النص المفهرس
صفحات 461-480
٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ جَهِلَ فَبَدَأَ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ،
قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. قَالَ: لِيَرْجِعْ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لْيَسْعَ بَيْنَ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ،
فقد رأيت رسول الله وسلم يمشي، وأنا شيخ كبير، رواهما ابن ماجه، وروى هذا
أبو داود، ولأن ترك الرمل في الطواف بالبيت لا شيء فيه، فبين الصفا والمروة
أولى .
قلت: وكذلك عند الحنفية، كما صرّح به في فروعهم.
(قال مالك في) حكم (رجل جهل) الترتيب بين الطواف والسعي (فبدأ
بالسعي بين الصفا والمروة) وسعى بينهما (قبل أن يطوف بالبيت، قال) مالك:
(ليرجع) وجوباً، فإن هذا السعي لا اعتدادَ به عند الأئمّة الأربعة، كما سيأتي
قريباً (فليطف بالبيت) أولاً (ثم ليسعى) وفي نسخة ((ثم يسعى)) (بين الصفا
والمروة) قال في ((المحلى)): وبه قال الأئمة الباقية: إنه يجب الترتيب بين
الطواف والسعي، ويشترط تقديم الطواف على السعي، فلو سعى ثم طاف
أعاده، وقيل: أعاده ما دام بمكّة، وإن رجع إلى أهله ليبعث بدم، وبالإجزاء
قال بعض أهل الظاهر، لحديث: ((سعيتُ قبل أن أطوف)) وأوّلو بأنّ المراد بعد
طواف القدوم قبل طواف الإفاضة، انتهى.
قال الباجي(١): هذا على وجهين، أحدهما: أن يكون ذكر ذلك قبل أن
يطوف، فمعنى قوله: ((فليرجع))، يريد: ليرجع من مكانه إلى البيت، فليطف به
ثم ليسع، ويحتمل أن يكون ذكر ذلك بعد طوافه، بعد أن طال الأمر فيه،
بحيث لا يمكن أن يتّصل سعيه به، فعليه استئناف الطواف، ليتّصل به السعي،
وأمّا إن ذكر ذلك بأثر طوافه، فإنه يجتزئ بذلك الطواف ويعيد السعي، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٣٠٥/٢).
٤٦١
٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢٣) حديث
قال الموفق(١): السعي تبع للطواف لا يصح إلا أن يتقدمه طواف، فإن سعى
قبله لم يصح. وبذلك قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال عطاء: يجزئه.
وعن أحمد: يجزئه إن كان ناسياً، وإن عمداً لم يجزئه سعيه؛ لأن النبيّ وَ﴾ لما
سئل عن التقديم والتأخير في حال الجهل والنسيان قال: ((لا حرج)). ووجه الأول
أن النبيّ وَّوإنما سعى بعد طوافه، وقد قال: (لتأخذوا عني مناسككم))، فعلى هذا
إن سعى بعد طوافه، ثم علم أنه طاف بغير طهارة لم يعتدّ بسعيه ذلك. ولا تجب
الموالاة بين الطواف والسعي. قال أحمد: لا بأس أن يؤخر السعي حتى يستريح
أو إلى العشي، وكان عطاء والحسن لا يريان بأساً لمن طاف بالبيت أوّل النهار،
أن يؤخر الصفا والمروة إلى العشي، وفعله القاسم وسعيد بن جبير؛ لأن الموالاة
إذا لم تجب في نفس السعي، ففيما بينه وبين الطواف أولى، انتهى.
قلت: وتقدم شيء من ذلك في باب ((ما تفعل الحائض في الحج))،
وتقدّم هناك جواب الحافظ، عمّا استدلّ به من قوله وَ لّ: ((لا حرج)) في جواب
من قال: سعيت قبل أن أطوف، وقال ابن القيّم: قوله: ((سعيت قبل أن
أطوف)) في هذا الحديث ليس بمحفوظ. والمحفوظ تقديم الرمي والنحر
والحلق بعضها على بعض، انتهى. كذا في ((البذل))(٢)، وفي ((البناية)) مجيباً عن
قوله {وَّم: ((افعل ولا حرج)) لمن قدّم أو أخّر، وفي ((المستصفى)): كان هذا في
ابتداء الإسلام حين لم تستقر أفعال المناسك، دلّ عليه أنه عليه الصّلاة
والسّلام سُئل في ذلك الوقت: ((سعيت قبل أن أطوف))، قال: ((افعل ولا
جرج))، وذلك لا يجوز بالإجماع، واليوم لا يفتى بمثله، انتهى.
وفي ((التمهيد))(٣): اختلف العلماء فيمن قدّم السعي على الطواف، فقال
(١) ((المغني)) (٢٤٠/٥).
(٢) ((بذل المجهود)) (٣٥١/٩).
(٣) (١٠٤/٢).
٤٦٢
٢٠ - كتاب الحج
(٤٢) باب
(٨٢٣) حدیث
وَإِنْ جَهِلَ ذُلِكَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَّةَ وَيَسْتَبْعِدَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَكَّةَ،
فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنْ كَانَ أَصَابَ النِّسَاءَ
رَجَعَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى يُتِمَّ مَا بَقِيَ
عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ أُخْرَى، وَالْهَدْيُ.
عطاء بن أبي رباح: يُجزئه، ولا يعيد السعي، ولا شيء عليه، وكذلك قال
الأوزاعي وطائفة من أهل الحديث. واختلف في ذلك عن الثوري، فروي عنه
مثل قول الأوزاعي وعطاء، وروي عنه: أنه يعيد السعي، وقال مالك والشافعي
وأبو حنيفة وأصحابهم: لا يجزئه، وعليه أن يعيد، إلاّ أن مالكاً قال: يعيد
الطواف والسعي جميعاً. وقال الشافعي: يعيد السعي وحده، ليكون بعد
الطواف، ولا شيء عليه، انتهى مختصراً، وإعادة الطواف عند مالك، إذا لم
يذكره بأثر طواف، كما تقدم في كلام الباجي.
(وإن جهل ذلك) أي استمرّ جهله (حتى يخرج من مكّة ويستبعد) عن مكّة
(فإنه يرجع إلى مكّة) وجوباً عند المالكية لتركه ركن السعي، فإنه سعيه الأول،
صار كأن لم يكن لتقدّمه على الطواف، وقد عرفت أنه واجب عند الحنفية، فلو
لم يرجع عندنا يكفي الدم. (فيطوف بالبيت) ليتّصل به السعي (ويسعى) بعد
الطواف (بين الصفا والمروة وإن كان) هذا الجاهل (أصاب النساء) أيضاً قبل
السعي (رجع) إلى مكّة وإن فسدت عمرته لإصابة النساء قبل أداء ركنها، ولم
تفسد العمرة عند الحنفية؛ لأن السعي عندهم ليس بركن.
(فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة) وهي أفعال العمرة الأولى التي
أفسدها بالوطء (حتى يتمّ) مضارع من الإتمام (ما بقي عليه من تلك العمرة)
التي أفسدها، و((من)) بيان لِمَا (ثم عليه عمرة أخرى) قضاءً لما أفسدها
(والهدي) واجب عليه في القضاء لإفساد العمرة الأولى.
قال الباجي (١): يريد أنه قد أفسد عمرته لإصابته النساء، قبل أن يطوف
(١) ((المنتقى)) (٢٠٥/٢).
٤٦٣
٢٠ - كتاب الحج
(٤٣) باب
(٤٣) باب صيام يوم عرفة
ويسعى لها؛ لأن ما تقدم من سعيه وطوافه غير مجزئ، فكان كمن وطئ في
عمرته قبل الطواف والسعي، فعليه أن يرجع إلى مكّة من حيث كان، ويكون
رجوعه على إحرامه، فيطوف ويسعى لعمرته التي أفسد، ثم يحلق، ثم يستأنف
الإحرام لعمرته ثانياً قضاءً للأولى التي أفسد، ويهدي هدياً لإفساد عمرته
الأولى، انتهى.
وفي ((شرح اللباب))(١): لو سعى قبل الطواف لم يعتدّ بذلك السعي، فإن
لم يَعُدُّه فعليه دم. ولو ترك السعي ورجع إلى أهله بأن خرج من الميقات،
فأراد العود إلى مكّة، يعود بإحرام جديد لدخوله الحرم، وإذا عاد بإحرام
جديد، فإن كان بعمرة، فيأتي أولاً بأفعال العمرة، ثم يسعى، وإن كان بحج،
فيطوف أولاً طواف القدوم، ثم يسعى بعده، وإذا أعاده سقط الدم، قال في
الأصل: والدم أحبّ إليّ من الرجوع؛ لأن فيه منفعة الفقراء، انتهى.
(٤٣) صيام يوم عرفة
اتّفق الجمهور على فضيلة صومه لغير الحاج، وإن كان فيه بعض
الخلاف، قال ابن رشد في ((البداية))(٢) في باب المندوب من الصيام: أما
المرغب فيه المتفق عليه، فصيام يوم عاشوراء، والمختلف فيه، صيام يوم
عرفة، وستّ من شوال، والغُرَرُ من كل شهر. ثم قال: وأما اختلافهم في يوم
عرفة، فلأن النبيّ وَّة أفطر يوم عرفة، وقال فيه: ((صيام يوم عرفة، يكفر السنة
الماضية والآتية))، ولذلك اختلف الناس في ذلك، واختار الشافعي الفطر
للحاج، وصيامه لغير الحاج جمعاً بين الأثرين، انتهى.
قلت: لكن فروع الأئمة الأربعة متفقة بندبه، ففي ((الدردير)): نُدِبَ صومُ
(١) (ص١٩٤).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٠٨/١).
٤٦٤
.. ... mmmm m
٢٠ - كتاب الحج
(٤٣) باب
عرفة إن لم يحج، وكُرِهَ لحاج للتقوي على الوقوف والدعاء، قال الدسوقي:
المراد تأكّد الندب وإلا فالصوم مطلقاً مندوب، انتهى.
وقال الموفق(١): صيامه مستحب. وهو يوم شريف عظيم وعيد كريم
وفضله كبير، وقد صحّ عن النبيّ وَّوَ أَن صيامه يُكَفِّرُ سنتين، انتهى مختصراً.
وفي ((شرح المنهاج)): يسن، بل يتأكد صوم تسع الحجة، وآكدها يوم عرفة لغير
حاج ومسافر، انتهى. وعدّه في فروع الحنفية، أيضاً من المندوب، وهذا كلّه
لغير الحاج.
وأما الحاج فقال ابن الملك: استحب الأكثر إفطار يوم عرفة، ليتقوّى به
على الدعاء، وقال المظهر: صوم يوم عرفة سنة لغير الحاج، أما الحاج فليس
بسنّة له عند الشافعي ومالك وغيرهما، كيلا يضعف عن الدعاء بعرفة، وقال
إسحاق بن راهويه: سنّة له أيضاً، وقال أحمد: سنّة له إن لم يضعف.
وقال ابن الهمام: صوم عرفة لغير الحاج مستحب، وللحاج إن كان
يضعفه عن الوقوف والدعوات فالمستحب تركه، وقيل: يكره، وهي كراهة
تنزيه؛ لأنه لإخلاله بالأهم في ذلك الوقت، اللَّهمّ إلا أن يُسيء خلقه، فيوقعه
في محظور، وقال ابن حجر: صومه للحاج خلاف الأولى، بل قال النووي في
(نكته): إنه مكروه، كذا في ((المرقاة))(٢)، وقريب منه ما في ((القسطلاني))،
زاد: وفي ((شرح المهذب)): أنه يستحب صومه لحاج لم يصل عرفة، إلا ليلاً
لفقد العلّة، وهذا كلّه في غير المسافر، والمريض، أمّا هما، فيستحب لهما
فطره مطلقاً، كما نصَّ عليه الشافعي في ((الإملاء)).
وقال الزرقاني (٣) تبعاً لشراح البخاري: فطر يوم عرفة للحاج أفضل من
(١) ((المغني)) (٤٤٣/٤).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠١/٤).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٩/٢).
٤٦٥
٢٠ - كتاب الحج
(٤٣) باب
صومه؛ لأنه الذي اختاره وَّلة لنفسه، وللتقوي على عمل الحج، ولما فيه من
العون على الاجتهاد في الدعاء والتضرّع المطلوب في ذلك الموضع، ولذا قال
الجمهور: يستحب فطره للحاج وإن كان قوياً، ثم اختلفوا هل صومه مكروه؟
وصححه المالكية. أو خلاف الأولى؟ وصححه الشافعية، وتُعُقِّبَ بأن فعله
المجرد لا يدلّ على عدم استحباب صومه، إذ قد يتركه لبيان الجواز، ويكون
في حقه أفضل لمصلحة التبليغ .
وأجيب بأنه قد روى أبو داود والنسائي، وصحّحه ابن خزيمة والحاكم
على شرط البخاري، وأقرّه عليه الذهبي عن أبي هريرة، قال: ((نهى وَّ عن
صوم عرفة بعرفة))، وأخذ بظاهره قومٌ، منهم يحيى بن سعيد الأنصاري، فقال:
يجب فطره للحاج، والجمهور على استحبابه، حتى قال عطاء: كل من أفطره،
ليتقوّى به على الذكر، كان له مثل أجر الصائم، انتهى. وتقدّم في كلام الدردير
أنه مكروه للحاج.
وقال العيني(١): وكان ابن الزبير وعائشة - رضي الله عنهم - يصومان يوم
عرفة، وروي أيضاً عن عمر - رضي الله عنه - وكان إسحاق يميل إليه، وكان
الحسن يُعجبه صومُه، ويأمر به الحاج، وقال: رأيت عثمان بعرفة في يوم شديد
الحر صائماً، وهم يروحون عنه، وكان أسامة بن زيد وعروة والقاسم ومحمد
وسعيد بن جبير يصومون بعرفات، انتهى.
وفي ((المحلى)): أخذ يحيى بن سعيد الأنصاري بظاهر النهي، فقال:
يجب فطره للحاج، انتهى. وقال الموفق (٢): أكثر أهل العلم يستحبون الفطر
يوم عرفة بعرفة، وكانت عائشة وابن الزبير يصومانه. وقال قتادة: لا بأس به
(١) ((عمدة القاري)) (٢٤٨/٧).
(٢) ((المغني)) (٤٤٤/٤).
٤٦٦
٢٠ - كتاب الحج
(٤٣) باب
إذا لم يضعف عن الدعاء، وقال عطاء: أصوم في الشتاء، ولا أصوم في
الصيف؛ لأن كراهة صومه معلّلة بالضعف عن الدعاء، فإذا قوي عليه، أو كان
في الشتاء لم يضعف، فتزول الكراهة.
ولنا، ما روي عن أم الفضل، يعني حديث الباب المتفق عليه، وقال ابن
عمر: حججت مع النبيّ وَلّ فلم يصمه، يعني يوم عرفة، ومع أبي بكر فلم
يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به
ولا أنهى عنه، أخرجه الترمذي، وقال: حسن، وروى أبو داود عن أبي هريرة
حديث النهي، ولأن الصوم يضعفه، ويمنعه الدعاء في هذا اليوم الذي يستجاب
فيه الدعاء، فكان تركه أفضل، انتهى مختصراً.
قال النووي في ((مناسكه)): الثامن من سنن الوقوف أن يكون مفطراً، فلا
يصوم سواء كان يضعفه به أم لا، انتهى. وفي ((شرح اللباب))(١) في مستحبات
الوقوف: الصوم لمن قوي عليه بلا مشقة والفطر للضعيف، وأمّا ما في
(الخانية)): ويكره صوم يوم عرفة بعرفات، فمبنيٌّ على حكم الأغلب، فلا ينافيه
ما في الكرماني من أنه لا يكره للحاج الصوم في يوم عرفة عندنا، إلاّ إذا كان
يضعفه عن أداء المناسك، فحينئذ تركه أولى، انتهى.
وهو مختار الخطابي، إذ قال في ((المعالم)) بعد حديث أبي هريرة في
النهي: وإنما نهى المحرم عن ذلك خوفاً عليه أن يضعف عن الدعاء، والابتهال
في ذلك المقام، فأما من وجد قوّة ولا يخاف ضعفاً، فصوم ذلك اليوم أفضل
له إن شاء الله، وقد قال ◌َ﴾: ((صيام يوم عرفة يُكَفِّر سنتين سنة قبلها وسنة
بعدها))، انتهى. وبه قال الشافعي في القديم، كما قال البيهقي في ((المعرفة)):
حكاه العيني.
(١) (ص١٠٩).
٤٦٧
٢٠ - كتاب الحج
(٤٣) باب
(٨٢٤) حديث
٨٢٤/ ١٣٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ،
. . . . .
مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُمَيْرِ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ،
قلت: والحديث الذي أشار إليه الخطابي هو ما رواه مسلم، واللفظ له،
وأبو داود من حديث أبي قتادة: سُئِلَ رسول الله وَّر عن صوم يوم عرفة؟ قال:
(يُكَفِّرُ السنة الماضية والباقية))، وفي رواية الترمذي(١): ((صيام يوم عرفة إني
أحتسب على أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله))، وروى ابن ماجه عن
قتادة بن النعمان مرفوعاً: ((من صام يوم عرفة غفر له سنة أمامه وسنة بعده))،
وروى أبو يعلى عن سهل بن سعد مرفوعاً: ((من صام يوم عرفة غفر له ذنب
سنتين متتابعتين))، قال المنذري: رجاله رجال الصحيح، وفي الباب عن أبي
سعيد الخدري وابن عمر وزيد بن أرقم وغيرهم ذكرها في ((التعليق
الممجد)»(٢).
١٣٢/٨٢٤ - (مالك، عن أبي النضر) سالم بن أبي أمية (مولى عمر) بضم
العين (ابن عبيد الله) مصغّراً (عن عمير) مصغراً، ابن عبد الله الهلالي، أبو عبد الله
المدني، ثقة، أخرجوا له حديثين، أحدهما في الصيام والآخر في التيمّم، مات
سنة ١٠٤ هـ بالمدينة، كذا في (تهذيب الحافظ))(٣). (مولى عبد الله بن عباس)
أخرجه البخاري في الصيام بطريقين، وقال في الأول: مولى أم الفضل، وفي
الثاني: مولى عبد الله بن عباس، قال القسطلاني (٤): نسبه أولاً لأم عبد الله أم
الفضل باعتبار الأصل، وثانياً لولدها عبد الله باعتبار ما آل إليه حاله، انتهى. قال
الزرقاني(٥): لأنه انتقل إلى ابن عباس من أمه، ولملازمته له أخذه عنه.
(١) أخرجه الترمذي (٧٤٩).
(٢) انظر: (٢ /٢١١).
(٣) ((تهذيب التهذيب)) (١٤٨/٨).
(٤) ((إرشاد الساري)) (٦٣٦/٤).
(٥) ((شرح الزرقاني)) (٣١٩/٢).
٤٦٨
٢٠ - كتاب الحج
(٤٣) باب
(٨٢٤) حديث
عَنْ أُمّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّ نَاساً تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، فِي
صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ وَلّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
لَيْسَ بِصَائِم، فَأَرْسَلْتُ
(عن أم الفضل) لبابة بضم اللام وخفّة الموحدتين (بنت الحارث) أم بني
العباس الستة (أن ناساً تماروا) أي شكّوا كما في رواية ميمونة، عند البخاري
في الصيام: أو اختلفوا، ووقع عند الدارقطني في ((الموطآت)): اختلف ناس
من أصحاب رسول الله وَّر (عندها) أي عند أم الفضل (يوم عرفة في صيام
رسول الله ◌َلة).
قال الحافظ (١): هذا يشعر بأن صوم يوم عرفة كان معروفاً عندهم، معتاداً
لهم في الحضر، وكان من جزم بأنه صائم استند إلى ما ألِفَه من العبادة، ومن
جزم بأنه غير صائم، قامت عنده قرينة كونه مسافراً، وقد عرف نهيه عن صوم
الفرض في السفر فضلاً عن النفل. (فقال بعضهم: هو صائم) بناءً على ما
ألفه، أو حسن الظن به (وقال بعضهم: ليس بصائم) للسفر، ولما يوجب
متابعته ◌َّ من الحرج العام.
(فأرسلت) بصيغة المتكلم، وفي حديث للبخاري عن كريب عن ميمونة:
أن الناس شكُوا في صيام النبيّ وَل﴿ يوم عرفة، فأرسلت إليه بحِلاب، وهو
واقف في الموقف، فشرب منه، والناس ينظرون، قال الحافظ: فيحتمل
التعدّد، ويحتمل أنهما معاً أرسلتا ذلك، فنسب ذلك إلى كل منهما؛ لأنهما
كانتا أختين، فتكون ميمونة أرسلت بسؤال أم الفضل لها في ذلك لكشف الحال
في ذلك، ويحتمل العكس، وستأتي الإشارة إلى تعيين كون ميمونة هي التي
باشرت الإرسال، ولم يُسَمَّ الرسولُ في طرق حديث أم الفضل.
ولكن روى النسائي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ما يدلّ على
(١) ((فتح الباري)) (٤/ ٢٣٧).
٤٦٩
٢٠ - كتاب الحج
(٤٣) باب
(٨٢٤) حديث
إِلَيْهِ بِقَدَح لَبَنِ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ،
أنه كان الرسول بذلك. ويقوّي ذلك، أنه كان ممن جاء عنه، أنه أرسل إمّا أمه
وإما خالته، انتهى. (إليه) وَّر (بقدح لبن) لعلمهما بمحبته بَّل، حيث يقوم مقام
الأكل والشرب، حتى إذا أكل طعاماً قال: ((اللّهمّ بارك لي فيه وأطعمني خيراً
منه))، وإذا كان لبناً قال: ((وزدني فيه))، أو لمناسبة الزمان والمكان، قاله
القاري.
وقال الباجي(١): تريد أن تختبر بذلك صومه، وتعلم الصحيح من قول
المختلفين، وهذا وجه صحيح في معرفة أحد القسمين، وهو أن يشربه، فيعلم
بذلك فطره، وأما لو امتنع من شربه، فليس في ذلك دليل على صومه، لجواز
أن يمتنع من ذلك الشبع ورويّ، وغير ذلك، ولعلّه أن يكون في ردّه ما يدلّ
علی صومه، أو یتسبّب به إلى سؤاله، انتهى.
(وهو واقف على بعيره) هذا هو الصواب المذكور في الأصول
الصحيحة، خلاف ما في النسخ السقيمة ((على بعير له))، وإن صح المعنى،
لكن المدار على الرواية، قاله الزرقاني (بعرفة) ليس هذا اللفظ في المصرية،
وحديث الباب نصّ في أنه وم ليو كان على بعير، وأخرجه البخاري بمواضع من
كتابه في الحج والصوم، والأشربة، بلفظ ((البعير))، وعند أبي داود في باب
الخطبة بعرفة، عن خالد بن العداء قال: ((رأيت رسول الله ولم يخطب الناس
يوم عرفة على بعير)).
وعن نبيط: ((أنه رأى النبيّ وَ ل﴿ل واقفاً بعرفة على بعير أحمر)). قال الشيخ
في ((البذل))(٢): ولفظ النسائي: ((على جمل أحمر))، وهذا كله يخالف ما في
حديث جابر الطويل ((حتى إذا زاغت الشمس أَمَرَ بالقصواء، فرحلت له، فركب
(١) ((المنتقى)) (٣٠٦/٢).
(٢) ((بذل المجهود)) (٢٢١/٩).
٤٧٠
٢٠ - كتاب الحج
(٤٣) باب
(٨٢٤) حديث
حتى أتى بطن الوادي فخطب))، والجواب عن حديث نبيط وخالد، أنهما رأياه
من بعيد فظناها بعيراً، والصواب أنه ◌ّير كان على ناقته القصواء، حين قام في
الموقف وخطب، انتهى.
قلت: ويمكن أن يقال: إن البعير يطلق على الأنثى أيضاً، قال المجد:
البعير الجمل البازل أو الجذع، وقد يكون للأنثى، وقال الدميري(١): اسم يقع
على الذكر والأنثى، وهو من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس، انتهى. وفي
((المجمع)): البعير يقع على الذكر والأنثى، وقال الراغب (٢): يقع على الذكر
والأنثى، كالإنسان في وقوعه عليهما، وعلى هذا، فلا إشكال بروايات البعير،
نعم، بقي بروايات النسائي بلفظ ((الجمل))، فالظاهر أنه رواية بالمعنى؛ لأن في
أبي داود هذه الرواية بعينها بلفظ ((البعير)).
ولعلّ النسائي أشار إلى ذلك، إذ بَوَّب على الحديث بالخطبة على الناقة،
أو يقال: إن الجمل أيضاً يطلق على الناقة بالشذوذ، كما في ((القاموس))(٣)،
ويُشكل على حديث الباب ما في جهاد أبي داود عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إياكم
أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر))، الحديث. أخرجه ابن مردويه، والبيهقي في
(شعب الإيمان))، كما حكاه السيوطي في ((الدر)).
قال الخطابي: وقد ثبت أنه مَ﴾ خطب على راحلته، فدلّ ذلك على أن
الوقوف على ظهورها، إن كان لأرب أو بلوغ وطر لا يدرك مع النزول مباحٌ، وإن
النهي إنما انصرف إلى الوقوف عليها، لا لمعنى يوجبه بأن يستوطنه الإنسان
ويتّخذه مقعداً، فيتعب الدابة ويضربها من غير طائل، كذا في ((البذل))(٤).
(١) ((حياة الحيوان)) (١٩٣/١).
(٢) (مفردات القرآن)) (ص ١٣٣).
(٣) انظر: ((حياة الحيوان)) (١٩٣/١).
(٤) ((بذل المجهود)) (٦٤/١٢).
٤٧١
٢٠ - كتاب الحج
(٤٣) باب
(٨٢٤) حديث
وقال الحافظ(١): استدلّ به على أن الوقوف على ظهر الدواب مباح،
وأن النهي الوارد في ذلك محمول على ما إذا أجحف بالدابة، انتهى. وفي
(هامش البحر)) عن (التنوير)): وقف الإمام على ناقته، قال المدني في حاشيته:
لا خصوصية للإمام لههنا، بل ينبغي الركوب لكل واقف في عرفة؛ لأنه متى
وقف راكباً يكون قلبه فارغاً عن جانب الدابة، فيكون قلبه في الدعاء أسكن،
وفي المناجاة أخلص.
وفي ((السراج الوهاج)) نقلاً عن ((منسك ابن العجمي)): يكره الوقوف على
ظهر الدابة إلا في حال الوقوف بعرفة، بل هو الأفضل للإمام وغيره. وقال ابن
الحاج في ((المدخل)): وهذا الموضع مستثنى عما نهى عنه، وفي ((منسك ابن
العجمي)): ومن لم يكن له مركب، فالأفضل أن يقف قائماً، فإذا أعيا جلس،
ومفهوم عبارة الكرماني، أن من قدر على الركوب ولم يركب، يكون مسيئاً
لتركه السنّة، انتهى. وقال الدسوقي(٢): يحمل النهي على ما إذا حصل للدابة
مشقة، أو أن الندب لههنا مستثنى من النهي، انتهى.
واختلف أهل العلم في أيّهما أفضل، الركوب أو تركه بعرفة، فذهب
الجمهور إلى أن الأفضل الركوب، لكونه بَّر وقف راكباً، ومن حيث النظر،
فإن في الركوب عوناً على الاجتهاد في الدعاء والتضرّع المطلوب حينئذ،
وذهب الآخرون إلى أن استحباب الركوب يختصّ بمن يحتاج الناس إلى التعليم
منه، وعن الشافعي قول: إنهما سواء، كذا في ((الفتح))(٣).
قال النووي في ((شرح مسلم)) (٤): في مذهبنا ثلاثة أقوال، أصحها: أن
(١) ((فتح الباري)) (٥١٣/٣).
(٢) ((حاشية الدسوقي)) (٤٤/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٥١٣/٣).
(٤) (١٨٥/٨/٤).
٤٧٢
٢٠ - كتاب الحج
(٤٣) باب
(٨٢٤) حديث
الوقوف راكباً أفضل، والثاني: غير راكب أفضل، والثالث: هما سواء، انتهى.
وقال في ((مناسكه)): إذا كان يشق عليه الوقوف ماشياً، أو كان يضعف به عن
الدعاء، أو كان ممن يقتدى به ويُستفتى، فالسنة أن يقف راكباً، وإلا ففي
الأفضل أقوال للشافعي، أصحها: راكباً أفضل، والثاني: ماشياً أفضل،
والثالث: هما سواء. هذا حكم الرجل، وأما المرأة فالأفضل أن تكون قاعدة؛
لأنه أسْتَرُ لها، انتهى.
وقال الموفق(١): الأفضل أن يقف راكباً على بعيره، كما فعل النبيّ بَّه
فإن ذلك أعون له على الدعاء، وقيل: الراجل أفضل؛ لأنه أخفّ على
الراحلة، ويحتمل التسوية بينهما، انتهى. وهكذا في (الشرح الكبير))، وفي متنه
((المقنع)): يستحب أن يقف راكباً، وقيل: الراجل أفضل، وفي ((الروض
المربع)) (٢): سن أن يقف راكباً مستقبل القبلة، انتهى.
وقال الدردير: نُدِب ركوبه بالوقوف، ثم يلي الركوب قيام للرجال إلا
لتعب، قال الدسوقي(٣): قوله: لتعب، أي من القيام أو للدابة أو من ركوبها
أو من إدامة الوضوء، فيكون عدم ذلك أفضل في هذه الأربعة، انتهى.
وفي ((شرح اللباب)): يقف راكباً وهو الأفضل والأكمل أن يكون
المركوب بعيراً، وإلا فقائماً إن قدر عليه، وإلا فقاعداً وإلا فمضطجعاً؛ لقوله
تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمَا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾(٤)، انتهى. وبسط ابن
عابدين في (رد المحتار)) و((هامش البحر)) الاختلاف في أن الركوب يختص
(١) ((المغني)) (٢٦٧/٥).
(٢) (٥٠٨/١).
(٣) ((حاشية الدسوقي)) (٤٤/٢).
(٤) سورة آل عمران: الآية ١٩١.
٤٧٣
1
٢٠ - كتاب الحج
(٤٣) باب
(٨٢٥) حديث
فَشَرِبَ .
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٨٨ - باب الوقوف على الدابة
بعرفة .
ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١٨ - باب استحباب الفطر للحاج بعرفات
يوم عرفة، حديث ١١٠.
١٣٣/٨٢٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ
الْقَاسِمَ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَرَفَةَ .
.
بالإمام، أو يعم غيره أيضاً. (فشربه) زاد في حديث ميمونة: ((والناس
ينظرون))، وفي رواية أبي نعيم؛ وهو يخطب الناس بعرفة، فشربه على رؤوس
الملأ الأعلى، إعلاء لإظهار الحكم المشتمل على رحمته للعالمين.
قال الباجي(١): وشرب النبيّ وَّل في ذلك الموقف، ليبيّن للناس فطره،
ولعلّه قد علم بتماري أصحابه في ذلك الوقت، فأراد تبيين الشرع وإيضاح
الحق ورفع اللبس وَّر، انتهى. وفيه دليل على جواز الأكل والشرب في
المحافل .
١٣٣/٨٢٥ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن القاسم بن
محمد أن) عمّته (عائشة أم المؤمنين) - رضي الله عنها - (كانت تصوم يوم عرفة)
وهي حاجّة، قال الزرقاني(٢): لأنها لا ترى استحباب فطره، انتهى. وقد تقدّم
من مذهبها كذلك، قال الباجي: يقتضي صيامها إياه على كل حال في حجّ أو
عمرة، غير أن الأظهر من جهة المقصد، أنه أخبره عن صيامها إياه في الحج
لا سيما، وقد بَيَّن ذلك بما بعده من الكلام، ولعلها - رضي الله عنها - حملت
فعله ومَّ في ذلك على الجواز والتسهيل على الناس، وأن الفضيلة في صيامه
(١) ((المنتقى)) (٣٠٦/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٠/٢).
٤٧٤
٢٠ - كتاب الحج
(٤٣) باب
(٨٢٥) حدیث
قَالَ الْقَاسِمُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهَا عَشِيَّة عَرَفَةَ، يَدْفَعُ الإِمَامُ ثُمَّ تَقِفُ حَتَّى
يَبْيَضَّ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ تَدْعُو بِشَرَابِ فَتْفْطِرُ .
في الحج، لمن أطاق ذلك، ولم يمنعه من إدامة الذكر والدعاء، فأخذت في
ذلك بما رأته الأفضل، انتهى.
(قال القاسم بن محمد: ولقد رأيتها) رضي الله عنها (عشية عرفة) ظرف
لرأيتها (يدفع الإمام) أي أمير الحجّ بعد غروب الشمس؛ لأنه وقت دفع الإمام،
(ثم تقف) هي برهة من الزمان (حتى يبيضّ ما بينها وبين الناس من الأرض)
والمراد ببياض الأرض خلوّها عن الناس، يعني ليخلو لها الموضع من سواد
الناس، وإنما تقف؛ لأنها تحتاج لكشف وجهها للفطر والذهاب، فانتظرت
ذهاب الزحمة، قال مالك: إنما أرادت أن يخلو لها الموضع من الناس، ولا
يُرَى شيء منها غير فطرها، ولم ترد بها شيئاً من طلوع قمر وغيره، قال:
والدفع مع الناس أحب إليّ، يريد لمن لا عذر له كعذر عائشة، فالأحب ما
فعلت؛ لأن الناس يقتدون بها، ولا يعلمون العذر، كذا قاله البوني، كذا في
((الزرقاني))(١).
وفي ((الهداية))(٢): لو مكث قليلاً بعد غروب الشمس، وإفاضة الإمام
الخوف الزحام، فلا بأس به، لما روي أن عائشة - رضي الله عنها - بعد إفاضة
الإمام دعت بشراب، فأفطرت ثم أفاضت، قال ابن الهمام: حمله المصنف
على أن فعلها كان لقصد التأخير لخفة الزحام، والحديث أخرجه ابن أبي شيبة
حدّثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة، هكذا في
((الزيلعي)) و((البناية))، قال الحافظ في ((الدراية)): إسناده صحيح.
(ثم تدعو بشراب)، وفي بعض النسخ الهندية: ثم تدعو الشراب (فتفطر)
(١) (شرح الزرقاني)) (٣٢٠/٢).
(٢) (١٤٢/١).
٤٧٥
٢٠ - كتاب الحج
(٤٤) باب
(٤٤) باب ما جاء في صيام أيام منى
عليه، قال الباجي(١): إنما يدلّ على أن أكلها ذلك الوقت كان لصوم، وذلك
يكون من طريقين، أحدهما: أن يكون علم بصومها، فلذلك سمى مَّا تتناوله
فطراً، والطريق الثاني: أن ذلك ليس بوقت أكل لغير الصائم؛ لأن من لا
يصوم إنما يشتغل في ذلك الوقت بالدعاء وبالنفر والتأهب له، ولا يشتغل إذ
ذاك بتناول طعام إلا صائم، انتهى.
(٤٤) ما جاء في صيام أيام منى
قال الأبي في ((شرح مسلم)) (٢): أيام منى، هي الأيام الثلاثة بعد يوم
النحر، والثلاثة مع يوم النحر، هي الأيام المعدودات، ويوم النحر ويومان
بعده، هي الأيام المعلومات، وقال الزرقاني: أيام منى أيام رمي الجمار بها،
وهي الثلاثة التي يتعجَّلُ بها الحاج، منها في يومين بعد يوم النحر، وهي الأيام
المعلومات والمعدودات وأيام التشريق، انتهى. وقال الحافظ: أيام منى أربعة:
يوم النحر وثلاثة أيام بعده.
قلت: لا شكّ أن يوم النحر يوم الرمي ويوم القيام بمنى، وباعتبار ذلك
أطلق عليه بعضهم، أنه من أيام منى، لكن ورد النص أن أيام منى ثلاثة، وهي
لا بدّ أن تكون بعد النحر، لما في ((در السيوطي)) أخرج ابن أبي شيبة وأحمد
وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه، والبيهقي في
(سننه)) عن عبد الله بن يعمر الديلمي: سمعت رسول الله وَّ يقول وهو واقف
بعرفة: ((الحج عرفات، الحج عرفات، فمن أدرك ليلة جمع قبل أن يطلع
الفجر، فقد أدرك، أيام منى ثلاثة، فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه، ومن
تأخّر فلا إثم عليه)).
(١) ((المنتقى)) (٣٠٧/٢).
(٢) (٢٥٦/٢).
٤٧٦
٢٠ - كتاب الحج
(٤٤) باب
قال الشوكاني(١): ((أيام منى)) مرفوع على الابتداء، وخبره قوله: ((ثلاثة
أيام))، وهي الأيام المعدودات وأيام التشريق وأيام رمي الجمار، وهي الثلاثة
التي بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها، لإجماع الناس على أنه لا يجوز
النفر يوم ثاني النحر، ولو كان يوم النحر من الثلاث؛ لجاز أن ينفر من شاء
في ثانیه، انتهى.
وتقدم في صوم الفطر والأضحى، أن أهل العلم اختلفوا في صيام أيام
منى على تسعة أقوال، والمشهور المعمول بها عند الأئمة اثنان، أحدهما: أنه
يجوز صيام الأيام الثلاثة بعد يوم النحر، لمتمتع وقارن، عند مالك والشافعي
في القديم، وأحمد في رواية، والثاني: لا يجوز مطلقاً، كما قالت الحنفية،
وهو قول الشافعي في الجديد، قال الحافظ في ((الفتح))(٢): هو المشهور عن
الشافعي، وبه جزم النووي في ((مناسكه))، وقال ابن حجر في ((شرحه)): هو
المعتمد، كما سيأتي في أول صيام التمتع، وقول أحمد المرجوع إليه، كما
حكاه الزركشي، لكن مختار فروعه الأول، ففي ((نيل المآرب)): يحرم، ولا
يصح فرضاً ولا نفلاً صوم أيام التشريق، إلا عن دم متعة أو قران، انتهى.
وفي ((الروض المربع)) (٣): يحرم صوم العيدين ولو في فرض، ويحرم
صيام أيام التشريق، إلا عن دم متعة أو قران، انتهى. وظاهر الخرقي الثاني،
إذ قال: ولا يصام يوما العيدين ولا أيام التشريق، لا عن فرض، ولا عن
تطوع، فإن قصد لصيامها كان عاصياً، ولم يجزئه عن الفرض، وفي أيام
التشريق عن أبي عبد الله رواية أخرى: أنه يصومها عن الفرض.
(١) ((نيل الأوطار)) (٤١٢/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٤٢/٤).
(٣) (٤٤١/١).
٤٧٧
٢٠ - كتاب الحج
(٤٤) باب
(٨٢٦) حديث
١٣٤/٨٢٦ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى
عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ نَهَى
عَنْ صِيَامٍ أَيَّامٍ مِنَى.
قال الموفق(١): والجملة، أن أيام التشريق منهي عنها، ولا يحِلُّ صيامُها
تطوّعاً في قول أكثر أهل العلم، وعن ابن الزبير، أنه كان يصومها، وروي نحو
ذلك عن ابن عمر والأسود بن يزيد، وعن أبي طلحة، أنه كان لا يفطر إلا
يومي العيدين، والظاهر أن هؤلاء لم يبلغهم نهي رسول الله و ◌ّل عن صيامها،
وأما صومها للفرض ففيه روايتان، إحداهما: لا يجوز؛ لأنه منهي عنه،
فأشبهت يومي العيدين، والثانية: يصح صومها للفرض، لما روي عن ابن عمر
وعائشة، أنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن، إلا لمن لم يجد
الهدي، وهو حديث صحيح ويقاس عليه كل مفروض، انتهى.
قلت: وأثرا ابن عمر وعائشة يأتيان في آخر كتاب الحج.
١٣٤/٨٢٦ - (مالك عن أبي النضر) سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن
عبيد الله) بضم العينين (عن سليمان بن يسار أن رسول الله (وَ ير) لم يختلف على
مالك في إرساله، قاله أبو عمر (٢)، قال السيوطي: وصله النسائي من طريق
سفيان الثوري عن أبي النضر وعبد الله بن أبي بكر كلاهما عن سليمان بن يسار
عن عبد الله بن حذافة به، ورواه أيضاً من طريق قتادة عن سليمان بن يسار عن
حمزة بن عمر الأسلمي به، انتهى. (نهى عن صيام أيام منى) وهي الثلاثة بعد
يوم النحر، كما تقدم قريباً، والحديث بعمومه حجة للحنفية ومن وافقهم في
النهي عن صيامها مطلقاً .
قال الباجي(٣): نهيه وَّ ر عن صيام أيام منى، يقتضي من جهة اللفظ
(١) ((المغني)) (٤٢٥/٤).
(٢) ((الاستذكار)) (٢٣٧/١٢).
(٣) ((المنتقى)) (٣٠٧/٢).
٤٧٨
٢٠ - كتاب الحج
(٤٤) باب
(٨٢٧) حديث
١٣٥/٨٢٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ
◌َله
وسته
النهي العام عن صيامها على كل حال، غير أن العلماء اختلفوا في ذلك،
وتأوّلوا نهيه وَلّر، فذهب مالك إلى أنه لا يجوز أن يصومها المتطوّع، ومن
صام يوماً من أيام منى متطوّعاً، فليفطر متى ما ذكر من نهاره، قاله أشهب،
وأما صيامها على وجه النذر، فإنه لا خلاف في المذهب، أنه لا يجوز صوم
اليومين الأوّلين عن نذر معين، ولا غير معيّن، واختلف قول مالك وأصحابه
في صيامها عن صوم واجب متتابع في كفارة، وأمّا اليوم الرابع، فإنه يصومه
عن نذره، وذلك يقتضي تعيينه بالنذر.
واتّفق مالك وأصحابه على أنه يجزئ أن يصام في صوم الكفارة المتتابع،
وأما صيام المتمتع أيام منى، فهو المشهور من مذهب مالك، وهل يطلب
صيامها لغير المتمتع؟ روى ابن نافع عن مالك أحبُّ إليّ أن لا تصام أيام منى
في الفدية، انتهى مختصراً .
وقد قال الطحاوي بعد أن أخرج أحاديث النهي عن ستة عشر صحابياً :
فلما ثبت بهذه الأحاديث عن رسول الله وقدر النهي عن صيام أيام التشريق،
وكان نهيه عن ذلك بمنى، والحاج مقيمون بها، وفيهم المتمتعون والقارنون،
ولم يستثن منهم متمتعاً ولا قارناً، دخل المتمتعون والقارنون في ذلك، انتهى.
قاله القسطلاني(١) .
قلت: وقد بسط العيني في ((شرح البخاري)) (٢) روايات النهي بما لا مزيد
عليه .
١٣٥/٨٢٧ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (أن رسول الله وَلٍ﴾) مرسل
(١) ((إرشاد الساري)) (٤/ ٦٤٢).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٢٩/٨).
٤٧٩
٢٠ - كتاب الحج
(٤٤) باب
(٨٢٧) حدیث
بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةً
عند جميع الرواة عن مالك، وتابعه يونس وابن أبي ذئب وعبد الله بن عمر
العمري كلّهم عن ابن شهاب مرسلاً، وهو الصحيح عنه، قاله أبو عمر(١). وفي
((التنوير))(٢) وصله النسائي من طريق شعيب ومعمر عن الزهري، أن مسعود بن
الحكم قال: أخبرني بعض أصحاب النبيّ وَّر أنه رأى عبد الله بن حذافة، وهو
يسير على راحلته، فذكر الحديث، ورواه أيضاً من طريق صالح بن أبي
الأخضر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وقال: هذا خطأ،
لا نعلم أحداً قال في هذا: ((عن سعيد)) غير صالح، وهو كثير الخطأ،
وضعيف، قال المزي: يعني أن الصّواب حديث الزهري عن مسعود بن الحكم
عن رجل عن عبد الله بن حدافة، انتهى.
وفي ((الدر)): أخرج ابن جرير عن أبي هريرة: ((أن رسول الله وَّل بعث
عبد الله بن حذافة يطوف منى))، فذكر الحديث.
قلت: وأخرجه الطحاوي بطرق، منها طريق صالح بن أبي الأخضر.
(بعث عبد الله بن حذافة)(٣) بضم المهملة وفتح الذال المعجمة فألف
ففاء، ابن قيس بن عدي بن سعيد مصغراً، ابن سعد بن سهم القرشي
أبو حذافة، أسلم قديماً وهاجر الحبشة مع أخيه قيس، وقيل: شهد بدراً وتوفي
بمصر في خلافة عثمان، وحكي في ((الأطراف)): هو الذي أسرته الروم في زمن
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فأرادوه (٤) على الكفر، فأبى، فقال له مَلِك
الروم: قَبِّلْ رأسي وأطلقك، قال: لا، قال: قَبِّلْ رأسي وأطلقك ومن معك من
(١) انظر ((الاستذكار)) (٢٢٩/١٢)، و((التمهيد)) (٢٣٢/٢١).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (ص٣٤٤).
(٣) انظر ترجمته في ((التاريخ الكبير)) (٨/٥)، و((سير أعلام النبلاء)) (١١/٢).
(٤) هكذا في ((تهذيب التهذيب)) (١٨٥/٥) وفي ((سير أعلام النبلاء)) (١٢/٢) ((فراوده عن
دينه فلم يُفْتَتَنْ)) .
٤٨٠