النص المفهرس
صفحات 81-100
٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧١) حدیث القول الثاني: ما ذهب إليه غير واحد من شرّاح الحديث والمؤرخين أن خروجه ◌َّر من المدينة كان لست بقين من ذي القعدة يوم الخميس وهو مختار ابن حزم في ((حجة الوداع))، كما حكاه عنه ابن القيم في ((الهدي))، وبسط في الردّ عليه مع ذكر كلامه مفصَّلاً، وهو أيضاً مختار العيني في ((شرح البخاري)) وبسط في إثباته، وأوّلا ما ورد من حديث عائشة وابن عباس لخمس بقين إلى أن المراد في هذين الحديثين الركوب والارتداف والخروج من ذي الحليفة، وهو ظاهر حديث ابن عباس عند البخاري المتقدم قريباً لفظه، لكن ما ذكره البخاري في ((باب الخروج من آخر الشهر)) عن ابن عباس: ((انطلق النبيّ وَّ من المدينة لخمس ليال بقين من ذي القعدة))، الحديث، يأبى عن ذلك التوجيه. ويؤيّد هذا القول أيضاً ما حكاه العيني(١) عن الواقدي عن أفلح بن حميد عن أبيه عن ابن عمر: أن هلال ذي الحجّة كان ليلة الخميس اليوم الثامن من يوم خروجه منَّ، انتهى. وبه جزم الشيخ محيي الدين ابن عربي في ((المسامرات)) إذ قال: وخرج رسول الله وَ لجر عامداً إلى مكة، فأخذ على طريق الشجرة، وذلك يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة بعد أن صلّى الظهر بالمدينة، فصلّى العصر من ذلك اليوم بذي الحليفة، وبات ليلة الجمعة إلى أن قال: واستهلّ هلال [ذي] الحجة ليلة الخميس اليوم الثامن من يوم الخروج من المدينة، انتهى. والثالث: مختار المحققين منهم أن خروجه 8ّ* كان لخمس بقين من ذي القعدة يوم السبت، وبه جزم ابن القيم في ((الهدي))، وهو مختار الحافظ في ((الفتح)) (٢)؛ إذ قال في حديث ابن عباس: ((أن خروجه من المدينة كان لخمس بقين من ذي القعدة))، أخرجه البخاري في الحج، وأخرجه هو ومسلم من (١) ((عمدة القاري)) (٦٧/٧). (٢) ((فتح الباري)) (٣/ ٤٠٧). ٨١ ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧١) حديث حديث عائشة مثله، وجزم ابن حزم بأن خروجه كان يوم الخميس، وفيه نظر؛ لأن أول ذي الحجة كان يوم الخميس قطعاً، لما ثبت وتواتر أن وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، فتعيّن أن أوّل الشهر يوم الخميس، فلا يصح أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة لكن ثبت في ((الصحيحين)) عن أنس: صلّينا الظهر مع النبيّ وَل ﴿ بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فدلّ على أن خروجهم لم يكن يوم الجمعة، فما بقي إلّا أن يكون خروجهم يوم السبت، ويحمل قول من قال: ((لخمس بقين)) أي إن كان الشهر ثلاثين، فاتّفق إن جاء تسعاً وعشرين، فيكون يوم الخميس أوّل ذي الحجّة بعد مضيّ أربع ليال لا خمس، وبهذا تتفق الأخبار، هكذا جمع الحافظ عماد الدين بن كثير (١) بين الروايات. وقال في موضع آخر: كذا أجاب به جمع من العلماء. ويحتمل أن يكون الذي قال: لخمس بقين، أراد ضمّ يوم الخروج إلى ما بقي، انتهى. وقوي هذا الجمع بقول جابر، أنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة أو أربع، وكان دخوله له مكة صبح رابعة، كما ثبت في حديث عائشة، وذلك في يوم الأحد، وهذا يؤيّد أن خروجه من المدينة كان يوم السبت كما تقدم، فيكون مكثه في الطريق ثمان ليال وهي المسافة الوسطى، انتهى. وقال في موضع آخر: ويؤيّده ما رواه ابن سعد والحاكم في ((الإكليل)): أن خروجه وَلّ من المدينة كان يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة، انتهى. وقال الشيخ ابن القيم(٢): وجه ما اخترناه أن الحديث صريح في أنه خرج لخمس بقين، وهي يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، فهذه (١) انظر: (البداية والنهاية)) (١٣١/٥). (٢) ((زاد المعاد)) (٩٨/٢). ٨٢ ----- --- -- ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧١) حدیث وَلَا نُرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ، خمس، وعلى قول ابن حزم يكون خروجه لسبع بقين، فإن لم يعدَّ يوم الخروج كان لستِّ، وأيّهما كان فهو خلاف الحديث، وإن اعتبر الليالي كان خروجه لستِّ ليال بقين لا لخمس، فلا يصح الجمع بين خروجه يوم الخميس، وبين بقاء خمس من الشهر البتّة، بخلاف ما إذا كان الخروج يوم السبت، كان الباقي بيوم الخروج خمس بلا شك، ويدلّ عليه أن النبيّ وَّ ذكر لهم في خطبته شأن الإحرام، وما يلبس المحرم بالمدينة على منبره. والظاهر أن هذا كان يوم الجمعة؛ لأنه لم ينقل أنه جمعهم، ونادى فيهم لحضور الخطبة، وقد شهد ابن عمر - رضي الله عنهما - هذه الخطبة بالمدينة على منبره، انتهى. وبه جزم صاحب ((الخميس)) وغيره. قلت: ويؤيّده أيضاً أن المساجد التي ذكرها البخاري في ((صحيحه)) بين مكّة والمدينة هي ثمانية، توافق أكثرها هذه المنازل التي تذكر في حجّة الوداع، ويؤيّده ما قال الحافظ: إن مكثه ◌َلّ كان في الطريق ثمان ليال. (ولا نرى) بضم النون أي لا نظن على ما ضبطه أكثر الشرّاح، قال العيني: جملة في محل النصب على الحال (إلاّ أنه الحج) هكذا في الصحيحين وغيرهما من رواية أبي الأسود عنها: خرجنا مع رسول الله صل لا نرى إلا الحج، وللبخاري من وجه آخر عن أبي الأسود عن عروة عنها: ((مهلّين بالحج))، ولمسلم عن القاسم عنها: ((لا نذكر إلّا الحج))، وله أيضاً: ((ملبّين بالحج))، ويشكل على هذه الروايات ما تقدم في إفراد الحج عنها: ((خرجنا مع رسول الله وَّ﴾، فمنّا من أهلّ بعمرة، ومنّا من أهل بحجّة وعمرة، ومنّا من أهل بالحج)». فحمل الزرقاني(١) وغيره من شرّاح الحديث الروايات الأُوَل على أوّل (١) (شرح الزرقاني)) (٣٤٤/٣). ٨٣ ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧١) حديث فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، الأمر؛ إذ خرجوا من المدينة لا يرون إلا الحج، لما كانوا يعهدون من ترك الاعتمار في أشهر الحج، والروايات المتضمّنة لأنواع الحج على آخر الأمر، إذ بيّن لهم النبيّ ◌َّ وجوه الإحرام، وجَوَّز لهم الاعتمار في أشهر الحج، وجمع بينهما القاري بأن قولها: ((لا نذكر إلا الحج))، أي ما كان قصدنا الأصلي من هذا السفر، إلا الحج بأحد أنواعه من القران والتمتّع والإفراد، فمنّا من أفرد، ومنّا من قرن، ومنّا من تمتع، انتهى. فعلى هذا يكون الاستثناء باعتبار الأنواع الأُخَر من سفر الجهاد وغيره، وقال ابن القيم: فيالله العجب، أيظن بالمتمتع أنه خرج لغير الحج، بل خرج للحج متمتعاً، كما أن المغتسل للجنابة إذا بدأ فتوضأ، لا يمتنع أن يقال: خرجت لغسل الجنابة، انتهى. وأجاب عنه الشيخ في (البذل)) (١) عن تقرير القطب الكنگوهي - رحمه الله - بأنها أضافته إلى نفسها مجازاً، كما أضافته في قولها بعد ذلك: ((فلما قدمنا تطوفنا))، ومن المعلوم أنها كانت حائضاً عند ذلك، وإنما نسبت فعل الجماعة إليها، انتهى. قلت: والمراد بقوله: كما أضافته بعد ذلك ما في أبي داود من رواية الأسود، وقد أخرجها البخاري أيضاً بلفظ: ((خرجنا مع رسول الله وَلل ولا نرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت))، الحديث، وفيه أيضاً قالت: فحضت فلم أطف بالبيت، قال الحافظ: قوله: ((تطوفنا)) أي غيرها لقولها بعد: فلم أطف، فإنه تبيّن به أن قولها: تطوفنا من العام الذي أُريد به الخاص، انتهى. (فلما دنونا) أي قربنا (من مكة) وكان ذلك بسرف كما جاء عن عائشة، وقال أيضاً بعد وصولهم مكة حين فرغوا من طوافهم بالبيت وسعيهم، كما في (١) ((بذل المجهود)) (٣٩٠/٨). ٨٤ ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧١) حديث أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَثِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌّ، رواية جابر، قال الزرقاني(١): ويحتمل - كما قال عياض وغيره - أنه قاله مرتين في الموضعين، وأن العزيمة كانت آخراً لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، انتهى. وقال ابن القيم: فلمّا كان بسرف قال لأصحابه: من لم يكن معه هديٌّ، فأحبّ أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا، وهذه رتبة أخرى فوق رتبة التخيير عند الميقات، فلما كان بمكة أمر أمراً حتماً من لا هدي معه، أن يجعلها عمرة ويحلّ من إحرامه، ومن معه هدي أن يقيم على إحرامه . (أمر رسول الله وَلّر من لم يكن معه هدي) بإسكان الدال وخفة الياء أو بكسر الأول وشدّ الثاني لغتان، اسم لما يهدى إلى الحرم من الأنعام. قال الباجي(٢): وإنما خصّهم بذلك؛ لأن من كان معه هدي قد قّده أو أشعره، فحكمه أن لا يحل حتى ينحر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ خَى بَ الْخَدْىُ تِلٍَّ﴾(٣)، فمن كان معه هدي، بقي على إحرامه، وأردف الحج على عمرته، ويحتمل أن يكون من لم يكن معه هدي، هو الذي أحرم بالعمرة، فلذلك أمر أن يحل من عمرته، ومن كان معه هدي أحرم بحج، فلذلك لم يحل من حجّه حتى أتمّه، ويؤيّده حديث عروة عن عائشة المتقدم، وهو قولها : ((أمّا من أهلّ بعمرة فحل، وأمّا من أهلّ بحج، أو جمع الحج والعمرة، فلم يحلّوا حتى كان يوم النحر))، انتهى. قلت: وهذا الاحتمال بعيد، فإنه لم يبق على هذا الاحتمال أحد ممن فسخ الحج إلى العمرة، وقد تضافرت الروايات على ذلك، وأمّا حديث عروة الذي أيّد به هذا الاحتمال، تقدم معناه في إفراد الحجّ. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢/ ٣٤٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٥/٣). (٣) سورة البقرة: الآية ١٩٦. ٨٥ ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧١) حديث إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَنْ يَحِلَّ. (إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة أن يحلّ) بفتح أوّله وكسر ثانيه، أي يصير حلالاً، وهذا هو فسخ الحج إلى العمرة، قال النووي في (شرح مسلم))(١): اختلف العلماء في هذا الفسخ، هل هو خاص للصحابة تلك السنة خاصة، أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصاً، بل هو باقٍ إلى يوم القيامة، فيجوز لكل من أحرم بحج، وليس معه هدي، أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلّل بأعمالها، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختصُّ بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة، ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحجّ. وممّا يستدل به للجماهير حديث أبي ذر عند مسلم: «كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ◌ّ خاصة))، يعني فسخ الحج إلى العمرة، وفي كتاب النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله فسخ الحجّ لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: ((بل لنا خاصة))، وأمّا الذي في حديث سراقة: ألعامنا هذا أم لأبد؟ فقال: (لأبدٍ))، فمعناه جواز العمرة في أشهر الحجّ، انتھی. وقال ابن رشد (٢): نوعان من التمتّع اختلف العلماء فيهما، أحدهما فسخ الحج في عمرة، وهو تحويل النيّة من الإحرام بالحج إلى العمرة، فجمهور العلماء يكرهون ذلك من الصدر الأوّل وفقهاء الأمصار، وذهب ابن عباس إلى جواز ذلك، وبه قال أحمد وداود، وكلّهم متفقون على أن رسول الله وَل أمر أصحابه عام حج بفسخ الحج في العمرة، وبهذا تمسّك أهل الظاهر، والجمهور رأوا ذلك من باب الخصوص، واحتجّوا برواية الحارث بن بلال عن ----- (١) (١٦٧/٨/٤). (٢) ((بداية المجتهد)) (٣٣٣/١). ٨٦ ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧١) حديث قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا، يَوْمَ النَّحْرِ، بِلَحْم بَقَر. فَقُلْتُ: مَا هُذَا؟ أبيه: قلت: يا رسول الله، أفسخ لنا خاصة أم لمن بعدنا؟ قال: ((لنا خاصة))، وهذا لم يصح عند أهل الظاهر صحة يعارض بها العمل المتقدم. وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنّه قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله ◌َّ أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج، وروي عن عثمان أنه قال: متعة الحج كانت لنا وليست لكم، وقال أبو ذر: ما كان لأحد بعدنا أن يحرم بالحج، ثم يفسخه في عمرة، هذا كله مع ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾(١)، والظاهرية على أن الأصل اتّباع فعل الصحابة، حتى يدلّ دليل من كتاب الله، أو سنّة ثابتة على أنه خاص بهم. (قالت عائشة: فدخل) بضم الدال وكسر الخاء مبنياً للمفعول (علينا يوم النحر) بالنصب على الظرفية، أي في يوم النحر (بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟) استدلّ بهذا على أنه ◌ّ# لم يستأذنهن، فقد ترجم عليه البخاري في ((صحيحه)) ((باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن))، قال الحافظ(٢) وغيره من شرّاحه: أمّا قوله: من غير أمرهن، فأخذه من استفهام عائشة عن اللحم، ولو كان ذبحه بعلمها لم يَحتج إلى الاستفهام، لكن ليس ذلك دافعاً للاحتمال، فيجوز أن يكون علمها بذلك تقدم بأن يكون استأذنهن في ذلك، لكن لما أدخل اللحم عليها، احتمل عندها أن يكون هو الذي وقع الاستئذان فيه، وأن يكون غیر ذلك، فاستفهمت عنه لذلك، انتهى. وقال النووي(٣) بعد حديث الباب: هذا محمول على أنه ◌َّ استأذنهن في ذلك فإن تضحية الإنسان عن غيره، لا يجوز إلّا بإذنه، انتهى. وهكذا حكى القاري عن الطيبي. (١) سورة البقرة: الآية ١٩٦. (٢) ((فتح الباري)) (٥٥١/٣). (٣) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٤٧/٨/٤). ٨٧ ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧١) حديث فَقَالُوا : نَحَرَ (فقالوا: نحر) هكذا في رواية عبد الله بن يوسف عن مالك عند البخاري وللشيخين من رواية سليمان بن بلال عن يحيى: ذبح، قال الباجي(١): يحتمل أنه لما استوى ذلك عند الراوي للحديث عبر عن الذكاة بأي اللفظين أمكنه، فعبّر عنها مرة بالذبح، ومرة بالنحر، وترجم البخاري على حديث عبد الله بن يوسف بلفظ الذبح. قال الحافظ (٢): أما التعبير بالذبح مع أن حديث الباب بلفظ النحر، فإشارة إلى ما ورد في بعض طرقه، ونحر البقر جائز عند العلماء، إلّا أن الذبح مستحب عندهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ﴾، وخالف الحسن بن صالح فاستحب نحرها، انتهى. زاد العيني(٣): قال مالك: إن ذبح الجزور من غير ضرورة، أو نحر الشاة من غير ضرورة لم تؤكل، وكان مجاهد يستحب نحر البقر. وقال القدوري: المستحب في الإبل النحر، فإن ذبحها جاز، ويكره، وإنما يكره فعله لا المذبوح، انتهى. وتقدم ((فيما يجوز من الهدي)) عن ((الدر المختار)): حب نحر الإبل وكره ذبحها الحكم في غنم وبقر وعكسه، وعن البدائع: لو ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح، يحل لوجود فري الأوداج، لكنه يكره؛ لأن السنة في الإبل النحر، وفي غيرها الذبح، انتهى. قال ابن رشد(٤): اتّفقوا على أن الذكاة في بهيمة الأنعام نحر وذبح، وإن من سنة الغنم والطير الذبح، ومن سنة الإبل النحر، وإن البقر يجوز فيها الذبح (١) ((المنتقى)) (٢٦/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٥٥١/٣). (٣) ((عمدة القاري)) (٣١٨/٧). (٤) ((بداية المجتهد)) (٤٤٤/١). ٨٨ ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧١) حديث والنحر، واختلفوا هل يجوز عكسه؟ فذهب مالك إلى أنه لا يجوز النحر في الغنم والطير، ولا الذبح في الإبل، وذلك في غير موضع الضرورة، وقال قوم: يجوز جميع ذلك من غير كراهة، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة العلماء. وقال أشهب: إن نحر ما يذبح، أو ذبح ما ينحر أكل، ولكنه يكره، وفرّق ابن بكير في الغنم والإبل، فقال: يؤكل البعير بالذبح، ولا تؤكل الشاة بالنحر . ولم يختلفوا في جواز ذلك في موضع الضرورة ، وسبب اختلافهم معارضة الفعل للعموم، أمّا العموم فقوله عليه الصّلاة والسّلام: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا))، وأمّا الفعل: فثبت أنه لنَّ نحر الإبل والبقر وذبح الغنم، انتهى. وقال الموفق(١): لا خلاف بين أهل العلم أن المستحب نحر الإبل، وذبح ما سواها؛ لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴾﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ﴾(٢)، فإن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح فجائز، وهذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والزهري وقتادة ومالك والليث والثوري وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق وأبو ثور. وحكي عن داود: أن الإبل لا تباح إلا بالنحر، ولا يباح غيرها إلا بالذبح؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ﴾، ولقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴾﴾، والأمر يقتضي الوجوب، وحكي عن مالك: أنه لا يجوز في الإبل إلّا النحر، ولنا، قوله وَ له: ((أمرر الدم بما شئت))، وعن عائشة قالت: نحر رسول الله وَّر في حجة الوداع بقرة واحدة، انتهى. وقد عرفت مذهب الحنفية في ذلك. (١) ((المغني)) (٣٠٤/١٣ - ٣٠٦). (٢) سورة البقرة: الآية ٦٧. ٨٩ ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧١) حدیث رَسُولُ اللَّهِ وَ عَنْ أَزْوَاجِهِ. وفي ((شرح الإقناع)) (١): يسنّ نحر إبل، وذبح بقر وغنم، ويجوز بلا كراهة عكسه، قال البجيرمي: لكنه خلاف الأولى خلافاً للإمام مالك حيث قال: لا يجوز ذلك، وقال ابن المنير: لا أعلم أحداً حرم ذلك، وإنما كرهه مالك فقط ، انتهى. قلت: بل حرمه مالك، قال الدردير(٢): وجب نحر إيل، ووجب ذبح غيره من غنم وطير، فإن نحرت ولو سهواً لم تؤكل إن قدر، وجاز للضرورة أي جاز الذبح في الإبل، والنحر في غيرها للضرورة، كوقوع في مهواة أو عدم آلة ذبح أو نحر إلا البقر، فيندب فيها الذبح، قال الدسوقي: ونحرها خلاف الأولى، ومثل البقر الجاموس وبقر الوحش، فيجوز كل من الذبح والنحر فيهما، ومثل البقر في جواز الأمرين، وندب الذبح ما أشبهه من حمار الوحش وغيره، انتهى. (رسول الله وَ لَّر عن أزواجه) استدلّ بذلك على جواز الاشتراك في الهدايا، والمسألة خلافية تقدمت قريباً مبسوطة، والجمهور على جوازه خلافاً للمالكية . قال ابن بطال: أخذ بظاهره جماعة، فأجازوا الاشتراك في الهدي والأضحية، ولا حجّة فيه، لأنه يحتمل أن يكون عن كل واحدة بقرة، وأمّا رواية يونس عن الزهري عن عمرة عن عائشة: أن رسول الله وَثور نحر عن أزواجه بقرة واحدة، فقد قال إسماعيل القاضي: تفرّد يونس بذلك، وقد خالفه غيره . قال الحافظ(٣): رواية يونس أخرجها النسائي وأبو داود وغيرهما، (١) (٤/ ٢٩٧) . (٢) ((الشرح الكبير)) (١٠٧/٢). (٣) ((فتح الباري)) (٥٥١/٣). ٩٠ ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧١) حديث ويونس ثقة حافظ، وقد تابعه معمر عند النسائي أيضاً، ولفظه أصرح من لفظ يونس، قال: ما ذبح عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة، وروى النسائي أيضاً من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: ذبح رسول الله * عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن، صححه الحاكم وهو شاهد قوي لرواية الزهري. وأمّا ما رواه عمار الدهني عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: ذبح عنّا رسول الله وَّه يوم حجّنا بقرة بقرة، أخرجه النسائي أيضاً، فهو شاذّ، مخالف لما تقدم وقد رواه البخاري في الأضاحي، ومسلم أيضاً من طريق ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم بلفظ: ضحّى رسول الله وَّةٍ عن نسائه البقر، ولم يذكر ما زاده عمار الدُّهني، انتهى. وتعقّبه الزرقاني(١) فقال: لا شذوذ فإن عمار الدهني بضم الدال المهملة وسكون الهاء ونون، ثقة، صدوق، روى له مسلم وأصحاب السنن، فزيادته مقبولة، فإنه قد حفظ ما لم يحفظه غيره، وزيادته ليست مخالفة لغيره، فإن قول معمر: ما ذبح إلا بقرة، المراد بها جنس بقرة، أي لا بعير ولا غنم، فلا ينافي الرواية الصريحة عن كل واحدة بقرة. فمن شرط الشذوذ أن يتعذّر الجمع، وقد أمكن. فلا تأييد لرواية يونس التي حكم إسماعيل القاضي بشذوذها، لأنه انفرد بقولها: واحدة، وحديث أبي هريرة لا شاهد فيه فضلاً عن قوته؛ إذ قوله: ذبح بقرة بينهن لا صراحة فيه أنه لم يذبح سواها، وإن كان ظاهره ذلك فتعارضه الرواية الصريحة في التعدّد، انتھی . وأنت خبير بأن التعقّب ليس بوجيه لأن عماراً ويونس اختلفا في ذلك (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٤/٢). ٩١ ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧١) حديث وعمار إن كان ثقة فلا يساوي يونس، لأنه ثقة حافظ كما تقدم في كلام الحافظ، وقال في ((التقريب)) (١): عمار بن معاوية الدهني الكوفي صدوق يتشيّع، فإذا تعارضنا في الوحدة والتعدّد ترجح حديث يونس، وأيضاً أخرجه أبو داود وسكت عليه، وكذا سكت عنه المنذري، وما قال: إن زيادته ليست بمعارضة لا يصح، فإن رواية يونس صريحة في الوحدة، ولا يمكن الجمع، وقد تابعه على ذلك حديث معمر، ولا يصح إرادة الجنس فيه للتاء الفارقة بين الوحدة والجنس. قال العيني(٢): الفرق بين البقرة والبقر كتمرة وتمر، وعلى تقدير عدم التاء يحتمل التضحية بأكثر من واحدة، انتهى. يعني على وجود التاء لم يبق الاحتمال أيضاً، وقال أيضاً: روى ابن عبد البرّ برواية عروة عن عائشة: ((ذبح رسول الله وَ﴿ عمّن اعتمر من نسائه بقرة))، انتهى. وله شاهد من حديث أبي هريرة بلفظ: بقرة بينهن، وفيه حجة من وجهين: الأول بالتاء، والثاني بلفظ: بينهن، فإنه إن كانت البقرة عديدة فلا معنى لقوله: بينهن، فإنه كالنص على الاشتراك، وله شاهد أيضاً من حديث جابر أخرجه مسلم بلفظ: ((نحر رسول الله وَّر عن نسائه بقرة))، وفي رواية عن عائشة - رضي الله عنها - بقرة، ثم في الحديث إشكال على القائلين بالاشتراك، وهو أنّهم كلهم إلا شرذمة يتّفقون على أن بقرة تجزئ عن سبعة، وأزواجه وَ لو كانت تسعة، ولذا استدل ابن حزم في ((المحلى)) بهذا الحديث على إجزاء البقرة لأكثر من سبعة، وأيّد به قوله: بإجزائها عن عشرة كالبدنة، ويظهر الجواب مما قاله ابن القيم: أن أحاديث السبعة أكثر وأصح. (١) (٤٨/١). (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٩٨/٣)، باب الأمر بالنفساء إذا نفسن. ٩٢ ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧١) حديث وحاصله: أن الروايات في هذا الباب مختلفة، وهذا الحديث يدلّ على الإجزاء لأكثر من سبعة، لكن أحاديث الإجزاء السبعة فقط أصحّ من هذا، وأجاب عنه الشيخ في ((البذل))(١) بأن البقرة كانت عن سبع منهنّ، وعن الباقية لعلّه ذبح غير البقرة، وأجاب عنه الشوكاني في ((النيل)) بعدما ذكر روايات إجزاء البقرة للسبعة، بأن الظاهر أنه لم يتخلف أحد من زوجاته وهي تسع، لكن لا يخفى أن مجرد هذا الظاهر لا تعارض به الأحاديث الصريحة الصحيحة السالفة، انتهى. ولو حمل على الاشتراك في الأجر كما ضحى النبيّ وَّر عن أمّته فلا إشكال، لكن لا يناسبه ما تقدم في الروايات من قوله: بقرة بينهن . ثم في الحديث بحث آخر وهو أن البقرة هذه كانت أضحية أو هدياً؟ وبكلا اللفظين وردت الروايات، قال الحافظ(٢): قد رواه البخاري في الأضاحي ومسلم أيضاً من طريق ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم بلفظ: ((ضحى رسول الله وَال عن نسائه البقر))، وأخرجه مسلم من طريق ابن الماجشون عن عبد الرحمن بلفظ: ((أهدى)) بدل ((ضحى))، والظاهر أن التصرف من الرواة لأنه ثبت في الحديث ذكر النحر فحمله بعضهم على الأضحية، فإن رواية أبي هريرة صريحة في أن ذلك كان عمّن اعتمر من نسائه. فقويت رواية من رواه بلفظ ((أهدى))، وتبيّن أنه هدي التمتع، فليس فيه حجّة على مالك في قوله: لا ضحايا على أهل منى، انتهى. كذا قال في الحج، وقال في ((كتاب الأضاحي)): قوله: ضحى النبيّ وسيلة صَّى له عن أزواجه بالبقر، ظاهر في أن الذبح المذكور كان على سبيل الأضحية، وحاول ابن التين تأويله ليوافق مذهبه، فقال: المراد أنه ذبحها وقت الأضحية، وهو ضحى يوم النحر، وإن حمل على ظاهره فيكون تطوّعاً لا على أنها سنة الأضحية كذا قال، ولا يخفى بُعْده. (١) ((بذل المجهود)) (٣٩٢/٩). (٢) ((فتح الباري)) (٥٥١/٣). ٩٣ ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧١) حديث قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : واستدلّ به الجمهور على أن أضحية الرجل تجزئ عنه وعن أهل بيته، وخالف في ذلك الحنفية وادّعى الطحاوي أنه مخصوص أو منسوخ، انتهى كلام الحافظ(١)، فرجح لههنا خلاف ما رجحه في الحج. واختار ابن القيم(٢) أن الصواب روايات الهدي فقال رادّاً على ابن حزم: مذهبه: أن الحاج شرع له التضحية مع الهدي، والصحيح - إن شاء الله - أن هدي الحاج له بمنزلة الأضحية للمقيم، ولم ينقل أحد أن النبيّ وَ ل# ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية، وكان هديهم هو أضاحيهم فهو هدي بمنى، وأضحية بغيرها، وأمّا قول عائشة: ضخَّى عن نسائه بالبقر، فهو هدي أطلق عليه اسم الأضحية، وأنهن كن متمتعات، وعليهن الهدي، فالبقر الذي نحر عنهن هو الهدي الذي يلزمهن، انتهى. قلت: لكن البخاري بوّب في ((صحيحه)) على حديث عائشة ((باب الأضحية للمسافر والنساء))(٣)، وأيضاً بعد ذلك ((باب من ذبح ضحية غيره))، فهذان يدلّان على أنه حمل الحديث على الأضحية، ولذلك استدلّ به شراح الحديث على عدة خلافيات، منها، ما استدلّ به لمالك على أن التضحية بالبقر أفضل خلافاً للجمهور؛ إذ قالوا: إن الأفضل البدنة لحديث الآتي إلى الجمعة مع أن حديث الباب واقعة حال لا عموم لها، ومنها، الأضحية على النساء، والأضحية على المسافر، وعلى الحاج بمنى، وغير ذلك ليس هذا محل تفاصيلها . (قال يحيى بن سعيد) وليس في النسخ الهندية ابن سعيد، والأوجه (١) ((فتح الباري)) (٥/١٠ -٦). (٢) ((زاد المعاد)) (٢٤٣/٢). (٣) ((فتح الباري)) (٥/١٠). ٩٤ ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧٢) حديث فَذَكَرْتُ هُذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: أَتَتْكَ، وَاللَّهِ، بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ . أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ١١٥ - باب ذبح الرجل البقَرَ عن نسائه، من غير أمرهن. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ١٧ - باب وجوه الإحرام، حديث ١٢٥. ٨٧٢/ ١٨٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ، عَنْ حَقْصَةَ أَمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولَ اللَّهِ عَلَ: مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلَّوا، وجوده(١) لئلا يلتبس براوي («الموطأ)»، والحديث أخرجه البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك، وفي آخره قال يحيى: فذكرته للقاسم، قال الحافظ(٢): هو ابن سعيد الأنصاري بالإسناد المذكور، انتهى. (فذكرت هذا الحديث للقاسم بن محمد) بن أبي بكر الصدّيق (فقال) القاسم: (أتتك) عَمْرة (والله بالحديث على وجهه) يعني ساقته لك سياقاً تاماً، لم تختصر منه شيئاً، ولا غيّرته بتأويل ولا غيره، وفيه تصديق لعَمْرةَ، وإخبار لضبطها، كذا في ((العيني)) (٣). ١٨٠/٨٧٢ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (عن) أخته (حفصة أم المؤمنين أنها قالت لرسول الله صل): ما شأن) أي أمر وحال (الناس حلّوا) هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية، وقال الزرقاني(٤): هكذا ليحيى الليثي النيسابوري وابن بكير والقعنبي وأبي مصعب (١) كذا في ((الاستذكار)) (٧٦/١٣) يحيى بن سعيد. (٢) ((فتح الباري)) (٥٥٢/٣). (٣) ((عمدة القاري)) (٣١٨/٧). (٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٥/٢). ٩٥ ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧٢) حديث وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ وغيرهم، وزاد التِّيسي وإسماعيل بن أبي أويس وابن وهب ((بعمرة))، والمعنى واحد عند أهل العلم، قاله ابن عبد البرّ، انتهى. وأخرج أبو داود برواية القعنبي عن مالك بدون الزيادة: وأخرج البخاري برواية إسماعيل وعبد الله بن يوسف كلاهما عن مالك بلفظ: ((حلّوا بعمرة)»، قال الحافظ(١): لم يقع في رواية مسلم بعمرة، وذكر ابن عبد البرّ أن أصحاب مالك ذكرها بعضهم وحذفها بعضهم. واستُشكل كيف حلوا بعمرة مع قولها: ولم تحل من عمرتك؟ والجواب أن المراد بقولها: بعمرة أي أن إحرامهم بعمرة كان سبباً لسرعة حلَّهم، انتهى. (ولم تحلل) بفتح أوّله وكسر ثالثه (أنت من عمرتك؟) هذا نصّ في أنه عليه الصّلاة والسّلام لم يكن مفرداً، ولذا قال الشيخ في ((البذل))(٢): هذا يدلّ على أن طوافه وَّله حين قدم مكة كان طواف العمرة حسبما قالت الحنفية، فإن الإحلال من العمرة لا يمكن إلّا أن تكون أفعال العمرة غير داخلة في الحج، فقد ثبت بتقريره ولم وعدم إنكاره أن الذي طاف وسعى كان من أفعال العمرة غير داخلة في الحج، انتهى. ولما كان هذا اللفظ مخالفاً لعامة المالكية والشافعية أوّلوه بوجوهٍ، سيأتي أكثرها في كلام الحافظ قريباً. وقال الباجي(٣): يحتمل أن تريد به الحج لأن معناهما جميعاً القصد، فلما كان معناهما واحداً عبّرت عن أحدهما بالآخر، وإن كان كل منهما واقعاً في الشرع على نوع مخصوص من القصد والنسك، ويحتمل أن حفصة اعتقدت أنه كان معتمراً، فقالت له ذلك على ما اعتقدت، فأعلمها بقوله: إني لبّدت ... (١) ((فتح الباري)) (٤٢٧/٣). (٢) ((بذل المجهود)) (١٨/٩). (٣) ((المنتقى)) (٢٦/٣). ٩٦ -------- ٢٠ - كتاب الحج (٥٨) باب (٨٧٢) حديث فَقَالَ: ((إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْىٍ، فَلَا أُحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ)). أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٣٤ - باب التمتّع والإقران والإفراد بالحج. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٢٥ - باب القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد، حديث ١٧٦. إلخ، أنه محرم إحراماً لا يمكنه التحلّل منه، وذلك لا يكون عارياً من حج، انتهى . (فقال: إني لَبَّدت) بفتح اللام والموحدة الثقيلة من التلبيد، وهو جعل شيء فيه من نحو غاسول أو صمغ ليجتمع الشعر، ولا يدخل فيه قُمَّلٌ (رأسي) وتقدم الكلام على التلبيد في الطيب في الحج (وقلّدت) بتشديد اللام من التقليد (هديي) أي جعلت قلادة في عنقه (فلا أحلّ) بفتح الهمزة وكسر الحاء والرفع أي من إحرامي (حتى أنحر) الهدي. قال الحافظ: استدلّ به على أن من ساق الهدي لا يتحلّل من عمل العمرة حتى يحلّ بالحج، ويفرغ منه، لأنه جعل العلّة في بقائه على إحرامه كونه أهدى، وكذا وقع في حديث جابر عند البخاري وأخبر أنه لا يحل حتى ينحر الهدي، وهو قول أبي حنيفة وأحمد ومن وافقهما، ويؤيّده قوله في حديث عائشة - رضي الله عنها -: فأمر من لم يكن ساق الهدي أن يحل، والأحاديث بذلك متضافرة. وأجاب بعض المالكية والشافعية عن ذلك بأن السبب في عدم تحلّله من العمرة كونه أدخلها على الحج، وهو مشكل عليه؛ لأنه يقول: إن حجّه كان مفرداً، وقال بعض العلماء: ليس لمن قال: كان مفرداً عن هذا الحديث انفصالٌ، لأنه إن قال به استشكل عليه كونه عّل عدم التحلّل بسوق الهدي، لأن عدم التحلل لا يمتنع على من كان قارناً عنده، وجنح الأصيلي وغيره إلى توهم مالك - رضي الله عنه - في قوله: ولم تحلّ أنت من عمرتك، وأنه لم ٩٧ ٢٠ - كتاب الحج (٥٩) باب (٥٩) باب العمل في النحر يقلد أحد في حديث حفصة غيره، وتعقّبه ابن عبد البر على تقديم تسليم انفراده بأنها زيادة حافظ، فيجب قبولها على أنه لم يتفرّد، فقد تابعه أيوب وعبيد الله بن عمر، وهما مع ذلك حفاظ أصحاب نافع. قال الحافظ (١): رواية عبيد الله بن عمر عند مسلم، وقد أخرجه مسلم من رواية ابن جريج والبخاري من رواية موسى بن عقبة والبيهقي من رواية شعيب بن أبي حمزة ثلاثتهم عن نافع بدونها، ووقع في رواية عبيد الله بن عمر عند الشيخين: ((فلا أحل حتى أحل من الحج))، ولا تنافي هذه رواية مالك، لأن القارن لا يحلّ من العمرة، ولا من الحج حتى ينحر، فلا حجة فيه لمن تمسك بأنه ﴿ كان متمتّعاً، لأن قول حفصة: ((ولم تحل من عمرتك))، وقوله هو: ((حتى أحلّ من الحج))، ظاهر في أنه كان قارناً. وأجاب من قال: كان مفرداً، عن قولها: ولم تحل من عمرتك، بأجوبة، أحدها: قاله الشافعي معناه: لم تحل أنت من إحرامك الذي ابتدأته معهم بنية واحدة بدليل قوله: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة))، وقيل: معناه ولم تحل من حجّك بعمرة كما أمرت أصحابك، قالوا: وقد تأتى ((من)) بمعنى الباء؛ كقوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ ﴾ أي بأمر الله، والتقدير لم تحل أنت بعمرة من إحرامك، وقيل: ظنّت أنه فسخ حجّه بعمرة كما فعل أصحابه بأمره، فقالت: لِمَ لَمْ تحلّ أنت أيضاً من عمرتك؟ ولا يخفى ما في بعض هذه التأويلات من التعسّف، انتهى. (٥٩) العمل في النحر لعلّ الفرق بين الترجمتين أن مقصود الأولى مجرد إثبات النحر، وأنه من مناسك الحج سواء كان واجباً أو مندوباً، ومقصود هذه الترجمة بيان الأحوال، (١) ((فتح الباري)) (٤٢٧/٣). ٩٨ ٢٠ - كتاب الحج (٥٩) باب (٨٧٣) حديث ١٨١/٨٧٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، صَلَى اللَّهِ وسته. عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِب؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فهل يجوز أن ينحر غيره، أو يجب النحر بنفسه؟ كما في الحديث الأول، وأينما ينحر؟ كما في الحديث الثاني، وكيف ينحر؟ ومتى ينحر؟ ١٨١/٨٧٣ - (مالك عن جعفر) الصادق (بن محمد عن أبيه) محمد الباقر (عن عليّ بن أبي طالب) - رضي الله عنه - فيه انقطاع، لأن محمداً لم يدرك عليّاً - رضي الله عنه - (أن رسول الله وَّ﴾) قال ابن عبد البرّ في ((التمهيد)) (١): هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث، وتابعه القعنبي فجعله عن عليّ أيضاً كما رواه يحيى، ورواه ابن بكير وسعيد بن عفير وابن القاسم وعبد الله بن نافع وأبو مصعب والشافعي فقالوا فيه: عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، وأرسله ابن وهب عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله ◌َي ... الحديث. لم يقل فيه: عن جابر، ولا عن عليّ. قال أبو عمر (٢): الصحيح فيه عن جعفر عن أبيه عن جابر، وذلك موجود في حديث محمد بن عليّ عن جابر في الحديث الطويل في الحج، وإنما جاء حديث عليّ - رضي الله عنه - من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه لا أحفظه من وجه آخر، وهذا المتن صحيح ثابت من حديث جابر، وحديث علي - رضي الله عنه - انتهى. قلت: حديث جابر الطويل المشهور في الحج أخرجه مسلم (٣) وأبو داود وغيرهما مفصّلاً ومختصراً، وحديث عليّ أخرجه أبو داود ولكن في سياق (١) (١٠٦/٢)، وانظر ((الاستذكار)) (٩٤/١٣). (٢) ((التمهيد)) (١٠٦/٢). (٣) أخرجه مسلم (٨٨٦/٣)، وأبو داود في ((المناسك)) (١٧٦٩)، باب كيف تنحر البدن (١٤٩/٢). ٩٩ ٢٠ - كتاب الحج (٥٩) باب (٨٧٣) حدیث نَحَرَ بَعْضَ هَدْيِهِ، وَنَحَرَ غَيْرُهُ بَعْضَهُ. أخرجه، عن جابر، مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ١٩ - باب حجة النبيّ ◌َ﴾، حديث ١٤٧. حديثهما تعارضاً، سيأتي بيانه، وذكر ابن عبد البر في ((التمهيد)) رواياتهما بعدة طرق . (نحر بعض هديه) وهو ثلاث وستون بدنة كما في حديث جابر الطويل عدد عمره الشريف، وهذا ما عليه عامة شراح الحديث وأهل التاريخ (بيده) الشريفة، وليس في النسخ المصرية بيده، لكنه مراد لقوله: (ونحر غيره) وهو عليّ بن أبي طالب (بعضه) أي ما بقي من المائة وهو سبع وثلاثون بدنة، ففي مسلم وغيره عن جابر في حديثه الطويل: ((ثم انصرف رسول الله وَّل إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستّين بيده، ثم أعطى علياً، فنحر ما غبر)). وأخرجه ابن عبد البرّ في ((التمهيد)) (١) بطرق، ثم قال: هكذا قال أكثر الرواة لهذا الحديث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله وعليه نحر من تلك البدن المائة ثلاثاً وستين، ونحر عليّ بقيتها إلّا سفيان بن عيينة، فإنه روى هذا الحديث عن جعفر بن محمد بهذا السند بلفظ: ((نحر رسول الله وَ ال ستاً وستين ونحر عليّ أربعاً وثلاثين)). وأخرج البخاري في ((صحيحه)) برواية محمد بن أبي كثير عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عليّ: ((بعثني النبيّ وَّ فقمت على البدن))، الحديث. قال الحافظ(٢): لم يقع في هذه الرواية عدد البدن، لكن وقع في الرواية الثالثة أنها مائة بدنة، ولأبي داود من طريق ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ((نحر النبيّ وَّ ثلاثين بدنة وأمرني، فنحرت سائرها)) وأصح منه ما وقع في حديث جابر الطويل. (١) (١١١/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٥٥٥/٣). ١٠٠