النص المفهرس

صفحات 1-20

أوْ جَ السَالِك
إلى
موظا مالكن
الْجُرُءُ الثَّامِنُ
تَألِيفُ
الإِمَامِ المُحُدِّثُ
محمد زكريًّا الكان حلوي المدني
المتوفى سنة ١٤٠٢ هـ
اعتَنَى بِهِ وَعَلَّقَعَلَيْهِ
الأستاذ الدكتور في الذين الندوي
دار القلم
دمشق

し
.

إِذ ◌َ لَالِك
إلى
موظا مالك

الطَّبْعَةُ الْأَوْلِى
مُحَقّقَةٌ وَمُنَفْحَةٌ
-
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
حُقُوقُ الطَّبْعِ مِحَفُوظَةٌ لِلْمُحَقِّقِ
SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي
للبحوث والدراسات الإسلامية
For Research & Islamic Studies.
مظفرفور - أعظم جراه یوبي (الهند).
MOZAFFAR PUR, AZAMGARH, U.P. (INDIA).
Tel: 0091 54622 70104
0091 54622 70317
Fax: 0091 54622 70786

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٥٣) باب الوقوف بعرفة والمزدلفة
(٥٣) الوقوف بعرفة والمزدلفة
أمّا الوقوف بعرفة فقد أجمعت الأمة على أنه ركن لا يتم الحج إلّا به،
وحكى الإجماع على ذلك غير واحد من شرّاح الحديث ونقلة المذاهب، منهم
الموفق وابن رشد وملك العلماء وغيرهم، لا خلاف بينهم في ذلك إلّا ما قال
الرازي: نقل عن الحسن أن الوقوف بعرفة واجب إلّا أنه إن فات ذلك، قام
الوقوف بجميع الحرم مقامه، وسائر الفقهاء أنكروا ذلك، واتّفقوا على أن
الحج لا يحصل إلّا بالوقوف بعرفة، انتهى.
واختلفوا في ذلك في عدّة فصول، منها، حدود عرفة وسيأتي الكلام عليه
قريباً، ومنها، في وقت الوقوف، قال ابن رشد(١): لم يختلف العلماء أنه لاَل
بعدما صلّى الظهر والعصر بعرفة ارتفع، فوقف بجبالها داعياً إلى الله عزّ اسمه،
ووقف معه كل من حضر إلى غروب الشمس، وأنه لما استيقن غروبها وبان له
ذلك، دفع منها إلى المزدلفة، ولا خلاف بينهم أن هذا هو السنّة في الوقوف
بعرفة، وأجمعوا على أن من وقف بعرفة قبل الزوال ولا أفاض منها قبل
الزوال، أنه لا يعتدُّ بوقوفه ذلك، وقد روي عن عبد الله بن معمر الديليّ
سمعت رسول الله 8* يقول: ((الحجّ عرفات، فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع
الفجر فقد أدرك))، وهو حديث انفرد به هذا الرجل من الصحابة، إلّا أنه مجمع
عليه .
واختلفوا فيمن وقف بعرفة بعد الزوال، ثم دفع منه قبل غروب الشمس،
فقال مالك: عليه حجّ قابل، وإن دفع منها قبل الإمام بعد الغيبوبة أجزأه،
وبالجملة فشرط صحة الوقوف عنده أن يقف ليلاً، وقال جمهور العلماء: من
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٣٨/١).
٥

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
وقف بها بعد الزوال فحجّه تام، وإن دفع قبل الغروب إلّا أنهم اختلفوا في
وجوب الدم علیه، انتهى.
قال الدسوقي(١): إن الوقوف نهاراً واجب ينجبر بالدم، بخلاف الوقوف
ساعة بعد الغروب، فركن لا ينجبر بالدم، وهو مذهب مالك، وهو خلاف ما عليه
الجمهور، قال ابن عبد السلام: والحاصل أن زمن الوقوف موسع، وآخره طلوع
الفجر، واختلفوا في مبدئه، فالجمهور أن مبدأه من صلاة الظهر، ومالك يقول: من
الغروب، ووافق الجمهور اللخميّ وابن العربي، ومال إليه ابن عبد البر، انتهى.
قلت: وسيأتي كلام أبي الحسن اللخمي في ((باب وقوف من فاته الحج))،
وقال الموفق(٢): يجب عليه الوقوف إلى الغروب، ليجمع بين الليل والنهار في
الوقوف بعرفة، فإن النبيّ وَّل وقف بعرفة حتى غابت الشمس، في حديث جابر،
وفي حديث علي وأسامة: أن النبيّ وَّر دفع حين غابت الشمس. فإن دفع قبل
الغروب فحجّه صحيح في قول جماعة الفقهاء، إلّا أن مالكاً قال: لا حجّ له،
قال ابن عبد البر: لا نعلم أحداً من فقهاء الأمصار قال بقول مالك، وحجّته ما
روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبيّ وَ لاه قال: ((من أدرك عرفات بليل
فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج))، الحديث.
ولنا، ما روى عروة بن مضرس وفيه: وقد وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد
تمّ حجه، قال الترمذي: حسن صحيح، وأمّا حديثه فقد خصّ الليل؛ لأن
الفوات يتعلّق به إذا كان يوجد بعد النهار، فهو آخر وقت الوقوف، كما قال
عليه السلام: ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس))، الحديث.
وعلى من دفع قبل الغروب دم، عند أكثر أهل العلم، منهم عطاء والثوري
والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ومن تبعهم، وقال ابن جريج: عليه بدنة،
(١) ((حاشية الدسوقي)) (٢/ ٣٧).
(٢) («المغني)) (٢٧٢/٥).

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
وقال الحسن البصري: عليه هدي من الإبل، ولنا، أنه واجب لا يفسد الحج
بفواته، فلم يوجب البدنة كالإحرام من الميقات.
فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهاراً، فوقف حتى غربت الشمس، فلا دم
عليه، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال الكوفيون وأبو ثور: عليه دم؛ لأنه
بالدفع لزمه الدم، فلا يسقط برجوعه، كما لو عاد بعد غروب الشمس، ولنا،
أنه أتى بالواجب وهو الجمع بين وقوف الليل والنهار، فلم يجب عليه دم كمن
تجاوز عن الميقات غير محرم، ثم رجع فأحرم، فإن لم يعد حتى غربت
الشمس فعليه دم؛ لأن عليه الوقوف حال الغروب وقد فاته، انتهى.
قلت: وما حكي عن الكوفيين هو قول مرجوح للحنفية، والراجح سقوط
الدم، قال القاري: إن دفع قبل الغروب فإن جاوز حدّ عرفة بعد الغروب، فلا
شيء عليه اتفاقاً، وإن جاوزه قبله فعليه دم، فإن لم يعد أصلاً، أو عاد بعد
الغروب لم يسقط الدم، وإن عاد قبل الغروب فدفع بعد الغروب، سقط الدم
على الصحيح، انتهى. وكذلك ما قال: أو عاد بعد الغروب لم يسقط الدم
يخالفه ما في ((الروض))(١)؛ إذ قال: ومن وقف نهاراً، أو دفع قبل الغروب،
ولم يعد إليها قبله، فعليه دم، فإن عاد إليها واستمر للغروب، أو عاد بعده قبل
الفجر، فلا دم عليه؛ لأنه أتى بالواجب، وهو الوقوف بالليل والنهار، انتهى.
والظاهر عندي أن الصواب في هذه المسألة ما في ((المغني))؛ إذ في ((نيل
المآرب)): الثاني من الواجبات الوقوف بعرفة إلى الغروب لمن وقف نهاراً،
وإليه يشير كلام ((المقنع)) إذ قال: أو دفع منها قبل الغروب، ولم يعد إليها
قبله، انتهى. وهكذا في ((الأنوار))(٢): الثاني من الواجب مدّ الوقوف بعرفة إلى
(١) ((الروض المربع)) (٥٠٩/١).
(٢) ((الأنوار الساطعة)) (ص ٧٣٥).
٧

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
الغروب، انتهى. فعلى هذا كله من رجع بعد الغروب لم يستمرّ فيها إلى
الغروب. ثم قال الموفق(١): ومن لم يدرك جزءاً من النهار، ولا جاء عرفة،
حتى غابت الشمس، فوقف، ليلاً فلا شيء عليه، وحجّه تام، لا نعلم مخالفاً
فيه: لقوله عليه السلام: ((من أدرك عرفات بليل))، ولأنه لم يدرك جزءاً من
النهار، فأشبه من منزله دون الميقات، إذا أحرم منه.
ووقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، لا
نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر، قال جابر:
لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع، قال أبو الزبير: فقلت له: أقال
رسول الله وَّر ذلك؟ قال: نعم، رواه الأثرم، وأمّا أوّله فمن طلوع الفجر يوم
عرفة، وقال مالك والشافعي: أوّل وقته زوال الشمس من يوم عرفة، واختاره
أبو حفص العكبري، وحكى ابن عبد البرّ ذلك إجماعاً .
ولنا؛ قوله :(( ... وقد وقف لعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تمّ
حجه))، ولأنه من يوم عرفة، فكان وقتاً للوقوف كبعد الزوال، وترك الوقوف لا
يمنع كونه وقتاً للوقوف كبعد العشاء، وإنما وقفوا في وقت الفضيلة، ولم
يستوعبوا جميع وقت الوقوف، انتهى.
وقد عرفت من ذلك أنهم اختلفوا في فرض الوقت للوقوف على ثلاثة
أقوال؛
-- -
الأول: قول الإمام أحمد: أنه من الفجر إلى الفجر، كما تقدم عن
((المغني))، وبه جزم عامة أهل الفروع الحنابلة، ففي ((الروض)) (٢): من وقف
بعرفة، ولو لحظة من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر، صح حجه؛ لأنه
حصل بعرفة في زمن الوقوف، انتهى.
(١) ((المغني)) (٢٧٤/٥).
(٢) ((الروض المربع)) (٥٠٩/١).
٨
...-

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
والثاني: قول الإمام مالك: أنه ليلة النحر من الغروب إلى الفجر، كما
تقدم عن ابن رشد والدسوقي وغيرهما. قال الدردير: الركن الرابع للحج
حضور عرفة ساعة ليلة النحر، وتدخل بالغروب، وأمّا الوقوف نهاراً فواجب،
ينجبر بالدم، ويدخل وقته بالزوال، انتهى.
والثالث: قول الإمامين أبي حنيفة والشافعي: أنه من زوال عرفة إلى فجر
النحر، حتى حكى الإجماع على ذلك بعضهم، كما حكاه ابن حجر في ((شرح
مناسك النووي)) عن ابن المنذر وابن عبد البرّ، وفي ((نيل المآرب)): اختار
الشيخ وغيره، وحكى إجماعاً من زوال يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر،
وهو مختار اللخمي وابن العربي وابن عبد البر المالكيين.
وسيأتي في ((باب وقوف من فاته الحج)) عن الزرقانيّ(١) أنه مختار جمع
من أصحابهم، وعرف أيضاً أنهم اختلفوا في الوقت الواجب على قولين،
الأول: الجمع بين الليل والنهار في أي وقت منهما يحصل، وهو قول الإمام
مالك .
قال الدردير (٢): وأمّا الوقوف نهاراً فواجب، ينجبر بالدم، ويدخل وقته
بالزوال، ويكفي فيه أي جزء منه، قال الدسوقي: أي يكفي في تحصيل الوقوف
الواجب الوقوف في أي جزء من ذلك، انتهى.
وهو مختار صاحب ((الروض المربع)) كما تقدم في كلامه، وبه جزم
النووي في مناسكه؛ إذ قال: ينبغي أن يبقى في الموقف حتى تغرب الشمس،
فيجمع في وقوفه بين الليل والنهار، فإن أفاض قبل الغروب، فعاد إلى عرفات
قبل طلوع الفجر، فلا شيء عليه، وإن لم يعد أراق دماً، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٠/٢).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٣٧/٢).
٩

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
والثاني: قول الحنفية وعامة الحنابلة: أن الواجب امتداد الوقوف إلى ما
بعد الغروب، كما تقدم عن القاريّ و((المغني)) وغيرهما، إذا وقف بالنهار، وإن
لم يتفق له الوقوف بالنهار، فلا امتداد في الليل، كما صرّح به في ((شرح
اللباب)) و((الروض المربع)).
وأمّا الوقوف بمزدلفة، فمختلف فيه أيضاً عند الأئمّة، وههنا مسألتان،
طالما اشتبهت إحداهما بالأخرى على نقلة المذاهب، إحداهما: الوقوف بها
بعد طلوع الفجر من صبيحة يوم النحر، والثانية: المبيت بها ليلة النحر، وربما
أطلق شراح الحديث والفقه إحداهما على الأخرى.
قال الموفق(١): للمزدلفة ثلاثة أسماء: مزدلفة، وجمع، والمشعر الحرام،
والمبيت بها واجب، من تركه فعليه دم، وهذا قول عطاء والزهري وقتادة
والثوري والشافعي وأبي ثور وإسحاق وأصحاب الرأي، وقال علقمة والنخعي
والشعبي: من فاته جمع فاته الحج؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ اُلْمَشْعَرِ
اُلْحَرَاءِ﴾ (٢)، وقول النبيّ ◌َّ: ((من صلّى صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع،
وقد وقف عرفة قبل ذلك، فقد تمّ حجه)).
ولنا، قول النبيّ وَل﴾: ((الحج عرفة، فمن جاء قبل ليلة جمع، فقد تمّ
حجه))، يعني من جاء عرفة. وما احتجّوا به من الآية والخبر، فالمنطوق فيهما
ليس بركن في الحج إجماعاً، فإنه لو بات بجمع، ولم يذكر الله تعالى، ولم
يشهد الصلاة فيها، صحّ حجه، ولأن المبيت ليس من ضرورة ذكر الله بها،
فتعين حمله على مجرد الإيجاب أو الفضيلة أو الاستحباب. ومن بات بمزدلفة
لم يجز له الدفع قبل نصف الليل، فإن دفع بعده، فلا شيء عليه، وبهذا قال
(١) («المغني)) (٢٨٣/٥).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٩٨.
١٠

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
الشافعي، وقال مالك: إن مرّ بها ولم ينزل، فعليه دم، فإن نزل، لا دم عليه
متى ما دفع.
ولنا، أن النبيّ وَّر بات بها وقال: ((خذوا عني مناسككم))، وإنما أبيح
الدفع بعد نصف الليل بما ورد من الرخصة فيه، فروي عن ابن عباس: كنت
فيمن قدّم النبيّ ◌َّ في ضعفة أهله، وعن أسماء أنها نزلت ليلة جمع،
الحديث. وفيه: أن رسول الله و سر أذن للطعن، متفق عليهما. فمن دفع من
جمع قبل نصف الليل، ولم يعد في الليل، فعليه دم، فإن عاد فيه، فلا دم
عليه، ومن لم يوافق مزدلفة إلّا في النصف الأخير، فلا شيء عليه؛ لأنه لم
يدرك جزءاً من النصف الأول، فلم يتعلق به حكمه، كمن أدرك الليل بعرفات
دون النهار، والمستحب الاقتداء برسول الله وقّي في المبيت إلى أن يصبح، ثم
يقف حتى يسفر.
ولا بأس بتقديم الضعفة والنساء، وممن كان يقدم ضعفة أهله
عبدُ الرحمن بن عوف وعائشة. وبه قال عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور
وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفاً، ولأن فيه رفقاً بهم، ودفعاً لمشقة
الزحام عنهم، واقتداء بفعل نبيّهم ◌َلها .
ولا نعلم خلافاً في أن السنة الدفْعُ قبل طلوع الشمس؛ لأن النبيّ
صَلَى له
وَسَيّ
كان يفعله، والسنّة أن يقف حتى يُسْفر جداً، وبهذا قال الشافعي وأصحاب
الرأي، وكان مالك يرى الدفع قبل الإسفار، انتهى.
وحكى الأبيّ (١) عن القاضي عياض: لم يختلف أن المبيت بالمزدلفة من
المناسك إلا شيء روي عن عطاء والأوزاعي أنها كغيرها من منازل السفر، من
شاء نزل بها ومن شاء لم ينزل، وعلى أنها من المناسك الأكثر، ثم اختلفوا
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣٩٤/٣).
١١

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
فقال الأكثر: هو سنّة، وقال الشافعي والنخعي وغيرهما: هو واجب، من فاته
فاته الحج.
واختلف القائلون بأنه سنّة هل في تركه دم؟ فأوجبه مالك والكوفيون
والمحدثون وعن النووي الصَّحيح من مذهب الشافعي أنه واجب من تركه الدم
وبه قال الكوفيون والمحدثون، وللشافعي قول آخر: إنه سنة لا دمَ في تركه،
وقالت به جماعة، وقال النخعي وطائفة وبعض الشافعية: لا حج لمن تركه،
وعن عياض اختلف في القدر الواجب من المبيت، فعن مالك الليل كلّه، وعنه
معظم الليل، وعنه أقلّ زمان، انتهى.
وقال النووي(١): الصحيح عند الشافعي أنه ساعة في النصف الثاني من
الليل، وفي قولٍ: له ساعة من النصف الثاني وما بعده إلى طلوع الشمس، وفي
قولٍ ثالث: إنه معظم الليل، انتهى.
وقال ابن رشد(٢): أجمعوا على أن من بات بالمزدلفة ليلة النحر، وجمع
فيها بين المغرب والعشاء مع الإمام، ووقف بعد صلاة الصبح إلى الإسفار بعد
الوقوف بعرفة أن حجّه تام، وذلك أنها الصفة التي فعل رسول الله (ێچ ،
واختلفوا هل الوقوف بها بعد صلاة الصبح والمبيت بها من سنن الحج أو من
فروضه؟ فقال الأوزاعي وجماعة من التابعين: هو من فروض الحج، ومن فاته
كان عليه حجٌّ من قابلٍ، والهدي، وفقهاء الأمصار يرون أنه ليس من فروض
الحج، وأن من فاته الوقوف بمزدلفة والمبيت بها فعليه دم، وقال الشافعي: إن
دفع منها إلى بعد نصف الليل الأوّل، ولم يصل فيها فعليه دم، انتهى. وفي
((نيل المآرب)) في الواجبات: المبيت ليلة النحر بمزدلفة إلى بعد نصف الليل إن
وافاها قبله .
(١) (شرح صحيح مسلم)) للنووي (٣٩/٩).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٤٩/١).
١٢

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
وفي ((الروض المربع)) (١): ويبيت بها، لأنه يَّ بات بها، وله الدفع منها
قبل الإمام بعد نصف الليل، وفي الدفع قبل النصف دم على غير سُقاة ورُعاة
سواء كان عالماً بالحكم أو جاهلاً ناسياً أو عامداً، كوصوله إليها بعد الفجر
فعليه دم، لأنه ترك نسكاً واجباً، لا أن وصل إليها قبل الفجر فلا دم عليه،
وكذا إن دفع من مزدلفة قبل النصف وعاد إليها قبل الفجر لا دم عليه، انتهى.
وفيه أيضاً: من الواجبات المبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل لمن
أدركها قبله على غير السُّعاة والرُّعاة، انتهى. ثم قال: والباقي من أفعال الحج
وأقواله السابقة سننٌ.
وقال النووي في ((مناسكه)): هذا المبيت نُسُكٌ، وهل هو واجب أو سنة؟
قولان للشافعي، فإن دفع بعد نصف الليل لعذر أو لغيره، أو دفع قبل نصف
الليل، وعاد قبل طلوع الفجر فلا شيء عليه، وإن ترك المبيت من أصله أو دفع
قبل نصف الليل ولم يعد أو لم يدخل مزدلفة أصلاً صح حجّه وأراق دماً.
فإن قلنا: المبيت واجب كان الدم واجباً، وإن قلنا: سنّة كان الدم سنة،
ولو لم يحضرها في النصف الأول وحضرها ساعة في النصف الثاني من الليل
حصل المبيت، نصّ عليه الشافعي - رحمه الله - في ((الأم))، وقد خفي هذا
النص على بعض أصحابنا، فقالوا خلافه، وليس بمقبول منهم، ويُستحب أن
يبقى بمزدلفة حتى يطلع الفجر، ويصلّي بها، فيكون بمزدلفة إلى قبيل طلوع
الشمس، ويتأكّد الاعتناء بهذا المبيت، سواء قلنا: واجب أو سنّة، فقد فعله
النبيّ ◌َّة، وذهب إمامان جليلان من أصحابنا إلى أن هذا المبيت ركن لا يصح
الحجّ إلّا به، قاله أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبو بكر بن محمد بن
إسحاق بن خزيمة، فينبغي أن يحرص عليه للخروج عن الخلاف، انتهى.
(١) (٥١١/٢).
١٣

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
قال ابن حجر: قوله: قولان للشافعي، المعتمد كما يأتي للمصنف،
وصححه في ((الروضة)) أنه واجب، بل قَوَّى السبكي القول بأنه ركن، وقوله:
ذهب إمامان أي تبعاً لخمسة من التابعين، ومال إليه ابن المنذر واختاره
السبكي، انتهى.
وفي ((المدونة))(١): قال مالك: من مرّ بالمزدلفة مارّاً ولم ينزل بها فعليه
الدم، ومن نزل بها، ثم دفع منها بعدما نزل بها، وإن كان دفعه منها في وسط
الليل أو في أوّله أو في آخره، وترك الوقوف مع الإمام فقد أجزأه ولا دم
علیه، انتھی.
وقال الدردير(٢): ونُدِبَ بياتُه بمزدلفة، وأمّا النزول بقدر حطّ الرحال،
وإن لم تحطّ بالفعل فواجب يجبر بالدم، ولذا قال المصنف: وإن لم ينزل بقدر
حظّ الرحال حتى طلع الفجر، فالدم واجب عليه إلا لعذرٍ.
وندب ارتحاله منها بعد صلاة الصبح مُغَلِّساً، وندب وقوفه بالمشعر
الحرام للإسفار يكبّر الله ويدعو لنفسه، قال الدسوقي: أي فإذا وصل للمشعر
الحرام نُدِب وقوفه به، والمعتمد أن الوقوف بالمشعر الحرام سنة، كما قال ابن
رشد، وشهَّره القلشاني، بل قال ابن الماجشون: إن الوقوف به فريضة، انتهى.
وفي (شرح اللباب))(٣): البيتوتة بها سنة مؤكّدة إلى الفجر عندنا، لا
واجبة، كما عند الشافعي، ولا ركن كما قال بعضهم، والمراد بها كون أكثر
الليل فيها، والوقوف بها بعد طلوع الفجر واجب عندنا لا سنّة كما عليه
الشافعي، وأوّل وقته طلوع الفجر الثاني من يوم النحر إلى طلوع الشمس، فلو
(١) (٣٢٢/١).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤٤/٢).
(٣) (ص١١٦).
١٤

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
+
وقف قبل طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس لا يُعْتَدُّ به، وقدر الواجب منه
ساعة ولو لطيفة، وقدر السنة الامتداد من مبدأ الصبح إلى الإسفار جداً،
انتهى .
وفي ((الهداية)) (١): هذا الوقوف واجب عندنا وليس بركن حتى لو تركه
بغير عذر يلزمه الدم، وقال الشافعي: إنه ركن لقوله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُوا اللَّهَ
عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾(٢)، وبمثله تثبت الركنية، ولنا، ما روي أنه مَّ قدم
ضعفة أهله، ولو كان ركناً لما فعله، والمذكور فيما تلاه الذكر وهو ليس بركن
بالإجماع، انتهى. وتعقّب العيني وغيره من شُرّاح ((الهداية)) على نسبة الركنية
إلى الشافعي، وقال العيني: ذكر في ((المبسوط)) الليث بن سعد مكان الشافعي.
وفي ((الأسرار)) علقمة، وفي ((فتاوى قاضيخان)) (٣) مالكاً مكانه، وفي ((المبسوط))
مالكاً والشعبي وعلقمة، ونسبة هذا إلى مالك أيضاً سهو؛ لأن الصحيح من
مذهبه أن الوقوف بها سنة والنزول بها واجب.
وذهب علقمة بن قيس والشعبي والنخعي والحسن البصري والأوزاعي
وحماد بن أبي سليمان إلى أن الحج يفوت بفوات الوقوف بمزدلفة، ويروى عن
ابن عباس والزبير، وقالت الظاهرية: من لم يدرك مع الإمام صلاة الصبح
بالمزدلفة بطل حجّه إن كان رجلاً، انتهى.
وقد عرفت أن العيني نسب إلى هؤلاء ركنية الوقوف، وهكذا ابن العربي
في ((العارضة))(٤)؛ إذ قال في حديث ((من أدرك معنا هذه الصلاة، وقد وقف
(١) (١٤٣/١).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٩٨.
(٣) (١٤٠/١).
(٤) ((عارضة الأحوذي)) (١١٨/٤).
٠٠
١٥

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
قبل ذلك بعرفة ... )): دليلٌ على أن المبيت بالمزدلفة ليس بواجب، فأمّا
الوقوف بمزدلفة فإن جماعة قالوا: من لم يقف بالمشعر الحرام فلا حجّ له
تعلقاً بلفظ الحديث، وهو قول الثوري والأوزاعي وحماد بن أبي سليمان، ثم
قال بعد ذلك: وهي عندي ركن، كما قال الأوزاعي وحماد والثوري، انتهى.
وتقدم في كلام الموفق وابن حجر نسبة ركنية المبيت إليهم، ولا يكشف الغطاء
إلا ملاحظة ما ورد عنهم من الآثار.
وما حكى عن بعضهم ابن حزم في ((المحلى)) مجملٌ يصدق على كليهما،
فقد حكي عن ابن عباس: من أفاض من عرفة (١) فلا حجّ له، وعن ابن الزبير:
ألَا لا صلاة إلا بجمع، وسئل علقمة عمّن لم يدرك عرفات أو جمعاً، فقال:
عليه الحجّ، وعن إبراهيم النخعي: من فاته عرفات أو جمع فسد حجّه، وعن
الشعبيّ: من فاته جمعٌ جعلها عمرة، وعن الحسن البصري: من لم يقف بجمع
فلا حجّ له، وعن حماد بن أبي سليمان: من فاته الإفاضة من جمع فقد فاته
الحجّ، انتهى.
نعم، قالت الظاهرية بركنية هذا الوقوف، فقد أثبت ابن حزم بطلان حج
من لم يدرك مع الإمام صلاة الصبح بمزدلفة من الرجال، وأمّا الأئمّة الأربعة
ومن تبعهم فقد عرفت من مسالكهم أن المبيت إلى ما بعد النصف الأوّل
واجب عند الشافعي على المعتمد وأحمد، وهذا لمن أدركه قبل النصف، وإلا
فالحضور ساعة في النصف الأخير كافٍ، وعند مالك النزول بقدر حظّ الرحال
واجب في أي وقت من الليل كان، وعند الحنفية المبيت سنة مؤكّدة، وهو قول
للشافعي، وهو ركن عند السبكي وابن المنذر وابن خزيمة وأبي عبد الرحمن
من الشافعية، وأمّا الوقوف بعد الفجر فواجب عند الحنفية، وسنّة عند الأئمّة
الثلاثة، وفريضة عند ابن الماجشون وابن العربي من المالكية.
(١) أي بدون الوقوف بمزدلفة، اهـ ((ش)).
١٦
--
------
-------
--

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٨) حديث
٨٥٨/ ١٦٦ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ إِ ل﴿ قَالَ: «عَرَفَةُ كُلَّهَا مَوْقِفٌ،
١٦٦/٨٥٨ - (مالك أنه بلغه: أن رسول الله وَل﴾ قال:) أخرجه ابن وهب
في ((موطئه)): قال: أخبرني محمد بن أبي حميد عن محمد بن المنكدر مرسلاً
بلفظ ((الموطأ)»، ووصله عبد الرزاق بلفظه عن معمر عن محمد بن المنكدر عن
أبي هريرة، قاله الزرقاني، وقال السيوطي في ((التنوير)): ورد موصولاً من
حديث جابر، وابن عباس، وعليّ بدون الاستثناء.
قلت: وإلى هؤلاء الثلاثة نسبه ابن عبد البرّ في ((التقصّي)) (١)، ولم يقل
بدون الاستثناء، وهو الظاهر عندي، فإن ابن ماجه أخرج حديث جابر مع
الحكم بالارتفاع، لكنه أخرج حديث علي أيضاً بدون الاستثناء، وبسط
السيوطي في ((تفسيره)) على تخريج هذه الروايات، وقال أيضاً: أخرج أحمد
عن جبير بن مطعم عن النبيّ وَّ قال: ((كل عرفات موقف وارفعوا عن عرنة))،
الحديث. قال الزرقانيّ(٢): روى الطبراني والديلمي برجال ثقات عن ابن
عباس مرفوعاً: ((عرفات كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، ومزدلفة كلها
موقف وارتفعوا عن بطن محسر))، الحديث.
(عرفة) سيأتي وجه التسمية بها في الحديث الآتي. (كلها موقف) يعني
أن الواقف بأيّ جزء منها آتٍ بسنّة إبراهيم، ومدرك لفريضة الوقوف، ولا
يختصّ بعضها بهذا الحكم دون بعض، لئلا يتضايق الناس بموضع وقوف
النبيّ ◌َّة، وقد قال عمر بن الخطاب: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا أنفسكم،
ولا تهلكوا أنفسكم على هذا المكان، فإن عرفة كلها موقف، فهذا في الجواز،
وإن كنّا نستحب الوقوف في ذلك الموضع، وما يقرب منه تبرّكاً بالنبيّ وَلّل،
وقد قال ابن حبيب: وحيث يقف الإمام أفضل، وقد قال ابن الموّاز عن
(١) انظر: ((التمهيد)) (٤١٨/٢٤).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٧/٢).
١٧

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٨) حديث
مالك: ليس في موضع من ذلك فضل إذا وقف مع الناس، كذا في
((المنتقى))(١).
وزاد الزرقاني بعد ذلك: ((وإن بعد موقفه عن موقفي))، ولم أجد هذا
اللفظ في شيء من النسخ الهندية ولا المصرية، لا في المتون ولا في الشروح،
قال الزرقاني: أراد به رفع توهّم تعين الموقف الذي اختاره هو للوقوف.
قلت: وقد أخرج ابن أبي شيبة وأبو داود(٢) والترمذي وحسّنه والنسائي
وابن ماجه والحاكم، وصحّحه عن يزيد بن شيبان قال: أتانا ابن مربع
الأنصاري فقال: إني رسول رسول الله إليكم يقول: ((كونوا على مشاعركم،
فإنكم على إرث من إرث إبراهيم))، وأياً ما كان فإنهم أجمعوا على أن عرفة
كلها موقف، ولا تخصيص بموضع منها دون موضع، إلّا أنهم اختلفوا في
تحديد عرفة، وقال القاري في ((شرح اللباب))(٣): فيه اختلاف كثير.
قلت: ومما يحتاج إليه ناظر الأحاديث ثلاثة أشياء: هل هي داخلة في
حدّ عرفة أو خارجة عنها؟ أحدها: بطن عُرنة، وسيأتي الكلام عليه قريباً،
والثاني: نمرة التي ضرب بها قبته وّيّ وتقدم الكلام عليها، والثالث: المسجد
الذي بعرفات.
قال الشافعي في ((الأوسط)) من مناسكه: عرفة ما جاوز بطن عرنة وليس
الوادي ولا المسجد منها، كذا في ((العيني)) (٤)، وفي ((الغنية)): قال الإمام
(١) ((المنتقى)) (١٧/٣).
(٢) أخرجه أبو داود (١٩١٩)، والترمذي (٨٨٣)، والنسائي (٣٠١٤)، وابن أبي شيبة
(٤/ ٣٢٧) .
(٣) (ص١١١).
(٤) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٦٠/٧).
١٨

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٨) حدیث
الشافعي: ليس من عرفات وادي عرنة ولا نمرة ولا المسجد الذي يصلّي فيه
الإمام، بل هذه المواضع خارجة عن عرفات على طرفها الغربي، وقال
أصحاب الشافعي - رحمه الله -: مقدم هذا المسجد في طرف وادي عرنة لا في
عرفات، وآخره في عرفات، فمن وقف في مقدم المسجد لم يصح وقوفه، ومن
وقف في آخره صح وقوفه، انتهى.
قلت: وبذلك جزم النووي في ((مناسكه)) وحكى نص الشافعي وقول
أصحابه مفصّلاً، ثم قال: فلعلّه زيد فيه بعد الشافعي - رحمه الله - من أرض
عرفات هذا القدر، انتهى. وفي ((شرح اللباب)) (١): مسجد نمرة في أواخر عرفة
بقربها، بل قيل: إن بعضه منها، وفي ((الغنية)): إذا زالت الشمس سار إلى
مسجد نمرة بلا تأخير ومسجدها أيضاً بعرفة، على ما يقتضيه قوله في
(المبسوط))، كما زالت الشمس يصلّي الإمام الظهر والعصر بعرفات، وكذا في
((الكفاية)) قوله: والمكان شرط وهو عرفات، وكذا قوله في ((اللباب)): وهو
عرفة وما قَرُب منها، يعني لكونه في حكمها، وقد جزم الشارح أن المسجد
خارج عرفة .
ونُقِل عن الخبازي ما يدلّ عليه، ويؤيّده ما في ((غاية البيان عن الديوان»
أنه في بطن عرنة، ومثله في غاية السروجي، ويؤيّده المشاهدة بأن بعض وادي
عرنة موجود خلفه فاصل بينه وبين عرفات، ثم على القول بخروج نمرة
ومسجدها من عرفة لا بدّ أن ينزل أولاً بنمرة، فإنه لو نزل بعرفات احتاج أن
يسير إلى المسجد قبل الزوال لا بعده، وإلا يتحقق وقوفه، ثم ينقطع لخروجه
إلى المسجد، وامتداد الوقوف إلى غروب الشمس واجب، فنزول نمرة أسلم
على القولين، وفيه أيضاً في شرائط صحة الوقوف الثاني المكان، وهو عرفات
إلا مسجد نمرة، للخلاف القوي بين أصحابنا، وكذا بين غيرهم في كونهما من
(١) (ص١٠٠).
١٩

٢٠ - كتاب الحج
(٥٣) باب
(٨٥٨) حديث
وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ،
عرفة، فلا يتأدّى به ما ثبت فرضيّته بنص قطعي وهو الوقوف بعرفة، انتهى.
وقال الدردير (١): أجزأ الوقوف بمسجد عرنة - بالنون - لأنه من عرفة -
بالفاء - ونسب لذات النون لأنه لو سقط حائطه القبلى الذي من جهة مكة لسقط
في عرنة ((بالنون)) ويكره لما قيل: إنه من عرنة - بالنون -، انتهى. وسيأتي شيء
من ذلك في كلام الباجي.
وفي ((الأنوار)) عن (شرح الخرشي)): مصلّى عرفة هو الذي يقال له:
مسجد إبراهيم ومسجد عرنة ومسجد نمرة، فهي أسماء لمسمّى واحد، وهو
الذي عن يمين الذاهب إلى عرفة، انتهى.
وفي ((المدونة)): قال مالك: ما كان بعرفة مسجد منذ كانت عرفة، وإنما
أحدث مسجدها بعد بني هاشم بعشر سنين، وقال أيضاً: أكره بنيان مسجد
عرفة، لأنه لم يكن فيه مسجد منذ بعث الله نبيّه، وكان الإمام يتوكأ على شيء
ويخطب .
(وارتفعوا) أيّها الواقفون بها (عن بطن عرنة) بضم العين المهملة وفتح
الراء ونون، وفي لغة بضمّتين، موضع بين منى وعرفات، وهي ما بين العلمين
الكبيرين جهة عرفة، والعلمين الكبيرين جهة منى، قاله الزرقاني(٢)، وفي
((البدائع))(٣): لا ينبغي أن يقف في بطن عرنة؛ لأنه ◌َّ نهى عن ذلك، وأخبر
أنه وادي الشيطان، انتهى.
قال الباجي(٤): قوله: ارتفعوا عن بطن عرنة، يحتمل معنيين، أحدهما :
(١) (الشرح الكبير)) (٣٨/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٧/٢).
(٣) ((بدائع الصنائع)) (٣٢١/٢).
(٤) ((المنتقى)) (١٧/٣).
٢٠