين عمرة الحديبية وحجة
الوداع، قال الحافظ(١): وهو المتعين لتظافر الروايات بذلك في الموضعين،
كما قدّمناه، إلّا أن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان
بسبب توقف من توقف من الصحابة عن ذلك، فخالفهم النبيّ ◌َلّ، وصالح
قريشاً على أن يرجع من العام المقبل، والقصة مشهورة.
فلما أمرهم النبيّ وَله بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو وَلـ
قبلهم، ففعل فتبعوه، فحلق بعضهم وقصر بعضهم، وكان من بادر إلى الحلق
أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا
السبب في حديث ابن عباس عند ابن ماجه وغيره، ففيه ((أنهم قالوا: يا
رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالرحمة؟ قال: لأنهم لم يشكوا)).
قلت: والظاهر أنهم قصروا أولاً، ثم لما رأوا أن النبيّ وَّ حرّضهم
على الحلق حلقوا، ففي ((المحلى)): روى أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري
حلق يوم الحديبية النبيّ وَّم وأصحابه إلّا عثمان وأبو قتادة، انتهى. فظاهره
أنهم حلقوا كلهم غيرهما .
وأمّا السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجّة الوداع، فقال ابن الأثير
في ((النهاية)): أكثر من حجّ مع النبيّ وَّ لم يسق الهدي، فلما أمرهم أن
يفسخوا الحج إلى العمرة، ثم يتحلّلوا منها شقّ عليهم، ثم لما لم يكن لهم بد
من الطاعة، كان التقصير في أنفسهم أخفّ من الحلق، ففعله أكثرهم، فرجح
النبيّ وَّل فعل من حلق، لكونه أبْيَن في امتثال الأمر، انتهى.
(١) (فتح الباري)) (٥٦٤/٣).
١٢٣

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٦) حديث
قال الحافظ(١): وفيما قاله نظر، وإن تابعه عليه غير واحد؛ لأن المتمتع
يستحب في حقه أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحجّ، إذا كان ما بين
النسكين متقارباً، وقد كان في ذلك حقهم كذلك، فالأولى ما قاله الخطابي
وغيره أن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعر والتزيين به، وكان الحلق
فيهم قليلاً، وربما كانوا يرونه من الشهرة ومن زيّ الأعاجم، فلذلك كرهوا
الحلق، واقتصروا على التقصير، انتهى.
والأوجه عندي ما قاله ابن الأثير ومن تابعه: فإن المتمتع وإن كان
المستحب في حقه التقصير، لكن عارضه لههنا توقفهم في الإحلال حتى راجعوا
في ذلك النبيّ وََّ، وقالوا: ننطلق إلى منى، وذَكَرُ أحدِنا يقطر، فكان الحلق
في حقهم أبين للامتثال، كفعلهم في الحديبية، وما حكى الحافظ عن الخطابي
وتبعه على ذلك الزرقاني وغيره، يأبى عنه كلام الخطابي في ((المعالم)) (٢)،
ولفظه بعد ذكر الحديث: كان أكثر من أحرم مع رسول الله وَلّ ليس معهم
هدي، فلما أمر من ليس معه هدي أن يحلّ، وجدوا من ذلك في أنفسهم،
وأحبّوا أن يأذن لهم في المقام على إحرامهم حتى يكملوا الحج، وكان طاعة
رسول الله وَّ أَوْلَى بهم، فلما لم يكن لهم بدٌّ من الإحلال كان القصر في
نفوسهم أحبّ من الحلق، فمالوا إلى القصر، فلما رأى ذلك رسول الله وَاخيه
منهم أخَّرَهم في الدعاء، وقدم عليهم من حلق، وبادر إلى الطاعة، وقصر بمن
تهيبه وحاد عنه، ثم جمعهم في الدعوة، وعمّمهم في الرحمة، انتهى.
وهذا بعينه هو الذي قاله ابن الأثير، نعم ما حكى الحافظ عن الخطابي
يقرب منه ما في ((شرح مسلم)) للنووي(٣)؛ إذ قال: وجه فضيلة الحلق على
(١) ((فتح الباري)) (٥٦٤/٣).
(٢) (١٠٩/٢).
(٣) (٥١/٩).
١٢٤

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٧) حديث
١٨٥/٨٧٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْقَاسِم، عَنْ أَبِهِ؛ أَنّهُ كَانَ يَدْخُلُ مَكّةَ لَيْلاً وَهْوَ مُعْتَمِرٌ،
•
التقصير أنه أبلغ في العبادة، وأدلّ على صدق النيّة في التذلّل الله تعالى، ولأن
المقصر سبق على نفسه الشعر الذي هو زينة، والحاج مأمور بترك الزينة، بل
هو أشعث أغبر، انتهى. وتعقبه القاري والزرقاني وغيرهما، قال القاري(١):
أمّا قول النووي فغريب، وكذا استحسان ابن حجر منه عجيب، فإن الحاج ليس
مأموراً بترك الزينة بعد فراغ الحج والعمرة.
قال الزرقاني (٢): لأن الحلق إنما يقع بعد انقضاء زمن الأمر بالتقشف،
فإنه يحل له كل شيء إلا النساء في الحج، انتهى. وفي ((الهداية)): الحلق
أفضل؛ لقوله ◌َّ ظاهر بالترحم عليهم، ولأن الحلق أكمل في قضاء التفث،
وهو المقصود، وفي التقصير بعض التقصير، فأشبه الاغتسال مع الوضوء،
انتهى .
قلت: وفي قوله: هو المقصود، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ
تَفَتَهُمْ﴾ الآية(٣).
١٨٥/٨٧٧ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) القاسم بن
محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (أنه كان يدخل مكة ليلاً وهو
معتمر) ولعلّه كان اتّباعاً لفعله وَّر في عمرة الجعرانة، قال النووي (٤): يستحب
دخول مكة نهاراً لا ليلاً، وهو أصح الوجهين لأصحابنا، وبه قال ابن عمر
وعطاء والنخعي وإسحاق بن راهويه وابن المنذر، والثاني: هما سواء لافضلية
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٠/٥).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٩/٢).
(٣) سورة الحج: الآية ٢٩.
(٤) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٢٧/٨).
١٢٥

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٧) حديث
لأحدهما على الآخر، وهو قول القاضي أبي الطيب والماوردي وابن الصبّاغ
والعبدري من أصحابنا، وبه قال طاوس والثوري، وقالت عائشة وسعيد بن
جبير وعمر بن عبد العزيز: يستحب دخولها ليلاً، وهو أفضل من النهار،
انتھی .
وبوَّب البخاري في ((صحيحه)): ((باب دخول مكة نهاراً أو ليلاً))، وأورد
فيه حديث ابن عمر من طريق عبيد الله عن نافع في المبيت بذي طوى حتى
يصبح، قال الحافظ(١): وهو ظاهر في الدخول نهاراً، وقد أخرجه مسلم من
طريق أيوب عن نافع بلفظ: ((كان لا يقدم مكة إلّا بات بذي طوى حتى يصبح
ويغتسل، ثم يدخل مكة نهاراً)) وأمّا الدخول ليلاً فلم يقع منه وَّرَ إلّا في عمرة
الجعرانة، كما رواه أصحاب السنن الثلاثة.
وترجم عليه النسائي ((دخول مكة ليلاً))، وروى سعيد بن منصور عن
إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون أن يدخلوا مكة نهاراً، ويخرجوا منه ليلاً،
وأخرج عن عطاء: إن شئتم فادخلوا ليلاً، إنكم لستم كرسول الله وَّة، إنه كان
إماماً فأحب أن يدخلها نهاراً ليراه الناس، وقضية هذا أن من كان إماماً يُقتدى
به استحبّ له أن يدخلها نهاراً، انتهى.
قال القسطلاني(٢): الأكثر على أنه بالنهار أفضل، وفرّق بعضهم بين
الإمام وغيره، لما روى سعيد بن منصور عن عطاء: إن شئتم فادخلوا ليلاً،
الحديث. وقال الموفق: لا بأس أن يدخلها ليلاً أو نهاراً؛ لأنه وَالّ دخلها ليلاً
ونهاراً، رواهما النسائي، قال الدردير: ندب دخول مكة نهاراً، وفي (البذل))(٣)
(١) (فتح الباري)) (٤٣٦/٣).
(٢) ((إرشاد الساري)) (٤/ ٩٤).
(٣) ((بذل المجهود)) (١٢٠/٩).
١٢٦

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٧) حدیث
فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، وَيُؤَخِّرُ الْحِلَاقَ حَتَّى يُصْبِحَ.
عن ((اللباب)): لا بأس بدخولها ليلاً ونهاراً، ولكن دخوله نهاراً أفضل، وفي
(فتاوى قاضيخان)): يستحب أن يدخلها نهاراً.
(فيطوف بالبيت و) يسعى (بين الصفا والمروة) أطلق عليه الطواف تغليباً
أو باعتبار اللغة (ويؤخر الحلاق) بالكسر، أي حلق الرأس (حتى يصبح) غاية
للتأخير، ولا حرج عليه في تأخيره إذا شغله عنه مانع، وأظنه لم يجد في الليل
من يحلقه، قاله أبو عمر.
قال الموفق(١): ويجوز تأخير الحلق والتقصير إلى آخر أيام النحر، فإن
أخّره عن ذلك، ففيه روايتان، إحداهما: لا دم عليه، وعن أحمد: عليه دم
بتأخيره، انتهى. وقال أيضاً في المتمتع(٢): إذا فرغ من أفعال العمرة قصر أو
حلق، ولا يستحب تأخير التحلّل، قال أبو داود: سمعت أحمد، سئل عمّن
دخل مكة معتمراً، فلم يقصر حتى كان يوم التروية، قال: هذا لم يحل بعدُ،
يُقَصِّرُ، ثم يهل بالحج، وليس عليه شيء، وبئس ما صنع، انتهى.
قال الباجي(٣): وصف ذلك بالتأخير؛ لأن السنّة تعجيله واتّصاله بالفراغ
من السعي، لما فيه من تعجيل سلامة النسك مما عسى أن يدخل عليه من
نقض وطء أو غيره، وجاز التأخير لما يتعلق بالوقت من تعذّر الحلاق في
الأغلب، وقد روي عن مالك، فيمن طاف وسعى لعمرته من الليل، فلا بأس
أن يؤخر الحلاق إلى الصبح، قال: وتعجيل ذلك أفضل، انتهى.
وقال القاري في ((شرح اللباب))(٤): يختص حلق المعتمر بالمكان عند
(١) ((المغني)) (٣٠٦/٥).
(٢) ((المغني)) (٢٤٠/٥).
(٣) ((المنتقى)) (٣١/٣).
(٤) (ص ١٢٣).
١٢٧

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٧) حديث
قَالَ: وَلَكِنَّهُ لَا يَعُودُ إِلَى الْبَيْتِ، فَيَطُوفُ بِهِ حَتَّى يَحْلِقَ رَأْسَهُ.
أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأبي يوسف وزفر، وأما الزمان في حلق المعتمر،
فلا يتوقّت بالإجماع، انتهى. وقال أيضاً: إن كان الفارغ من السعي متمتعاً لم
يسق الهدي، أو مفرداً بعمرة، فعليه أن يحلق ويحلّ، إلّا أنه لا يجب عليه أن
يخرج من إحرامه، بل له اختيار في بقائه، انتهى.
(قال) عبد الرحمن: (ولكنه) أي أباه القاسم (لا يعود إلى البيت) بعد
الفراغ من طواف العمرة (فيطوف به) مرة أخرى تطوّعاً (حتى يحلق رأسه) قال
الباجي: يريد أنه كان لا يطوف بالبيت حتى يتحلّل من عمرته بالحلاق؛ لأن
من سنّة المعتمر أن لا يطوف بالبيت متنفلاً حتى يكمل عمرته، ويتحلّل منها
بالحلاق، وقد قال مالك، فيمن طاف وسعى لعمرته ليلاً، فأخّر الحلاق حتى
يصبح: لا يتنفل بطواف، ولا يدخل البيت، ولا يقربه حتى يحلق، قال أصبغ
في ((العتبية)) و((الموازية)): فإن فعل فلا شيء عليه، قال مالك: ولا يدخل البيت
حتى يحلق، فإن فعل فذلك واسع، انتهى.
وقال محمد في ((موطئه))(١) بعد أثر الباب: لا يعجبنا له أن يعود في
الطواف حتى يحلق أو يقصر كما فعل القاسم، انتهى.
وفي ((التعليق الممجد))(٢): أي لا يسرنا ولا يستحب عندنا، وذلك ليقع
التوالي بين طواف العمرة والحلق من غير فصل بينهما، وإن كان ذلك أيضاً
جائزاً، انتهى.
وذكر الشيخ في ((المسوى)) (٣) بعد أثر الباب: عليه أهل العلم أن السنة
ذلك، انتهى. وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب من لم يقرب الكعبة ولم
(١) (ص١٥٩) ((باب دخول مكة وما يستحب من الغسل قبل الدخول)).
(٢) (٣٧٢/٢).
(٣) ((المسوّى)) (٤٠٩/١).
١٢٨

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٧) حديث
قَالَ: وَرُبَّمَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَأَوْتَرَ فِيهِ، وَلَا يَقْرَبُ الْبَيْتَ.
قَالَ مَالِكٌ: التَّفَتُ حِلَاقُ الشَّعَرِ، وَلُبْسُ الثِّيَابِ، وَمَا يَتْبَعُ
ذُلِكَ .
صَلى اللهـ
ـيم
يطف حتى يخرج إلى عرفة))، وأورد فيه حديث ابن عباس، قال: قدم النبيّ
مكة، فطاف، وسعى، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة.
قال الحافظ(١): وهو ظاهر فيما ترجم له، وهذا لا يدلّ على أن الحاج
منع من الطواف قبل الوقوف، فلعله بَله ترك الطواف تطوّعاً خشية أن يظنّ أحد
أنه واجب، وكان يحب التخفيف على أمّته، وبنحو ذلك جزم العيني
والقسطلاني.
(قال) عبد الرحمن: (وربما دخل) أبوه (المسجد) في آخر الليل (فأوتر
فيه) أي صلّى الوتر (ولا يقرب البيت) لئلا يوهم أن للعمرة طوافين.
(قال مالك) في تفسير قوله عزّ اسمه: ﴿لْيَقْضُوْ تَفَتَهُمْ﴾: (التفث حِلاق
الشعر) بكسر الحاء مصدر وفي بعض النسخ (٢): إحلاق (ولبس الثياب) بضم
اللام مصدر أيضاً (وما يتبع ذلك) من قصّ الأظفار والاغتسال بالخطمي،
والأشنان ونحو ذلك.
وفي ((المحلى)): اختلف أهل اللغة في التفث، فقيل: هو الوسخ، وقيل:
هو إزالته، وكلام الإمام مالك هذا يشير إلى الثاني، وقوله سابقاً: إلقاء التفث
يفهم منه المعنى الأول، قلت: هذا على أكثر النسخ، وفي بعضها لههنا أيضاً:
إلقاء التفث، وقال ملك العلماء مستدلاً على وجوب الحلق والتقصير: ولنا قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوْ تَفَثَهُمْ﴾، وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن
التفث حلاق الشعر ولبس الثياب، وما يتبع ذلك، وهو قول أهل التأويل: إنه
(١) ((فتح الباري)) (٤٨٦/٣).
(٢) في ((الاستذكار)) (١١١/١٣): حِلاق الشعر.
١٢٩

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٧) حديث
قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلِ نَسِيَ الْحِلَاقَ بِمِنَىَّ فِي
الْحَجِّ، هَلْ لَهُ رُخْصَةٌ فِي أَنْ يَحْلِقَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: ذَلِكَ وَاسِعٌ،
وَالْحِلَاقُ بِمَنْىَ أَحَبُّ إِلَيَّ.
حلق الرأس وقص الأظافر والشارب، ولأن التفث في اللغة الوسخ، يقال:
امرأة تفثة إذا كانت خبيثة الرائحة، انتهى.
وقال ابن العربي في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَنَّهُمْ﴾(١): أي ليقضوا
حوائجهم من الحلق ونحوه، وقال الزَجَّاج: هو الأخذ من الشارب، وتقليم
الأظفار، أو نتف الإبط، والخروج من الإحرام، انتهى.
وقال الرازي في تفسيره (٢): قال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث
إلّا من التفسير، وقال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق
الإنسان، فيجب عليه نقضها، والمراد لههنا قص الشارب والأظفار ونتف الإبط
وحلق العانة، والمراد من القضاء إزالة التفث، وقال القفال: قال نفطويه:
سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله: ﴿لَيَقْضُواْ تَفَنَهُمْ﴾؟ قال: ما أُفُسِّر القرآن،
ولكنّا نقول للرجل: ما أتفتك، وما أدرَنَك، ثم قال القفال: وهذا أولى من
قول الزجاج، لأن القول قول المثبت لا النافي، انتهى.
وقال الراغب(٣): أصل التفث: وسخ الظفر وغير ذلك، مما شأنه أن يزال
عن البَدَنِ، انتهى. وأخرج السيوطي في ((الدر)) الآثار المختلفة في تفسير ذلك.
(قال يحيى: وسئل) ببناء المجهول (مالك) الإمام (عن) حكم (رجل نسي
الحلاق بمنى) ليس في النسخ الهندية بمنى، لكنه مراد (في الحج، هل له رخصة في
أن يحلق بمكة؟ قال) مالك: (ذلك واسع) أي جائز (والحِلاق بمنى أحبّ إليّ)، قال
(١) سورة الحج: الآية ٢٩.
(٢) ((التفسير الكبير)) (٣٠/٢٣).
(٣) ((مفردات القرآن)) (ص ١٦٥).
١٣٠
---

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٧) حديث
الباجي(١): موضع الحلاق في الحج منى، وفي العمرة مكة، وإنما يتعلق بهذين
الموضعين على أنه المشروع على الاستحباب، وقد قال مالك في الذي يذكر
الحلاق بمكة قبل الطواف الإفاضة لا يطوف، وليرجع إلى منى، فيحلق، ثم
يفيض، قال: فإن لم يفعل وحلق بمكة أجزأ عنه، وقد روى ابن القاسم فيمن
حلق في الحل أيام منى: لا أرى عليه شيئاً إذا حلق في أيام منى، انتهى.
وقال الدردير: إن وَطِئ قبل الحلق فدمٌ كتأخير الحلق، ولو سهواً لبلده، وكذا
تأخيره حتى خرجت أيام الرمي ولو مقيماً بمنى، قال الدسوقي(٢): قوله: وكذا تأخيره
هذا خلاف ما تفيده ((المدونة))، ونصّها: الحلاق يوم النحر بمنى أحبّ إليّ وأفضل، وإن
حلق بمكة أيام التشريق أو بعدها أو حلق في الحل في أيام منى فلا شيء عليه، انتهى.
فعلم منه أنهم اختلفوا في تقييد الحلاق بالزمان والمكان، وقال
الموفق(٣): يجوز تأخير الحلق والتقصير إلى آخر أيام النحر، فإن أخّره عن
ذلك، ففيه روايتان، إحداهما: لا دم عليه، وبه قال عطاء وأبو يوسف وأبو
ثور، ويشبه مذهب الشافعي لأنه تعالى بَيَّن أوّل وقته بقوله: ﴿ وَلَا تَخْلِّقُواْ
رُءُوسَكُمٍ﴾(٤) الآية، ولم يبيّن آخره فمتى أتى به أجزأه، وعن أحمد: عليه دم
بتأخيره وهو مذهب أبي حنيفة لأنه نسك أخّره عن محله، ومن ترك نسكاً فعليه
دم، ولا فرق في التأخير بين القليل والكثير والعامد والساهي، انتهى.
وفي ((الروض المربع)) (٥): الحلق والتقصير نسك، في تركهما دم، ولا
يلزم بالتأخير عن أيام منى، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٣٠/٣).
(٢) ((حاشية الدسوقي)) (٤٧/٢).
(٣) ((المغني)) (٣٠٦/٥).
(٤) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
(٥) (٥١٥/١).
١٣١

٢٠ - كتاب الحج
(٦٠) باب
(٨٧٧) حديث
قَالَ مَالِكٌّ: الأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، أَنَّ أَحَداً لَا
يَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعَرِهِ، حَتَّى يَنْحَرَ هَدْياً، إِنْ كَانَ مَعَهُ،
وقال النووي في ((مناسكه)): إن في الحلق والتقصير قولين للشافعي وغيره
من العلماء، أحدهما: أنه استباحة محظور، والثاني: وهو الصحيح أنه نسك،
وهو ركن لا يصح الحجّ إلّا به، ولا يجبر بدم ولا غيره، ولا يفوت وقته ما
دام حيّاً، لكن أفضل أوقاته أن يكون عقيب النحر، ولا يختصّ بمكان، لكن
الأفضل أن يكون بمنى، فلو فعله في بلد آخر، إمّا في وطنه، وإمّا في غيره
جاز، لكن لا يزال حكم الإحرام جارياً عليه حتى يحلق، انتهى.
وفي (شرح اللباب))(١): يختص حلق الحاج بالزمان والمكان عند أبي
حنيفة. ولا يختص بواحد منهما عند أبي يوسف على ما في ((الهداية)) و((شرح
الجامع)) وغيرهما، وذكر الكرماني والسروجي عن أبي يوسف أن الحلق
يختص بالزمان دون المكان، وعند محمد يتوقت بالمكان، وعند زفر يتعيّن
بالزمان لا المكان، فالزمان أيام النحر الثلاثة ولياليها، والمكان الحرم،
والتخصيص في التوقيت للتضمين بالدم لا للتحليل، فلو حلق أو قصر في غير
ما تَوَقَّت به لزمه الدم، ولكن يحصل به التحلّل في أي مكان وزمان أتى به بعد
دخول وقته أي أوان تحلّله، انتھی.
(قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا) بالمدينة المنوّرة (أن أحداً لا
يحلق رأسه، ولا يأخذ من شعره) من الإبط، والشوارب، والعانة وغيرها (حتى
ينحر هدياً، إن كان معه) وقد تقدّم قريباً أن ذلك على السُّنِّية، فإن عكسه فلا
شيء عليه في المشهور من مذهب مالك. وهو كذلك عند أبي حنيفة في حق
المفرد، وأمّا القارن والمتمتّع فالترتيب بين الذبح والحلق واجب عنده يجب
الدم بتركه، وأنت خبير بأن قول مالك في ((الموطأ)) يؤيّد الثاني، ولذا مال ابن
الماجشون إلى وجوب الدم.
(١) (ص١٢٣).
١٣٢

٢٠ - كتاب الحج
(٦١) باب
(٨٧٨) حدیث
وَلَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ، حَتَّى يَحِلَّ بِمِنِىَ يَوْمَ الْنَّحْرِ، وَذُلِكَ
أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: ﴿وَلَ غَحَلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَى بَلْغَ اَلْهَدِىُّ ◌َحِلَّمْ﴾ ..
(٦١) باب التقصير
١٨٦/٨٧٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجِّ، لَمْ
يَأْخُذْ مِنْ رَأْسِهِ وَلَا مِنْ لِحْيَتِهِ شَيْئاً، حَتَّى يَحْجَّ .
(ولا يحل) بفتح المثناة التحتية وكسر الحاء المهملة (من شيء حرم عليه)
بالإحرام (حتى يحل) من إحرامه (بمنى يوم النحر و) دليل (ذلك أن الله تبارك
وتعالى قال: ﴿وَلَا تَخَلِقُواْ رُءُوسَكُمْ خَى بَلْغَ اَلْهَدَىُ مَحِنَّهُ﴾(١)) والمراد بالبلاغ النحر في
محلّه، فقد قال عزّ اسمه في جزاء الصيد: ﴿هَدِّيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾(٢)، ومعناه
منحوراً بها، فإنه لو مات بها الهدي قبل أن يذبح لما أجزأ عن جزاء الصيد.
(٦١) التقصير
قد عرفت في مبدأ الباب السابق أن الحلق والتقصير سِيَّن في التحليل،
ولا فرق بينهما إلّا أن الحلاق أفضل، فمقصود المصنف بهذه الترجمة بيان
الشعور المتفرقة من قصّ الشارب وأطراف اللحية، وبيان الأحكام المتفرقة من
باب الحِلاق كالنسيان وغيره، وَعَّره بلفظ التقصير تنبيهاً على اختلا ف الغرض
من الترجمتين، ولما أن أكثر الآثار الواردة في هذا الباب من لفظ التقصير.
١٨٦/٨٧٨ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(كان إذا أفطر من رمضان، وهو يريد الحج) في هذه السنة (لم يأخذ من رأسه) أي لا
يحلقه ولا يقصره (ولا من لحيته) أي من أطرافها (شيئاً) من الشعور (حتى يحج)
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
(٢) سورة المائدة: الآية ٩٥.
١٣٣

٢٠ - كتاب الحج
(٦١) باب
(٨٧٩) حديث
قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ ذُلِكَ عَلَى النَّاسِ.
٨٧٩/ ١٨٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ إِذَا حَلَقَ فِي حَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ، أَخَذَ مِنْ لِحْيَّتِهِ وَشَارِبِهِ.
طلباً لتوفير ما يأخذ من ذلك في حجّه عند الحلاق، ولذا استحبوا للمعتمر أن
لا يحلق إذا كان بقرب الحج، ليُوَفِّر شعره للحلاق في الحج، وطلباً لمزيد
الشعث المطلوب في الحج، فقد قال النبيّ ◌َّر: ((الحاج الشعث التَفِل))، ولذا
قال عمر - رضي الله عنه - : يا أهل مكة ما شأن الناس يأتون شُعئاً وأنتم
مدهنون (قال مالك: وليس ذلك على الناس).
قال الباجي(١): يريد أنه لا يجب على الناس التزام مثل هذا على وجه
الوجوب، ويحتمل أن يريد أنه ليس عليهم على وجه الندب والاستحباب، لأنه
لم يرو ما يؤيّده عند مالك، ولما فيه من طول الشعث، وتقديم الامتناع من
الأخذ من الشعر قبل الإحرام بمدة طويلة، انتهى.
قلت: والظاهر عندي الأول، فإنه سيأتي في آخر الباب تحت أثر سالم
ما قد روي في ((المجموعة)) عن مالك من قوله: أما شعر رأسه، فأحبّ إليّ أن
يُعْفَى، ويوَفَّر للشعث، وكذا يأتي عن القاري من الحنفية أن المستحب إبقاء
شعر الرأس تثقيلاً لميزان الأجر.
١٨٧/٨٧٩ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(كان إذا حلق) رأسه (في حج أو عمرة) وتحلَّل من الإحرام (أخذ من لحيته
وشاربه) أي قصر من أطرافهما أيضاً لطولهما لتركه الأخذ منهما من أول شوال
كما تقدم، لا لأنه من تمام التحلل، قال صاحب ((المحلى)): زاد أبو داود:
كان يقبض بيده على لحيته، ويأخذ من طرفها مما يخرج من قبضته، قال
الربيع: وكان مالك يقول: ليس على أحد الأخذ من لحيته وشاربه، وإنما
النسك في الرأس، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٣٢/٣).
١٣٤
------

٢٠ - كتاب الحج
(٦١) باب
(٨٧٩) حدیث
قال الباجي(١): يريد أنه كان يقصّ منهما مع حلق رأسه، وقد استحبّ
ذلك مالك لأن الأخذ منهما على وجه لا يغيّر الخلقة من الجمال،
والاستئصال لهما مُثْلة كحلق رأس المرأة، فمنع من استئصالهما، انتهى.
قال الموفق(٢): يستحب لمن حلق أو قصر تقليم أظفاره، والأخذ من
شاربه؛ لأن النبيّ ◌َّ فعله، وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله وَلل لما حلق
رأسه قلم أظفاره، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يأخذ من شاربه
وأظفاره، وكان عطاء وطاوس والشافعي يحبون لو أخذ من لحيته شيئاً، انتهى.
وفي ((اللباب))(٣): ويستحب بعد الحلق أخذ الشارب وقص الظفر، وقال
الزيلعي: يستحب له إذا حلق رأسه أن يقص ظفره وشواربه، ولا يأخذ من
لحيته شيئاً لأنه مثلة، ولو فعله لا يجب عليه شيء.
قال القاري(٤): وفيه أنه ورد في السنة إصلاح اللحية بما يزيد على القبضة
فلا يكون أخذها مثلة، بل حلقها مثلة، نعم الظاهر أنه لا يستحب شيء من ذلك
سوى الحلق أو التقصير في هذا المقام اقتداء به ◌َّل#، وإن كان الحلق متضمناً
للإذن بقضاء التفث بعد فراغ الإحرام، ففي ((البدائع)) (٥): ليس على الحاج إذا
حلق أن يأخذ من لحيته لله تعالى، فإن هذا ليس بشيء، لأن الواجب حلق الرأس
بالنص، ولأن حلق اللحية من باب المثلة، ولأن ذلك تشبيه بالنصارى، انتهى.
فالظاهر أن من أنكر ذلك من الحنفية أنكر كونه من باب التحلّل، أو حلق
اللحية، وإلا فما كان من باب قضاء التفث مندوب برأسه.
(١) ((المنتقى)) (٣٢/٣).
(٢) ((المغني)) (٣٠٧/٥).
(٣) (شرح اللباب)) (ص١٣٣).
(٤) (شرح اللباب)) (ص١٢٢).
(٥) (بدائع الصنائع)) (٣٣٠/٢).
١٣٥

٢٠ - كتاب الحج
(٦١) باب
(٨٨٠) حديث
١٨٨/٨٨٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمنِ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَفَضْتُ،
وَأَفَضْتُ مَعِي بِأَهْلِي، ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى شِعْبِ،
ولذا قال شيخنا الدهلوي في ((المسوى))(١) بعد أثر الباب: وعليه أهل
العلم أن ذلك حسن، وذكر شيخنا الكنكوهي في ((مناسكه)): يستحب بعد
الحلق الأخذ من شواربه، وتقليم أظفاره، وفي ((الغنية)): يستحب قص أظفاره
وشاربه واستحداده بعد حلق رأسه ((غاية السروجي))، انتهى.
وقال محمد بعد أثر الباب: ليس هذا بواجب من شاء فعله ومن شاء لم
يفعله، انتهى. وفي هامشه(٢): أي ليس أخذ اللحية والشارب واجباً بل مسنون
أو مستحب، أو يقال: ليس هذا من واجبات الحج ومناسكه كحلق الرأس
وتقصيره، وإنما فعله ابن عمر - رضي الله عنهما - اتفاقاً، انتهى.
١٨٨/٨٨٠ - (مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) فروخ الرأي (أن
رجلاً) لم يسمّ (أتى القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق (فقال: إنّي أفضت)
أي طفت طواف الإفاضة (وأفاضت معي أهلي) هكذا في جميع النسخ الهندية
غير ((المصفى))، وهو ظاهر أي طافت معي زوجتي طواف الإفاضة، وفي نسخة
((المصفَى)): وأفضت معي بأهلي، وهكذا في أكثر النسخ المصرية(٣)، وهو
أيضاً ظاهر للتعدية بالباء، وفي بعض النسخ المصرية: أفضت معي أهلي بدون
الباء، وهو لا يصح إلا على المعنى اللغوي من الإفاضة بمعنى الإسالة.
(ثم عدلت إلى شعب) بكسر الشين المعجمة الطريق في الجبل، ومسيل
(١) (٣٩١/١).
(٢) أي ((التعليق الممجد)) (٣٥٤/٢)، وانظر ((الاستذكار)) (١١٥/١٣)، و((مصنف ابن أبي
شيبة)) (٣٧٤/٨ - ٣٧٥).
(٣) وكذا في ((الاستذكار)) (١١٤/١٣).
----
١٣٦
.

٢٠ - كتاب الحج
(٦١) باب
(٨٨٠) حدیث
فَذَهَبْتُ لِأَدْنُو مِنْ أَهْلِي، فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أَقَصِّرْ مِنْ شَعَرِي بَعْدُ،
فَأَخَذْتُ مِنْ شَعَرِهَا بِأَسْنَانِي،
الماء في بطن أرض أو ما انفرج بين الجبلين (فذهبت لأدنو من أهلي) أريد أن
أجامعها (فقالت: إني لم أقصر من شعري بعد) بضم الدال أي إلى الآن، قال
الباجي(١): منعته الدنوّ منها، ومعناه الجماع لما لم تكن قصرتْ بعد، وهذا
يقتضي أن من طاف للإفاضة، ولم يحلق، فإنه لا يجامع أهله، لأنه قد بقي
عليه شيء من التحلّل لأن الحلاق من التحلّل في الحج، انتهى.
ولا يشكل عليه أن التحلل الأصغر يحصل عند المالكية بمجرد الرمي يوم
النحر، ولا يتوقف على الحلاق كما تقدم في غسل المحرم، لأن الجماع
يتوقف على التحلل الأكبر، وهو لا يحصل إلا بعد تمام النسك.
قال الدردير (٢): حل بطواف الإفاضة ما بقي من نساء وصيد وطيب وهو
التحلّل الأكبر إن حلق وقصر وكان قد سعى عقب القدوم، وإلا لم يحل إلا
بسعيه بعد الإفاضة، وإن لم يكن حلق ووطئ قبل الحلق وبعد الإفاضة فَدَمٌ،
انتھی .
وهو كذلك عند الأئمّة الثلاثة الباقية، كما تقدم التصريح عن ((الروض
المربع)) و(مناسك النووي))، بأن التحلّل الثاني يحصل بالأمور الثلاثة من
الرمي، والحلق، والطواف.
وفي ((شرح اللباب))(٣): حكم الحلق التحلل فيباح به جميع ما حظر
بالإحرام إلا الجماع ودواعيه، فإنه يتوقف حلَّه على طواف الإفاضة إن وجد
الطواف بعد الحلق، وإن طاف قبل الحلق لم يحل النساء، انتهى.
(فأخذت من شعرها بأسناني) جمع سن، وهذا جائز عند الحنفية أيضاً إذا
(١) ((المنتقى)) (٣٢/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤٦/٢).
(٣) (ص١٢٤).
١٣٧

٢٠ - كتاب الحج
(٦١) باب
(٨٨٠) حديث
ثُمَّ وَقَعْتُ بِهَا، فَضَحِكَ الْقَاسِمُ وَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهَا
بِالْجَلَمَيْنِ .
قصر مقدار الربع الواجب، قال القاري: لو أزال الشعر بالنورة أو النتف بيده
أو أسنانه، يعني في التقصير بفعله أو فعل غيره أجزأه، انتهى.
(ثم وقعت بها) أي نكتها (فضحك القاسم بن محمد) تعجباً بما أخبره به
عن نفسه من الحرص على الجماع والتسبّب له، وإقامته القص بأسنانه لشيء
من شعرها مقام التقصير حرصاً على بلوغ ما أراده، كذا في ((المنتقى))(١).
(فقال: مرها فلتأخذ من شعرها بالجلمين) بفتح الجيم واللام وبالميم بلفظ تثنية
الجلم - بفتحتين - المقراض يقال فيه: الجلم، والجلمان كما يقال: المقراض
والمقراضان، والقلم والقلمان، ويجوزأن يجعل الجلمان والقلمان اسماً واحداً
على فعلان كالسرطان، وتجعل النون حرف إعراب، ويجوز أن يبقيا على
بابهما في إعراب المثنى، فيقال: شريت الجلمين، قاله ((المصباح)). وفي
((المجمع))(٢): الجلم الذي يجزّ به الشعر والصوف، والجلمان شفرتاه، انتهى.
قال أبو عمر: إنما قال ذلك لأن التقصير بالأسنان ليس هو من الشأن، ولم
يفعل الرجل حراماً لأن الوطء بعد الإفاضة حلال لكنه أساء بوطئها قبل أن تقصر
فعليها التقصير لا غير، ولم يرَ القاسم الدم لقوله ◌َّر: ((افعل ولا حرج))، انتهى.
قاله الزرقاني(٣)، وسكت عليه، ولم أتحصله بعد لأن حلة الوطء بعد الإفاضة إنما
تتوقف على الفراغ من الحلق أو التقصير، كما تقدمت النصوص بذلك قريباً، فإذا
لم يعتبر أبو عمر هذا التقصير، فكيف قال: إن الوطء بعد الإفاضة حلالٌ؟
وكذا ما قال الباجي (٤) قوله: مُرْها ... إلخ، يحتمل أمرين، أحدهما:
(١) ((المنتقى)) (٣٢/٣).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣٧٨/١).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٥١/٢).
(٤) ((المنتقى)) (٣٣/٣).
١٣٨
.-.
-----

٢٠ - كتاب الحج
(٦١) باب
(٨٨٠) حديث
أنه علم أن أخذه من شعرها بأسنانه لا يمكنه استيعاب جميع شعرها بالتقصير،
وكان يرى أن لا يجزئ إلا الاستيعاب، فأمره أن يقصر بالجلمين، لأنهما مما
يمكن الاستيعاب بهما، ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن يعتقد أنه لا يجزئ الأخذ
من الشعر بالأسنان ولا بغيرها، إلّا ما كان من الحديد الذي اعتيد التقصير به،
وأمّا التقصير بالأضراس، فإنه لا يقوم مقام القصّ بالجلمين، انتهى. بعيد
أيضاً، فإن القاسم عندهم لما لم يكتف بهذا القص، إمّا لعدم الاستيعاب أو
لعدم الحديد، فكيف لم يأمره بالدم لجناية الوطء على الإحرام؟
فالأوجه عندي أن القاسم اعتبر بهذا التقصير، وإليه مال صاحب
((المحلّى))؛ إذ قال فيه: إن القاسم اعتبر الأخذ بالأسنان حلقاً، ولم يأمره
بالغداء، وقوله: مُرْها، معناه: إن اتّفق لك مثل ذلك مرّة أخرى، فلتأخذ
بالجلمين، قال الشافعي في ((الأمّ)): هذا كما قال القاسم: إذا قصر من شعرها
بالأسنان أجزأ عنها من الجلمين، انتهى.
وبه جزم شيخنا في ((المسوى)) (١)، إذ بَوَّب على أثر الباب ((باب إذا قصر
بالأسنان جاز))، وقال بعد أثر الباب: فيه أن القاسم اعتبر الأخذ بالأسنان
حلقاً، ولم يأمره بالفداء، وقوله: ((مُرْها فلتأخذ)) معناه: إن اتّفق مثل ذلك مرة
أخرى فلتأخذ بالجلمين لأنه هو السنّة، انتهى.
ويحتمل عندي أن قوله: ((مُرْها)) محمولٌ على هذا الوقت أيضاً، لتكميل
السنة وتسوية الشعر، فإن المأخوذ بالأسنان من الشعور لا تتساوى، ثم ما في
((الحواشي)) من أن الأثر لا يوافق المالكية، لأن تقصير جميع الرأس متعذّر
بالأسنان، وإليه يشير كلام أبي عمر والباجي المتقدم إذ لم يعتبر هذا التقصير،
فهذا أيضاً مشكل؛ لأن الإمام مالكاً - رضي الله عنه - إن لم يعتبر بهذا التقصير
(١) (١/ ٣٩٢).
١٣٩

٢٠ - كتاب الحج
(٦١) باب
(٨٨٠) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: أَسْتَحِبُّ فِي مِثْلِ هُذَا أَنْ يُهْرِقَ دَماً، وَذُلِكَ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ نَسِيَ
------- --
أوجب عليه الدم، ولم يوجب عليه، بل استحبّه كما سيأتي التصريح به.
فالظاهر عندي أن مالكاً - رضي الله عنه - أيضاً اعتبره، واستحب الدم
لمعنى آخر سيأتي بيانه، اللّهمّ إلّا أن يقال: إن كلامه الآتي بلفظ الاستحباب
مؤّل، فيصحّ حينئذ أن يقال: إن مالكاً - رضي الله عنه - لم يكتفِ بهذا
التقصير .
(قال مالك: أستحب في مثل هذا أن يهريق دماً) قال الزرقاني(١): قوله:
في مثل هذا أي في تقديم الإفاضة على الحلق أن يهريق دماً ولا يجب،
انتھی .
فهذا نصّ من الزرقاني على أن الدم ليس بواجب، فلا بدّ أن مالكاً اعتبر
بهذا التقصير وإلا أوجب الدم للوطء قبل التخلّل الأكبر، كما تقدم النص بذلك
عن الدردير، وإنما استحبّ مالك - رضي الله عنه - الدم في هذا لتركه سنّة
الترتيب، ولذا فسّر الزرقاني قوله في مثل هذا بقوله في تقديم الإفاضة على
الحلق.
وأمّا إذا قيل: إن مالكاً - رضي الله عنه - لم يعتبر بهذا التقصير، فيأوّل
قوله: أستحبّ، كما قال الباجي : يجوز أن يكون مالك - رحمه الله - یرید
بقوله: أستحب له أنه يستحب إيجابه عليه، ويكون قول من أوجب ذلك أحبّ
إليه من قول من لم يوجبه، فيكون الهدي على هذا القول واجباً، انتهى.
(وذلك) أي وجه استيعاب الهدي أو إيجابه (أن عبد الله بن عباس)
- رضي الله عنه - (قال) كما رواه الإمام مالك بنفسه كما سيأتي، فيما يفعل من
نسي من نسكه شيئاً، برواية أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (من نسي)
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥١/٢).
١٤٠