النص المفهرس
صفحات 621-640
٢٠ - كتاب الحج (٥٠) باب (٨٤٩) حدیث ٨٤٩/ ١٥٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ يَقُولُ فِي ذُلِكَ، مِثْلَ قَوْلِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ. وَسُئِلَ مَالِكٌ: عَنْ رَجُلِ نَسِيَ الإِفَاضَةَ حَتَّى خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَرَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ؟ فَقَالَ: أَرَى، إِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ النِّسَاءَ، فَلْيَرْجِعْ، فَلْيُفِضْ، وَإِنْ كَانَ أَصَابَ النِّسَاءَ، فَلْيَرْجِعْ، فَلْيُفِضْ، ١٥٧/٨٤٩ - (مالك؛ أنه سمع ربيعة بن أبي عبد الرحمن) الرأي (يقول في ذلك) أي فيمن يصيب أهله قبل أن يفيض (مثل قول عكرمة عن ابن عباس) من أنه يعتمر ويهدي. (قال مالك: وذلك) أي وجوب الهدي مع العمرة (أحبّ ما سمعتُ إليَّ) بإضافة إلى ضمير المتكلم (في ذلك) فقد اختار رواية عكرمة على رواية عطاء بن أبي رباح مع أنه من أجل التابعين في المناسك والثقة والأمانة. (وسُئِل مالك) - رضي الله عنه - (عن رجل نسي طواف الإفاضة حتى خرج من مكّة ورجع إلى بلاده قال: أرى إن لم يكن أصاب النساء) أي جامعها ولو مرة واحدة أو مراراً (فليرجع) وجوباً حلالاً إلا من نساء وصيد، وكره الطيب، قاله الزرقاني(١)، وهذا عند المالكية (فليفض) أي ليطف طواف الإفاضة، ولا حلق بعد ذلك؛ لأنه قد حصل بمنى (وإن كان أصاب النساء) بعد الرجوع (فليرجع) أيضاً؛ لأن طواف الإفاضة ركن بالإجماع، وقد بقي على ذمته، فيرجع حلالاً من ممنوعات الإحرام إلا النساء والصيد؛ لأن البواقي حلّت له بالتحلّل الأول، ولا يجدد إحراماً؛ لأنه على إحرامه الأول فيما بقي عليه، ولا يلبي حال رجوعه؛ لأن التلبية قد انقضت. (فليفض) أي فليطف طواف الإفاضة، قال الزرقاني: ومحل وجوب (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٣/٢). ٦٢١ ٢٠ - كتاب الحج (٥٠) باب (٨٤٩) حدیث ثُمَّ لْيَعْتَمِرْ وَلْيُهْدِ. وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ هَدْيَهُ مِنْ مَكَّةَ وَيَنْحَرَهُ بِهَا. وَلَكِنْ، إِنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَهُ مَعَهُ مِنْ حَيْثُ اعْتَمَرَ، فَلْيَشْتَرِهِ بِمَكّةَ، ثُمَّ لِيُخْرِجْهُ إِلَى الْحِلِّ، فَلْيَسُقْهُ مِنْهُ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ يَنْحَرُهُ پِهَا . رجوعه ما لم يكن قد تطوّع بطواف، فيجزيه عن طواف الإفاضة المنسيّ، كما قاله الإمام نفسه في ((المدونة))، ولا دم عليه؛ لأن تطوّعات الحج تجزئ عن واجباته، انتهى. (ثم ليعتمر) لما تقدم من إيجاب العمرة عند مالك، ومن وافقه على من وطئ قبل الإفاضة (وليهد) أي يجب عليه الهدي لجناية الوطء على طواف الإفاضة (ولا ينبغي) أي ولا يجوز (له أن يشتري هديه) الذي وجب عليه (من مكة) أي من الحرم (وينحره بها) أي بمكّة، وذلك لما تقدم في محله، أنه لا بدّ من الجمع بين الحلّ والحرم في الهدي عند مالك. (ولكنه) وفي النسخ المصرية(١) بدون الضمير بلفظ ((ولكن)) (إن لم يكن ساقه) أي الهدي (معه من حيث اعتمر) أي من حيث أحرم بالعمرة وهو الحل، لما تقدم في محله، أن محل إحرام العمرة الحل (فليشتره) أي الهدي (بمكة) أي الحرم (ثم ليخرجه) أي الهدي (إلى الحلّ) ليجمع في الهدي بين الحل والحرم (فليسقه) أي الهدي (منه) أي من الحل (إلى مكة) خاصّته؛ لأن موضع نحره مكة لا غير (ثم ينحره بها). قال الباجيّ(٢): يريد أنه لا يصلح الهدي إلا أن يجمع بين الحل والحرم وذلك أن يشتري في الحل فيساق إلى الحرم، أو يشتري في الحرم فيخرج إلى الحل، ثم يعود إلى موضع النحر في الحرم فينحر، وإنما الذي يمنع من ذلك أن يشتري بمكة، ثم ينحره بها قبل أن يخرجه إلى الحل، فإن لم يكن معه (١) كذا في ((الاستذكار)) (٣٠٩/١٢). (٢) ((المنتقى)) (١٠/٣). ٦٢٢ -- . ٢٠ - كتاب الحج (٥٠) باب (٨٤٩) حديث هدي ساقه من الحل، فليشتره بمكة أو حيث أمكنه من الحل أو الحرم؛ لأنه ليس من شرط صحته شرائه الاختصاص بأحد الأمرين، فإن اشتراه في الحرم بمكة أو غيرها، فليخرجه إلى الحل، ليجمع فيه بين الحل والحرم؛ لأن المنحر في الحرم؛ ولو اشتراه في الحل لأجزأ إدخاله إلى المنحر في الحرم، وخصّ مكة بالذكر؛ لأن ما أهدي في العمرة لا ينحر بمنى ولا ينحر إلا بمكة، انتهى . قلت: وهذا كلّه على مسلك المالكية، وأمّا عند الأئمّة الثلاثة الباقية فليس من شرط الهدي الجمع بين الحل والحرم، بل إن اشتراه بمكة ونحره بها أجزأه، كما تقدم في ((العمل في الهدي حين يساق)). وأمّا طواف الإفاضة، فقال الباجي(١): من نسي الطواف حتى رجع إلى بلده، فلا يخلو أن يذكر ذلك قبل أن يصيب النساء أو بعد ما أصاب، فإن كان لم يصب النساء، فلا بدّ من الرجوع إلى مكة لتمام الحج بالطواف، ولا يجزئ الدم، لأنه ركن من أركان الحج، فإن كان قد لبس وتطيّب فلا شيء عليه لذلك؛ لأنه لما رمى الجمرة فقد وجد منه التحلّل، فلا فدية عليه بلباس ولا تطيّب، وإن كان قد أصاب النساء فهذا وطء قبل الإفاضة بعد الرمي وبعد يوم النحر، فعليه أن يقدم مكة فيطوف طواف الإفاضة، ثم يقضيه في عمرة، لما أدخل على إحرامه من النقص بالوطء ويهدي، انتهى. وقال الموفق(٢): إذا رمى ونحر وحلق وأفاض إلى مكة طاف طواف الزيارة، ولا يقيم بمكة، بل يرجع إلى منى، ويسمى طواف الإفاضة؛ لأنه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة، وهو ركن للحج لا يتمّ إلا به، لا نعلم فيه (١) ((المنتقى)) (١٠/٣). (٢) ((المغني)) (٣١١/٥). ٦٢٣ ٢٠ - كتاب الحج (٥٠) باب (٨٤٩) حديث خلافاً؛ ولأن الله عزّ وجلّ قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾(١)، قال ابن عبد البر: هو من فرائض الحج، لا خلاف في ذلك بين العلماء، وفيه عند جميعهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وعن عائشة قالت: حججنا مع النبيّ وَّير، فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبيّ وَّ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله، إنها حائض، قال: ((أحابستنا هي))؟ قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: ((اخرجوا))، متفق عليه. فدلّ على أن هذا الطواف لا بدّ منه، وأنه حابس لمن لم يأتِ به. وقال أيضاً(٢): إذا ترك طواف الزيارة بعد رمي الجمرة، فلم يبق محرماً إلا عن النساء خاصة؛ لأنه قد حصل له التحلّل الأول برمي الجمرة، فلم يبق محرماً إلا عن النساء خاصة، وإن وطئ لم يفسد حجّه، ولم تجب عليه بدنة، لكن عليه دم، ويجدّد إحرامه، ليطوف في إحرام صحيح، قال أحمد: من طاف للزيارة واخترق الحجر في طوافه، ورجع إلى بغداد فإنه يرجع؛ لأنه على بقية إحرامه، فإن وِطِئَ النساء أَحْرَمَ من التنعيم، انتهى. قلت: وتقدم في أول الباب الثالث أن الإحرام من التنعيم ليس باحترازٍ، بل المقصود الإحرام من الحل. وتقدم فيه أيضاً أن لا حاجة إلى الإحرام عند الشافعية، وفي ((شرح الإقناع)) (٣): من ترك ركناً من أركان الحج غير الوقوف، أو من أركان العمرة، سواء تركه مع إمكان فعله أم لا، كالحائض قبل طواف الإفاضة، لم يحل، أي لم يخرج من إحرامه حتى يأتي بالمتروك، ولو بعد سنين؛ لأن الطواف والسعي (١) سورة الحج: الآية ٢٩. (٢) ((المغني)) (٣٤٦/٥). (٣) (٤٦٠/٢). ٦٢٤ ٢٠ - كتاب الحج (٥١) باب (٥١) باب ما استيسر من الهدي والحلق لا آخر لوقتها، قال البجيرمي: قوله: كالحائض مثال لقوله: أم لا ، وحاصله: أنها إن كانت من أهل مكة أو قريبة منها، لزمها مصابرة الإحرام حتى تأتي بالطواف، ولو طال الزمان، ويحرم عليها محرمات الإحرام، وأما إذا لم تكن كذلك ورحلت القافلة، وخافت على نفسها لو تخلّفت، فتخرج معهم حتى تصل لمحل لا يمكنها فيه الرجوع إلى مكّة، فتحلّل كالمحصر، ويستقرّ الطواف عليها حتى تأتي بإحرام مطلق أو لأجل الطواف؛ لأن إحرامها بطل بالتحلّل، انتهى. فعلم منه أنها تحتاج إلى إحرام إذا أرادت التحلّل بالإحصار، وإلاّ فلا البقاء إحرامه، قال النووي في ((مناسكه)): لا يحلّ من إحرامه مهما بقي من الأركان شيء حتى لو أتى بها كلها، إلا أنه ترك طوفة من السبع لم يصح الحجّ، ولم يحصل التحّل الثاني، انتهى. وفي ((شرح اللباب))(١): ولو ترك الطواف كلّه أو أكثره ورجع إلى أهله، فعليه وجوباً أن يعود بذلك الإحرام ويطوفه؛ لأنه محرم في حق النساء، ولا يجوز إحرام العمرة على بعض أفعال الحج من الطواف والسعي، ولو بعد الحلق من التحلّل الأول، انتهى. (٥١) ما استيسر من الهدي أي ما ورد في تفسير هذا اللفظ، فإنه ورد في كلامه تعالى غير مرة، فقد قال عزّ اسمه: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْحَحْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَذْيَّ﴾(٢)، وقال جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدِيّ﴾، قال العيني(٣): قد اختلف العلماء فيما ﴿أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾، فقالت طائفة: شاة، روي ذلك عن عليّ وابن عباس رواه عنهما مالك في ((موطئه)) وأخذ به، وقال به جمهور العلماء واحتجّ بقوله تعالى: (١) (ص١٨٨). (٢) سورة البقرة: الآية ١٩٦. (٣) ((عمدة القاري)) (٢٨٧/٧). ٦٢٥ ٢٠ - كتاب الحج (٥١) باب (٨٥٠) حدیث ٨٥٠/ ١٥٨ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ كَانَ يَقُولُ: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، شَاةٌ . ﴿هَدَّيًا بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾(١)، قال: وإنما يحكم به في الهدي شاة، وقد سمّاها الله هدياً، وروي عن طاووس عن ابن عباس ما يقتضي أن ما استيسر في حق الغني بدنة، وفي حق غيره بقرة، وفي حق الفقير شاة. وعن ابن عمر وابن الزبير وعائشة: أنه من الإبل والبقر خاصة، وكأنهم ذهبوا إلى ذلك من أجل قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِّن شَعَتِرِ اللَّهِ﴾، فذهبوا إلى أن الهدي ما وقع عليها اسم بدن، ويردّه قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله: ﴿هَذِّيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾، وقد حكم المسلمون في الظبي بشاة، فوقع عليها اسم هدي، وقوله تعالى: ﴿فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾، يحتمل أن يشير به إلى أقلّ أجناس الهدي وهو الشاة، أو إلى أقل صفات كل جنس، وهو ما روي عن ابن عمر (٢): البدنة دون البدنة والبقرة دون البقرة، فهذا عنده أفضل من الشاة، ولا خلاف يعلم في ذلك، وإنما محلّ الخلاف أن الواحد للإبل والبقر هل يخرج شاة؟ فعند ابن عمر - رضي الله عنهما - يمنع إما تحريماً، وإما كراهة، وعند غيره نعم، انتهى. قلت: وسيأتي عن الإمام التصريح بأن أحبّ الأقوال عنده أن ما استيسر من الهدي شاة، قال صاحب ((المحلى)): وبه قالت الثلاثة الباقية، انتهى. ٨٥٠/ ١٥٨ - (مالك عن جعفر) الصادق (بن محمد عن أبيه) الباقر (أن عليّ بن أبي طالب) وفي النسخ المصرية عن عليّ بن أبي طالب بلفظ العنعنة (كان يقول) إن المراد بما تيسّر في قوله عزّ اسمه (ما استيسر) أي تيسّر (من الهدي) بيان لما، (شاة) خبر لمبتدأ، قال السيوطي في ((الدر)) (٣): أخرجه مالك (١) سورة المائدة: الآية ٩٥. (٢) انظر ((الاستذكار)) (٣١٣/١٢). (٣) ((الدر المنثور)) (٥١٢/١). ٦٢٦ ٢٠ - كتاب الحج (٥١) باب (٨٥١) حدیث ١٥٩/٨٥١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي، شَاةٌ . قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذُلِكَ؛ وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ((سننه)). ١٥٩/٨٥١ - (مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس) - رضي الله عنه - أيضاً (كان يقول) إن المراد في (ما استيسر من الهدي شاة) فوافق علياً - رضي الله عنه - في تفسيره، قال السيوطي: أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ الآية، يقول: إذا أهلَّ الرجل بالحج ... إلى آخر الأثر مفصّلاً، وفيه: ما استيسر من الهدي شاة، قال إبراهيم: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبير فقال: هكذا قال ابن عباس في الحديث كلّه، وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن عباس ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾(١)، قال: ما يجد قد يستيسر على الرجل الجزور، والجزوران. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: عليه هدي إن كان موسراً فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم، وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق القاسم عن عائشة تقول: ﴿فَمَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ شاة، وسيأتي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ما يخالف ذلك، وأن الشاة لا تكفيه . (قال مالك: وذلك) أي كون المراد بما استيسر شاة (أحب ما سمعت إليّ) من الأقوال المختلفة (في ذلك) المذكورة في كلام العيني وغيره، وهذا (١) سورة البقرة: الآية ١٩٦. ٦٢٧ ٢٠ - كتاب الحج (٥١) باب (٨٥١) حدیث لأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَِكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، نصّ عن الإمام مالك - رضي الله عنه - في أن أحب الأقوال في ذلك عنده قول من فسّره بالشاة، فما قال الموفق في ((المغني)): إن المراد به عند مالك بدنة، لا يصح النقل، كما تقدم في باب التمتع (لأن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه) استدلّ الإمام مالك - رضي الله عنه - على مختاره بقوله عزّ اسمه، وحاصل الاستدلال أن الله تبارك وتعالى أوجب في الصيد المثل، ومعلوم بالبداهة أن كثيراً من الصيود لا يماثل البقرة أو الجزور، بل يكون أقصر منها، ويكون مماثلاً للشاة، فالواجب فيه بالمثلية الشاة، وسمّاه الله تعالى هدياً، فعلم منه أن الهدي يتناول الشاة أيضاً. وأيضاً لا خلاف بين العلماء في أن الحكمين قد يحكمان في الصيد بالشاة أيضاً، وسمّى الله عزّ اسمه ما يحكمان به هدياً، فعلم منه أيضاً أن الشاة داخلة في مسمى الهدي، وإذا ثبت أن الهدي يتناول الشاة أيضاً، ومعلوم أنها أيسر قيمة من البقر والجزور غالباً، فعلم منه أن مصداق ما استيسر هو الشاة، وأصل هذا الاستدلال عن ابن عباس - رضي الله عنهما - فقد قال الحافظ في ((الفتح)) (١): قد احتجّ بذلك ابن عباس، فأخرج الطبري بإسناد صحيح إلى عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال ابن عباس: الهدي شاة، فقيل له في ذلك، فقال: أنا أقرأ عليكم من كتاب الله ما تقرؤون به، ما في الظبي؟ قالوا: شاة، قال: فإن الله تعالى يقول: ﴿هَدِّيًا بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾، انتهى. (﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَ نَقْتُوْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرٌُ وَمَن قَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنَكُمْ هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَاءُ مَسَكِينَ أَوَ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾)(٢) إلى لههنا ذكرت الآية في جميع النسخ المصرية ، وذكر في (١) ((فتح الباري)) (٥٣٤/٣). (٢) سورة المائدة: الآية ٩٥. ٦٢٨ ٢٠ - كتاب الحج (٥١) باب (٨٥١) حدیث فَمِمَّا يُحْكَمُ بِهِ فِي الْهَدْي، شَاةٌ، وَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ هَدْياً، وَذُلِكَ الَّذِي لَا أُخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، وَكَيْفَ يَشْكُّ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ؟ وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يَبْلُغُ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِ بِبَعِيرِ أَوْ بَقَرَةٍ، فَالْحُكْمُ فِيهِ، شَاةٌ، وَمَا لَا يَبْلُغُ أَنْ يُحْكَمَ النسخ الهندية بعد ذلك ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ،﴾ وتقدم الكلام في تفسير الآية، وأقوال الفقهاء في ذلك بما لا مزيد عليه في الحكم في الصيد. (فمما يحكم) ببناء المجهول، وفي النسخ الهندية ((فما يحكم)) بدون زيادة ((من))، والأوجه الأول (به في الهدي شاة) أي من جملة ما يحكم به العدلان شاة أيضاً، هذا على ما في جميع النسخ المصرية والهندية من المتون والشروح، وخالفها سياق ((المحلى))، ففيها الظبي بدل الهدي، وعليه بنى شرحه؛ إذ قال: فما يحكم به في الظبي شاة. فهو المرويّ عن جماعة من الصحابة، وفيه حديث مرفوع، كما سيأتي. ((وقد سمّاها الله هدياً، وذلك الذي لا اختلاف فيه عندنا)) أي في وجوب الشاة بالظبي. ثم قال: وأصل هذا الاستدلال أخرجه الطبري بإسناد صحيح، فذكر ما تقدم في كلام الحافظ من أثر ابن عباس، (وقد سمّاها الله تعالى هدياً) إذ قال فيما يوجبه العدلان: هدياً بالغ الكعبة (وذلك الذي لا اختلاف فيه عندنا) بالمدينة المنورة أن الهدي يتناول الشاة أيضاً، وتقدم ما في ((المحلى)) من أنه لا اختلاف عندنا، أي في وجوب الشاة بالظبي، (وكيف يشكّ أحد في ذلك)، أي في أن الهدي يتناول الشاة؟ (وكل شيء) من الصيود موصوف (لا يبلغ أن يحكم فيه ببعير أو بقرة) صفة وهي مع موصوفه مبتدأ (فالحكم فيه شاة) الجملة خبر، وفي النسخ المصرية ((فالحكم فيه بشاة))، والمعنى أن الصيد الذي لا يبلغ إلى حد البقر والجزور، فالواجب فيه شاة، إذ لا يجوز الحكم عليه بأزيد مما لزمه، فهي جملة حالية مقوية للاستفهام الإنكاري أو التعجيبي، ثم بين استطراداً أوتبعاً الصيد الذي لا يبلغ إلى حد الشاة أيضاً، فقال: (وما لا يبلغ أن يحكم) ببناء ٦٢٩ ٢٠ - كتاب الحج (٥١) باب (٨٥٢) حديث فِيهِ، بِشَاةٍ فَهُوَ كَفَّارَةٌ مِنْ صِيَامِ، أَوْ إِطْعَامٍ مَسَاكِينَ. ١٦٠/٨٥٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَّةٌ. المجهول (فيه) أي في جزائه (بشاة) أيضاً (فهو) أي جزاؤه (كفارة من صيام أو طعام) بزيادة ألف الإفعال في المصرية وبدونها في الهندية (مساكين) على ما تقدم من تفاصيله في محلّه. قال أبو عمر (١): أحسن مالك - رضي الله عنه - في احتجاجه هذا، وأتى بما لا مزيد لأحد عليه حسناً وعليه جمهور العلماء، وفقهاء الأمصار بالحجاز والعراق، انتهى. ١٦٠/٨٥٢ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان يقول) المراد بقوله تعالى: (ما استيسر) أي تيسّر (من الهدي بدنة أو بقرة) هكذا في جميع النسخ المصرية(٢) من المتون والشروح وفي جميع النسخ الهندية من المتون، و((المصفى)): شاة أو بقرة، وفي ((المحلى)) على ((الموطأ)) قوله: شاة أو بقرة، ولمحمد: بعير أو بقرة، ويقوّيه رواية القاسم عن ابن أبي شيبة(٣) عن ابن عمر - رضي الله عنهما - الهدي من البقر والإبل، وما روى الطبراني في ((مسند الشاميين)) بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول: لا أعلم الهدي إلّ من الإبل والبقر، وكان لا ينحر في الحج إلا الإبل والبقر، فإن لم يجد لم يذبح شيئاً، انتهى. وفي ((تيسير الوصول)) عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه سئل عما استيسر من الهدي، فقال: بدنة أو بقرة، أو سَبْعُ شياه، وأن أُهدي شاة أحبّ (١) انظر ((الاستذكار) (١٢/ ٣١٣). (٢) انظر ((الاستذكار)) (٣١٤/١٢). (٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٤/ ٦٤). ٦٣٠ ------ ------ -- ٢٠ - كتاب الحج (٥١) باب (٨٥٣) حدیث ٨٥٣/ ١٦١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ؛ أَنَّ مَوْلَاةً لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ يُقَالُ لَهَا : رُقَيَّةُ؛ إليّ من أن أصوم أو أُشْرك في جَزور، أخرجه مالك إلى قوله: بقرة، وأخرج باقيه رزين، انتهى. والظاهر عندي أن ما في النسخ الهندية تحريف من الناسخ لاتفاق جميع النسخ المصرية وموافقة عامة ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - كما تقدم عن ((المحلى))(١)، وأخرج محمد في ((موطئه)) (٢) أثر عليّ - رضي الله عنه - ((ما استيسر من الهدي شاة))، ثم أثر ابن عمر هذا بلفظ: ((بعير أو بقرة)»، ثم قال: وبقول عليّ نأخذ، انتهى. وهذا أيضاً يدلّ على أن قول ابن عمر غير قول عليّ، ولذا خصّه بالأخذ، وقال الحافظ بعدما حكى عن الجمهور: إن الهدي شاة أيضاً، رواه الطبراني وابن أبي حاتم بأسانيد صحيحة عنهم، ورويا بإسناد قوي عن القاسم بن محمد عن عائشة وابن عمر أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر، ووافقهما القاسم وطائفة، انتهى. وقال السيوطي في ((الدر))(٣): أخرج وكيع وسفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عمر فما استيسر من الهدي، قال: بقرة أو جزور، قيل: أو ما يكفيه شاة؟ قال: لا، انتهى. ويشكل عليه ما سيأتي عنه في الباب الآتي: لو لم أجد إلاّ أن أذبح شاة أحبّ إليّ من أن أصوم، وسيأتي الجمع بينهما. ١٦١/٨٥٣ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري (أن مولاة لعمرة بنت عبد الرحمن) الأنصارية (يقال لها: رقيّة) (١) (١٥١/٥). (٢) (ص١٥٤). (٣) ((الدر المنثور)) (٤٧٥/١). ٦٣١ ٢٠ - كتاب الحج (٥١) باب (٨٥٣) حديث أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا خَرَجَتْ مَعَ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ إِلَى مَكَّة. قَالَتْ: فَدَخَلَتْ عَمْرَةُ مَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَأَنَا مَعَهَا، فَطَافَتْ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ دَخَلَتْ صُفَّةَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَتْ: أَمَعَكِ مِقَصَّانِ؟ فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَتْ: فَالْتَمِسِيهِ لِي؟ فَالْتَمَسْتُهُ حَتَّى جِئْتُ بِهِ، فَأَخَذَتْ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا، أي كان اسم المولاة رقيّة، ولم أجد ترجمتها فيما عندي من الكتب، ولم يذكرها الزرقاني ولا صاحب ((التعليق الممجد)) (١)، (أخبرته) أي عبد الله (أنها خرجت مع) مولاتها (عمرة بنت عبد الرحمن) وكانت في حِجْرٍ عائشة - رضي الله عنها - وكانت من أعلم الناس بحديثها، وكانوا يسألون عنها بحديثها، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن حزم أن يكتب له أحاديث عمرة (إلى مكّة) للحج (قالت) رقية (فدخلت عمرة) مكة (يوم التروية) أي ثامن ذي الحجة (وأنا معها) في هذا السفر، وظاهر السياق أنها كانت متمتعة (فطافت بالبيت وسعت (بين الصفا والمروة) لعمرتها (ثم دخلت صفة المسجد) قال الزرقاني(٢): بضم الصاد مفردة صُفَف كغرفة وغرف، قال ابن حبيب: مؤخر المسجد، وقيل: سقائف المسجد. (فقالت) عمرة: (أمعك مِقصان) بكسر الميم وفتح القاف والصاد المشدودة، قال الجوهري: المقص المقراض وهما مقصان (فقلت: لا، فقالت: فالتمسيه) أي: اطلبيه (لي، فالتمسته حتى جئت به) إليها (فأخذت) به عمرة، فعلى هذا هو من صيغة الغائب، وضبطه صاحب ((المحلى)) بصيغة المتكلم (من قرون) أي ضفائر (رأسها) في صفة المسجد إرادة للستر والمبادرة بالتقصير، والإحرام من المسجد بالحج، قاله الزرقاني. وقال صاحب ((المحلى)): لعلّها كانت لها عذر في ذلك من وقوع القُمَّل (١) (٣٤٦/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢/ ٣٣٤). ٦٣٢ ----- ٢٠ - كتاب الحج (٥١) باب (٨٥٣) حديث فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، ذَبَحَتْ شَاةً. أو غيره، انتهى. وعلى هذا فهي كانت بحاجة وأخذت من شعرها قبل أوانه، والأوجه الأول، فإن عامة من حمل الأثر لا سيما الإمامان مالك ومحمد كما سيأتي من كلامهما، حملوه على العمرة. (فلما كان يوم النحر ذبحت شاة) زاد في رواية ابن القاسم (للموطأ))، قال مالك: أراها كانت معتمرة، ولولا ذلك لم تأخذ من شعر رأسها بمكة، انتهى. بل تأخذ بمنى، ويحتمل أن الإمام مالكاً - رضي الله عنه - أراد بذلك العمرة المفردة، أو عمرة التمتّع، وهو الظاهر، وعلى هذا فيكون المعنى أنها دخلت مكة بعمرة، وحلّت منها في أشهر الحج، فوجب تقصير شعرها للعمرة، والهدي للتمتّع . وذكر محمد هذا الأثر في ((موطئه)) (١) في باب المعتمر والمعتمرة ما تجب عليهما من التقصير والهدي، ثم قال بعد الأثر المذكور: قال محمد: وبهذا نأخذ للمعتمر والمعتمرة، ينبغي أن يقصر من شعره إذا طاف وسعى، فإذا كان يوم النحر ذبح ما استيسر من الهدي، وهو قول أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا، انتھی . وهذا أيضاً يدلّ على أنها كانت متمتعة، لأن العمرة المجردة لا ذبح فيها . قال أبو عمر: أدخل مالك هذا لههنا شاهداً على أن ما استيسر من الهدي شاة، لأن عمرة كانت متمتعة، والمتمتّع له تأخير الذبح إلى يوم النحر، انتهى. وقال الباجي(٢): إدخال مالك - رحمه الله - هذا الحديث في هذا الباب دليل على أنه حمل ذلك على أنها كانت متمتعة، فاحتجّ باجتزائها بالشاة عن تمتعها على أن الشاة مرادة بقوله تعالى: ﴿فَمَا أَسْتَيْسَرَ﴾، انتهى. (١) (ص١٥٤). (٢) ((المنتقى)) (١٢/٣). ٦٣٣ ٢٠ - كتاب الحج (٥٢) باب (٨٥٤) حدیث (٥٢) باب جامع الهدي ٨٥٤/ ١٦٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارِ الْمَكِّيّ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ ضَفَرَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ، إِنِّي قَدِمْتُ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ؟ (٥٢) جامع الهدي أي الروايات المتفرقة في الهدي. ٨٥٤/ ١٦٢ - (مالك، عن صدقة بن يسار) ضد اليمين (المكيّ) الجزري (أن رجلاً من أهل اليمن) لم يسمّ (جاء إلى عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - بمكة (وقد ضفر رأسه) بفتح الضاد المعجمة والفاء الخفيفة، كذا ضبطه الزرقاني، وفي ((التعليق الممجد)) (١) روي بالتشديد والتخفيف، أي جعله ضفائر كل ضفيرة على حدة، انتهى. وقال الباجي(٢): قد ضفر رأسه، وهو نوع من التلبيد . قلت: يشكل على التلبيد لفظ محمد: ((ثائر الرأس)). (فقال: يا أبا عبد الرحمن) كنية ابن عمر - رضي الله عنهما - وفي النسخ الهندية لههنا وفيما يأتي بدون الألف على أبا في المحلين. (إني قدمت) بمكة محرماً (بعمرة مفردة) ولفظ محمد في ((موطئه)) (٣) عن صدقة بن يسار، قال: سمعت عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - ودخلنا عليه قبل يوم التروية بيومين أو ثلاثة، ودخل عليه الناس يسألونه، فدخل عليه رجل من أهل اليمن ثائر الرأس، فقال: يا أبا عبد الرحمن إنّي ضفرت رأسي (١) (٢٥٧/٢). (٢) ((المنتقى)) (١٢/٣). (٣) (٢٥٧/٢). ٦٣٤ -- ٢٠ - كتاب الحج (٥٢) باب (٨٥٤) حدیث فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَوْ كُنْتُ مَعَكَ، أَوْ سَأَلْنَنِي، لأَمَرْتُكَ أَنْ نَقْرُنَ. فَقَالَ الْيَمَانِيُّ: قَدْ كَانَ ذُلِكَ. وأحرمت بعمرة، فماذا ترى؟ (فقال له عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -: (لو كنت معك) حين أحرمت بالعمرة المفردة (أو سألتني) قبل الإحرام بها (لأمرتك أن تقرن) بضم الراء وكسرها، أي لأمرتك بالقران، لأنه أفضل من التمتّع والإفراد، هذا هو الظاهر من السياق لكن الأثر لما كان مخالفاً لمختار المالكية من ترجيح الإفراد أوّلوه بوجوه، منها: ما قال الزرقاني: أي لأعلمتك بإباحة ذلك، وأن القران مثل التمتّع، انتهى. وأنت خبير بأن هذا التوجيه يأباه سياق الأثر، ومنها: ما قال الباجي: كره عبد الله بن عمر أن يحلق، واختار أن يكون الحلاق في الحج، فقال: لو كنت معك لأمرتك أن تقرن؛ لأنه كان يجمع بين العمرة والحج، ويحلق لهما مرة واحدة، فكان ذلك أحبّ إليه من أن يحلق رأسه في العمرة ولا يجد شعراً يحلقه في حجّه، وقد روي عن مالك في ((المختصر)) فيمن قدم معتمراً يوم التروية لا يحلق ويقصر، وليردف الحج، قال الشيخ أبو بكر: إنما قال ذلك ليبقى له من الشعر ما يحلقه يوم النحر، فلذلك رأى التقصير أفضل، انتهى. (فقال اليماني: قد كان ذلك) يريد أنه قد فات أمر القران بفوات محل الإرداف، لتمام الطواف والسعي، ولذلك لم يأمره ابن عمر - رضي الله عنهما - بشيء غير التقصير، ولم يذكر طوافاً وسعياً، فدلّ ذلك على أنه فهم من اليماني أنه قد كان أكمل الطواف والسعي، فلم يبقَ إلا أن يشير عليه بأفضل ما يراه في هذه الحال التي قد فات فيها القران، كذا في ((المنتقى))(١). وبه جزم الزرقاني (٢)؛ إذ قال: قد كان ذلك الذي أخبرتك من التمتع، (١) (١٢/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٥/٢). ٦٣٥ ٢٠ - كتاب الحج (٥٢) باب (٨٥٤) حدیث فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: خُذْ مَا تَطَايَرَ مِنْ رَأْسِكَ، وَأَهْدِ. فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ: مَا هَدْيُّهُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ؟ قال أبو عبد الملك: معناه قد فاتني الذي تقول لأني حلقت وسعيت للعمرة، وخالفهم شيخنا في ((المصفى)) (١)؛ إذ ترجمه بقوله: ((هرآئينه محقق شدقران))، انتهى. ويشكل عليه الأمر بأخذ ما تطاير من الشعر، وفسّر الشيخ هذه الجملة بقوله: ((بكير آنچه پريشان شده است ازموي سرتو))، انتهى. (فقال عبد الله بن عمر: خذ ما تطاير) أي ارتفع وطال (من) شعر (رأسك) أي قُصِّرَ. قال الباجي: يريد ما علا من الشعر عن التضفير، وهذا لا يصح عند مالك في التقصير، ولا يجزئه إلا الأخذ من جميع الشعر، بل لا يجزئ من ضفر التقصير، ولا يجزئه إلا الحلاق، ولكنه لعلّه قد أمره بنقض ما ضفر منه ثم حينئذ يأخذ ما زاد من شعره على المشط أو على ما يبقيه التقصير، وأما إن حمل على ظاهره، فعنده يجوز التقصير بأخذ بعض الشعر وعند مالك غيرمجزئ، انتهى. قلت: ولا يشكل على الحنفية إذ تقصير ربع الرأس يجزئ عندهم، ثم هذا الأثر صريح في إجزاء التقصير بعد الضفر والتلبيد عند ابن عمر - رضي الله عنهما -، ويخالفه ما قال الموفق (١) ثبت عن عمر وابنه أنهما أمرا من لَبَّدَ رأسه أن يحلقهما، انتهى. فلو صحّ يكون أمره بالحلاق على الأولوية لا الوجوب، أو يقال: إن حكم الضفر عنده غير حكم التلبيد. (وأهدِ) لأنه اعتمر في أشهر الحج، والظاهر أنه يريد الحجّ من عامه، فلزمه هدي المتعة. (فقالت امرأة من أهل العراق) كانت موجودة إذ ذاك، ولفظ محمد: ((فقالت له امرأة في البيت)) (وما هديه) بفتح فسكون فتحتية خفيفة أو بكسر الدال وشدّ الياء (يا أبا عبد الرحمن) بالألف، وبدونها نسختان. (١) ((المغني)) (٣٠٤/٥). ٦٣٦ ٢٠ - كتاب الحج (٥٢) باب (٨٥٤) حديث فَقَالَ: هَدْيُّهُ، فَقَالَتُ لَهُ: مَا هَدْيُّهُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا أَنْ أَذْبَحَ شَاةً، لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَصُومَ. قال الباجي(١): يحتمل سؤالهما أحد أمرين؛ أحدهما: أن تسأله عن هدي من أتى بمثل ذلك في الجملة، والثاني: أن تسأله عن هدي ذلك الرجل خاصة في مثل يساره وحاله. (فقال: هديه) أي الذي يطلق عليه اسم الهدي، أجمل الهدي أولاً وثانياً رجاء أن يأخذ بالأفضل، فلما اضطر إلى الكلام صرّح بالأدنى، كما سيأتي. (فقالت له: وما هديه؟) هكذا بتكرار السؤال مرتين في جميع نسخ ((الموطأ)) ليحيى، ولفظ محمد: ((فقالت له امرأة في البيت: وما هديه يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هديه ثلاثاً، كل ذلك يقول: هديه، قال: ثم سكت ابن عمر حتى إذا أردنا الخروج قال: أما والله لو لم أجد إلا شاة ... )) الحديث . قال الباجي(٢): توقف عن الجواب لاختياره لذي اليسار البدنة أو البقرة، ولعلّه قد رأى من حال ذلك الرجل أن يده لا تتّسع لذلك فكره أن يفتي بالشاة، فيتعلق بذلك من يقدر على البدنة أو البقرة فلما كرّرت عليه السؤال تعيّن عليه الجواب، إما لأنه رأى أن المرأة ممن يجب تعليمها مثل هذا الحكم، أو لعلها قد لزمها مثل ذلك في خاصة نفسها، أو لأنه خاف فوات اليماني ومغيبه عنه من قبل أن يعلم ما حكمه. (فقال عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -: (لو لم أجد إلا أن أذبح شاة لكان أحبّ إليّ من أن أصوم) فصرّح بجواز ذبح الشاة في مثل ذلك لمن لم يجد غير ذلك، وأنه أحبّ إليه من الصوم، وأحبّ لههنا، وإن كان لفظه لفظ الاستحباب، فظاهره الوجوب للاتفاق على أنه لا يجوز الانتقال إلى الصوم إلا عند عدم ما يجزئ من الهدي، كذا في ((المنتقى)). (١) ((المنتقى)) (١٣/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٣/٣). ٦٣٧ ٢٠ - كتاب الحج (٥٢) باب (٨٥٥) حديث ٨٥٥/ ١٦٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ إِذَا حَلَّتْ لَمْ تَمْتَشِطْ، حَتَّى تَأْخُذَ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا ، قال الزرقاني(١): وهذا لا يخالف قوله: أولاً ما استيسر بدنة أو بقرة. إمّا لأنه رجع عنه أو لأنه قيّد بعدم الوجود، فمن وجد البقرة أو البدنة فهو أفضل له، قال أبو عمر: هذا أصح من رواية من روى عن ابن عمر: ((الصيام أحبّ إليّ من الشاة))؛ لأن المعروف من مذهب ابن عمر تفضيل إراقة الدماء في الحج على سائر الأعمال، انتهى. قلت: لكن الروايات التي تقدمت عن ابن عمر صريحة في انحصار ((ما استيسر)) في البدنة أو البقرة وعدم اجتزاء الشاة، فرواية من روى عنه الصيام أحبّ إليّ من الشاة مؤيّدة بتلك الروايات. وأيضاً المشهور من مذهبه عند عامّة نقلة المذاهب أن ما استيسر من الهدي بدنة أو بقرة، نعم ما تقدم فيمن أحصر بعدو من قوله: وأهدى شاة، يؤيّد أثر الباب في الاجتزاء بالشاة، وكذا ما تقدم قريباً برواية صاحب ((تيسير الوصول)) عن رزين: أن أهدي شاة أحبُّ إليّ من أن أصوم أو أشرك في جزور : يؤيّده، فتأمّل. ١٦٣/٨٥٥ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان يقول: المرأة المحرمة) بحجّ أو عمرة (إذا حلّت) من إحرامها (لم تمتشط) أي لم تسرح شعرها (حتى تأخذ من قرون رأسها) للتحلّل بذلك، قال الباجي(٢): يقتضي استيعاب ذلك بالتقصير دون الاقتصار على التقصير من بعضه دون بعض وهو الواجب عند مالك، انتهى. أي الاستيعاب بالتقصير (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٥/٢). (٢) ((المنتقى)) (١٣/٣). ٦٣٨ ٢٠ - كتاب الحج (٥٢) باب (٨٥٦) حديث وَإِنْ كَانَ لَهَا هَذْيٌ، لَمْ تَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهَا شَيْئاً، حَتَّى تَنْحَرَ هَذْيَهَا . ٨٥٦/ ١٦٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْم يَقُولُ: لَا يَشْتَرِكُ الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ فِي بَدَنَةٍ وَاحِدَةٍ، واجب عند الإمام مالك، لكن ظاهر لفظ ((مِنْ)) يقتضي الاقتصار على البعض. قال الباجي: أمّا منعها من الامتشاط قبل أن تقصر، فلا يخلوا أن تكون معتمرة أو حاجّة، فإن كانت معتمرة، فقد قال ابن القاسم في (الموازية)): ليس للمحرم المعتمر أن يغسل رأسه قبل أن يحلقه أو يقتل شيئاً من الدواب، وأمّا في الحجّ فإن ذلك مشروع، قال مالك في ((الموازية)): ومن الشأن أن يغسل رأسه بالغاسول والخطمي حين يريد أن يحلق، ولا بأس أن يتنوّر ويقص أظفاره، ويأخذ من شاربه ولحيته قبل أن يحلق، انتھی . وأمّا عند الحنفية لو قصّ شاربه أو لحيته أو غسل رأسه بالخطمي قبل الحلق لزمه موجب الجناية عند الإمام خلافاً لصاحبيه، والمرجح الأول كما في ((شرح اللباب))، وفيه أيضاً أن هذا الاختلاف في الحاج والمعتمر لا يحلّ له قبل الحلق شيء مما مَرَّ اتفاقاً، انتهى. (وإن كان لها هدي لم تأخذ من شعرها) أي من شعر رأسها (شيئاً حتى تنحر هديها) لقوله عزّ اسمه: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ ◌َى بَلْغَ اَلْهَدَىُ غِلَّمْ﴾(١)، وهذا حجّة لمن قال: إن سائق الهدي لا يحل حتى ينحر هديه، والمسألة خلافية تقدمت في إفراد الحجّ والقران. ١٦٤/٨٥٦ - (مالك، أنه سمع بعض أهل العلم يقول: لا يشترك الرجل وامرأته في بدنة واحدة) قال الباجي(٢): إنما خصّ الرجل وامرأته بالمنع من ذلك؛ لأن الرجل يجوز له أن يُشْرك امرأته في الأضحية، وإن لم يجز له أن (١) سورة البقرة: الآية ١٩٦. (٢) ((المنتقى)) (١٤/٣). ٦٣٩ ٢٠ - كتاب الحج (٥٢) باب (٨٥٦) حديث لِيُهْدِ كُلُّ وَاحِدٍ بَدَنَةً، بَدَنَةً . يشرك أجنبية، فلما نصّ على أنه لا يجوز أن يُشْرك امرأته في الهدي كان فيه تنبيه على أن امتناع ذلك في الأجنبية أولى. (ليهد كل واحدة منهما بدنة بدنة) بالتكرير في النسخ المصرية(١)، وبدونها في الهندية، وإذا لم يجز الاشتراك في البدنة، وهي أكبر ما يكون من الهدي، ففي غيرها أولى بالمنع، قال الزرقاني: وبه قال مالك، وأجاز الأكثر الاشتراك في الهدي، انتهى. قال الدردير(٢): لا يصح الاشتراك في هدي واجباً أو تطوّعاً، لا في الذات ولا في الأجر، والأقارب والأباعد في ذلك سواء، فإن اشترك لم يجز عن واحد منهما، قال الدسوقي: قوله: لا في الذات بأن يحصل الاشتراك في الثمن، فالهدي يخالف الأضحية في أنه يجوز الاشتراك فيها في الأجر بالشروط الثلاثة الآتية في بابها، انتهى. وبسط الكلام على ذلك ابن رشد في ((البداية))(٣)، وجعل هذا رواية ابن القاسم، وحكي عن مالك أيضاً: يجوز الاشتراك في هدي التطوع دون الواجب، وأخرج البخاري في ((صحيحه)) عن أبي جمرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها، وسألته عن الهدي، فقال: فيها جزور أو بقرة أو شرك في دم. قال الحافظ(٤): قوله: ((شرك)) بكسر الشين المعجمة وسكون الراء أي مشاركة في دم حيث يجزئ الشيء الواحد عن جماعة، وهذا موافق لما رواه (١) انظر ((الاستذكار)) (٣١٩/١٢). (٢) ((الشرح الكبير)) (٩٢/٢). (٣) ((بداية المجتهد)) (٤٣٤/١). (٤) ((فتح الباري)) (٥٣٤/٣). ٦٤٠