النص المفهرس

صفحات 21-40

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٨) حديث
أن تكون عرنة من جملة ما يقع عليه اسم عرفة، فيكون ذلك استثناء، مما
عمّمه بقوله: عرفة كلها موقف، فكأنه قال: عرفة كلها موقف إلّا بطن عرنة،
على حسب ما قال ابن الزبير بعد هذا، ويؤيّد هذا التأويل أنه لم يمد عرفة من
غير جهة عرنة، واقتصر على أن يكون الموقف يختص بالموضع الذي يتناوله
هذا الاسم، فدلّ ذلك على أنه احتاج إلى استثنائها .
ويحتمل أن تكون عرنة ليس من عرفة ولا يتناولها اسمها، فيكون قوله وعليه
على معنى قصر هذا الحكم على عرفة، ولذلك قال: ((ارتفعوا عن بطن عرنة))،
مع قربه من عرفة، وقد قال مالك في ((الموازية)): بطن عرنة وادٍ في عرفة،
يقال: إن حائط مسجد عرفة القبلي على حده لو سقط ما سقط إلّا فيه، وقد
روى ابن حبيب: أن عرفة في الحل، وعرنة في الحرم، وبطن عرنة الذي أمر
النبيّ مَ ﴾ بالارتفاع عنه بطن الوادي الذي فيه مسجد عرفة.
قال في ((الموازية)): من وقف بالمسجد فقد خرج عن بطن عرنة، ولكن
الفضل بقرب الإمام، وقد روى أبو القاسم بن الجلّاب: أنه لا يجزئ الوقوف
ببطن عرنة، قيل: فإن فعل حتى دفع قال: لا أدري، وقد قاله ابن عبد الحكم،
وقال الأصبغ: لا حجّ له، انتهى.
وصرّح الدردير(١) لعدم إجزاء الوقوف في بطن عرنة، وقال ابن رشد(٢):
روي عن النبيّ مَّل من طرق: ((عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة))، واختلف
العلماء فيمن وقف بعرنة، فقيل: حجّه تام وعليه دم، وبه قال مالك، وقال
الشافعي: لا حجّ له، وعمدة من أبطل الحج النهي الوارد عن ذلك، وعمدة
من لم يبطله أن الأصل أن الوقوف بكل عرفة جائز إلّا ما قام عليه الدليل،
قالوا: ولم يأتِ هذا الحديث من وجه تلزم به الحجة، انتهى.
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٨/٢).
(٢) ((بداية المجتهد) (٣٤٦/١).
٢١

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٨) حدیث
قلت: وهذا مبنيٌّ على إحدى الروايتين عن مالك، فقد قال ابن العربي
في ((العارضة)) (١): إن وقف أحد بعرنة، فاختلف فيه الناس، والأشهر أنه لا
يجزئ، وعن مالك روايتان، إحداهما: لا يجزئ، والأخرى: يجزئه وعليه
دم، والارتفاع عن بطن عرنة لم يثبت، انتهى.
والأوجه عندي: أن المرجح هي الرواية الأولى، وإن كانت عامّة نقلة
المذاهب حكوا عنه الرواية الثانية فقط؛ لأن عامّة فروعه على الأولى، كما
تقدم عن الدردير، وهو ظاهر كلام الباجي، إذ لم يذكر الرواية الثانية، وإليه
يشير ما تقدم عن ((شرح الخرشي)) في بيان المسجد.
وفي ((شرح اللباب)»(٢): هذا قول ضعيف ينسب إلى الإمام مالك حيث
قال: قال مالك: هي من عرفة حتى لو وقف بها أجزأه وعليه دم، كذا روى
القاضي أبو الطيّب عن مالك، وهذا خلاف مذهب الفقهاء جميعاً، ونصّ
أصحابه أنه لا يجوز أن يقف بعرنة كما هو مذهبنا، انتهى. ونقل القرافي فيما
نصّ من المالكية اتفاق الأربعة على عدم جواز الوقوف بعرنة، فافهم واغتنم،
انتھی .
وقال الخرقي: عرفة كلها موقف ويرفع عن بطن عرنة، فإنه لا يجزئ
الوقوف فيه، قال الموفق (٣): ليس هو من الموقف ولا يجزئه الوقوف فيه، قال
ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من وقف به لا يجزئه، وحكي عن مالك:
أنه یھریق دماً وحجّه تام.
ولنا قول النبيّ وَّر: ((وارفعوا عن بطن عرنة)) رواه ابن ماجه، ولأنه لم
يقف بعرفة فلم يجزئه، كما لو وقف بمزدلفة، انتهى.
(١) ((عارضة الأحوذي)) (١١٧/٤).
(٢) (ص١١٠).
(٣) ((المغني)) (٢٦٦/٥).
٢٢
-----
--------------

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٨) حدیث
وَالْمُزْدَلِفَةُ
وبذلك جزم الشافعية منهم النووي في ((مناسكه))؛ إذ قال: ليس من
عرفات وادي عرنة ولا نمرة ولا مسجد إبراهيم عليه السلام، بل هذه المواضع
خارج عرفات على طرفها الغربي مما يلي مزدلفة ومنى، انتهى.
وجزم ابن حجر في ((شرحه)) بأن وجهاً ضعيفاً عندهم أن عرنة من
عرفات، وفي ((الغنية)): عرنة وادٍ بحذاء عرفات مما يلي مكة، يمتدُّ يميناً
وشمالاً، ليست من عرفة ولا من الحرم، بل حدٌّ فاصلٌ بينهما، وهي بين
العلمين الذين هما حد الحرم والذين هما حد عرفة مارة بغربي مسجد عرفة،
حتى قيل: إن الجدار الغربي من مسجد عرفة لو سقط سقط في بطن عرنة.
قال الإمام الناطفي في ((الروضة)): عرنة ليست من عرفة، وعرنة وعرفة
ليستا من الحرم، انتهى. وقيل: من عرفة، وإليه مال في ((البدائع))(١)، ولذا
قال: يكره الوقوف فيها، وتبعه في ((اللباب))، وقيل: من الحرم، كما نقله في
(البحر ))، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٢): عرفات كلها موقف إلا بطن عرنة، وادٍ من
الحرم غربي مسجد عرفة، فلو وقف به لم يجز على المشهور، انتهى.
قلت: وسيأتي البسط في ذلك في وادي محسر قريباً .
(والمزدلفة) قال القاري: هي على ما في ((القاموس)): موضع بين عرفات
ومنى، لأنه يتقرّب فيها إلى الله تبارك وتعالى، أو لاقتراب الناس إلى منى بعد
الإفاضة، أو لمجيء الناس إليها في زلفٍ من الليل، أو لأنها أرض مستوية
مكنوسة، وهذا أقرب، قال القاري: لكن ما قبله للمقام أنسب، وقال الرازي:
في التسمية بها أقوال، أحدها: أنهم يقربون فيها من منى، والازدلاف
(١) ((بدائع الصنائع)) (٣٢١/٢).
(٢) (٥٥٤/٢).
٢٣

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٨) حدیث
كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَأَرْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ)).
أخرجه مسلم موصولاً عن جابر في: ١٥ - كتاب الحج، ٢٠ - باب ما جاء
أن عرفة كلها موقف، حديث ١٤٩.
القرب، والثاني: أن الناس يجتمعون فيها، والازدلاف الاجتماع، والثالث:
أنهم يزدلفون إلى الله أي يتقرّبون بالوقوف، انتهى.
وذكر الطحاوي: أن للمزدلفة ثلاثة أسماء: مزدلفة والمشعر الحرام
وجمع، والأصح كما قال الكرماني: إن المشعر فيها لا عينها، إلّا أنه يطلق
عليها مجازاً، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾(١)؛ لأنه
أريد به المزدلفة جميعها، لكن ذكر الجزء الأفضل وأراد الكل، انتهى. وسيأتي
الكلام على المشعر قريباً في تفسير الآية. (كلها موقف) وكلها من الحرم
(وارتفعوا عن بطن محسر) بكسر السين المشدّدة بين منى ومزدلفة، سمّي بذلك
لأن فيل أبرهة كَلَّ فيه وأعيا فحسر أصحابه بفعله، وأوقفهم في الحسرات،
وإضافته للبيان كشجر أراك، قاله الزرقاني(٢)، وبذلك جزم النووي، قال ابن
حجر في ((شرحه)): جزم به المحب الطبري وشيخه ابن خليل، لكن نظر فيه
الفاسي بقول ابن الأثير: إن الفيل لم يدخل الحرم، وقيل: لأنه يحسر سالكيه
ويتبعهم، وتسميه أهل مكة وادي النار، قيل: لأن رجلاً اصطاد فيه فنزلت نار
فأحرقته، وقيل: لأن بعض الأنبياء - عليهم السلام - رأى اثنين على فاحشة
فدعا عليهما فنزلت نار فأحرقتهما، انتهى.
وقال الدردير(٣): بضمّ الميم وكسر السين المشدودة، وادٍ بين مزدلفة ومنى
بقدر رمية الحجر، قال الدسوقي: سمّي بذلك لحسر فيل أصحاب الفيل فيه، وقال
شيخنا العدوي: الحق أن قضية الفيل لم تكن فيه، بل كانت خارج الحرم، انتهى.
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٨.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٧/٢).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٤٥/٢).
٢٤

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٨) حدیث
قال الباجي(١): يحتمل من التأويل ما تقدم في قوله: ((وارتفعوا عن بطن
عرنة)) .
وقال الموفق: ليس وادي محسر من مزدلفة، لقوله: ((وارتفعوا عن بطن
محسر))، انتهى.
وبذلك جزم النووي في ((مناسكه))؛ إذ قال: وليس المأزمان ولا وادي
محسر من مزدلفة، وهو وادٍ بين منى والمزدلفة، انتهى.
وتقدم ما قال الدردير: إنه وادٍ بين مزدلفة ومنى بقدر رمية الحجر.
وفي ((اللباب)): المزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، وحدُّ المزدلفة بين
مأزمي عرفة وقرني محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المزدلفة.
وفي ((الدر المختار))(٢): أنه موقف النصارى، وفي ((الغنية)): هو مسيل
بين مزدلفة ومنى، ليس في واحد منهما، قال الأزرقي: هو خمسمائة ذراع
وخمس وأربعون ذراعاً كذا في ((البحر)) وغيره، وفي ((غاية السروجي)): أنه من
منى في الصحيح، ويدلّ عليه خبر ((الصحيحين)) عن ابن عباس، ومال في
((البدائع))(٣) إلى أنه من مزدلفة، ولذا قال: لو وقف به أجزأه مع الكراهة،
انتھی .
قال ابن الهمام(٤): ظاهر كلام ((القدوري)) و((الهداية)) وغيرهما أن
المكانين أي عرنة ومحسراً ليسا مكان وقوف، سواء قلنا: إنهما من عرفة
ومزدلفة أو لا، وهكذا ظاهر الحديث الذي قدمنا، وكذا عبارة الأصل من كلام
(١) ((المنتقى)) (١٧/٣).
(٢) (٢/ ٥٦٤).
(٣) ((بدائع الصنائع)) (٢/ ٣٢١).
(٤) ((فتح القدير)) (٢/ ٣٨١).
٢٥

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٩) حدیث
١٦٧/٨٥٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَعْلَمُوا أَنَّ عَرَفَةَ
محمد، ووقع في ((البدائع)): أمّا مكانه أي الوقوف بمزدلفة فجزء من أجزاء
مزدلفة إلا أنه لا ينبغي أن ينزل في وادي محسر، وروى الحديث، ثم قال:
ولو وقف به أجزأه مع الكراهة، وذكر مثل هذا في بطن عرنة، إلّا أنه لم
يصرح فيه بالإجزاء مع الكراهة، كما صرّح به في وادي محسر، ولا يخفى أن
الكلام فيهما واحد، وما ذكره غير مشهور من كلام الأصحاب، بل الذي
يقتضيه كلامهم عدم الإجزاء.
وأمّا الذي يقتضيه النظر إن لم يكن إجماع على عدم إجزاء الوقوف
بالمكانين هو أن عرنة ووادي محسر إن كانا من مسمّى عرفة والمشعر الحرام
يجزئ الوقوف بهما، ويكون مكروهاً؛ لأن القاطع أطلق الوقوف بمسماهما
مطلقاً، وخبر الواحد منعه في بعضه، والزيادة عليه بخبر الواحد لا تجوز،
فيثبت الركن بالوقوف في مسماهما مطلقاً، والوجوب في كونه غير المكانين
المستثنيين وإن لم يكونا من مسماهما لا يجزئ أصلاً، وهو ظاهر، والاستثناء
منقطع، انتھی.
قلت: وأيضاً لو صح دخولهما في المسمين فلا إنكار من أن الخلاف في
ذلك قويّ بين الحنفية وغيرهم، فالإجزاء على ذلك مشكل كما قالوا في
الاستقبال إلى الحطيم.
١٦٧/٨٥٩ - (مالك عن هشام بن عروة عن) عمّه (عبد الله بن الزبير؛ أنّه
كان يقول) على سبيل الاجتهاد في تعليم هذا الحكم والمبالغة في تبيينه (اعلموا
أن عرفة) سمّيت بذلك، لأنها وصفت لإبراهيم عليه السلام، فلما أبصرها
عرفها، أو لأن جبرئيل عليه السلام حين كان يدور به في المشاعر أراه إياها
فقال: قد عرفت، أو لأن آدم عليه السلام هبط من الجنّة بأرض الهند، وحواء
بجدة فالتقيا ثمة فتعارفا، أو لأن الناس يتعارفون بها، أو لأن إبراهيم
٢٦
.----

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٩) حديث
كُلَّهَا مَوْقِفٌ، إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ،
عليه السلام عرف حقيقة رؤياه في ذبح ولده ثمة، أو لأن الخلق يعترفون فيها
بذنوبهم، أو لأن فيها جبالاً. والجبال هي الأعراف وكل عالٍ فهو عرف، كذا
في ((العيني))(١) و(تهذيب اللغات))(٢) للنووي، زاد: وجمعت عرفات وإن كان
موضعاً واحداً، لأن كل جزء منه يسمى عرفة، ولذا كانت مصروفة، كقصبات،
قال النحويون: ويجوز ترك صرفه على اسم مفرد لبقعة، وقال الزجاج: الوجه
الصرف عند جميع النحويين.
وبسط الرازي(٣) في ذلك بما لا مزيد عليه، فقال: أمّا يوم عرفة فله
عشرة أسماء، خمسة منها مختصّة به، وخمسة مشتركة، أمّا الخمسة الأولى،
فأحدها: عرفة، وفي اشتقاقه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه مشتقٌّ من المعرفة، وفيه
ثمانية أقوال، ثم بسطها مع ذكر قائليها، وثانيها: أنه من الاعتراف، والحجاج
إذا وقفوا بها اعترفوا للحق بالربوبية والجلال ولأنفسهم بالذلّة والمسكنة،
ويقال: إن آدم وحواء لما وقفا بعرفات، قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنْفُسَنَا﴾ الآية،
والثالث: أنه من العرف، وهو الرائحة الطيبة، وإن المذنبين لما تابوا في
عرفات يكتسبون عند الله رائحة طيبة.
والثاني: يوم إياس الكفار من دين الإسلام.
والثالث: يوم إكمال الدين.
والرابع: يوم إتمام النعمة .
والخامس: يوم الرضوان، والخمسة الأخرى: هي يوم الحج الأكبر،
والشفع، والوتر، والشاهد، والمشهود، انتهى.
(كلها موقف إلا بطن عرنة) بالنون على ما أكثر النسخ، وهو الصواب،
(١) ((عمدة القاري)) (٢٥٨/٧، ٢٥٩).
(٢) (٥٦/٢/٢).
(٣) ((التفسير الكبير)) (١٦٠/٥).
٢٧

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٩) حدیث
وَأَنَّ الْمُزْدَلِفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ، إِلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ.
قَالَ مَالِكٌ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا
جِدَالَ فِى الْحَجْ﴾ ،
فما وقع في كثير من النسخ المصرية والهندية بلفظ: ((بطن عرفة)) بالفاء ليس
بصحيح، والمصنف عَقَّب المرفوعَ بالموقوف إشارةً إلى استمرار العمل بذلك
(وأن المزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر) قال الباجي(١): هذا أظهر في أحد
التأويلين وهو أن تكون عرنة من عرفة ومحسر من المزدلفة، ولذا استثناهما،
وقد يجوز أن يكون استثناء من غير الجنس، والأوّل أظهر.
(قال مالك) أراد تفسير قوله عزّ اسمه الآتي، وذكره في هذا الباب، لأن
الجزء الثالث وهو الجدال في الحج يتعلق بالوقوف بعرفة (قال الله تبارك
وتعالى) ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَضَ فِيهِنَ الْحَجَّ (فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا
جِدَالَ فِىِ الْحَيْخُ﴾)(٢)، هذه الجمل الثلاث في محل جزم جواب ((من) إن كانت
شرطية، وفي محل رفع خبرها إن كانت موصولة.
وعبارة السمين: الفاء إما جواب الشرط وإما زائدة في الخبر على حسب
القولين المتقدمين، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بتنوين رفث وفسوق، ورفعهما،
وفتح جدال، والباقون بفتح الثلاثة، وأبو جعفر، ويروى عن عاصم برفع الثلاثة
والتنوين، والعطاردى بنصب الثلاثة والتنوين، كذا في ((الجمل)).
قال الزرقاني(٣): بالفتح في الثلاثة على أن ((لا)) للتبرئة، والجمهور على
أنها فتحة بناء، وقيل: إعراب، وقرئ بالرفع على إلغاء لا، وما بعدها مبتدأ
سوّغ الابتداء بالنّكرة تقدم النفي عليها، وفي الحج خبر المبتدأ الثالث، وحذف
خبر الأوّلين لدلالته عليهما .
(١) ((المنتقى)) (١٧/٣).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٩٧.
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٦/٢).
٢٨
-----
- ٠٠٠

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٩) حديث
وقال الرازي (١): قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((فلا رفثٌ ولا فسوقٌ)) بالرفع
والتنوين، ولا جدال بالنصب، والباقون قرأوا الكل بالنصب، والكلام في
الفرق بين القراءتين في المعنى يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمتين، الأولى: أن
كل شيء له اسم، فجوهر الاسم دليل على جوهر المسمى، وحركات الاسم
وسائر أحواله دليل على صفات المسمى، فقولك: رجل يفيد الماهية
المخصوصة وحركات هذه اللفظة، أعني كونها منصوبة ومرفوعة ومجرورة دالّة
على أحوال تلك الماهية من الفاعلية والمفعولية والمضافية، وهذا هو الترتيب
العقلي، حتى يكون الأصل بإزاء الأصل والصفة بإزاء الصفة.
والثانية: إذ قلت: لا رجل بالنصب، فقد نفيتَ الماهيةَ، وانتفاء الماهية
يوجب انتفاء جميع أفرادها قطعاً، أمّا إذا قلت: لا رجل بالرفع والتنوين، فقد
نفيت رجلاً منكراً مبهماً، وهذا بوصفه لا يوجب انتفاء جميع أفراد هذه
الماهية، إلا بدليل منفصل، فثبت أن قولك: لا رجل بالنصب أدلّ على عموم
النفي، من قولك: لا رجل بالرفع والتنوين.
إذا عرفت هاتين المقدّمتين، فالذين قرأوا الثلاثة بالنصب فلا إشكال،
والذين قرأوا الأولين بالرفع مع التنوين، والثالث بالنصب، فذلك يدلّ على أن
الاهتمام بنفي الجدال أشدّ من الاهتمام بنفي الرفث والفسوق، وذلك لأن
الرفث عبارة عن قضاء الشهوة.
والجدال مشتمل على ذلك، لأن المجادل يشتهي تمشية قوله، والفسوق
عبارة عن مخالفة أمر الله، والمجادل لا ينقاد للحق، وكثيراً ما يقدم على
الإيذاء والإيحاش المؤدّي إلى العداوة والبغضاء، فلمّا كان الجدال مشتملاً
على جميع أنواع القبح، لا جرم خصّه الله في هذه القراءة بمزيد الزجر
والمبالغة في النفي، انتهى.
(١) ((تفسير الرازي)) (١٦٠/٥).
٢٩

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٩) حديث
قَالَ: فَالرَّفَثُ إِصَابَةُ النِّسَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ اُلْصِيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾،
(قال) مالك في تفسير هذه الآية (فالرفث إصابة النساء) الجماع (والله
أعلم) بمراده، والدليل على ذلك ما (قال الله تبارك وتعالى) في آية الصوم (﴿أُحِلّ
لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾﴾ أي جماعهن بلا شك، فيحمل عليها
الرفث في آية الحج، لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً.
قال الباجي(١): الذي ذكره مالك في تفسير الآية، هو قول جماعة أهل
العلم، فأمّا الرفث فقال مالك: إنه إصابة النساء يريد بذلك الجماع، وقد روي
ذلك عن ابن عمر وابن عباس، واحتجّ مالك على ذلك بآية الصوم، ولا خلاف
أن الرفث في آية الصوم إصابة النساء، وأمّا في آية الحج، فقد قيل: إنه الجماع،
وقال عطاء هو الجماع وما دونه من قول الفحش، وروى طاووس عن ابن عباس
أن الرفث في آية الحج الإغراء، وهو التعريض للنساء بالجماع، انتهى.
وقال الأزهري: هي كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة، وخصّه
ابن عباس بما خوطب به النساء، قال عياض: يعني من ذكر الجماع وما يوصل
إليه لا كلُّ الكلام، قال أبو عمر: روى ابن وهب عن ابن عمر الرفث إتيان
النساء والتكلم بذلك والرجال والنساء فيه سواء، انتهى.
قلت: وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر في الآية، قال:
الرفث إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم،
انتھی .
وفي ((الكبير))(٢): قال الحسن: المراد منه كل ما يتعلق بالجماع، فالرفث
باللسان ذكر المجامعة، وما يتعلق بها، والرفث باليد اللمس والغمز، والرفث
(١) ((المنتقى)) (١٧/٣).
(٢) ((التفسير الكبير)) (١٦٠/٥).
٣٠

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٩) حدیث
قَالَ: وَالْفُسُوقُ الذَّبْحُ لِلأَنْصَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى: ﴿أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.
بالفرج الجماع، وقال جماعة: إن التلفظ في غيبة النساء لا يكون رفقاً،
واحتجّوا بأن ابن عباس كان يحدو بعيره، وهو محرم، وهو يقول:
وهن يمشين بنا هميساً
إن تصدق الطير ننك لميسا (١)
فقال له أبو العالية: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إن الرفث ما قيل عند
النساء، وقال آخرون: إن الرفث هو قول الخِنا والفحش، واحتجّ هؤلاء
بالخبر واللغة، أمّا الخبر فقوله وَ ر: ((إذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا
یجهل))، الحدیث.
ومعلوم أن الرفث لههنا لا يحتمل إلا قول الخناء والفحش، وأما اللغة
فقال: فقد روي عن أبي عبيد أنّه قال: الرفث الإفحاش في المنطق، وقال أبو
عبيدة: الرفث اللغو من الكلام، انتهى.
قلت: ويؤيّد تفسير الإمام مالك ما أخرج ابن مردويه والأصبهاني في
((الترغيب)) عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله وَّر: ((لا رفث، قال: لا جماع
ولا فسوق، قال: المعاصي والكذب))، وروي أيضاً تفسيره بالجماع عن ابن
عباس وابن عمر وابن مسعود وابن الزبير ومجاهد وعكرمة والضحاك وعطاء
وإبراهيم والحسن، أخرج الآثار عنهم السيوطي في ((تفسيره).
(قال) مالك: (والفسوق الذبح للأنصاب) جمع نصب بضمّتين حجارة تنصب
وتعبد (والله أعلم) بمراده، والدليل على ذلك ما (قال الله تبارك وتعالى) في آخر
سورة الأنعام: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاٍِ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَن يَكُونَ
مَيْتَةً أَوْ دَمَا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ (أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اَللَّهِ بِهِّ﴾)(٢)،
فسمّى الله عزّ اسمه ذلك فسقاً، فدلّ على أنه المراد في الحجّ.
(١) أخرجه السيوطي في (الدر المنثور)) (٤٩٢/١) وفيه إن صدق الطير ... إلخ.
(٢) سورة الأنعام: الآية ١٤٥.
٣١

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٩) حديث
قال الباجي(١): وإنما قصد مالك - رضي الله عنه - الاستدلال بالقرآن،
لأنه قد ورد لفظ الفسوق فيه، والمراد به الذبح للأنصاب، والحجّ مما شرع فيه
الذبح وإراقة الدماء، فخصّ بالنهي عن ذلك وإن كان قد نهى عن المعاصي
جملة، قال القاضي أبو الوليد: ولا يمتنع عندي أن يكون الفسوق في الآية كل
ما يفسق به من المعاصي، والذبح للأنصاب من جملة ذلك، انتهى.
وقال الرازي: إن الفسق والفسوق واحد، وهما مصدران لفسق يفسق،
وهو الخروج عن الطاعة، واختلف المفسّرون، فكثير من المحقّقين حملوه على
كل المعاصي، قالوا: لأن اللفظ صالح للكل، ومتناول له، والنهي عن الشيء
يوجب الانتهاء عن جميع أنواعه، فحمل اللفظ على بعض أنواع الفسوق تحكّمٌ
من غير دليل، وهذا متأكّد بقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّةٌ﴾(٢)، وبقوله
تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَأَلْعِصْيَانَّ﴾(٣)، وذهب بعضهم إلى أن المراد
منه بعض الأنواع.
ثم ذكروا وجوهاً، الأول: أن المراد منه السباب، واحتجّوا عليه بالقرآن
والخبر. أمّا القرآن فقوله تعالى: ﴿وَلَ تَنَبَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ
اُلْإِيمَنَّ﴾(٤)، وأمّا الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: ((سباب المسلم فسوق))،
والثاني: أن المراد منه الإيذاء والإيحاش، قال تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاِبٌ وَلَا
شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقًا بِكُمْ﴾(٥)، والثالث: قول ابن زيد، هو الذبح
(١) ((المنتقى)) (١٧/٣).
(٢) سورة الكهف: الآية ٥٠.
(٣) سورة الحجرات: الآية ٧.
(٤) سورة الحجرات: الآية ١١.
(٥) سورة البقرة: الآية ٢٨٢.
٣٢

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٩) حدیث
قَالَ: وَالْجِدَالُ فِي الْحَجِّ، أَنَّ قُرَيْشاً كَانَتْ تَقِفُ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ
للأصنام، فإنهم كانوا في حجهم يذبحون لأجل الحج ولأجل الأصنام، وقال
تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَمَّ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾(١)، وقوله تعالى:
﴿أَوَ نِسْقًا أُهِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهْ﴾ .
والرابع: قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: إنه العاصي في قتل الصيد
وغيره مما يمنع الإحرام منه، والخامس: أن الرفث هو الجماع ومقدماته مع
الحليلة، والفسوق الجماع ومقدماته على سبيل الزناء، والسادس: ما قال ابن
جرير الطبري: الفسوق هو العزم على الحج إذا لم يعزم على ترك محظوراته،
انتھی .
قلت: وقد تقدم في حديث أبي أمامة المرفوع: ((ولا فسوق))، قال:
المعاصي والكذب، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين.
(قال) مالك: (والجدال في) أمر (الحج) هو الجدال في الموقف، ولذا
ذكره في هذا الباب، وبه فسّر الآية أبو السعود، والبيضاوي، وغيرهما في
تفاسيرهم، إذ قالوا: وقرئ الأولان بالرفع على معنى لا يكونن رفث ولا
فسوق، والثالث: بالفتح على معنى الإخبار بانتفاء الخلاف في الحج،
وذلك أن قريشاً كانت تخالف سائر العرب، فتقف بالمشعر الحرام، فارتفع
الخلاف بأن يقفوا أيضاً بعرفات، انتهى. وذلك (أن قريشاً) ومن دان دينهم
كما سيأتي (كانت تقف) في الحج (عند المشعر الحرام) بفتح الميم، وبه
جاء القرآن، وقيل: بكسرها، وقال بعضهم: إنه أكثر في كلام العرب،
وذكر القعنبي وغيره أنه لم يقرأ به أحد، وذكر الهذلي أن أبا السماك قرأ
بالكسر .
(١) سورة الأنعام: الآية ١٢١.
٣٣

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٩) حدیث
بِالْمُزْدَلِفَةِ بِقُرَحَ .
قال الراغب (١): مشاعر الحج معالمه الظاهرة للحواس، والواحد مشعر،
وقال الرازي: المشعر المعلم، وأصله من قولك: شعرت بالشيء إذا علمته،
وليت شعري ما فعل فلان، أي ليت علمي بلغه وأحاط به، فسمّى الله تعالى
ذلك الموضع بالمشعر الحرام؛ لأنه معلم من معالم الحج، ثم اختلفوا، فقال
قائلون: المشعر الحرام هو المزدلفة، سمّاها الله تعالى بذلك، لأن الصلاة
والمقام والمبيت به والدعاء عنده، وقال صاحب ((الكشاف)): الأصح أنه قزح،
وهو آخر حد المزدلفة، والأول أقرب، انتهى.
وقال النووي في ((تهذيبه))(٢): كذا التلاوة في القرآن، والرواية في
الحديث، وقال صاحب ((المطالع)): يجوز الكسر، لكنه لم يروَ إلا بالفتح،
ومعنى الحرام المحرم الذي يحرم فيه الصيد وغيره، فإنه من الحرم، ويجوز أن
يكون معناه ذو الحرمة، واختلف فيه، والمعروف في كتب أصحابنا في
المذهب أنه قزح، وهو الجبل المعروف بالمزدلفة والمعروف في كتب التفسير
والحديث والأخبار والسّير أنه المزدلفة كلها، انتهى. وتقدم ما حكى القاري
عن الكرماني: أن الأصح أن المشعر فيها لا عينها إلّا أنه يطلق عليها مجازاً.
(بالمزدلفة بقزح) بقاف وزاي مفتوحتين وحاء مهملة، على ما ضبطه
الزرقاني(٣)، وقال النووي في ((تهذيبه)) (٤): بضم القاف وفتح الزاي، جبل
معروف بالمزدلفة، يقف الحجّاج عليه للدعاء بعد الصبح يوم النحر، وقال
الأزرقي: على القزح أسطوانة من حجر مدوَّرة، تدويرها أربعة وعشرون ذراعاً،
وطولها في السماء اثنا عشر ذراعاً، وفيها خمس وعشرون درجة وهي على
(١) ((مفردات القرآن)) (ص٤٥٦).
(٢) (١٥٤/٣).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٨/٢).
(٤) (١١٠/٢/١).
٣٤

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٩) حدیث
خشبة مرتفعة، كان يوقد عليها في خلافة هارون الرشيد بالشمع ليلة المزدلفة،
وكان قبل ذلك يوقد الحطب، وبعد هارون يوقد بمصابيح كبار، يصل ضوؤها
مكاناً بعيداً، ثم مصابيح صغار، انتهى. والمعنى أن قريشاً ومن تبعهم كانوا
يقفون في الحج بهذا الموضع، ولا يخرجون إلى عرفات.
وأخرج الستة إلّا ابن ماجه وغيرهم عن عائشة: ((كانت قريش ومن دان
دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحُمس، وكانت سائر العرب يقفون
بعرفات))، الحديث. وأخرج الشيخان وغيرهما عن جبير بن مطعم قال:
((أضللت بعيراً لي فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت رسول الله وَلّ واقفاً مع
الناس بعرفة، فقلت: والله إن هذا لمن الحمس فما شأنه لههنا؟)) زاد الطبراني:
((وكان الشيطان قد استهواهم، فقال لهم: إن عظمتم غير حرمكم استخفَّ
الناس حرمكم، وكانوا لا يخرجون من الحرم)).
قال العيني(١): قوله: ((فما شأنه)) هذا تعجب من جبير وإنكار منه، لما
رأى النبيّ وَّ واقفاً بعرفة، فقال: هو من الحُمْسِ فما باله يقف بعرفة؟
والحمس: بضم الحاء المهملة وسكون الميم وفي آخره سين مهملة جمع
الأحمس، وفي اللغة الأحمس الشديد، والمشدِّد على نفسه في الدين يسمّى
أحمس، والحماسة الشدّة في كل شيء، ويقال له: المتحمّس أيضاً، وعن ابن
دريد: الحمس بالفتح: التشديد في الأمر، وبه سمّيت قريش وخزاعة وبنو
عامر بن صعصعة وقوم من كنانة، وقال غيره: الحمس قريش ومن ولدت من
غيرها، وقيل: قريش ومن ولدت وأحلافها، وقيل: قريش ومن ولدت من
قريش وكنانة وجديلة قيس.
ودخل في هذا الاسم من غير قريش ثقيف، وليث بن بكر، وخزاعة،
(١) ((عمدة القاري)) (٢٥٧/٧).
٣٥

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٩) حدیث
وَكَانَتِ الْعَرَبُ وَغَيْرُهُمْ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَكَانُوا يَتَجَادَلُونَ، يَقُولُ هُؤُلَاءٍ
نَحْنُ أَصْوَبُ، وَيَقُولُ هُؤُلَاءِ نَحْنُ أَصْوَبُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَّكُلِّ
أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يَُزِعُنَّكَ فِى الْأَمْنَّ
وقال ابن إسحاق: وكانت قريش لا أدري قبل الفيل أو بعده ابتدعت أمر
الحمس رأياً رأوه، فتركوا الوقوف على عرفة، والإفاضة منها، وهم يقرّون
ويعرفون أنها من المشاعر، إلّا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم نحن الحمس، ثم
ذكر العيني شدائدهم في الحجّ.
(وكانت العرب) أي غير قريش والحمس (وغيرهم) من العجم (يقفون
بعرفة) على أصل شرع إبراهيم على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام (فكانوا) أي
الحمس وغيرهم (يتجادلون) أي يتخاصمون فيما بينهم (يقول هؤلاء) أي
الحمس (نحن أصوب) لأنّا من الحمس فلا نخرج من الحرم (ويقول هؤلاء) أي
غير الحمس (نحن أصوب) لأنّا اتبعنا شريعة إبراهيم - على نبيّنا وعليه الصلاة
والسلام -، وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿وَلَا
جِدَالَ فِى الْحَجُّ﴾ قال: الجدال كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء:
حجنا أتم من حجكم، وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم، وأخرج أيضاً عن
ابن زيد في قوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِىِ الْحَجْ﴾ قال: كانوا يقفون مواقف مختلفة
يتجادلون، كلّهم يدّعي أن موقفه موقف إبراهيم.
(فقال الله تعالى) رادّاً على كل من يُجادل في أمر الدين، ويدخل فيه
الجدال في الحج أيضاً (﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ) بدون الواو في أوّله في بعض النسخ،
وفي أكثرها بالواو، والصواب الأول، لأن الواو ليست في التنزيل (جَعَلْنَا
مَنسَكًا) بفتح السين وكسرها قراءتان سبعيّتان، أي لكل أمة من الأمم الخالية
والباقية جعلنا شريعة خاصة وديناً مخصوصاً، (هُمْ نَاسِكُوهُ) أي عابدوه
وعاملون به (فَلَا يُكَزِعُنَّكَ فِى الْأَمْيَّ) أي أمر الدين، والمعنى أن عليهم اتباعك،
وترك مخالفتك، فقد استقرّ الأمر الآن على شريعتك، لأنه ناسخ لكل ما عداه،
٣٦

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٩) حديث
(٣)﴾، فَهذَا الْجِدَالُ، فِيمَا
وَأَدْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى تُسْتَقِيمٍ
نُرَى، .
فكأنه تعالى نهى كل أمة بقيت منها بقية أن تستمر على تلك العادة، وألزمها أن
تتحوّل إلى اتباع الرسول.
فلذلك قال: (وَأَدْعُ إِلَى رَبِّكَ) أي دينه، ثم علّله بقوله: (إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى
◌ُاللهِ:مِ))(١)، وهذا على أحد التفاسير في الآية، وفيها أقوال أُخر، محلها
كتب التفاسير، (فهذا الجدال) أي الجدال في أمر الموقف مراد في الآية من
الجدال في الحج (فيما نرى) بضمّ النون أي نظنّ.
قال الباجي(٢): وأما الجدال فذهب مالك إلى أن الجدال في الموقف
يوم عرفة، وبه قال ربيعة، وقال ابن عمر وابن عباس: الجدال المراء، زاد ابن
عباس: أن تماري صاحبَك حتى تغضبه، وقال القاسم بن محمد: هو قول
بعضهم: الحجّ اليوم، وقول بعضهم: الحجّ غداً، وإنما ذهب مالك إلى
تخصيص الاختلاف بهذا المعنى خاصة دون غيره من وجوه الجدال، لأنه حمل
قوله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجْ﴾ على المنع من الجدال في أمر الحج
خاصة، ولا يمتنع حمل الآية على العموم، إلّا أن يدلّ الدليل على
التخصيص، انتهى.
قال الرازي(٣): الجدال فعال من المجادلة، وأصله من الجدل الذي من
الفتل، يقال: زمام مجدول أي مفتول، وسمّيت المخاصمة مجادلة، لأن كل
واحد من الخصمين يروم أن يقتل صاحبه عن رأيه، وذكر المفسّرون وجوهاً في
هذا الجدال .
--
(١) سورة الحج: الآية ٦٧.
(٢) ((المنتقى)) (١٨/٣).
(٣) ((التفسير الكبير)) (١٦٠/٥).
٣٧

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٩) حدیث
الأول: ما قال الحسن هو الجدال الذي يُخاف منه الخروج إلى السباب
والتكذيب والتجهيل .
والثاني: ما قال محمد بن كعب القرظي: إن قريشاً إذا اجتمعوا في منى،
قال بعضهم: حجنا أتمّ، وقال آخرون: بل حجنا أتم فنهاهم الله عن ذلك.
الثالث: ما في ((الموطأ)) فذكر قول الإمام مالك المذكور.
والرابع: قال القاسم بن محمد: الجدال في الحجّ أن يقول بعضهم:
الحج اليوم، وآخرون يقولون: بل غداً، وذلك أنهم أمروا أن يجعلوا حساب
الشهور على رؤية الأهِلَّة، وآخرون كانوا يجعلونه على العدد، فبهذا السبب
كانوا يختلفون، فالله تعالى نهاهم عن ذلك، لأن الأهِلَّة مواقيت للناس والحج.
والخامس: ما قال القفال: يدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه
رسول الله وَّ في فسخ الحجّ إلى العمرة.
السادس: قال عبد الرحمن بن زيد: جدالهم في الحج بسبب اختلافهم
في أيّهم المصيب في الحج لوقت إبراهيم على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام.
السابع: اختلافهم في النسيء، فهذا مجموع ما قال المفسّرون في ذلك.
ومن الناس من عاب الاستدلال والبحث والنظر في العلوم والجدال،
واحتجّ بوجوه، منها، قوله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِىِ الْحَجْ﴾(١)، يقتضي جميع
أنواع الجدال، ولو كان الجدال في الدين طاعة لما نهى عنه، بل كان
الاشتغال به في الحجّ ضمّ طاعة إلى طاعة، ومنها، قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ
إِلَّا جَدَلاً﴾(٢)، عابهم بكونهم من أهل الجدل، ومنها، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٧.
(٢) سورة الزخرف: الآية ٥٨.
٣٨

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٩) حدیث
وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ سَمِعْتُ ذُلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
فَنَفْشَلُواْ﴾(١)، نهي عن المنازعة، والجمهور قالوا: إن الجدال في الدين طاعة؛
لقوله تعالى: ﴿آدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِلَّتِى هِىَ
أَحْسَنٌ﴾(٢)، ولقوله تعالى حكاية عن الكفار أنهم قالوا لنوح على نبيّنا وعليه
الصلاة والسلام: ﴿يَلْنُوعُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَلَنَا﴾(٣)، ومعلوم أنه ما كان
ذلك الجدال إلا لتقرير الدين، فلا بدّ من الجمع في النصوص، فيحمل
المذموم على الجدل في تقرير الباطل، وطلب المال والجاه، والممدوح على
الجدل في تقرير الحقّ ودعوة الخلق إلى سبيل الله، والذبّ عن دين الله تعالى،
انتهى. (والله أعلم) بحقيقة مراده.
(وقد سمعت ذلك) التفسير (من أهل العلم) يحتمل تفسير الآية كلها، فإن
كل ما حكى مالك في تفسيرها منقول عمّن سلف كما تقدّم مفصلاً، ويحتمل
تفسير الجزء الثالث خاصة فإنه لما لم يكن تعلق آية ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنَكًا﴾
بالجدال في الحجّ معروفاً عند المفسّرين عزاه إلى أهل العلم، وما ذكره الإمام
مالك من التفسير فيه تخصيص للآية على بعض مواردها .
قال الباجي(٤): ولا يمتنع حمل الآية على عمومها، فيكون الرفث الجماع
وكل قبيح من الكلام، والفسوق كل معصية، والجدال كل مراء ممنوع فيه، فهذا
كله وإن كان ممنوعاً في غير الحجّ إلّا أنه يتأكد أمره في الحجّ، انتهى.
وقال الرازي(٥): وذكر القاضي كلاماً حسناً في هذا الموضع، فقال: قوله
تعالى يحتمل أن يكون خبراً، وأن يكون نهياً؛ كقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِهِ﴾، أي
(١) سورة الأنفال: الآية ٤٦.
(٢) سورة النحل: الآية ١٢٥.
(٣) سورة هود: الآية ٣٢.
(٤) ((المنتقى)) (١٨/٣).
(٥) ((التفسير الكبير)) (١٦٠/٥ - ١٧٠).
٣٩

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٩) حدیث
لا ترتابوا، وظاهر اللفظ للخبر، فإذا حملناه على الخبر كان معناه أن الحج لا
يثبت مع واحدة من هذه الخلال، بل يفسد؛ لأنه كالضدّ لها، وهي مانعة من
صحته، وعلى هذا الوجه لا يستقيم المعنى إلّا أن يُراد بالرفث الجماع المفسد
للحج، ويحمل الفسوق على الزنا، ويحمل الجدال على الشكّ في الحج
ووجوبه؛ لأن ذلك يكون كفراً، فلا يصح معه الحجّ.
وإنما حملنا هذه الثلاثة على هذه المعاني حتى يصح خبر الله بأن هذه
الأشياء لا توجد مع الحج، وأمّا إذا حملناه على النهي، وهو في الحقيقة
عدول عن ظاهر اللفظ، فقد يصح أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته، والفحش
من القول، وأن يُراد بالفسوق جميع أنواعه، وبالجدال جميع أنواعه، لأن
اللفظ مطلق، ومتناول لكل هذه الأقسام، فيكون النهي عنها نهياً عن جميع
أنواعها، وعلى هذا الوجه تكون الآية كالحثّ على الأخلاق الجميلة،
والتمسّك بالآداب الحسنة، والاحتراز عما يحيط ثواب الطاعات.
والحكمة في أن الله تبارك وتعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة، لا أزيد، ولا
أنقص، هي أنه قد ثبت في العلوم العقلية، أن الإنسان فيه قُوَى أربعةٌ شهوانيةٌ
بهيمية، وقوة غضبية سبعية، وقوة وهمية شهوانية، وقوة عقلية ملكية، والمقصود من
جميع العبادات قهر القوى الثلاثة أي الشهوانية والغضبية والوهمية، فقوله: ﴿فَلاَ
رَفَثَ﴾ إشارة إلى قهر القوة الشهوانية، وقوله: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ إشارة إلى قهر القوة
الغضبية التي توجب التمرّد والغضب، وقوله: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ إشارة إلى قهر القوة
الوهمية التي تحمل الإنسان على الجدال في ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه،
فلما كان منشأ الشر محصوراً في هذه الثلاثة، لا جرم قال تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلَا
فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَيْ﴾(١)، فمن قصد معرفة الله ومحبّته والاطّلاع على نور
جلاله، والانخراط في سلك الخواص من عباده، فلا یکون فيه هذه الأمور، انتهى.
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٧.
٤٠