النص المفهرس

صفحات 501-520

٢٠ - كتاب الحج
(٤٥) باب
(٨٣٢) حديث
٨٣٢/ ١٤٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارِ؛ أَنَّهُ
كَانَ يَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يُهْدِي فِي الْحَجِّ بَدَنَتَيْنِ بَدَنَتَيْنِ، وَفِي
الْعُمْرَةِ بَدَنَةً بَدَنَةً، قَالَ: وَرَأَيْتُهُ فِي الْعُمْرَةِ يَنْحَرُ بَدَنَةً، وَهِيَ قَائِمَةٌ ...
بركوبه، فعليه ضمان ما نقص، وقال الدردير: نُدِبَ عدم ركوبها بلا عذر، بل
يكره، فإن اضطر لركوبها لم يكره، فإن ركب حينئذٍ فلا يلزم النزول بعد
الراحة، وإنما يندب فقط، قال الدسوقي (١): قوله: فإن ركب حينئذٍ أي حين إذ
كان مضطراً، فلا يلزم النزول بعد الراحة، بل يندب فقط، فإن نزل بعد
الراحة، فلا يركبها ثانياً، إلاّ إذا اضطرّ كالأول، فإن ركبها بغير عذر وتلفت
ضمنها، وإن ركبها لعذر وتلفت، فلا ضمان عليه، كذا قال عبق، وفيه نظر،
بل متى أتلفها بركوبه ضمنها، وإنما ثمرة العذر عدم الإثم، كما نقله ح عن
سند انظر بن، انتهى.
١٤٠/٨٣٢ - (مالك عن عبد الله بن دينار) مولى ابن عمر - رضي الله
عنهما - (أنه كان يرى عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (يهدي) بضمّ أوله
(في الحج بدنتين بدنتين) بالتكرار لإفادة عموم التثنية (وفي العمرة بدنة بدنة)
بالتكرار أيضاً، قالوا: إن أسماء الأجناس والمصادر، إذا كرّرت كان المراد
حصولها مكرّرة، كذا في (المحلى)). قال الباجي(٢): على معنى تعظيم الحج
والتقرّب فيه بأكثر مما كان يُتَقَرَّبُ في العمرة، ولأنه لما كان الحج أكثر عملاً
كان يخصّه بزيادة في إخراج المال، لما كان له تعلق بالعمل. (قال) عبد الله بن
دينار: (ورأيته) أي ابن عمر - رضي الله عنهما - (في العمرة ينحر بدنته وهي
قائمة) فيه مسألتان:
أولاهما: مباشرة ذلك بنفسه، والأصل فيه ما روى أنس، قال: ونحر
(١) ((حاشية الدسوقى)) (٢/ ٩٢).
(٢) ((المنتقى)) (٣٠٩/٢).
٥٠١

٢٠ - كتاب الحج
(٤٥) باب
(٨٣٢) حدیث
النبيّ وَّل بيده سبعين بدنة قياماً، كذا قاله الباجي، والوارد في حديث أنس عند
الشيخين وغيرهما (سبع بدنات))، ويأتي في العمل في النحر عن ابن عبد البرّ(١)
الإجماع على استحباب تولّي ذلك بنفسه، والجواز بغيره.
وفي ((الهداية))(٢): الأولى أن يتولى ذبحها بنفسه، إذا كان يُخْسن ذلك،
لما روي: ((أن النبيّ ◌َّ﴾و ساق مائة بدنة في حجة الوداع، فنحر نيّفاً وستين
بنفسه، وولّى الباقي علياً - رضي الله عنه -)»، ولأنه قُرْبَة، والتولّي في القربات
أولى، لما فيه من زيادة الخشوع، إلا أن الإنسان قد لا يهتدي لذلك ولا
يحسنه، فجوّزنا تولیته غيره، انتهى.
وهكذا في ((المغني))، وزاد: فإن لم يذبح بيده، فالمستحب أن يشهد
ذبحها، لما روي أن النبيّ ◌َّ قال لفاطمة: ((احضري أضحيتكِ، يُغفر لكِ
بأول قطرة من دمها))(٣)، انتهى. وفي ((مناسك النووي)): يستحب للرجل أن
يتولّى ذبح هديه. وأضحيته بنفسه، ويستحبّ للمرأة أن يستنيب رجلاً يذبح
عنها .
والمسألة الثانية: نحرها قياماً، قال الباجي: هو مذهب مالك وجمهور
الفقهاء غير الحسن البصري في قوله: تنحر باركةً، والأصل في ذلك حديث
أنس المتقدم، قال الشيخ أبو بكر: إنما كان ذلك في الإبل؛ لأنه أمكن لمن
ينحرها؛ لأنه يطعن في لبّتها، وأمّا البقر والغنم التي سُنَّتُها الذبح، فإن
إضجاعها أمكن لتناول ذبحها، فالسنة إضجاعها، وروى محمد عن مالك: أن
الشأن أن تنحر البدن قائمة قد صفت يداها بالقيد، وقال ذلك ابن حبيب في
(١) انظر ((الاستذكار)) (٢٥٨/١٢).
(٢) (١٨٢/١).
(٣) ((مصنف عبد الرزاق)) (٣٨٨/٤) و((السنن الكبرى)) (٢٣٩/٥).
٥٠٢

٢٠ - كتاب الحج
(٤٥) باب
(٨٣٢) حديث
قوله تعالى: ﴿فَذَكُرُواْ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآَنَّ﴾، وقد روى محمد عن مالك أيضاً:
لا يعقلها إلا من خاف أن يضعف عنها، انتهى.
وقال الموفق(١): السنّة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، فيضربها
بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، وممن استحب ذلك مالك
والشافعي وإسحاق وابن المنذر، واستحبّ عطاء نحرها باركة، وجوّز الثوري
وأصحاب الرأي كل ذلك، ثم قال: وتجزئه كيفما نحر، قال أحمد: ينحر
البدن معقولة على ثلاث قوائم، وإن خشي عليها أن تنفر أناخها، انتهى.
قلت: وبذلك قالت الحنفية، وما حكي عنهم من مساواة النحر قائماً
وباركاً ليس بصحيح، ففي ((الهداية))(٢): الأفضل في البدن النحر، وفي البقر
والغنم الذبح، ثم إن شاء نحر الإبل - في الهدايا - قياماً أو أضجعها، وأيّ
ذلك فعل فهو حسن، والأفضل أن ينحرها قياماً، لما روي أنه وُ ل ◌ّ نحر الهدايا
قياماً وأصحابه - رضي الله عنهم - كانوا ينحرونها قياماً معقولة يدها اليسرى،
ولا يذبح البقر والغنم قياماً؛ لأن في حالة الاضطجاع المذبحُ أبينُ، فيكون
الذبح أيسر، والذبح هو السنّة فيهما، انتهى.
وفي ((فتح القدير))(٣) عن أبي حنيفة: نحرت بدنة قائمة، فكدت أهلك
فئاماً من الناس؛ لأنها نفرت، فاعتقدت أن لا أنحر الإبل بعد ذلك، إلّ باركة
معقولة وأستعين عليه بمن هو أقوى مني، انتهى. وهذا منشأ من حكي عنه
أفضلية البروك، وأنت خبير بأنه مبنيّ على خشية النفور، وذكر أفضلية النحر
قياماً في عامة فروع الحنفية.
(١) ((المغني)) (٢٩٨/٥).
(٢) (١٨٢/١).
(٣) (٨٢/٣).
٥٠٣

٢٠ - كتاب الحج
(٤٥) باب
(٨٣٢) حديث
فِي دَارٍ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، وَكَانَ فِيهَا مَنْزِلُهُ، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ طَعَنَ فِي
ففي ذبائح ((الدر المختار)) (١): حُبَّ - بالحاء - نحر الإبل، وكُرِه ذبحها،
والحكم في غنم وبقر عكسه، فندب ذبحها، وكره نحرها لترك السنة، ومنعه
مالك، قال ابن عابدين: وفي ((المضمرات)): السنّة أن ينحر البعير قائماً،
وتذبح الشاة أو البقرة مضطجعة، ((قهستاني))، انتهى. وسيأتي اختلافهم في
جواز نحر ما يذبح وذبح ما ينحر في ((ما جاء في النحر في الحج)).
(في دار خالد بن أسيد) بفتح الألف وكسر السين المهملة، ابن أبي
العيص بكسر المهملة، كما في ((التقريب))(٢) في ترجمة أخيه ابن أمية بن
عبد شمس الأموي، أخو عتاب بن أسيد أمير مكة، وتوهم من جعل خالداً أمير
مكة، قال الحافظ في ((التعجيل))(٣): ذكره ابن الحذّاء في ((رجال الموطأ))، وله
ذكر في ((الموطأ))، فذكر حديث الباب، وقال في ((الإصابة)): قال هشام بن
الكلبي: أسلم يوم الفتح، وأقام بمكة، وكان فيه تيهٌ شديد، وكان من المؤلّفة،
وقال ابن دريد: كان جزاراً، وقال السراج عن عبد العزيز بن معاوية: مات
خالد قبل فتح مكة، وذكر سيف في ((الفتوح)): أن أخاه عتاباً وَجَّهَه أميراً على
البعث الذي أرسله إلى قتال أهل الردّة، وذكر أبو حسان الزيادي: أنه فُقِدَ يوم
اليمامة .
(وكان فيها) أي في دار خالد (منزله) أي منزل ابن عمر، إذا حجّ أو
اعتمر، قاله الزرقاني(٤)، يعني: كان ينزل فيها كلما يجيء للنسك، ويحتمل أن
يكون المعنى كان فيها نازلاً إذ ذاك (قال) ابن دينار (ولقد رأيته) أي ابن عمر،
زاد في النسخ الهندية بعد ذاك (في العمرة) وليست هي في المصرية (طعن في
(١) (٥٠٥/٩).
(٢) ((تقريب التهذيب)) (٣/٢).
(٣) ((تعجيل المنفعة)) (ص١١٠).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٤/٢).
٥٠٤
.

٢٠ - كتاب الحج
(٤٥) باب
(٨٣٢) حديث
لَبَّةِ بَدَنَتِهِ، حَتَّى خَرَجَتِ الْحَرْبَةُ مِنْ تَحْتِ كَتِفِهَا .
لَبّة) بفتح اللام وتشديد الموحدة، المنحر من الصدر (بدنته) بفتحتين (حتى
خرجت الحربة تحت كتفها) هكذا في النسخ، ولفظ محمد في ((موطئه)) (١): لقد
رأيته طعن في لبة بدنته، حتى خرجت سِنَّةُ الحربة من تحت حنكها، وفي
نسخة: كتفها، والحنك - بفتحتين -: زير زنخدان، قال ابن عابدين: النحر
قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر، والذبح قطعها في أعلاه تحت
اللحيين، وقال الدردير(٢): الذكاة في النحر طعن بلبة بلا رفع قبل التمام، يعني
لا يرفع آلة النحر قبل إتمام النحر.
وفي (تكملة البحر)) (٣): النحر قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر،
والذبح قطع العروق من أعلى العنق تحت اللحيين، ولا بأس بالذبح في الحلق
كله أسفله وأوسطه وأعلاه؛ لأن ما بين اللبّة واللحيين هو الحلق، ولأن كله
مجتمع العروق، فصار حكم الكل واحداً، انتهى.
وفي ((البدائع))(٤): الذبح هو فري الأوداج، ومحلّه ما بين اللبة
واللحيين، والنحر فري الأوداج، ومحله آخر الحلق ولو نحر ما يذبح، أو ذبح
ما ينحر يحل لوجود فري الأوداج، لكن يكره؛ لأن السنّة في الإبل النحر،
وفي غيرها الذبح؛ لأن الأصل في الذكاة، إنما هو الأسهل على الحيوان، وما
فيه نوع راحة له فهو أفضل، والأسهل في الإبل النحر لخلوّ لبّتها عن اللحم،
واجتماع اللحم فيما سواه من خلفها، والبقر والغنم جميع حلقها لا يختلف،
انتھی .
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٨١/٢).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٠٠/٢).
(٣) (٣١٢/٨).
(٤) (بدائع الصنائع)) (١٥٥/٤).
٥٠٥

٢٠ - كتاب الحج
(٤٥) باب
(٨٣٣ - ٨٣٤) حديث
١٤١/٨٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ
عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَهْدَى جَمَلاً، فِي حَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ.
٨٣٤/ ١٤٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرِ الْقَارِئِ؛
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَحْزُومِيِّ أَهْدَى بَدَنَتَيْنِ،
إِحْدَاهُمَا بُخْتِيّةٌ .
١٤١/٨٣٣ - (مالك عن يحيى بن سعيد؛ أن عمر بن عبد العزيز) أمير
المؤمنين (أهدى جملاً في حج أو عمرة) اقتداء لفعل النبيّ وَلّ، قال الباجي(١):
وهذا على نحو ما تقدم من أن البدن تكون من ذكور الإبل وإناثها، وأن ذلك
يجوز مع الاختيار دون الضرورة والعدم؛ لأن الأظهر من حال عمر بن
عبد العزيز كونها من الإناث؛ لأن ذلك موجود، مع أن أثمانها إنما كانت في
الأغلب أقلّ من أثمان الذكور، وذلك يدلّ على قصده لذلك واختياره إيّاه، لأنه
رآه أفضل أو ليحييَ سنّة الجواز.
١٤٢/٨٣٤ - (مالك عن أبي جعفر) اختلف في اسمه، كما تقدم في
موضعه (القارئ) بالهمزة وبدونها مع تخفيف الياء، ولا يجوز تشديدها (أن
عبد الله بن عياش) بتحتانية مشدّدة وشين معجمة (ابن أبي ربيعة المخزومي)
صحابي شهير، ولد بأرض الحبشة إذ هاجر أبوه إليها، وأنكر الواقدي ومن
تبعه أن يكون له رواية عن النبيّ بَّر، وقال ابن حبان: أدرك من حياة النبيّ وَيّ
ثماني سنين، ومات حين جاء نعي يزيد بن معاوية سنة ٦٤هـ، وقيل: قتل
بسجستان سنة ٧٨هـ، وذكره ابن سعد فيمن كان في عهد النبيّ وَّر، ولم يحفظ
عنه، كذا في ((التعجيل)) (٢).
(أهدى بدنتين) ولفظ محمد: أهدى عاماً بدنتين، أي في سنة من السنين
(إحداهما بختية) هكذا في جميع النسخ، وكذا في ((موطأ محمد))، وهو بضم
(١) ((المنتقى)) (٣١٠/٢).
(٢) (تعجيل المنفعة)) (ص٢٣١).
٥٠٦

٢٠ - كتاب الحج
(٤٥) باب
(٨٣٥) حدیث
١٤٣/٨٣٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْن
عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إِذَا نُتِجَتِ
موحدة، وسكون خاء معجمة، فتاء فوقية، فتحتية مشدّدة، هي الأنثى من
الجمال، والذكر بختيّ، وهي جمال طوال الأعناق، كما في ((التعليق
الممجّد))(١) عن ((النهاية))، وهكذا فسّره الدميريّ(٢)، وفي ((الزرقاني))(٣) عن
((المشارق)): إيل غِلاظ لها سنامان، وقال الباجي: هكذا رواه يحيى، ورواه
أشهب وابن نافع ((نجابية)).
قال الزرقاني(٤): وفي رواية ((نجيبة)) بفتح النون وكسر الجيم وإسكان
التحتية فموحدة، مؤنث نجيب، وفي ((النهاية)): هو القويّ من الإبل الخفيف
السريع، وقال الدميري(٥): النجيب من الإبل والخيل، ومن الرجال الكريم،
قال الباجي(٢): والمعنى أن أنواع الإبل كلها تجزئ في الهدايا، البخت
والنجب والعراب وسائر أنواع الإبل، وكذلك سائر أنواع البقر من الجواميس
والبقر، وكذلك سائر أنواع الغنم من الضأن والمعز، وإنما تختلف في
الأسنان، انتهى.
١٤٣/٨٣٥ - (مالك عن نافع، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(كان يقول: إذا نُتجت) بضم النون وكسر التاء الفوقية ببناء المجهول على ما
ضبطه عامّة الشراح واللغويين، بل أنكروا ضبطها ببناء الفاعل، لكن ضبطه في
(١) (٢٨٢/٢).
(٢) ((حياة الحيوان)) (١٦٧/١).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٤/٢).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٢/ ٣٢٤).
(٥) ((حياة الحيوان)) (٤٦١/٢).
(٦) ((المنتقى)) (٣١٠/٢).
٥٠٧

٢٠ - كتاب الحج
(٤٥) باب
(٨٣٥) حدیث
النَّاقَةُ، فَلْيُحْمَلْ وَلَدُهَا حَتَّى يُنْحَرَ مَعَهَا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَحْمَلٌ،
حُمِلَ عَلَى أُمِّهِ حَتَّى يُنْحَرَ مَعَهَا .
((التعليق الممجد))(١) عن ((المصباح المنير)) ببناء الفاعل، والمراد على كليهما
واحد، أي وضعت (البدنة فليحمل ولدها) ببناء الفاعل، فولدها مفعول، أو
ببناء المفعول، فهو نائب فاعل (حتى ينحر) أي الولد (معها) أي مع الأم (فإن
لم يوجد) ببناء المجهول (له) أي للولد (محمل) أي ما يركبه عليه (حمل) ببناء
المجهول (على أمّه حتى ينحر معها) أي إلى أن ينحره معها .
قال الباجي(٢): حمل ما تنتجه الناقة يكون إن كانت فيه قوّة على المشي
في قرب المكان، لسوقه معها ومراعاته له بما يراعيها به، وإن عجز عن المشي
وخيف عليه منه فليحمله على ما كان عنده من الظهر، فإن لم يجد محملاً حمله
على أمّه، قال ابن القاسم: ومعنى ذلك، أنه قد لزمه حمله، فإن لم يقدر على
ذلك حمله على أمّه، كما لو اضطرّ هو إلى ركوبها، وإن لم تقدر أمّه على
حمله، فقد قال ابن القاسم: يكلف هو حمله، ومعنى ذلك عندي، أنه قد لزمه
حمله، فإن لم يحمله وهلك، فعليه بدله، ولا تخلو البدنة أن تنتج قبل
إيجابها، أو بعد ذلك، فإن نتجت قبل ذلك، إلّا أنه قد نوى بها الهدي. فقال
مالك، في رواية محمد عنه: أحبُّ إليّ أن ينحر ولدها معها، ومعنى ذلك، أن
الولد من جملة ما قد نوى بها الهدي، فيستحبّ أن لا يرجع فيه عن نيّته، وإن
نتجت بعد الإيجاب وجب إهدائه مع أمّه؛ لأنه من جملة ما قد لزم إخراجه
على وجه الهدي، كسائر أعضاء البدنة، انتهى.
قال الدردير(٣): حُمِل الولدُ الحاصل بعد التقليد أو الإشعار إلى مكة
وجوباً، وندب حمله على غير أمه إن لم يكن سوقه، وأما المولود قبل التقليد
(١) (٢٨٩/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٣١٠/٢).
(٣) ((الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي)) (٩١/٢).
٥٠٨

٢٠ - كتاب الحج
(٤٥) باب
(٨٣٦) حديث
١٤٤/٨٣٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ؛ أَنَّ
أَبَاهُ قَالَ: إِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَى بَدَنَتِكَ فَارْكَبْهَا رُكُوباً غَيْرَ فَادِح،
.
فيستحبّ نحره، ولا يجب حمله، وهل يندب ويكون على غير الأم أم لا؟
محل نظر، ثم إن لم يجد غيرها أي غير الأم، حمل عليها إن قويت، فإن نحره
دون البيت، وهو قادر على إيصاله بوجهٍ، فعليه هدي بدله، وإلا يمكن حمله
على أمه لضعفها ولا على غيرها، ولا بأجرة من مال ربّه، فإن لم يمكن تركه
عند أمين، بأن كان بفلاةٍ من الأرض، ليشتدّ، ثم يبعثه إلى محله، فكالتطوّع
يعطب قبل محله، فينحره ويخلّي بينه وبين الناس، ولا يأكل منه، فإن أكل
فعليه بدله، انتهى.
وقال الموفق(١): إذا ولدت الهدية، فولدها بمنزلتها إن أمكن سوقه، وإلا
حمله على ظهرها، وسقاه من لبنها، وإن لم يمكن سوقه ولا حمله صنع به ما
يصنع بالهدي إذا عطب، ولا فرق في ذلك بين ما عيّنه ابتداءً، وبين ما عيّنه بدلاً
عن الواجب في ذمّته، وقال القاضي، في المعيّن بدلاً عن الواجب: يحتمل أن
لا يتبعها ولدها؛ لأن ما في الذمّة واحد، فلا يلزمه اثنان، والصحيح أنه يتبع
أمّه في الوجوب؛ لأنه ولد هدي واجب، فكان واجباً كالمعين ابتداءً، انتهى.
وقال الإمام الشافعي في ((كتاب الأم)): إذا كان الهدي أنثى، فنتجت،
فإن تبعها فصيلها ساقه، وإن لم يتبعها حمله عليها، انتهى. وفي ((شرح
اللباب))(٢): إذا ولدت بدنة الهدي بعدما شراها ليهديه، ذبح ولدها معها، ولو
باع الولد، فعليه قيمته للفقراء، وإن اشترى بقيمته هدياً فحسن، وإن تصدّق بها
فحسن، انتھی.
١٤٤/٨٣٦ - (مالك عن هشام بن عروة أن أباه) عروة بن الزبير (قال: إذا
اضطررت) بتاء الخطاب ببناء المجهول (إلى بدنتك فاركبها ركوباً غير فادح)
(١) (٤٤١/٥).
(٢) (ص٢٧١).
٥٠٩

٢٠ - كتاب الحج
(٤٥) باب
(٨٣٦) حديث
وَإِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَى لَبَنِهَا، فَاشْرَبْ بَعْدَ مَا يَرْوَى فَصِيلُهَا، فَإِذَا نَحَرْتَهَا
فَانْحَرْ فَصِيلَهَا مَعَهَا .
بالفاء والدال والحاء المهملتين، غير مثقل، من فدحه الدينُ: إذا أثقله، وقد
تقدم مرفوعاً: ((اركبها بالمعروف، إذا ألجئت إلى ظهرها)) (وإذا اضطررت إلى
لبنها فاشرب بعد ما يروى) بفتح الواو من سمع يسمع، ذكر في ((الصراح)):
روى وارتوى وتروّى بمعنَى (فصيلها) هو ولد الناقة، إذا فُصِلَ عن رضاع أمّه،
والمراد لههنا مطلق الولد (فإذا نحرتها) أي الأمّ (فانحر) بصيغة الأمر للوجوب
أو الندب، كما تقدم من المذاهب (فصيلها معها) كذا في النسخ المصرية
وبعض الهندية بلفظ التذكير، وفي أكثر الهندية فصيلتها في الموضعين، والأوجه
الأول، وفيه شرب لبن الهدي ما فضل عن ريّ ولده.
قال الزرقانيّ(١): كرهه مالك في حال الاختيار ولو فضل عن ريّه؛ لأنه
نوع من الرجوع في الصدقة، وليتصدّق ما فضل، ومحل الكراهة حيث لا
ضرر، وإلاّ غَرِم إن أضرّها أو فصيلها بشربه أرش النقص أو البدل إن حصل
تلف، انتهى.
قال الدردير(٢): ولا يشرب المهدي بعد التقليد أو الإشعار من اللبن،
وإن فضل عن ريّ فصيلها، أي يحرم إن لم يفضل أو أضرّ، ويكره إن فضل،
وغرم إن أضرَّ بشربه الأمّ أو الولد، قال الدسوقي: وتعليلهم النهي بخروج
الهدي عن ملكه بالتقليد أو الإشعار، وبخروجه خرجت المنافع، فشربه نوع من
العَوْد في الصدقة يدلّ على أن النهي للكراهة؛ لأن العود في الصدقة مكروه
على المعتمد، ومحل الكراهة إن لم يضرّ الشرب بالأم أو الولد، بأن أضعفهما
أو أحدهما، وإلا كان شربه ممنوعاً، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٥/٢).
(٢) ((الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي)) (٩٢/٢).
٥١٠

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٧) حديث
(٤٦) باب العمل في الهدي حين يساق
٨٣٧/ ١٤٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَهْدَى هَدْياً
وقال الموفق(١): للمهدي شرب لبن الهدي؛ لأن بقائه في الضرع يضرّ
به، فإذا كان ذا ولد، لم يشرب إلّ ما فضل عن ولده؛ لما قال المغيرة بن
حَذف: أتى رجل عليّاً ببقرة قد أولدها، فقال له: لا تشرب من لبنها إلاّ ما
فضل عن ولدها(٢)، الحديث. فإن شرب ما يضرّ بالأم، أو ما لا يفضل عن
الولد ضمنه؛ لأنه تعدّى بأخذه، انتهى.
وفي ((مناسك النووي)): له أن يركبها ويشرب من لبنها ما فضل عن
ولدها، وفي ((الهداية)): إن كان لها لبن لم يحلبها؛ لأن اللبن متولّد منها، فلا
يصرفه إلى حاجة نفسه، وينضح ضرعها بالماء البارد، حتى ينقطع اللبن، هذا
إذا كان قريباً من وقت الذبح، فإن كان بعيداً منه يحلبها، ويتصدّق بلبنها، كي
لا يضرّ ذلك بها، وإن صرفه إلى حاجة نفسه، تصدّق بمثله أو بقيمته؛ لأنه
مضمون علیه، انتھی.
قلت: وأثر الباب مؤيّد للحنفية والمالكية؛ إذ أراد الحكم فيه بعد ريّ
الولد أيضاً على الاضطرار.
(٤٦) العمل في الهدي حين يساق
يعني بيان الأعمال التي تفعل بالهدي من الإشعار والتقليد والتجليل
والتعريف وغيرها .
١٤٥/٨٣٧ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر؛ أنه كان إذا أهدى
هدياً) لفظ الهدي وإن كان يعمّ الأنواع الثلاثة من الإبل والبقر والغنم، لكن
(١) «المغني)) (٤٤٢/٥).
(٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٣٧/٥).
٥١١

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٧) حديث
مِنَ الْمَدِينَةِ، قَلَّدَهُ
المراد لههنا الأول بدليل السياق من الإشعار والنحر وغيرهما. (من المدينة)
ذكر ذلك؛ لما أن الهدي قد يُشترى من الطريق أيضاً، بل من الحَرَم أيضاً،
وقد اشترى ابن عمر - رضي الله عنهما - مرة من قديد، كما أخرجه البخاري
في ((باب من اشترى الهدي من الطريق)).
(قَلَّده) بتشديد اللام أي الهدي بنعلين، كما سيأتي، والتقليد سنّة
بالإجماع، وهو تعليق نعل أو جلد؛ ليكون علامة الهدي، وقال أصحابنا: لو
قّد بعروة مزادة أو لحي شجرة أو شِبْه ذلك، جاز لحصول العلامة، وذهب
الشافعي والثوري إلى أنها تقلد بنعلين، وهو قول ابن عمر، وقال الزهري
ومالك: يجزئ واحدة، وعن الثوري: يجزئ فم القربة، ونعلان أفضل لمن
وجدهما، قاله العيني(١).
وقال ابن رشد (٢): إذا كان الهدي من الإبل والبقر، فلا خلاف أنه يقلد،
واختلفوا في تقليد الغنم، فقال مالك وأبو حنيفة: لا تقلّد، وقال الشافعي
وأحمد وداود: تقلّد، انتهى.
وقال الباجيّ(٣): تقلّد الإبل سواء كانت له أسنمة أو لم تكن، وكذلك
البقر، انتهى. وقال ابن حزم في ((المحلى)): إن كان الهدي من الغنم، فلا
إشعار فيه، لكن يقلّده رقعة جلدة في عنقه، وإن كان من البقر، فلا إشعار فيه،
ولا تقليد، كانت له أسنمة أو لم تكن، انتهى.
وقال الموفق(٤): يسنّ تقليد الهدي، وهو أن يجعل في أعناقها النعال،
(١) ((عمدة القاري)) (٣٠٢/٧).
(٢) (بداية المجتهد)) (٣٧٧/١).
(٣) ((المنتقى)). (٣١١/٢).
(٤) ((المغني)) (٤٥٤/٥).
٥١٢

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٧) حديث
وآذان القِرب وعُراها، أو علاقة إداوة، سواء كانت إبلاً أو بقراً أو غنماً، وقال
مالك وأبو حنيفة: لا يسنّ تقليد الغنم، انتهى.
وفي ((مناسك النووي)): إن كان بدنة أو بقرة، استحبّ له أن يقلّدها
نعلين، وليكن لهما قيمة ليتصدّق بهما، وإن ساق غنماً، استحبّ أن يقلّدها
خرب القرب، وهي عراها وآذانها، ولا يقلّدها النعل؛ لأنها ضعيفة.
وقال الدردير(١): سُنَّ في هدايا الإبل إشعار وتقليد، أي تعليق قلادة،
أي حبل في عنقها، ونُدِب نعلان يعلّقهما بنبات الأرض، أي بحبل من نبات
الأرض، لا من صوف أو وبر، وقلّدت البقر بدون إشعار، لا الغنم فلا تشعر
ولا تقلّد، أي يكره تقليدها، ويحرم إشعارها، وفي ((العارضة)): قال مالك: لا
تقلّد الغنم، وقال الشافعي: تقلّد وهذه سنّة، تفرّد بها الأسود عن عائشة، ولم
يروه عنها غيره، ولم يظهر فيها تقليد عن الصحابة، انتهى.
وفي ((البذل))(٢) عن العيني: قال أبو عمر: احتجّ من أنكره بأنه وَّ إنما
حجّ حجة واحدة لم يهدِ فيها غنماً، وأنكروا حديث الأسود، وعن ((المبسوط)):
أنه شاذٌ، انتهى. وفي ((شرح اللباب))(٣): يسنّ تقليد بدن الشكر دون بدن
الجبر، وهو أن يربط في عنق بدنة أو بقرة قطعة نعل كاملة أو ناقصة، أو قطعة
مزادة، أو لحاء شجرة، أو نحوه من شراك نعل، وغير ذلك مما يكون علامة
على أنه هدي، ولا يسنّ في الغنم مطلقاً، لكن لو قلّده جاز، ولا بأس به،
وفي ((المبسوط)): لا يضرّه.
وفي ((البدائع)): الدليل على أن الغنم لا تقلد، قوله تعالى: ﴿وَلَا اُلْهَدْىَ
(١) ((الشرح الكبير)) (٨٨/٢).
(٢) ((بذل المجهود)) (٣٤٧/٨).
(٣) (ص٢٧١).
٥١٣

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٧) حديث
وَأَشْعَرَهُ
وَلَا اُلْقَلَئِدَ﴾ عطف القلائد على الهدي، والعطف يقتضي المغايرة في الأصل،
واسم الهدي يقع على الغنم والإبل والبقر جميعاً، فهذا يدلّ على أن الهدي
نوعان: ما يقلّد، وما لا يقلّد، ثم الإبل والبقر يقلّدان إجماعاً، فتعيّن أن الغنم
لا يقلّد، ليكون عطف القلائد على الهدي عطف الشيء على غيره فيصحّ،
انتهى. وقال محمد في ((موطئه)) (١): التقليد أفضل من الإشعار، والإشعار
حسن، انتهى.
(وأشعره) فيه ثلاثة أبحاث، الأول: في تفسيره لغةً واصطلاحاً، والثاني:
في حكمه عند فقهاء الأمصار، والثالث: في النعم التي تُشْعَرُ، والتي لا تُشعر،
وسيأتي الكلام على الثالث في الحديث الآتي.
أمّا الأول: فالإشعار في اللغة الإعلام، مأخوذٌ من الشعور، وهو العلم
بالشيء، من شعر يشعر، كنصر ينصر، قاله العينيّ(٢). وفي ((الهداية)) (٣):
الإشعار الإدماء بالجرح لغة، انتهى. وقال الراغب: الشعر معروف، قال
تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ الآية، ومنه استعير شعرت كذا، أي
علمت علماً في الدقّة كإصابة الشعر، وسمّي الشاعر شاعراً لفطنته ودقّة معرفته،
﴿لَا تُحِلُّواْ شَعَّبِرَ اللَّهِ﴾ أي ما يهدى إلى بيت الله، سمّي بذلك؛ لأنها تشعر، أي
تعلم بأن تدمى بشعيرة أي حديدة، انتهى.
وفي الشرع: أن يضرب صفحة سنام الهدي بحديدة، حتى يتلطخ بالدم
ظاهراً، وزعم ابن قرقول: أن إشعارها هو تعليمها بعلامة بشق جلد سنامها
عرضاً من الجانب الأيمن، هذا عند الحجازيين، وأما العراقيون فالإشعار
عندهم تقليدها بقلادة.
(١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٧٣/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٠١/٧).
(٣) (١٥٤/١).
٥١٤

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٧) حديث
وأمّا الثاني: فاختلفوا في حكم الإشعار، فذهب الجمهور، منهم الأئمّة
الثلاثة إلى أنه سنّة، وقال أبو يوسف ومحمد: إنه حسن، وقيل: سنّة، كما في
((البدائع))، وذكر ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) بأسانيد جيّدة عن عائشة وابن
عباس: إن شئت فأشعر، وإن شئت فلا، كما في ((العيني))، وفي (الهداية))(١):
هو مكروه عند أبي حنيفة، وعندهما: حسن، وعند الشافعي - رحمه الله -:
سنّة؛ لأنه مرويٌّ عن النبيّ وَّ، وعن الخلفاء الراشدين.
ولهما أن المقصود من التقليد، أن لا يُهاج إذا ورد ماءً أو كلاً، أو يرد
إذا ضلّ، وهو في الإشعار أتمّ؛ لأنه ألزم، فمن هذا الوجه يكون سنّة، إلا أنه
عارضه جهة كونه مثلةً، فقلنا بحسنه، ولأبي حنيفة: أنه مثلة، وأنه منهيّ عنه،
ولو وقع التعارض فالترجيح للمحرم، وإشعار النبيّ ◌َ﴿ كان لصيانة الهدي؛
لأن المشركين لا يمتنعون عن تعرّضه إلاّ به، وقيل: إن أبا حنيفة كره إشعار
أهل زمانه لمبالغتهم فيه على وجه يخاف منه السراية، وقيل: إنما كره إيثاره
على التقليد.
وفي ((العارضة))(٢): الإشعار والتقليد سنّة، وأنكره أبو حنيفة، وقال: إنه
مُثلة، ويروى ذلك عن إبراهيم النخعي، وقد روي عن ابن عباس: التخيير فيه
والرخصة، وعن عائشة تركه، فرجح أبو حنيفة الترك؛ لأنه جهة المثلة، وهي
حرام، وترك الندب أولى من اقتحام التحريم، انتهى.
قال الحافظ في ((الدراية)) (٣): قوله: روي الإشعار عن النبيّ ◌َّ والخلفاء
الراشدين، رواه أبو يعلى من حديث ابن عباس: ((أن النبيّ وَ﴿ لما أتى ذا
(١) (١٥٤/١).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١٣٧/٤/٢).
(٣) (٢٦٢/١) على هامش ((الهداية)) ط الهند.
٥١٥

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٧) حدیث
الخليفة أشعر بدنة))، الحديث، وفي الباب عند البخاري من حديث المسور
ومروان في عمرة الحديبية المطوّل، قال فيه: ((وقَلَّد النبيّ وَّ الهدي وأشعر))،
وفي المتفق عليه من حديث عائشة: ((فتلت قلائد هدي رسول الله وَ ل ثم
أشعرها))، وقوله: حديث الإشعار معارض بحديث النهي عن المثلة، يشير إلى
حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري، قال: ((نهى رسول الله وَّر عن النهبة وعن
المثلة))، أخرجه البخاري، وأخرجه الطبراني من هذا الوجه، فقال: عن
عبد الله بن يزيد عن أبي أيّوب، ولأبي داود من رواية سمرة: (كان النبيّ وَل
يحثّ على الصدقة، وينهى عن المثلة))، وأخرجه ابن أبي شيبة من هذا الوجه،
فقال: عن عمران، بدل سمرة.
وأخرج من حديث المغيرة(١) قال: نهى رسول الله وَلّ عن المثلة، ومن
رواية عبد الرحمن بن يزيد بن خالد عن أبيه: نهى رسول الله وَّل عن النهبة
وعن المثلة، ومن حديث أسماء بنت أبي بكر: سمعت رسول الله وَل ينهى عن
المثلة، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: لعن رسول الله وَل من مثل
بالحيوان، أخرجه البخاري، وعن الحكم بن عمير وعابد بن قرط قالا: قال
رسول الله وَر: ((لا تمثلوا بشيء من خلق الله فيه روح))، أخرجه الطبراني
بإسناد ضعيف، وأخرج من حديث علي - رضي الله عنه - في قصة قتله،
وفيها، فقال: لا تمثلوا به، يعني بعبد الرحمن بن ملجم، فإني سمعتُ
رسول الله لهينهى عن المثلة، ولو بالكلب العقور، وعن قتادة قال: بلغنا أن
النبيّ ◌َّ كان بعد ذلك يحثّ على الصدقة وينهى عن المثلة، أخرجاه في أثناء
حديثه عن أنس في قصة العرنيين، انتهى.
وفي ((العناية))(٢): فإن قيل: النهي عن المثلة كان بأَحُدٍ، والإشعار عامَ
(١) انظر ((نصب الراية)) (١١٨/٣ وما بعدها).
(٢) ((العناية مع فتح القدير)) (٤٢٦/٢).
٥١٦

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٧) حديث
حجة الوداع، والمتأخر ناسخ، فأين التعارض؟ أجيب: بأن عمران بن الحصين
روى: ((أن النبيّ وَّ ما قام خطيباً إلا نهانا عن المثلة))، فكان الإشعار
منسوخاً، فلا أقلّ من التعارض، انتهى. وفي ((البناية)) عن الأسبيجابي: معنى
قول الراوي: ((أن النبيّ ◌َّ أشعر بدنته، أعلمها بعلامة))، ويمكن أن يكون
ذلك سوى الجرح؛ لأن الإشعار هو الإعلام، كذا ذكره الإمام المحبوبي،
انتهى .
قلت: وأصل الاختلاف اختلافهم في الأصول، فإن العموم والخصوص،
إذا تعارضا نزلا عند الحنفية منزلة واحدة، ويرجح الخصوص عند الشافعية،
قال ابن حجر في ((شرح مناسك النووي)): وإنما لم يكن منهياً عنه مع أنه مُثلة؛
لأن أخبار النهي عامة، وأخباره خاصة، فقدمت وقفية كلامهم أنه لا فرق في
ندب الإشعار بين القريب والبعيد، وقيل: ينبغي التفصيل بين قريب المسافة
كالمدينة، فيفعل، وبعيدها جداً، فلا يفعل، لأنه قد يخشى منه تلف الحيوان
أو مرضه.
وقد يُجاب: بأن ذلك لا يخشى إلا عند إفحاش الجرح، وهو ممنوع
لههنا، وإنما المراد بجرحه أدنى جرحة، بحيث يخرج منه قليل دم، ليلوث
صفحة سنامه، وهذا غالباً لا يخشى منه في الإبل والبقر شيء، فإن فرض ذلك
بشدّة حر أو برد، فلا بُعْدَ أن يندب تأخيره إلى وصوله مسافة، لا يخشى منه لو
فعل فيها شيء، انتهى.
وفي ((شرح اللباب)) (١): يجوز الإشعار، وقيل: يكره، قال في
((المحيط)): هو الصحيح، وقيل: بدعة؛ لأنه مثلة، وقيل: يسنّ، وهو الأصح،
وفي ((المحيط)): هو الصحيح، لما ورد في الأخبار وثبت في الآثار، فقد قال
(١) (ص٢٧١).
٥١٧

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٧) حدیث
بذِي الْحُلَيْفَةِ،
الطحاوي والشيخ أبو منصور الماتريدي: لم يكره أبو حنيفة (١) - رضي الله عنه -
أصل الإشعار، وكيف يكره ذلك مع ما اشتهر فيه من الأخبار؟ وإنما كره إشعار
أهل زمانه؛ لأنه رآهم يبالغون في ذلك على وجه، يخاف منه هلاك البدنة
بسرايته، خصوصاً في حرّ الحجاز، فرأى الصواب في سدّ هذا الباب على
العامة؛ لأنهم لا يقفون على الحد، فأمّا من وقف على ذلك، بأن قطع الجلد
دون اللحم، فلا بأس بذلك، قال الكرماني: وهذا هو الأصح، وقال صاحب
(اللباب)): فعلى هذا يكون الإشعار المقتصد المختار عنده من باب
الاستحباب، وهذا هو الأليق بمنصب ذلك الجناب، وهو اختيار قوام الدين
وابن الهمام، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٢): كره الإشعار لأن كل أحد لا يحسنه، فأمّا من
أحسنه بأن قطع الجلد فقط، فلا بأس به، انتهى. وقال الشيخ في ((الكوكب
الدريّ))(٣): فلو أشعر عالم طريقته أتى ندباً، والذي اشتهر من منع الإمام، فهو
منع لما ارتكبه أهل زمانه من المبالغة فيه، أو هو ردعٌ للعوام مطلقاً إبقاءً على
الهدايا، وخوفاً عمّا يؤول الأمر إليه من المبالغة فيه، والوقوع في المنهيّ عنه
طلباً لما هو ندب فحسب، انتهى.
قلت: ويؤيّد ذلك ما تقدم في البحث الأول من الدقة في معنى الإشعار
لغة (بذي الحليفة) ميقات أهل المدينة، اتّباعاً للنبيّ وَّل، فإنه ◌َّ قَلَّد هداياه
وأشعرها بها، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - من أكثر الناس اتباعاً له وَلّ،
وصرّح أهل الفروع من الأئمّة الأربعة باستحبابه من الميقات.
(١) انظر ((عمدة القاري))، و((فتح الباري)) (٥٤٤/٣).
(٢) (٥٣٧/٢).
(٣) (١٣١/٢).
٥١٨

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٧) حديث
يُقَلِّدُهُ قَبْلَ أَنْ يُشْعِرَهُ،
قال الموفق(١): وإذا ساق الهدي من قبل الميقات، استحبّ إشعاره
وتقليده من الميقات، لحديث ابن عباس: وإن ترك الإشعار والتقليد فلا بأس
به؛ لأن ذلك غير واجب، انتهى.
وفي ((مناسك النووي)): الأفضل أن يكون هديه معه من الميقات مشعراً
مقلّداً .
وفي ((اللباب)): فإذا أحرم بالتلبية ساق هديه، ويقلّد البدنة إلى آخر ما
بسطه من حكم الإشعار وکیفیته.
وقال الدردير: ثالث السنن لمريد الإحرام تقليد هدي إن كان معه، ثم
إشعاره إن كان مما يشعر، انتهى.
(يقلده قبل أن يشعره) وإليه أشار الدردير، كما تقدم قريباً من قوله: تقليد
هدي ثم إشعاره، وقال في موضع آخر: الأولى تقديم التقليد على الإشعار؛
لأنه السنة. قال الدسوقي: السنّة تقديم التقليد فعلاً خوفاً من نفارها لو أشعرت
أولاً .
قال الباجي(٢): وقد قال ابن القاسم في ((المدونة)): وكل ذلك واسع يريد
أن الترتيب المذكور ليس بواجب، انتهى.
وفي ((مناسك النووي)): هل الأفضل أن يقدم الإشعار على التقليد، فيه
وجهان: أحدهما: يقدّم الإشعار، فقد ثبت ذلك في ((صحيح مسلم)) من حديث
ابن عمر مرفوعاً، والثاني: وهو نص الشافعي تقديم التقليد، وقد صحّ ذلك عن
ابن عمر - رضي الله عنهما - من فعله والأمر فيه قريب، انتهى.
(١) ((المغني)) (٤٥٦/٥).
(٢) ((المنتقى)) (٣٢/٢).
٥١٩

٢٠ - كتاب الحج
(٤٦) باب
(٨٣٧) حديث
وَذُلِكَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ،
وقال القسطلاني: هل الأفضل تقديم الإشعار أو التقليد؟ صح في الأول
خبر في ((صحيح مسلم))، وصح في الثاني فعل ابن عمر، وهو المنصوص،
وزاد في ((المجموع)): أن الماوردي حكى الأول عن أصحابنا كلهم، ولم يذكر
فيه خلافاً، انتهى.
قلت: ولم أجد الترتيب بينهما في فروع الحنفية والحنابلة.
(وذلك في مكان واحد) قال الباجي: وذلك أن السنّة أن لا يكون إيجابه،
لمن يريد الإحرام إلا عند إحرامه، وفي ((العتبية)) و((الموازية)) عن مالك: أنه
كره للشاميّ والمصري، أن يقلّد هديه بذي الحليفة، ويؤخّر إحرامه إلى
الجحفة، وفي ((المدنية)) من رواية داود بن سعيد عن مالك: لا بأس بذلك،
وفعل ذلك في مكان واحد أحبُّ إليّ، وقال مالك في ((الموازية)): يقلّد هديه،
ثم يشعره، ثم يُجَلِّلُه إن شاء، ثم يركع، ثم يحرم، فالسنّة اتصال ذلك كلّه.
وفي ((شرح اللباب)): إن بعث الهدي يُقَلِّدُه من بلده، وإن كان معه فهو من
حيث يحرم، هو السنة، كذا في ((شرح الكنز)).
وفي ((العينيّ)) (١) على ((البخاري)): قال ابن بطال: من أراد أن يحرم
بالحج أو العمرة، وساق معه هدياً، لا يقلّده إلاّ من ميقات، وكذلك يستحبّ
له أن لا يحرم، إلاّ من ذلك الميقات على ما عمل به النبيّ ◌َّل في الحديبية،
وفي حجّته أيضاً، وكذلك من أراد أن يبعث بهدي إلى البيت، ولم يرد الحج
والعمرة، وأقام في بلده، فإنه يجوز له أن يقلّده ويشعره في بلده، ثم يبعث،
كما فعل النبيّ ◌َّ، إذ بعث بهديه مع أبي بكر - رضي الله عنه - سنة تسع،
ولم يوجب ذلك على النبيّ ◌َّمَ إحراماً، وعلى هذا جماعة أئمة الفتوى مالك
وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق إلى آخر ما بسط.
(١) ((عمدة القاري)) (٣٠٤/٧).
٥٢٠