النص المفهرس
صفحات 481-500
٢٠ - كتاب الحج (٤٤) باب (٨٢٧) حديث أَيَّامَ مِنَّى، يَطُوفُ، يَقُولُ: إِنَّمَا هِيَ أَيَّامُ أَكْلِ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ. المسلمين، فَقَبَّل رأسه ففعل، وأطلق معه ثمانون أسيراً، فقدم بهم على عمر - رضي الله عنه -، فقال: حقٌّ على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله وأنا أبدأ، ففعلوا (أيام منى يطوف) في الناس، جملة مستأنفة، أراد # اهتباله بتعليم الناس، لئلا يظن ظانّ أن الصوم مشروع فيها أو مستحب، لكونها من أيام العبادات (يقول) جملة حالية من المستكن في ((يطوف)) (إنما هي أيام أكل وشرب) بضم الشين وفتحها روايتان بمعنى. وقد علّل(١) ذلك عليّ - رضي الله عنه - بأن القوم زاروا الله عزّ وجلّ، وهم في ضيافته في هذه الأيام، وليس للضيف أن يصوم دون إذن من أضافه، رواه البيهقي بسند مقبول. ومن ثم قال جمعٌ: سر ذلك أنه تعالى دعا عباده إلى زيارة بيته فأجابوه، وقد أهدى كُلٌّ على قدر وسعه، وذبحوا هديهم، فقبله منهم، وجعل لهم ضيافة ثلاثة أيام، فأوسع زواره طعاماً وشراباً ثلاثة أيام، وسنة الملوك إذا أضافوا أطعموا من على الباب، كما يطعمون من في الدار، والكعبة هي الدار وسائر الأقطاب باب الدار، فعَمَّ الله عزّ وجلّ الكل بضيافته. (وذكر الله) عزّ وجلّ، عقب الأكل والشرب بذكره عزّ اسمه، لئلا يستغرق العبد في حظوظ نفسه، وينسى حقوق الله تعالى، قال الطيبي: هذا من باب التتميم، فإنه لما أضاف الأكل والشرب إلى الأيام أوهم أنها لا تصلح إلا لهما؛ لأن الناس أضياف الله تعالى، فتدارك بقوله: وذكر الله، لئلا يستغرقوا أوقاتهم باللذات النفسانية، فينسوا نصيبهم من الروحانية. وفي ((المرقاة))(٢): قال ابن الهمام: وروى الطبراني بسنده عن ابن (١) (شرح الزرقاني)) (٢٣٢١/٢). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٩٤/٤). ٤٨١ ٢٠ - كتاب الحج (٤٤) باب (٨٢٨ - ٨٢٩) حديث ١٣٦/٨٢٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ نَهَى عَنْ صِيَامٍ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الأَضْحَى. أخرجه مسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٢٢ - باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى، حديث ١٣٩. وقد مرّ هذا الحديث بسنده ومتنه في: ١٨ - كتاب الصيام، ١٢ - باب صيام يوم الفطر والأضحى والدهر، حديث ٣٦. ١٣٧/٨٢٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ .... عباس: ((أن رسول الله وَ﴾ أرسل أيام منى صائحاً يصيح، أن لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب وبعال))، أي أيام وقاع، وأخرجه الدارقطني من طريق أبي هريرة، وأخرج أيضاً عن عبد الله بن حذافة السهمي، قال: ((بعثني رسول الله ◌َ على راحلة أيام منى أنادي: أيها الناس إنها أيام أكل وشرب وبعال))، وأخرج ابن أبي شيبة في الحجّ وإسحاق بن راهويه في ((مسنده)) عن عمر بن خلدة عن أمه قالت: ((بعث رسول الله ◌ّ# علياً ينادي: أيام منى أيام أكل شرب وبعال))، وفي ((صحيح مسلم)) عنه عليه الصلاة والسلام قال: ((أيام التشريق أيام أكل وشرب وبعال))، انتهى بزيادة من الأصل. ١٣٦/٨٢٨ - (مالك عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح الحاء المهملة والموحدة الثقيلة (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ◌َ ل نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم الأضحى) والحديث مكرر تقدم بسنده ومتنه في صيام يوم الفطر ويوم الأضحى من كتاب الصيام، ولعلّ المصنف ذكره لههنا، لما قد يطلق أيام منى على يوم النحر أيضاً، كما تقدم في أوّل الباب. ١٣٧/٨٢٩ - (مالك عن يزيد) بفتح التحتية فزاي (ابن عبد الله) بن أسامة ٤٨٢ ٢٠ - كتاب الحج (٤٤) باب (٨٢٩) حدیث ابْنِ الْهَادِي، عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِىءٍ أُخْتِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِب، (بن الهادي) بدون الياء في النسخ الهندية وفي المصرية(١): ((الهادي)) بزيادة الياء وبكليهما ضبطه الزرقاني فقال: بالياء وحذفها، وفي ((المغني))(٢): يقول المحدثون بحذف ياء، والمختار في العربية إثباته (عن أبي مرّة) مشهور بكنيته، اسمه يزيد، وقيل: عبد الرحمن (مولى أم هاني) قال ابن عبد البر: هكذا يقول يزيد بن الهاد، وأكثرهم يقولون: مولى عقيل. قلت: وكلاهما صحيح، كما تقدم في ((صلاة الضحى)) (أخت عقيل بن أبي طالب) هكذا في جميع النسخ الموجودة من الهندية والمصرية، ما خلا نسخة الباجي والمسوى، وسيأتي سياقهما . وظاهر كلام الزرقاني(٣)، أن هذه الزيادة ليست في نسخة يحيى؛ إذ قال: زاد في نسخة ابن وضاح ((أخت عقيل بن أبي طالب))، وفي نسخة ((بنت أبي طالب))، وكل منهما صواب ونسخة ((امرأة عقيل)) خطأ، انتهى. فهذا يدلّ على أن شيئاً من هذه الصفات ليست في نسخة يحيى، وفي النسخة التي على هامش الباجي ومتنه، محله بنت أبي طالب، ولم يتعرّض عنه الشارح، وفي نسخة ((المسوّى)): ((امرأة عقيل بن أبي طالب))، قال الشيخ في ((المسوى)) (٤): كذا وقع ليحيى بن يحيى ((امرأة عقيل))، وهو وهم ظاهر، والصواب: ((أخت عقيل))، انتهى. وكذا في ((المحلى)) إذ قال: الصواب أنها أخته لا امرأته. (١) وفي ((الاستذكار)) (٢٣٧/١٢)، أيضاً بزيادة الياء. (٢) (ص٢٦٨). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٢/٢). (٤) (٣٠٧/١). ٤٨٣ ٢٠ - كتاب الحج (٤٤) باب (٨٢٩) حديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) بحذف الياء في النسخ الهندية، وبإثباتها في المصرية، وتقدم في الطهور للوضوء البسط في ذلك، ثم اختلفت نسخ ((الموطأ)» في ذكر هذا الراوي اختلافاً كثيراً، ففي جميع النسخ المصرية من المتون والشروح هكذا عبد الله بن عمرو، وهكذا في نسخة ((المصفّى))، ووقع في بعض النسخ الهندية محله: عن يزيد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي بعضها: عن زيد بن عبد الله، وكلاهما تحريف من الناسخ، ولم أجد في الرواة أحداً اسمه زيد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، أو يزيد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، والحديث أخرجه محمد في ((موطئه))، والطحاوي في ((معاني الآثار))، وأبوداود في ((سننه)) والحاكم في ((المستدرك))، وغيرهم كلهم ذكروه بلفظ عبد الله بن عمرو بن العاص. (أنه) أي عبد الله (أخبره) أي أبا مرة (أنه دخل على أبيه عمرو بن العاص) هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية، قال الزرقاني والسيوطي في (التنوير)) (١): كذا للأكثر، وللقعنبي وروح بن عبادة عن مالك، أنه دخل مع عبد الله، وكذا رواه الليث عن يزيد شيخ مالك، انتهى. فعلى سياق يحيى يروي أبو مرة عن عمرو بن العاص بواسطة ابنه عبد الله، وعلى سياق القعنبي وغيره يروي عنه بلا واسطة، وحديث القعنبي أخرجه أبو داود، ولفظه عن أبي مرة مولى أم هاني، أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص، وهكذا أخرجه الحاكم(٢) بسنده إلى القعنبي، وحديث الليث أخرجه الطحاوي بسنده إلى الليث عن ابن الهاد عن أبي مرة مولى عقيل، أنه دخل هو وعبد الله بن عمرو بن العاص على عمرو بن العاص، وذلك الغد أو بعد الغد من يوم الأضحى، فقرّب إليهم عمرو طعاماً، الحديث. (١) انظر: ((تنوير الحوالك)) (ص ٣٤٤). (٢) ((المستدرك)) (٤٣٥/١). ٤٨٤ ٢٠ - كتاب الحج (٤٤) باب (٨٢٩) حديث فَوَجَدَهُ يَأْكُلُ، قَالَ: فَدَعَانِي، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ: هُذِهِ الأَيَّامُ الَّتِي نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ بِ لهِ عَنْ صِيَامِهِنَّ، وَأَمَرَنَا بِفِظْرِ هِنَّ. قَالَ مَالِكٌ: هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. أخرجه أبوداود في: ١٤ - كتاب الصوم، ٥٠ - باب صيام أيام التشريق. وأخرج الطحاوي حديث روح أيضاً، لكنه ليس بطريق مالك، بل برواية روح عن ابن جريج عن سعيد بن كثير، أن جعفر بن المطلب أخبره؛ أن عبد الله بن عمرو بن العاص دخل على عمرو بن العاص، وهكذا سياق محمد في ((موطئه)) (١)، ولفظه عن مالك: نا يزيد بن عبد الله بن الهاد عن أبي مرة مولى عقيل؛ أن عبد الله بن عمرو بن العاص ((دخل على أبيه في أيام التشريق، فقرب له طعاماً))، الحديث. (فوجده) أي أباه (يأكل) غداء (قال) عبد الله (فدعاني) أبي للأكل معه على معنى حسن الأدب مع الولد، قال: (فقلت) له: (إني صائم) على إظهاره عذر المانع له من طاعة أبيه وبما دعا إليه (فقال: في هذه الأيام) هكذا في النسخ الهندية، أي الصوم في هذه الأيام، وليست في النسخ المصرية لفظ ((في))، فيكون هذه الأيام مبتدأ، و((التي)) خبره، (التي نهانا) معاشر المسلمين (رسول الله ﴿ عن صيامهن وأمرنا بفطرهن). (قال مالك: وهي) أي الأيام التي أشار إليها عمرو بن العاص بقوله: هذه الأيام هي (أيام التشريق) قال الباجي(٢): يريد أن تلك الأيام التي أخبر عنها، هي أيام التشريق، وإن لم يكن في الحديث ذكرها، ولا تعيينها، غير أن ليس في الأيام أيام يمكن أن يشار إليها بالمنع من الصوم فيها غيرها؛ لأن يوم الفطر إنما هو يوم، وكذلك يوم النحر لانفراد كل واحد منهما، عما يضاف إليه (١) (ص ١٣٠). (٢) ((المنتقى)) (٣٠٨/٢). ٤٨٥ ٢٠ - كتاب الحج (٤٤) باب (٨٢٩) حديث من جنسه، وأيام التشريق كلها متصلة، فيحتمل أن يكون مالك اعتقد أنها أيام التشريق، لما ذكرنا، ويحتمل أن يكون اعتقد ذلك بخبر بلغه، انتهى. قلت: والثاني هو الظاهر بل المتعين، فقد وردت الروايات الكثيرة الصريحة بلفظ النهي عن صيام أيام التشريق، كما بسطها الطحاوي، والعيني في ((شرح البخاري)). قال محمد(١) بعد حديث الباب: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أن يصام أيام التشريق لمُتْعة ولا لغيرها، لما جاء من النهي عن صومها عن النبيّ ◌َّ،" وهو قول أبي حنيفة، والعامة من قبلنا، وقال مالك بن أنس: يصومها المتمتع الذي لا يجد الهدي، إذا فاتته الأيام الثلاثة قبل النحر، انتهى. قلت: وسيأتي صوم المتمتع في آخر الحج. قال الشيخ في ((البذل))(٢) تبعاً للحافظ في ((الفتح)): أيام التشريق هي الأيام التي بعد النحر، واختلف في كونها يومين أو ثلاثة، وهي عند الحنفية ثلاثة، حادي عشرة وثاني عشرة وثالث عشرة من ذي الحجة، انتهى. قلت: وهي كذلك عند الجمهور، فقد قال الباجي: هي الأيام الثلاثة التي تلي يوم النحر، وقال ابن رشد (٣): أمّا الأيام المنهي عنها، فمنها متفق عليه، ومنها مختلف فيها، أما المتفق عليها، فيوم الفطر ويوم الأضحى، وأما المختلف فيها، فأيام التشريق، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، انتهى. وقال القسطلاني: أيام التشريق هي ثلاثة بعد يوم النحر، وهذا قول ابن عمر وأكثر العلماء، وروي عن ابن عباس وعطاء، أنها أربعة أيام: يوم النحر وثلاثة بعده والأول أظهر، فقد قال النبيّ وَّر: ((أيام منى ثلاثة))، انتهى. (١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢١٤/٢). (٢) ((بذل المجهود)) (٩/ ٢٦٧). (٣) (بداية المجتهد)) (٣٠٨/١). ٤٨٦ ٢٠ - كتاب الحج (٤٥) باب (٤٥) باب ما يجوز من الهدي وفي ((شرح المنهاج)): لا يجوز ولا يصح صوم العيد، وكذا التشريق ولو لمتمتع في الجديد، وهي ثلاثة بعد يوم النحر، وفي باب العيد من ((نيل المآرب)): أيام التشريق، هي حادي عشر ذي الحجة، وثاني عشر، وثالث عشر، انتهى . واختلفوا في تسميتها بالتشريق، قال الزرقاني(١): سُمِّيَتْ بذلك؛ لأن الذبح فيها يجب بعد شروق الشمس، وقيل: لأنهم كانوا يشرقون فيها، أي ينشرون في الشمس لحوم الأضاحي إذا قُدِّدتْ، قاله قتاده، وقيل: لأنهم كانوا يشرقون للشمس في غير بيوت ولا أبنية للحج، هذا قول أبي جعفر محمد بن علي، قاله في ((التمهيد))، انتهى. زاد الحافظ(٢): وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس، وفي ((الهداية)) (٣): التشريق هو الجهر بالتكبير، كذا نقل عن الخليل بن أحمد، قال العيني في ((البناية)): هو من أئمّة أهل اللغة، وكذا نقل عن النصر بن سهيل، وذكر فيه أقوالاً أُخر. (٤٥) ما يجوز من الهدي تقدّم ضبطه في ((ما لا يوجب الإحرام من تقليد الهدي))، وفي ((الدر المختار))(٤): هو في اللغة والشرع ما يهدى إلى الحرم من النعم، ليتقرّب به فيه، قال ابن عابدين: احترز بقوله: إلى الحرم، عما يهدى إلى غيره نعماً كان أو غيره، وبقوله: من النعم، عمّا يهدى إلى الحرم من غير النعم، فإطلاق الفقهاء في باب الأيمان والنذور الهدي على غيره مجاز، وبقوله: يتقرّب به، أي بإراقة دمه في الحرم، عمّا يهدى إلى الحرم من النعم هدية لرجل، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٢/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٢٤٢/٤). (٣) (٨٦/١). (٤) (٦٧٥/٢). ٤٨٧ ٢٠ - كتاب الحج (٤٥) باب قال ابن رشد(١): إن النظر في الهدي يشتمل على معرفة وجوبه، وعلى معرفة جنسه، وعلى معرفة حسنه، وكيفية سوقه، ومن أين يساق، وإلى أين ينتهي بسوقه، وهو موضع نحره، وحكم لحمه بعد النحر، فنقول: إنهم أجمعوا على أن الهدي المسوق في هذه العبادة، منه واجب، ومنه تطوّع، فالواجب منه ما هو واجب بالنذر، ومنه ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة، فأما جنس الهدي، فإن العلماء متفقون على أنه لا يكون الهدي، إلا من الأزواج الثمانية التي نصّ الله تعالى عليها، وأن الأفضل في الهدايا الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، وإنما اختلفوا في الضحايا، وأما الأسنان، فإنهم أجمعوا أن الثني فما فوقه يجزئ منها، وأن الجذع من المعز لا يجزئ في الضحايا والهدايا، واختلفوا في الجذع من الضأن، وليس في عدد الهدي حدّ معلوم، وكان هدي رسول الله ◌َ﴾ مائة، انتهى. وفي (روضة المحتاجين)): سوق الهدي لمن قصد مكة حاجاً أو معتمراً سنة مؤكدة، أعرض أكثر الناس أو كلّهم عنها في هذه الأزمان، انتهى. وذكر في هامشه عن ابن حجر على ((الإيضاح)): أن التقييد بقوله: حاجاً أو معتمراً، لأجل قوله: مؤكدة، وإلا فهو سنّة لمن قصد مكة ولو لغير نسك، كمن لم يرد سفراً وأراد إرساله، انتهى. وفي ((شرح اللباب))(٢): يستحب لكل من قصد مكّة بنسك ـ أي حجة أو عمرة - أن يهدي هدياً، انتهى. وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب من ساق البدن معه))، قال الحافظ (٣): أي من الحل إلى الحرم، قال المهلب: أراد المصنف أن يعرف أن السنّة في الهدي، أن يساق من الحل إلى الحرم، فإن (١) ((بداية المجتهد)) (٣٧٦/١). (٢) (ص٢٧٢). (٣) ((فتح الباري)) (٥٣٩/٣). ٤٨٨ --- ٢٠ - كتاب الحج (٤٥) باب (٨٣٠) حدیث ١٣٨/٨٣٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ وَالاله . عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَهْدَى جَمَلاً اشتراه من الحرم خرج به، إذا حج إلى عرفة، وهو قول مالك: وإن لم يفعل فعليه البدل، وقال الجمهور: إن وقف به بعرفة فحسن. وإلا فلا بدل عليه، وقال أبو حنيفة: ليس بسنّة؛ لأن النبيّ ◌َ﴿ إنما ساق الهدي من الحل؛ لأن مسكنه كان خارج الحرم، وهذا كلّه في الإبل، فأمّا البقر فقد يضعف عن ذلك، والغنم أضعف، انتهى. وقريب منه ما قاله العيني(١). ١٣٨/٨٣٠ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو (بن حزم) قال ابن عبد البر (٢): كذا وقع في رواية يحيى، وهو من الغلط البَيِّن، ولم يختلف رواة ((الموطأ)) أن هذا الحديث في ((الموطأ)) لمالك عن عبد الله بن أبي بكر، وليس لنافع فيه ذكر، ولم يروِ نافع عن عبد الله بن أبي بكر قطّ شيئاً، بل عبد الله بن أبي بكر ممن يصلح أن يروي عن نافع، وقد روى عن نافع من هو أجلّ منه، وروى هذا الحديث سويد بن سعيد عن مالك عن الزهري عن أنس عن أبي بكرة، فذكره، وهو من خطأ سويد وغلطه، انتهى. وهو مرسل في ((الموطأ))، ويستند من وجوه، منها: مسند ابن عباس عند أبي داود برواية ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عنه. (أن رسول الله ◌ٍ أهدى جملاً) ذكر الإبل باتفاق أهل اللغة، ونقل الجوهري عن ابن السكيت: إنما يسمّى جملاً إذا أربع، أي دخل في السنة الرابعة، قال الدميري (٣): البعير بمنزلة الإنسان، والجمل كالرجل، والناقة (١) ((عمدة القاري)) (٢٩٥/٧). (٢) ((التمهيد)) (١٧ /٤١٣). (٣) ((حياة الحيوان)) (١/ ١٩٣). : ٤٨٩ ٢٠ - كتاب الحج (٤٥) باب (٨٣٠) حديث كَانَ لأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامِ، فِي حَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ. أخرجه أبو داود في: ١١ - كتاب الحج، ١٢ - باب في الهدي. كامرأة، والقعود كالفتى، والقلوص كالجارية، انتهى. وذكر المنذري: أن اسم هذا الجمل عصيفير، وقال القاري: اغتنمه وَل يوم بدر، انتهى. (كان لأبي جهل) عمرو (بن هشام) المخزومي، فرعون هذه الأمة، الأحول المأبون، كنته العرب أبا الحكم، وكناه الشارع بأبي جهل، قُتِلَ كافراً يوم بدرٍ في السنة الثانية من الهجرة، ذكر في رجال ((جامع الأصول)): كان يكنى أبا الحكم، فكناه النبيّ ◌َ لّ أبا جهل، فغلبت عليه هذه الكنية. (في حجّ أو عمرة) شكٌّ من الراوي، وفي رواية أبي داود عن ابن عباس المذكورة: ((أن رسول الله ﴿ أهدى عام الحديبية في هداياه جملاً، كان لأبي جهل في رأسه برة فضة))، وفي رواية: برة من ذهب، قال الشيخ في ((البذل))(١) تبعاً للقاري: ويمكن التعدّد باعتبار المنخرين، انتهى. قلت: وقد أخرج الترمذي(٢) بسنده إلى جابر بن عبد الله: أن النبيّ وَّل حج ثلاث حجج حجّتين قبل أن يهاجر، وحجّة بعدما هاجر معها عمرة، فساق ثلاثة وستين بدنة، وجاء عليّ من اليمن ببقيّتها فيها جمل لأبي جهل، في أنفه برة من فضة، فنحرها، الحديث. وسكت عن هذا الاختلاف صاحب ((العارضة)) وغيره، وقال الشيخ في ((الكوكب))(٣): هذا لا يصح، فإن جمل أبي جهل نحر في عمرة الحديبية، ولو سُلِّم ففي عمرة القضاء، ولم تصل نوبة بقائه إلى حجة الوداع التي نحر فيها النبيّ وَّ مائة من الإبل، انتهى. قلت: هذا هو الصواب، فإن عامّة أهل السير ذكروا جمل أبي جهل في عمرة الحديبية لا حجّة الوداع. (١) (بذل المجهود)) (٣٤٠/٨). (٢) (١٧٨/٣). (٣) (٨٨/٢). ٤٩٠ ٢٠ - كتاب الحج (٤٥) باب (٨٣٠) حديث ففي ((زاد المعاد))(١) في فوائد قصة الحديبية: منها: استحباب مغايظة أعداء الله، بأن النبيّ ◌َّ أهدى في جملة هديه جملاً لأبي جهل في أنفه برة من فضة. ولعل الشيخ أشار بقوله: لو سُلِّمَ، إلى ما في كتب السير من نَدِّ هذا البعير، ففي ((الخميس))(٢): قال ابن عباس: أهدى رسول الله وَلير عام الحديبية في هداياه جملاً لأبي جهل، قد كان رسول الله وَل غنمه يوم بدر، وروي أن جمل أبي جهل نَدَّ من بين الهدايا، وذهب إلى مكة، ودخل داره، فتعاقبه جَمَّالُ رسول الله وََّ، فأراد سفهاء قريش أن لا يردُّوه، فمنعهم سهيلُ بن عمرو، وهو المؤسّس لبنيان الصلح، وقال لهم: إن تريدوه فأعرضوا على محمد مائة من الإبل، فإن قبلها، فأمسكوا هذا الجمل، وإلا فلا تتعرّضوا له، فقبلوا قول سهيل، فعرضوا على النبيّ وَل مائة من الإبل، فأبى، وقال: لو لم يكن هذا الجمل للهدي لقبلت المائة، وأعطيت هذا الواحد، أو كما قال، فنحره أيضاً، انتهى. ولعلّه هرب لإتمام الإغاظة، فإنه لو نحر بدون ذلك لم يعلم به عامَّة الكفرة، واشتهر بذلك الندّ أمرُه حتى عرفه الأقاصي والأداني، ولا يقال: إنه ليس من ذوي العقول، فكيف هرب لإتمام الإغاظة؟ لأن المعجزات في هذا الباب مما لا تنكر، منها: ما أخرجه أبو داود من حديث بدنات خمس أو ست طفقن يزدلفن إليه وَلّ بأيّتهن يبدأ، ومنها: ما أخرج أيضاً من قصة جمل حَنَّ، وذرفت عيناه، فقال ◌َّ لصاحبه: إنه شكا إليّ أنك تُجِيعه وتُدْئبه، وقصة بروك ناقته وَّ في الحديبية، وقولهم: ((خَلاَتِ القصوى)) معروفةٌ. ثم يُرجَّح حديث أبي داود بوجوهٍ، منها: ما في الروايات من إغاظة الكفار، فإنها لا تُلائم حجة الوداع، فلم يكن فيها: كافر بمكة، ومنها: (١) (٢٦٨/٣). (٢). ((تاريخ الخميس)) (٢٢/١). ٤٩١ ٢٠ - كتاب الحج (٤٥) باب (٨٣٠) حدیث موافقة كتب السير، ومنها: ضعف رواية الترمذي، فقد قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث سفيان، لا نعرفه إلاّ من حديث زيد بن حباب، ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن روى هذا الحديث في كتبه عن عبد الله بن أبي زياد، وسألت محمداً عن هذا، فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر، ورأيته لا يعدُّ هذا الحديث محفوظاً، إلى آخر ما قاله . والأوجه عندي: أن سفيان جمع بين الحديثين، حديث جابر في هدي الحج، وحديث ابن عباس في هدي العمرة، كما يدلّ عليه سياق ابن ماجه، فإنه روى عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن داود عن سفيان قال: حجّ رسول الله وَ لّ ثلاث حجات، حجّتين قبل أن يهاجر، وحجّة بعدما هاجرَ من المدينة، وقرن مع حجته عمرة، واجتمع ما جاء به النبيّ بَّ، وما جاء به عليّ مائة بدنة، منها جمل لأبي جهل في أنفه بُرّة من فضة، قيل له: من ذكره؟ قال له: جعفر عن أبيه عن جابر، وابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، انتھی. وأخرج الحاكم أوّل حديث جابر برواية محمد بن عثمان العبسي عن أبيه عن زيد بن الحباب بسند الترمدي، وصحّحه على شرط مسلم، وأقَرَّه عليه الذهبي، وليس فيه ذكر جمل أبي جهل. وفقه الحديث على ما قال الخطابي: إن الذَّكْرَانَ في الهدي جائزة، وقد روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: أنه كان يكره ذلك في الإبل، ويرى أن يهدي الإناث منها، انتهى. قال الباجي: وهو في الهدي قد يكون في ذكور الإبل، وهو مذهب مالك - رحمه الله -. وبه قال جماعة من الصحابة، وقال الشافعي: لا يهدى إلا الإناث، والدليل على ما ذهب إليه مالك هذا الحديث، وهو نصّ في موضع الخلاف، انتهى. ٤٩٢ ٢٠ - كتاب الحج (٤٥) باب (٨٣١) حديث ١٣٩/٨٣١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ وفي ((المدونة))(١): الذكور والإناث، عند مالك بدن كلها، وتعجّب مالك ممن يقول: لا يكون إلاّ في الإناث، قال مالك: وليس هكذا، قال الله تبارك وتعالى في كتابه: ﴿وَاَلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِّن شَعَتِ اللَّهِ﴾(٢)، ولم يقل ذكراً ولا أنثى. قلت لابن القاسم: فالهدي من البقر والغنم والإبل هل يجوز من ذلك الذكر والأنثى في قول مالك؟ قال: نعم، انتهى. وما حكي في ذلك من خلاف الإمام الشافعي، فليس بوجيه، فإن عامّة نقلة المذاهب لم يحكوا فيه خلافه - رحمه الله -، بل صرّح النووي في (مناسكه)): أن صفات الهدي المطلق كصفات الأضحية المطلقة، ويجزئ الذكر والأنثى، وقال ابن حجر في ((شرحه): والذكر أفضل إن لم يكثر نزوانه، وإلا فالأنثى التي لم تلد، انتهى. وقال الموفق(٣): والذكر والأنثى في الهدي سواء، وممن أجاز ذكران الإبل ابن المسيّب وعمر بن عبد العزيز ومالك وعطاء والشافعي، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: ما رأيت أحداً فاعلاً ذلك، وأن أنحر أنثى أحبّ إليّ، والأول أولى؛ لأنه تعالى قال: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْتَهَا لَكُ مِن شَعَتِرِ اللَّهِ﴾، ولم يذكر ذكراً ولا أنثى، وقد ثبت أن ـ النبيّ ◌َل﴿ أهدى جملاً لأبي جهل، ولأن القصد اللحم، ولحم الذكر أوفر، ولحم الأنثى أرطب، فيتساويان، انتهى. ١٣٩/٨٣١ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) قال الحافظ(٤): لم تختلف الرواة عن (١) (٣٠٨/١). (٢) سورة الحج: الآية ٣٦. (٣) ((المغني)) (٤٥٧/٥). (٤) (فتح الباري)) (٥٣٧/٣) باب ركوب البدن، وأخرجه أبو داود في المناسك (١٧٦٠)، وانظر ((التمهيد)) (٢٩٦/١٨، ٢٩٧). ٤٩٣ ٢٠ - كتاب الحج (٤٥) باب (٨٣١) حدیث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، مالك عن أبي الزناد فيه، ورواه ابن عيينة عن أبي الزناد فقال: عن الأعرج عن أبي هريرة، أو عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة، أخرجه سعيد بن منصور عنه، وقد رواه الثوري عن أبي الزناد بالإسنادین مفرقاً، انتهى. (أن رسول الله وَ لل رأى رجلاً) قال الحافظ: لم أقف على اسمه بعد طول البحث، وقال القسطلاني: لم يسم، وكذا قال العيني وغيره. (يسوق بدنة) بفتحات، قال الحافظ: كذا في معظم الأحاديث، ووقع لمسلم من طريق بكير بن الأخنس عن أنس: «مَرَّ ببدنة أو هدية))، ولأبي عوانة من هذا الوجه ((أو هدي))، وهو مما يوضح أنه ليس المراد بالبدنة مجرد مدلولها اللغوي. قال القسطلاني(١): البدنة تقع على الجمل والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وكثر استعمالها فيما كان هدياً، انتهى. وفي ((البخاري)): قال مجاهد: سمّيت البدن ببدنها، وفي رواية: لبدانتها أي سمنها، وتقدم في أبواب الجمعة الاختلاف في أن البدنة تختصّ بالإبل أو تعمُّ غيره، وزاد مسلم(٢) في حديث الباب من طريق المغيرة عن أبي الزناد: ((مقلدة))، وللبخاري من وجه آخر: ((مقلدة نعلاً)). (فقال: اركبها) زاد النسائي من طريق سعيد عن قتادة والجوزقي من طريق حميد عن ثابت كلاهما عن أنس: ((وقد جهده المشي)). (فقال: يا رسول الله إنها بدنة) أطلق البدنة على الوحدة من الإبل المهداة إلى البيت الحرام، ولو كان المراد مدلولها اللغوي لم يحصل الجواب بقوله: (١) ((إرشاد الساري)) (٢٣٨/٤). (٢) أخرجه في كتاب الحج (١٣٢٢) باب جواز ركوب البدنة. ٤٩٤ ٢٠ - كتاب الحج (٤٥) باب (٨٣١) حديث فَقَالَ: ((إِرْكَبْهَا، وَيْلَكَ)) فِي الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ. أخرجه البخاري في: ٢٥ - كتاب الحج، ١٠٣ - باب ركوب البدن. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٦٥ - باب جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها، حديث ٣٧١. إنها بدنة؛ لأن كونها من الإبل معلوم، فالظاهر أن الرجل ظنّ أنه خفي على النبيّ 18َ كونها هدياً، فلذلك قال: إنها بدنة، والحق أنه لم يخف ذلك عليه وَ﴿ لكونها كانت مقلدة، ولذا قال له لما زاد في المراجعة: ويلك، كذا (١) في ((الفتح))(١) . (فقال: اركبها ويلك) قال النووي(٢): أصلها لمن وقع في هلكة، فقيل: لأنه كان محتاجاً قد وقع في تعب وجهد، وقيل: كلمة تجري على اللسان، وتستعمل من غير قصد إلى ما وضعت له أولاً، بل تدعم بها العرب كلامها، كقولهم: لا أمّ له، ولا أب له، وعقرى حلقى، وما أشبه ذلك، انتهى. وقيل: هو تأديب، وبه جزم ابن عبد البرّ، وابن العربي وبالغ، فقال: الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا، ولولا أنه مَّ اشترط على ربّه ما اشترط، لهلك الرجل لا محالة . وقال القرطبي: ويحتمل أنه فهم عنه ترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة، فزجره عن ذلك، وعلى الحالتين فهي دعاء، ورجحه عياض وغيره قالوا: والأمر لههنا وإن قلنا: إنه للإرشاد، ولكنه استحقّ الذم بتوقفه عن امتثال الأمر، وقيل: لأنه أشرف على هلكة من الجهد، وويل يقال لمن وقع في هلكة، فالمعنى أشرفت على الهلكة فاركب، فعلى هذا هي إخبار، انتهى. (في الثانية أو الثالثة) بالشك من الراوي، قال الباجي (٣): يحتمل أن يريد (١) ((فتح الباري)) (٥٣٧/٣). (٢) (٧٤/٥). (٣) ((المنتقى)) (٣٠٩/٢). ٤٩٥ ٢٠ - كتاب الحج (٤٥) باب (٨٣١) حديث في الثانية من قوله: ((اركبها ابتداءً))، فيقول له ذلك زجراً عن مراجعته عن أمر قد كان له في التعلق بما أمره، وحمله على عمومه في الأحوال سعة، ويحتمل أن يريد الثانية من جوابه له عن قوله: إنها بدنة، فيكون في ذلك زجراً له عن تكرير سؤاله عن أمرٍ قد بيَّنه له، انتهى. ولفظ مسلم من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة: ((بينما رجل يسوق بدنة مقلدة، قال له رسول الله وَله: ويلك اركبها، فقال: بدنة يا رسول الله، قال: ويلك، اركبها، ويلك اركبها))، قال عياض: فيه أن من راجع العالم في فتواه يؤدّب بغليظ القول، وعلى رواية تقديم ويلك، فلا يتفق فيه ذلك. قال الأبي(١): يعني برواية التقديم أنه إنما يكون فيه تأديب المراجع على رواية قوله له ذلك في الثانية أو الثالثة، وأمّا على رواية أنه قال ذلك أول مرة، فلا يكون فيه ذلك؛ لأنه لم تقع مراجعته وهذا قد يلوح، وقد يقال: إن فيه المراجعة حتى على الرواية الأخرى؛ لأنه ◌َّ علم أنها بدنة بما فيها من التقليد والإشعار، فتعليل الرجل الامتناع من الركوب بأنها بدنة مراجعة، انتهى. ثم اختلفوا في ركوب الهدي على مذاهب عديدة، بسطها الحافظان(٢) ابن حجر والعينى وغيرهما . الأول: وجوب الركوب لظاهر الأوامر في ذلك، حكاه القاضي عياض عن بعض أهل الظاهر، كما قاله النووي في ((شرح مسلم))، وكذا نقله ابن عبد البرّ عن بعض أهل الظاهر تمسّكاً لظاهر الأمر، ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة والسائبة، وردّه بأن الذين ساقوا الهدي في عهد النبيّ وَلَر كانوا كثيراً، ولم يأمر أحداً منهم بذلك. (١) ((إكمال الإكمال)) (٤١٤/٣). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٥٣٧/٣) و((عمدة القاري)) (٢٩٣/٧). ٤٩٦ ٢٠ - كتاب الحج (٤٥) باب (٨٣١) حديث وتعقّبه الحافظ(١) فقال: وفيه نظر؛ لما أخرجه أحمد من حديث عليّ: أنه سُئل هل يركب الرجل هديه؟ فقال: لا بأس، قد كان النبيّ وَّ يمرّ بالرجال يمشون، فيأمرهم يركبون هديه، أي هدي النبيّ بَّر، وإسناده صالح، وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح، رواه أبو داود في ((المراسيل)) عن عطاء قال: كان النبيّ ◌َّل﴾ يأمر بالبدنة، إذا احتاج إليها سيّدها أن يحمل عليها، ويركبها غير منهكها . الثاني: الجواز مطلقاً، وبه قال عروة بن الزبير، ونسبه ابن المنذر إلى أحمد وإسحاق، وبه قالت الظاهرية، وهو الذي جزم به النووي في ((الروضة)) تبعاً لأصله في الضحايا، ونقله في ((شرح المهذب)) عن القفال والماوردي، وبه جزم النووي في ((مناسكه))، ورواه ابن نافع عن مالك كما في ((الزرقاني)) (٢)، وقال النووي في ((شرح مسلم))(٣): به قال مالك في رواية وأحمد وإسحاق، وعنهما حكاه الخطابي في ((المعالم)). الثالث: تقييده بالحاجة، نقله النووي في ((شرح المهذب)) عن الماوردي والبندنيجي وغيرهما، وقال الروياني: تجويزه بغير الحاجة يخالف النص، وهو الذي نقله الترمذي (٤) عن الشافعي، حيث قال: وقد رخّص قوم من أهل العلم من أصحاب النبيّ مَ ﴿ل وغيرهم ركوب البدنة، إذا احتاج إلى ظهرها، وهو قول الشافعي وأحمد، وإسحاق، وحكى ابن عبد البرّ عن مالك والشافعي كراهة الركوب بدون الحاجة، قال النووي في ((شرح مسلم)): مذهب الشافعي أنه يركبها إذا احتاج ولا يركبها من غير حاجة، وبهذا قال ابن المنذر وجماعة، (١) (فتح الباري)) (٥٣٧/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٣/٢). (٣) (٧٤/٩/٤) . (٤) أخرجه الترمذي (٢٥٤/٣) ح (٩١١). ٤٩٧ ٢٠ - كتاب الحج (٤٥) باب (٨٣١) حديث وهو رواية عن مالك، انتهى. وبه جزم في ((الروض المربع))(١) من فروع الحنابلة؛ إذ قال: ويركب لحاجة فقط بلا ضرر، انتهى. الرابع: أنها لا تُركب إلا عند الاضطرار إلى ذلك، وهو المنقول عن جماعة من التابعين، وهو المنقول عن الشعبي والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، فلذلك قيّده صاحب ((الهداية)) من أصحابنا بالاضطرار، قاله العيني. قال الحافظ(٢): وقال ابن العربي عن مالك: يركب للضرورة، فإذا استراح نزل، ومقتضى من قيّده بالضرورة أن من انتهت ضرورته لا يعود إلى ركوبها، إلا من ضرورة أخرى، والدليل على اعتبار هذه القيود الثلاثة، وهي الاضطرار، والركوب بالمعروف، وانتهاء الركوب بانتهاء الضرورة ما رواه مسلم من حديث جابر مرفوعاً بلفظ: ((اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً))، فإن مفهومه أنه إذا وجد غيرها تركها. وروى سعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي قال: ((يركبها إذا أعيا قدر ما يستريح على ظهرها))، وقال الثوري: لا يركب إلا إذا اضطر، انتهى. قال الزرقاني: كرهه الجمهور ومالك في المشهور إلا لضرورة؛ لحديث مسلم عن جابر المذكور، قال المازري: لأنه مقيّد، والمقيّد يقضي على المطلق . قلت: وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، كما سيأتي قريباً في مسألة الضمان عن ((الشرح الكبير))(٣) لابن قدامة، وحكاه الخطابي عن الشافعي، فقال (١) (٥٣٥/١). (٢) ((فتح الباري)) (٥٣٧/٣). (٣) (٥٦٣/٣). ٤٩٨ . - . .. ---- ٢٠ - كتاب الحج (٤٥) باب (٨٣١) حديث في ((المعالم)): وقال الشافعي: يركبها إذا اضطر إليها. وكأنه ذهب إلى حديث جابر، انتهى. وبه جزم الدردير والدسوقي، إذ قيّداه بالاضطرار لجواز ابتداء الركوب لا الدوام. وقال القاريّ في (شرح اللباب))(١): من ساق بدنة واجب أو تطوّع لا يحل له الانتفاع بظهرها أي ركوباً وصوفها ولبنها، إلا حال الاضطرار، وإن اضطرّ إلى الركوب فركبها، وإذا استغنى عنه تركها ضمن ما نقص بركوبه، انتھی . الخامس: المنع مطلقاً حكاه ابن العربي(٢) عن أبي حنيفة، وشَنَّع عليه بلا وجهٍ، فإن مذهبه الإباحة عند الاضطرار، كما تقدّم. ثم اختلفوا لههنا في مسألتين أخريين، إحداهما: اختلافهم في أن الإباحة المقيّدة بالحاجة أو الضرورة هل تنتهي إلى وقت الحاجة، أو تمتدّ إلى ما بعد ذلك؟ وهما قولان لمالك، فقال الجمهور: تتقيّد بذلك، وتنتهي بانتهائه، فقد تقدم في المذهب الرابع ما قال الحافظ (٣): مقتضى من قيّده بالضرورة أن من انتهت ضرورته، لا يعود إلى ركوبها، إلا من ضرورة أخرى. وفي ((الإكمال))(٤): قال التونسي: إن نزل بول أو حاجة، فلا يركب حتى يحتاج كأوّل مرة، وفيه أيضاً تحت حديث مسلم بلفظ: ((إذا أُلجئت إليها حتى تجد ظهراً))، قال عياض: فيه حجّة لأحد قولي مالك: إنه إذا ركب واستراح ينزل، قال إسماعيل: وهذا الذي يدلّ عليه المذهب، وقال ابن القاسم: لا (١) (ص٢٧٢). (٢) انظر ((فتح الباري)) (٥٣٨/٣)، و((عمدة القاري)) (٢٩٣/٧). (٣) ((فتح الباري)) (٥٣٧/٣). (٤) (٤١٣/٣). ٤٩٩ ٢٠ - كتاب الحج (٤٥) باب (٨٣١) حدیث يلزمه النزول؛ لأنه أبيح له الركوب، فجاز له الاستصحاب، وقال الأبي: قوله: حتى يجد ظهراً، يردّ قول ابن القاسم؛ لأنه إذا زال العذر صار دوام ركوبه كابتدائه لا العذر، انتهى. قلت: لكن مختار الدردير هو هذا القول، كما سيأتي في المسألة الآتية، وتقدم ما قال القاري في ((شرح اللباب)): أنه إذا استغنى عنه تركها . والثانية: اختلافهم في وجوب الضمان إذا نقص بالركوب شيء منه، قال الطحاوي في ((اختلاف العلماء)): قال أصحابنا والشافعي: يركب إذا احتاج، فإن نقصه ذلك ضمن، وقال مالك: لا يركب إلا عند الحاجة، فإن ركب لم يغرم، كذا في ((الفتح)). وهكذا حكى العيني مذاهبهم عن ((الاستذكار))(١)، وقال ابن قدامة في (الشرح الكبير))(٢): وله ركوبها عند الحاجة ما لم يضرّ بها، قال أحمد: لا يركبها إلا عند الضرورة، وهو قول الشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي؛ لأن النبيّ وَّه قال: ((اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً))، رواه أبو داود(٣). ولأنه تعلق بها حق المساكين، فلم يجز ركوبها من غير ضرورة كملكهم، وإنما جوّزناه عند الضرورة للحديث، فإن نقصها الركوب ضمن النقص؛ لأنه تعلق بها حق غيره، وفي الركوب مع عدم الحاجة روايتان، إحداهما: لا يجوز؛ لما ذكرنا، والثانية: يجوز لرواية الباب. وصرّح في فروع الحنفية من ((الهداية)) وغيرها بأنه لو ركبها، فانتقص (١) (١٢ /٢٥٤). (٢) (٥٦٣/٣). (٣) ((سنن أبي داود)) (١٧٦١). ٥٠٠