النص المفهرس

صفحات 321-340

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
قامة ونصفاً، فهجموا على حجارة لها عروق تتّصل بزرد عرق المروة، فضربوه،
فارتجّت قواعد البيت، فكبّر الناس، فبني عليه))، وفي رواية مرتد عند
عبد الرزاق: ((فكشف عن رُبْضٍ(١) في الحجر آخذ بعضه ببعض، فتركه مكشوفاً
ثمانية أيام ليشهدوا عليه، فرأيت ذلك الربض مثل خلف الإبل: وجه حجر
ووجه حجران، ورأيت الرجل يأخذ العتلة، فيضرب بها من ناحية الركن، فيهتزّ
الركن الآخر».
قال مسلم في رواية عطاء: ((وجعل له بابين، أحدهما يدخل منه والآخر
يخرج منه))، وللفاكهي عن موسى بن ميسرة: ((أنه دخل الكعبة بعد ما بناها ابن
الزبير، فكان الناس لا يزدحمون فيها يدخلون من باب، ويخرجون من آخر))،
انتهى .
قلت: وحديث مسلم(٢) الذي أشار إليه الحافظ، فهو ما أخرجه عن
عطاء، قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاه أهلُ الشام، فكان
من أمره ما كان، تركه ابنُ الزبير حتى قدم الناس الموسمَ، يريد أن يُجَرَِّهُمْ أو
يُحَرِّبُهُمْ(٣) على أهل الشام، فلما صدر الناسُ، قال: يا أيها الناسُ! أشيروا
عَلَيّ في الكعبة، أنقُضُها ثم أبني بِناءَها، أو أُصْلِحُ ما وَهَى منها؟ قال ابن
عباس: فإني قد فُرِقَ (٤) لي رأيٌ فيها، أرى أن تُصْلِحَ ما وهى منها، وتَدَعَ بيتاً
أَسْلَمَ الناس عليه، وأحجاراً أسلمَ الناسُ عليها، وبُعِث عليها النبيّ ◌َّ، فقال
(١) قوله: ((رُبضِّ)) أساس البناء.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٢/ ٩٧٠)، رقم الحديث (١٣٣٣).
(٣) (يجرئهم أو يحرِّبهم) من الجراءة أي يشجعهم على قتالهم، ومعنى يحرِّبُهُم، أي يغيظهم
بما يرونهم قد فعل بالبيت، ورواه آخرون: يُحَزِّبُهم: أي يشد قوتهم ويميلهم إليه،
ويجعلهم حزباً له، وناصرين له على مخالفيه.
(٤) (فُرِق) أي كُشِفَ.
٣٢١

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يُجِدَّهُ(١)، فكيف بيتُ
ربكم؟ إني مُسْتَخِيْرٌ ربّي ثلاثاً، ثم عازمٌ على أمري، فلما مضى الثلاثُ أجمع
رأيه على أن ينقُضَها، فتحاماه الناسُ أن ينزِل بأول الناس يصعَدُ فيه أمرٌ من
السماء، حتى صعِدَه، فألقى منه حجارةً فلما لم يَرَه الناسُ أصابه شيءٌ تتابعوا،
فنقضُوا حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابنُ الزبير أعمِدَة؛ فستَّرَ عليها السُّتُورَ
حتى ارتفع بناؤه، وقال ابن الزبير: سمعت عائشة تقول: إن النبيّ ◌َّ قال:
«لولا أن الناس حديثُ عهدهم بكفرٍ، وليس عندي من النفقة ما يُقَوِّي على
بِنَائِهِ، لكنت أدخلت فيه من الحِجْر خمس أذرُع، ولجعلت لها باباً يدخل الناس
منه، وباباً يخرجون منه)).
:
قال: فأنا اليوم أجد ما أُنفق، ولست أخاف الناس، فزاد فيه خمس أذرع
من الحجر، حتى أبدأ أُسّاً نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة
ثماني عشرة ذراعاً، فلما زاد فيه استقصَرَه، فزاد في طوله عشر أذرُع، وجعل له
بابين: فلما قُتِل ابنُ الزبير كتب الحجّاج، الحديث يأتي في بنائه.
((تنبيه)): رأيت في بعض التواريخ الهندية وغيرها، أن عبد الله بن الزبير -
رضي الله عنهما - أمر بهدم الكعبة أهل الحبش، وكان فيهم غلام أحمش الساقين،
ولعلّه كان من ورد في حقّه ((يُخَرِّبُ الكعبة ذو السويقتين من الحبشة))، وهذا النقل
ليس بصحيح، فإن الذي ورد في حقّه ذلك يكون في آخر الزمان، وذلك لأن الوارد
في حقّه، كما أخرجه الحاكم (٢) عن الحارث بن سويد قال: سمعت عليّاً -
رضي الله عنه - يقول: حجّوا قبل أن لا تحجوا، فكأني أنظر إلى حبشي أصمح
وأفدع، بيده معول يهدمها حجراً حجراً، فقلت له: شيء تقوله برأيك أو سمعته من
النبيّ ◌َّ؟ فقال: لا والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، لكني سمعته من نبيّكم.
(١) (يُجِدَّهُ) أي يجعله جديداً .
(٢) ((المستدرك)) (٤٤٨/١) قوله: ((أصمح)) صغير الأذن من الحيوان.
٣٢٢

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
وفي حديث عليّ عند أبي عبيد في ((غريب الحديث))، قال: استكثروا من
الطواف بهذا البيت قبل أن يُحال بينكم وبينه، فكأنّي برجل من الحبشة
أصلع ... الحديث. ورواه الفاكهي من هذا الوجه، ورواه يحيى الحِمَّاني في
(مسنده) من وجه آخر مرفوعاً (١)، ورواه الأزرقي عنه بنحوه، وقع عند أحمد
من طريق سعيد بن سمعان عن أبي هريرة بأتمّ من هذا، ولفظه: ((لن يستحل
هذا البيت، فإذا استحلّوه، فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم يجيء الحبشة،
فيخرّبونه خراباً لا يعمر بعده أبداً، وهم الذين يستخرجون كنزه))، ورواه بهذا
اللفظ الأزرقي في ((تاريخ مكّة)) والحاكم(٢) وصححه.
وفي رواية عنه مرفوعاً: ((لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من
الحبشة)) كذا في ((أشراط الساعة))، وهذه الروايات كالنص على أن المأمور
بهدمها عن ابن الزبير ليس مصداق هذه الروايات؛ لأن الوارد فيها أنه يمنع
الطواف، وأنه يمنع الحج، وأنه يخرج كنز الكعبة، وأنها لا تعمر بعده وغير
ذلك، وهذه الأمور لم تتحقّق بعد.
قال الحافظ(٣): ولأبي قرّة في ((السنن)) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا
يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة))، ونحوه لأبي داود من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص، وزاد أحمد والطبراني من طريق مجاهد عنه:
((فيسلبها حليتها، ويجرّدها من كسوتها، كأني أنظر إليه أصيلع، أفيدع يضرب
عليها بمسحاته أو بمعوله)).
وللفاكهي من طريق مجاهد نحوه، وزاد: قال مجاهد: ((فلما هدم ابن
(١) انظر ((فتح الباري)) (٤٦١/٣).
(٢) ((المستدرك)) (٤٥٢/٤).
(٣) ((فتح الباري)) (٣/ ٤٦١).
٣٢٣

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
الزبير الكعبة جئت أنظر إليه، هل أرى الصفة التي قال عبد الله بن عمرو، فلم
أرها، وهكذا في ((البحر العميق))، قال: قال مجاهد: فلما هدم ابن الزبير الكعبة
جئت أنظر هل أرى الصفة التي قال عبد الله بن عمرو، فلم أرها، انتهى.
قال الحافظ(١): قيل: هذا الحديث يخالف قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا
جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَّا﴾(٢)؛ ولأن الله تعالى حبس عن مكّة الفيل، ولم يمكن أصحابه
من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلّط عليها الحبشة بعد أن
صارت قبلة للمسلمين؟ وأجيب بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان
قرب قيام الساعة، حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله، الله. كما ثبت
في ((صحيح مسلم)): ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله))، ولذا
وقع في رواية سعيد بن سمعان: ((لا يعمر بعده أبداً)).
وقد وقع قبل ذلك فيه من القتال وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن
معاوية، ثم من بعده وقائع كثيرة، من أعظمها وقعة القرامطة بعد الثلاثمائة، ثم
غزي بعد ذلك مراراً، وكل ذلك لا يعارض قوله تعالى؛ لأن ذلك وقع بأيدي
المسلمين، فهو مطابق لقوله ◌َله: ((ولن يستحلّ هذا البيت إلا أهله))، فوقع ما
أخبر به وَلخير، وهو من علامات النبوّة، انتهى.
العاشر: بناء الحجاج، وكان بناؤه من جهة الحِجْر بكسر الحاء، والباب
الغربي المسدود عند الركن اليماني، وما تحت عتبة الباب الشرقي، وهو أربعة
أذرع وشبر، وترك بقية الكعبة على بناء ابن الزبير، واستمرّ بناء الحجّاج إلى
الآن، كذا في ((الجمل)) عن القسطلاني(٣).
(١) ((فتح الباري)) (٤٦١/٣).
(٢) سورة العنكبوت: الآية ٦٧.
(٣) ((إرشاد الساري)) (١٠٤/٤).
٣٢٤

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
قال الحافظ (١): لم يذكر البخاري قصة تغيير الحجاج لما صنعه ابن
الزبير، وقد ذكرها مسلم في رواية عطاء، قال: فلما قتل ابن الزبير كتب
الحجاج إلى عبد الملك، يخبره أن ابن الزبير قد وضعه على أسّ نظر العدول
من أهل مكة إليه، فكتب إليه عبد الملك: إنّا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في
شيء، أمّا ما زاده في طوله فأقرّه، وأمّا ما زاد فيه من الحجر، فردّه إلى بنائه،
وسُدّ بابه الذي فتحه، فنقضه وأعاد إلى بنائه.
وللفاكهي من طريق أبي أُويس عن هشام بن عروة: فبادر - يعني الحجاج -
فهدمها وبنى شقّه الذي يلي الحجر، ورفع بابها، وسَدَّ الباب الغربي، قال أبو
أُويس: فأخبرني غير واحد من أهل العلم أن عبد الملك ندم على إذنه للحجاج في
هدمها، ولعن الحجاج، ولابن عيينة عن مجاهد: فرد الذي كان ابن الزبير أدخل فيها
من الحجر، قال: فقال عبد الملك: وددنا أنا تركنا أبا خبيب وما تولّى من ذلك.
وقد أخرج قصة ندم عبد الملك مسلم (٢) من وجه آخر: ((أن الحارث بن
عبد الله بن أبي ربيعة وفد على عبد الملك في خلافته، فقال: ما أظنّ أبا
خبيب - يعني ابن الزبير - سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمع منها، فقال
الحارث: بلى أنا سمعته منها))، زاد عبد الرزاق عن ابن جريج فيه: وكان
الحارث مصدّقاً لا يكذب، فقال عبد الملك: أنت سمعتها تقول ذلك؟ قال:
نعم، فنكت ساعة بعصاه. وقال: وددت أني تركته وما تحمل، وأخرجها أيضاً
من طريق أبي قزعة قال: بينما عبد الملك يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن
الزبير حيث يكذب على أمّ المؤمنين، فذكر الحديث، فقال له الحارث: لا تقل
هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أم المؤمنين تحدّث بهذا، فقال: لو كنت
سمعته قبل أن أهدمه، لتركته على بناء ابن الزبير، انتهى.
(١) (فتح الباري)) (٤٤٦/٣).
(٢) (صحيح مسلم)) (٢/ ٩٧١).
٣٢٥

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
قلت: وتمام حديث مسلم في وفد الحارث بعد قوله: بلى أنا سمعته
منها، قال: سمعتها تقول: ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله وَله: ((إن قومك
استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدتُ ما تركوا منه،
فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه، فهلمّي لأريك ما تركوا منه))، فأراها قريباً
من سبعة أذرع، وزاد الوليد: قال النبيّ وَّه: ((ولجعلت لها بابين موضوعين في
الأرض شرقياً وغربياً، وهل تدرين لِمَ كان قومك رفعوا بابها»؟ قالت: قلت:
لا، قال: «تعززاً أن لا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن
يدخلها، يدعونه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل، دفعوه فسقط))، قال عبد الملك
الحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم، قال: فنكت ساعة بعصاه، ثم
قال: وددت أني تركته وما تحمل، انتهى.
قال السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)) (١): وكان عبد الله بن الزبير ممن أبى
البيعةَ ليزيد، وفَرَّ إلى مكّة، فلما مات يزيد بويع له بالخلافة، وأطاعه أهل
الحجاز واليمن والعراق وخراسان، وجَدَّدَ عمارة الكعبة، فجعل لها بابين على
قواعد إبراهيم، وأدخل فيها ستة أذرع من الحِجْر - بالكسر - ولم يبقَ خارجاً
عنه إلا الشام ومصر، فإنه بويع بهما معاوية بن يزيد، فلم تطل مدّته، فلما مات
أطاع أهلهما ابن الزبير وبايعوه.
.---
ثم خرج مروان بن الحكم، فغلب على الشام، ثم مصر، واستمرّ إلى أن
مات سنة خمس وستّين، وقد عهد إلى ابنه عبد الملك، والأصح ما قال
الذهبي: إن مروان لا يُعَدُّ في أمراء المؤمنين، بل هو باغ خارج على ابن
الزبير، ولا عهده إلى ابنه بصحيح، وإنما صحت خلافة عبد الملك من حين
قتل ابن الزبير، فإنه استمرّ بمكة خليفةً إلى أن تغَلَّب عبد الملك، فجهّز لقتاله
الحجاج في أربعين ألفاً، فحصر بمكة شهراً، ورمى عليه بالمنجنيق، وخذل ابنَ
(١) ((تاريخ الخلفاء)) (ص٢٤٠).
٣٢٦

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
الزبير أصحابُه، وتسلّلوا إلى الحجاج، فظفر به وقتله وصلبه، وذلك يوم الثلاثاء
السبعَ عشرة خلت من جمادى الأولى، وقيل: الآخرة سنة ثلاث وسبعين.
وعبد الملك بن مروان المولود سنة ستّ وعشرين، بويع بعهد من أبيه في
خلافة ابن الزبير، فلم تصح خلافته حتى قتل ابن الزبير، فصحت خلافته
يومئذ، واستوثق الأمر، ففي هذه السنة هدم الحجّاج الكعبة، وأعادها على ما
هي عليه الآن، انتهى.
ثم قال الحافظ (١): جميع الروايات التي جمعتها في هذه القصة متّفقة
على أن ابن الزبير جعل الباب بالأرض، ومقتضاه أن يكون الباب الذي زاده
على سمته، وقد ذكر الأزرقي أن جملة ما غَيَّره الحجاج الجدار الذي من جهة
الحِجْرِ، والباب المسدود الذي في الجانب الغربي عن يمين الركن اليماني،
وما تحت عتبة الباب الأصلي، وهو أربعة أذرع وشبر، وهذا موافق لما في
الروايات المذكورة، لكن المشاهد الآن في ظهر الكعبة باب مسدود يقابل
الباب الأصلي، وهو في الارتفاع مثله، ومقتضاه أن يكون الباب الذي كان
على عهد ابن الزبير، لم يكن لاصقاً بالأرض، فيحتمل أن يكون لاصقاً، كما
صرّحت به الروايات، لكن الحجاج لما غيره رفعه، ورفع الباب الذي يقابله
أيضاً، ثم بدا له، فسدّ الباب المجدد، لكن لم أرَ النقل بذلك صريحاً .
وذكر الفاكهي في ((أخبار مكة)) أنه شاهد هذا الباب المسدود من داخل
الكعبة في سنة ثلاث وستين ومائتين، فإذا هو مقابل باب الكعبة، وهو بقدره
في الطول والعرض، وإذا في أعلاه كلاليب ثلاثة، كما في الباب الموجود
سواء، فالله أعلم، انتهى.
(تنبيه)): هذه الأبنية هي المشهورة في كتب السير والتفسير وشرح
(١) ((فتح الباري)) (٤٤٧/٣).
٣٢٧

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
الحديث، قال الحافظ (١): لم أقف في شيء من التواريخ على أن أحداً من
الخلفاء ولا من دونهم غَيَّر من الكعبة شيئاً مما صنعه الحجّاج إلى الآن، إلّ
في الميزاب والباب وعتبته، وكذا وقع الترميم في جدارها غير مرة، انتهى.
قلت: وسيأتي بيان الترميمات قريباً، ومعنى قوله: إلى الآن، أي إلى سنة
اثنين وعشرين وثمانمائة، كما جزم به بعد ذلك.
وقال صاحب ((مرآة الحرمين)): ولم يحصل في الكعبة تغيير بعد بناء ابن
الزبير والحجاج إلى سنة ١٠٣٩ هـ، اللّهمّ، إلاّ في ميزابها، وبابها، وبعض
أساطينها، وما دعت الضرورة إلى عمارتها في جدرها، وسقفها، وجدرها الذي
يصعد منه إلى سطحها، وعتبتها، ورغامها، انتهى.
قلت: وفي سنة ١٠٣٩ هـ بناء السلطان مراد، كما سيأتي ذكره في البناء
الثاني عشر قريباً، ويذكر قبل ذلك بناءً آخر سنة ١٠٢١ هـ في زمن السلطان
أحمد، كما سيأتي بيانه في بناء الحادي عشر، وبعضهم لم يذكرهما بناء
مستقلاً، بل ذكرهما ترميماً، ولذا قال صاحب ((الرحلة الحجازية)): وكانت هذه
الرحلة سنة ١٣٢٧هـ، فالكعبة الآن على بناء ابن الزبير من جوانبها الشرقي
والجنوبي والغربي، وبناء الحجاج، ولم يطرأ عليها بعد ذلك، إلا العمارة التي
تغيّر فيها سقفها في زمن السلطان سليمان سنة ٩٦٠هـ، ثم العمارة الترميمية التي
حصلت في زمن السلطان أحمد سنة ١٠٢١ هـ، انتهى.
وأنت خبير بأن عمارة السلطان أحمد لو عُدَّت في الترميمات، فلا بعد
في ذلك، لكن عمارة السلطان مراد الآتي بيانها في البناء الثاني عشر ليست
مما تعدّ ترميماً، بل هي عمارة مستقلة بلا شكّ لجوانبها الثلاثة.
(١) ((فتح الباري)) (٤٤٨/٣).
٣٢٨

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
((تنبيه آخر)): قال الحافظ: حكى ابن عبد البر(١) وتبعه عياض وغيره عن
الرشيد أو المهدي أو المنصور: أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن
الزبير، فناشده مالك في ذلك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فتركه.
قال الحافظ: وهذا بعينه خشية جدّهم الأعلى عبد الله بن عباس، فأشار على
ابن الزبير لما أراد أن يهدم الكعبة، ويجدّد بناءها بأن يرمّ ما وَهَى منها، ولا
يتعرّض لها بزيادة ولا نقص، وقال له: ((لا آمن أن يجيء من بعدك أمير فيغيّر
الذي صنعت))، أخرجه الفاكهي من طريق عطاء، وذكر الأزرقي أن سليمان بن
عبد الملك هَمَّ بنقض ما فعله الحجاج، ثم ترك ذلك لما ظهر له أنه فعله بأمر
أبيه عبد الملك، انتهى.
قلت: وتقدم كلام ابن عباس في بناء ابن الزبير، وفي ((البحر المحيط)):
ذكروا أن هارون الرشيد سأل مالك بن أنس عن هدمها وردّها إلى بناء ابن
الزبير للأحاديث في ذلك، فقال مالك: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا
تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد إلا نقضه وبناه، فتذهب هيبته من
صدور الناس، هكذا ذكر النووي، أن السائل لمالك هو هارون الرشيد، وقال
السهيلي: إن السائل له أبو جعفر المنصور، وقال الشافعي: أحبّ أن لا تهدم
الكعبة، وتبنى، لئلا تذهب حرمتها، انتهى.
((تنبيه ثالث)): قال الحافظ (٢): لم أقف في شيء من التواريخ على أن
أحداً من الخلفاء ولا من دونهم غيَّر شيئاً من الكعبة مما صنعه الحجاج إلى
الآن، إلّ في الميزاب والباب وعتبته، وكذا وقع الترميم في جدارها غير مرة،
وفي سقفها، وفي سُلّم سطحها، وجدّد فيها الرخام، فذكر الأزرقي عن ابن
جريج: أنّ أوّل من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك. ووقع في جدارها
(١) انظر ((التمهيد)) (٤٩/١ - ٥٠).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٤٨/٣).
٣٢٩

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
الشامي ترميم في شهور سنة سبعين ومائتين، ثم في شهور سنة اثنتين وأربعين
وخمسمائة، ثم في شهور سنة تسع عشرة وستمائة، ثم في سنة ثمانين وستمائة،
ثم في سنة أربع عشرة وثمانمائة، وقد ترادفت الأخبار الآن في وقتنا هذا في
سنة اثنتين وعشرين، أن جهة الميزاب فيها ما يحتاج إلى ترميم، وقد رمّم ما
تشعّث من الحرم في أثناء سنة خمس وعشرين إلى أن نقض سقفها في سنة سبع
وعشرين على يدي بعض الجند، فجدّد لها سقفاً ورخم السطح.
فلمّا كان في سنة ثلاث وأربعين صار المطر إذا نزل ينزل إلى داخل
الكعبة، أشدّ مما كان أولاً، فأدّاه رأيه الفاسد إلى نقض السقف مرة أخرى،
وسدّ ما كان في السطح من الطاقات التي كان يدخل منها الضوء إلى الكعبة،
ومما يتعجّب منه، أنه لم يتفق الاحتياج في الكعبة إلى الإصلاح، إلا فيما
صنعه الحجاج، إمّا من الجدار الذي بناه في الجهة الشامية، وإما في السلّم
الذي جدّده للسطح والعتبة، وما عدا ذلك مما وقع، فإنما هو لزيادة محضة
كالرخام أو تحسين كالباب والميزاب.
وكذا ما حكاه الفاكهي عن الحسن بن مكرم عن عبد الله بن بكر السهمي
عن أبيه قال: جاورت بمكة، فعابت - بالعين المهملة وبالباء الموحدة -
أسطوانة من أساطين البيت، فأخرجت، وجيء بأخرى ليدخلوها مكانها فطالت
عن الموضع، وأدركهم الليل، والكعبة لا تفتح ليلاً، فتركوها ليعودوا من غدٍ
ليصلحوها، فجاؤوا من غد، فأصابوها أقدم من قدح - بالكسر أي السهم -
وهذا إسناد قوي رجاله ثقات، وبكر هو ابن حبيب من كبار أتباع التابعين،
وكانت القصة في أوائل دولة بني العباس، وكانت الأسطوانة من خشب،
انتھی .
وقال إبراهيم رفعت باشا في ((الرحلات الحجازية)) الموسومة ((بمرآة
الحرمين)): ومما جدّ في الكعبة بعد بناء ابن الزبير والحجاج، أن الوليد بن
٣٣٠

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
عبد الملك أرسل من الشام الرخام الأحمر والأخضر والأبيض، ففرشت به
وأزرت جدرها من الداخل، وقد انفتح الجدار الشمالي الذي أقامه الحجاج من
بقية البناء، وكان الفتح مقدار نصف أصبع، فرمّم ذلك بالجصّ الأبيض، وبعد
سنة ٢٠٠ هـ رفعت الفسيفساء التي كان معمولاً بها سطح الكعبة، لأنها ما كانت
تمنع مياه المطر أن تتسرّب إلى الداخل، ووضع مكانها المرمر المطبوخ، وشيّد
بالجص، وفي زمن المتوكل العباسي سنة ٢٤١هـ قلعت العتبة السفلى لباب
الكعبة، وكانت قطعتين من خشب الساج دثرتا من طول الزمان، وأبدل بها
قطعة من خشب الساج ألبست صفائح الفضة .
وكذلك جدّد المتوكّل رخام الكعبة، وأزرها بالفضة، وألبس سائر
حيطانها وسقفها الذهب، وفي سنة ٥٤٢هـ سقفها والمدرج الذي في بطنها،
وكذلك أصلح رخامها حوالي سنة ٥٥٠هـ، وكانت هذه العمارة من قبل جمال
الدين المعروف بالجواد وزير صاحب الموصل، وفي سنة ٥٥٩هـ تضعضع
الركن اليماني من زلزلة حدثت، وأصلح، وعمّرها المستنصر العباسي سنة
٦٢٩هـ، وجدّد رخامها الملك المظفر صاحب اليمن في سنة ٦٨٠هـ.
وفي رمضان سنة ٨١٤ أصلح بعض سقفها وروازنها(١) وعتبتها، وكان
ذلك عقب مطر عظيم كان من أجله يتدفّق من باب الكعبة إلى المطاف، كأفواه
القرب، وقد عملت إصلاحات جزئية في الروازن والسقف والرخام والأخشاب
التي يركب فيها حلق الحديد الذي تربط به الكسوة في سنتي ٨٢٥هـ و٨٢٦هـ،
وكان ذلك بأمر الملك الأشرف برسبائ صاحب الديار المصرية والشامية
والحرمين، ورمّمت الكعبة في سنة ٩٥٩هـ زمن السلطان سليمان، انتهى. ثم
ذكر ترميمي السلطان أحمد والسلطان مراد الآتي بيانهما قريباً .
(١) قوله: روازن، واحد روزن معناه: الخرق فى أعلى السقف.
٣٣١

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
(تكميل)): ذكر متأخروا المؤرخين بعض أبنية أخر حادثة بعد البناء
العاشر، ففي ((إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين)): قال ابن علان: وقد
سقط من بناء ابن الزبير ما بناه الحجاج الجدار الشامي، وجانب من الشرقي
والغربي، فسدّ محله بأخشاب من صبيحة سقوطه، لعشرين من شعبان سنة تسع
وثلاثين وألف إلى أوائل جمادى من السنة بعده، وقد أفردت لذلك مؤلفاً
واسعاً، ثم لخّصته، فبالنظر لما ذكر من السدِّ، وهو من صاحب مكة الشريف
مسعود بن إدريس، ثم من العمارة وهي من جانب السلطان مراد خان بن
السلطان أحمد خان تكون أبنية الكعبة اثنتي عشرة، وقد نظمت ذلك، فقلت:
فشيث فإبراهيم ثم العمالقة
بنى الكعبة الأملاك آدم بعده
هو ابن زبير فادر هذا وحققه
وجرهم قصيٌّ مع قريش وتلوهم
شريف بلاد اللَّه بالنور أشرقه
وحجاج تلو ثم مسعود بعده
مراد بن عثمان فشَيَّدَ رونقه
ومن بعد ذا حقاً بنى البيت كله
قلت: أمّا بناء الشريف مسعود، فليس ممّا ينبغي أن يُعَدَّ بناء، بل مجرّد
ترميم وإصلاح عارضي، نعم لا بُعد أن يُعَدَّ محله بناء السلطان أحمد،
وباعتباره تصير الأبنية اثنتي عشرة.
الحادي عشر: بناء السلطان أحمد، قال إبراهيم رفعت باشا المصري في
((الرحلات الحجازية)) المسماة ((بمرآة الحرمين)): وفي زمن السلطان أحمد ((سنة
١٠١٢ هـ - سنة ١٠٢٢))(١) حدث بعض التصدّع في جداري الكعبة الشرقي
والغربي، وكذلك في جدر الحجر، فأراد هدم البيت، فمنعه من ذلك علماء
الروم، وأشاروا إليه بعمل نطاق يلُمُّ التشعّبَ، فعمل نطاقين من نحاس أصفر،
غلف بالذهب، وكتب في بعضه بالرسم ((لا إله إلاّ الله محمد رسول الله))، وفي
بعض آخر: ((لا إله إلاّ الله محمد حبيب الله))، إلى غير ذلك من الكلمات
(١) كذا في الأصل، اهـ، ((ز)).
٣٣٢

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
الجليلة والآيات الشريفة، مثل قوله: ((حسبنا الله ونعم الوكيل))، وقد ركب
النطاق السفلي على الكعبة في ليلة السبت ١٢ محرم سنة ١٠٢٢هـ، ووضعت له
أعمدة ثبت أسفلها بالرصاص في الشاذروان(١)، وفي ليلة الأحد شرعوا في
وضع النطاق العلوي، حتى أتمّوه، انتهى.
وفي ((الرحلة الحجازية)) لمحمد لبيب البتنوني: فالكعبة الآن على بناء ابن
الزبير من جوانبها الشرقي والجنوبي، والغربي ببناء الحجاج من جانبها
الشمالي، ولم يطرأ عليها بعد ذلك، إلا العمارة التي تغيّر فيها سقفها في زمن
السلطان سليمان سنة ٩٦٠هـ، ثم العمارة الترميمية التي حصلت في زمن
السلطان أحمد سنة ١٠٢١ هـ، وتاريخها محفور في قطعة من الرخام مثبتة في
الشاذروان على يمين المعجن.
وهذا نصه: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْءَامَنَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَانَى الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللَّهُ فَعَسَى أُوْلَكَ أَنْ
يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٣)﴾، أمر بعمارة سقف البيت الشريف، وبتجديد ميزاب
الرحمة وتقوية جدار بيت الله الحرام السلطان أحمد في شهر محرم سنة
١٠٢١ هـ، انتهى.
قلت: وأحمد هذا هو السلطان أحمد الأول بن محمد الثالث بن مراد،
والثالث توفي في سنة ١٠٢٩ هـ، سنة تسع وعشرين بعد ألف في عمر خمس
وعشرين سنة، وكانت مدة ولايته ثنتي عشرة سنة، كما في ((تاريخ آل عثمان))،
لمحمد إنشاء الله الهندي.
الثاني عشر: بناء السلطان مراد الرابع، ففي ((مرآة الحرمين)): وفي سنة
(١) هو القدر الذي تُرك من عرض الأساس خارجاً عن عرض الجدار، مرتفعاً عن وجه
الأرض قدر ثلثي ذراع، أي هو الجدار القصير المسنم من الركنين الغربي واليماني،
تركته قريش لضيق النفقة، وهو جزء من البيت .
٣٣٣

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
١٠٣٩ هـ نزلت أمطار كثيرة غمّت مكة وحاراتها، وعلت المياه عن قفل باب
الكعبة بذراعين، حتى إذا ما مضى يومان، انهدمت دفعة واحدة ما عدا الجهة
اليمانية، فجرّدها السلطان مراد خان الرابع سنة ١٠٤٠هـ، وقد بذل في سبيل
ذلك المال الكثير، انتهى.
وفي ((الرحلة الحجازية)) بعد ذكر العمارة الترميمية زمن السلطان أحمد:
ثم أعقبها العمارة التي قام بها السلطان مراد الرابع على إثر السيل الهائل الذي
حصل في سنة ١٠٣٩هـ، ووصل ارتفاعه إلى مترين فوق أرضيتها، فهدم من
حوائطها الشمالي والغربي والشرقي، أمّا ما عمر فيها بعد ذلك، فشيء لا
یذکر، انتھی .
قلت: ومراد الرابع، هذا هو السلطان مراد بن السلطان أحمد المذكور
قبل، توفي في سنة تسع وأربعين سنة ١٠٤٩ هـ في عمر ثمان وعشرين سنة،
وكانت مدة ولايته سبع عشرة، وفاز بالمملكة في عمر إحدى عشرة سنة، كذا
في التاريخ المذكور.
((ترميم)): قال السيد البكري في ((إعانة الطالبين)) بعد ما ذكر الأبنية الثنتي
عشرة المذكورة قبل: قد حدث ترميم في باطن الكعبة المعظمة في شهر ربيع
الأخير، سنة ألف ومائتين وتسع وتسعين في مدة سلطنة مولانا السلطان الغازي
عبد الحميد الثاني بن السلطان عبد المجيد بن محمود بن عبد الحميد
الأول(١)، وقد أرّخ العمارة المذكورة شيخ الإسلام مولانا السيد أحمد بن زيني
دحلان في بيت واحد، وجعل قبله بيتين للدخول على بيت التاريخ، فقال:
ومن ذا الذي بالحصر يقوي يُعَدِّدُ
لسلطاننا عبد الحميد محاسن
وتاريخه بيت فريد يحدد
وقد حاز تعميراً لباطن قبلة
(١) وفي سنة ١٤١٧ هـ أمر الملك فهد بن عبد العزيز - حفظه الله تعالى - بترميم شامل للكعبة
المشرفة. انظر: ((تاريخ مكة المكرمة قديماً وحديثاً)) للدكتور محمد إلياس عبد الغني.
٣٣٤

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
(٧٩٦) حدیث
٧٩٦ / ١٠٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ أَبْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْن أَبِي بَكْرِ الصِّدِّق،
أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَلَ قَالَ: ((أَلَمْ تَرَي أَنَّ
قَوْمَكِ حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ، أَقْتَصَرُوا عَنْ
وسلطاننا عبد الحميد المجدد
بناء بدا زهواً لداخل كعبة
٢٠٧، ١٦٩، ٨٢ = سنة ١٢٩٩ هـ
٥٣، ٧، ١٩، ٦٦٥، ٩٧
١٠٤/٧٩٦ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله) بن
عمر - رضي الله عنهما - (أن عبد الله بن محمد بن) أمير المؤمنين (أبي بكر
الصديق) أخو القاسم، ثقة روى له الشيخان وغيرهما حديثاً في قصة بناء
الكعبة، قتل في الحرّة سنة ٦٣ هـ (أخبر عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما، قال
الحافظ(١): بنصب عبد الله على المفعولية، وظاهره أن سالماً كان حاضراً،
لذلك فيكون من روايته عن عبد الله بن محمد، وقد صرّح بذلك أبو أُويس عن
ابن شهاب، لكن سمّاه عبد الرحمن بن محمد، فوهم، أخرجه أحمد، وأغرب
إبراهيم بن طهمان، فرواه عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة،
أخرجه الدارقطني في ((غرائب مالك))، والمحفوظ الأول.
وقد رواه معمر عن ابن شهاب عن سالم، لكنه اختصره، وأخرجه مسلم
من طريق نافع عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر عن عائشة، فتابع سالماً،
وزاد في المتن: ((ولأنفقت كنز الكعبة))، ولم أرَ هذه الزيادة إلاّ من هذا الوجه،
ومن طريق أخرى أخرجها أبو عوانة من طريق القاسم بن محمد عن عبد الله بن
الزبير عن عائشة، انتهى.
(عن عائشة) متعلق بأخبر أو رواية (أن النبيّ ( 8). قال) أي لعائشة كما في
رواية (ألم تري) بفتحتين وسكون الياء مجزوم بحذف النون، أي ألم تعرفي (أن
قومك) أي قريشاً (حين بنوا الكعبة) قبل المبعث بخمس سنين (اقتصروا عن)
(١) ((فتح الباري)) (٤٤٠/٣).
٣٣٥

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
(٧٩٦) حدیث
قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟)) قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى
قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بَالْكُفْرِ
لَفَعَلْتُ))،
كذا في النسخ المصرية، وفي الهندية ((على)) (قواعد) جمع قاعدة، وهي
الأساس (إبراهيم) كما تقدم في بناء قريش مفصلاً .
وفي ((الصحيحين)): عن عائشة: سألت النبيّ ◌َّر عن الجدار أمن البيت
هو؟ قال: ((نعم))، قلت: فما لهم لم يُدخلوه في البيت؟ قال: ((إن قومك
قصرت بهم النفقة))، قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: ((فعل ذلك قومك
ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا)).
(قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا تردّها على قواعد إبراهيم؟ قال
رسول الله ◌َلي: لولا حدثان) بكسر الحاء، وسكون الدال المهملتين، وفتح
المثلثة مبتدأ خبره محذوف وجوباً، أي موجود يعني قرب عهد (قومك بالكفر
لفعلت) أي لرددتها على قواعد إبراهيم.
قال الباجي(١): يريد قرب العهد بالجاهلية، فربما أنكرت نفوسهم خراب
الكعبة، فيوسوس لهم الشيطان بذلك ما يقتضي إدخال الداخلة عليه في دينهم،
والنبيّ ◌َّ كان يريد استئلافهم، ويروم تثبيتهم على أمر الإسلام والدين، يخاف
أن تنفر قلوبهم بتخريب الكعبة، ورأى أن يترك ذلك، وأمر الناس باستيعاب
البيت أقرب إلى سلامة أحوال الناس وإصلاح أديانهم مع أن استيعابه بالبنيان،
لم يكن من الفروض، ولا من الأركان، وإنما يجب استيعابه بالطواف خاصة،
وهذا یمکن مع بقائه على حاله، انتهى.
قال القسطلاني(٢): وفيه دليل على ارتكاب أيسر الضررين دفعاً
(١) ((المنتقى)) (٢٨٢/٢).
(٢) ((إرشاد الساري)) (١٠٦/٤).
٣٣٦

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
(٧٩٦) حديث
قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هُذَا مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ فَ﴿، مَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ تَرَكَ اسْتِلَامَ
لأكبرهما؛ لأن قصور البيت أيسر من افتتان طائفة من المسلمين ورجوعهم عن
دینهم .
وقال الحافظ(١): وفيه من الفوائد غير ما تقدم ما ترجم عليه البخاري في
العلم، وهو ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر عنه فهم بعض الناس، والمراد
بالاختيار في كلامه المستحب، وفيه اجتناب ولي الأمر ما يتسرع الناس إلى
إنكاره، وما يخشى منه تولّد الضرر عليهم في دين أو دنيا، وتألف قلوبهم بما
لا يترك فيه أمر واجب، وفيه تقديم الأهم فالأهم، من دفع المفسدة وجلب
المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بدئ بدفع المفسدة، وحديث الرجل مع أهله في
الأمور العامة، انتهى.
(قال) عبد الله بن محمد (فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت
هذا من رسول الله (*) قال الحافظ تبعاً للقاضي عياض وغيره: ليس هذا شكاً
من ابن عمر - رضي الله عنهما - في صدق عائشة - رضي الله عنها -، ولا
تضعيفاً لحديثها، فإنها الحافظة المتقنة، لكنه جرى على ما يعتاد في كلام
العرب، فإنه يقع في كلامهم كثيراً صورة التشكيك، والمراد التقرير واليقين.
وقال الباجي(٢): يريد إن كان عبد الله بن محمد قد سلم من السهو
والخطأ فيما نقله عن عائشة، وكانت عائشة قد سمعت هذا من رسول الله عليه
(ما أرى) بضمّ الهمزة أي ما أظن (رسول الله ب ليل ترك) قال الباجي: هذا
يقتضي قصد تركهما وإلا، فلا يسمى تاركاً لعرف الاستعمال من أراد الشيء،
فمنعه منه مانع (استلام) افتعال من السلام، والمراد ههنا لمسهما بالقبلة أو
اليد، كذا في ((الفتح)).
(١) (فتح الباري)) (٤٤٨/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٨٢/٢).
٣٣٧

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
(٧٩٦) حديث
الرُّكْنَيْنِ، اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ، إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ.
أخرجه البخاري في: ٦٥ - كتاب التفسير، سورة البقرة ١٠ - باب قوله
تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِنْزَهِعُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ .
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٦٩ - باب نقض الكعبة وبنائها، حديث ٣٩٩.
(الركنين) أي العراقي والشامي (اللذين يليان الحجر) بكسر الحاء المهملة
وسكون الجيم أي يقربان منه، وهو معروف بالحطيم على صفة نص الدائرة،
وقدرها تسع وثلاثون ذراعاً، قاله الحافظ.
(إلا أن البيت) أي الكعبة (لم يتمم) بتشديد الميم بزنة المضارع المجهول
من التتميم، وفي نسخة ((لم يتم)) بزنة المجهول من المجرد، وفي أخرى: (لم
يتمم)) بفك الإدغام، كذا في ((المحلى))، والمعنى: أن البيت لم يكمل في
جانب الحطيم (على قواعد إبراهيم) والباقي في الحِجْر من البيت فوق ستة أذرع
ودون سبعة أذرع، كما حققه الحافظ.
وحكي عن الشافعي عن عددٍ لقيهم من أهل العلم من قريش، أنه ستة
أذرع وشبر. قال الحافظ (١): وزاد معمر في آخر الحديث: ((ولا طاف الناس
من وراء الحِجْر إلا لذلك)) ونحوه في رواية أبي أُويس، قال الأبي(٢): وهذا
الذي قاله ابن عمر - رضي الله عنهما - من فقهه، ومن تعليل العدم بالعدم،
علّل عدم الاستلام بعدم أنهما من البيت، وقال غيره في الحديث: عَلَمٌ من
أعلام النبوّة، فإنه ◌ّ أعلم عائشة - رضي الله عنها - بذلك، فكان الذي تولّى
نقضها وبناها ابن أختها عبد الله بن الزبير، ولم ينقل عنه أنه قال ذلك لغيرها،
وأوضح منه قوله وَلّ لها: فإن بدا لقومك أن يبنوه، فهلّمي لأريك ما تركوا
منه، الحديث، وسيأتي الكلام على استلام الأركان في بابه.
(١) ((فتح الباري)) (٤٤٣/٣).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤٢٢/٣).
٣٣٨

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
(٧٩٧) حديث
١٠٥/٧٩٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: مَا أُبَالِي أَصَلَّيْتُّ فِي الْحِجْرِ أَمْ
فِي الْبَيْتِ .
١٠٥/٧٩٧ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (أن
عائشة أم المؤمنين قالت: ما أبالي أصلّيت) بهمزة الاستفهام (في الحِجر) بكسر
الحاء وسكون الجيم (أم في البيت) أي المبنى الآن، وإلا فالحِجْر أيضاً من
البيت، قال الباجي(١): هذا يحتمل معنيين، أحدهما: وهو الأظهر أن يكون
تقرّر من رأيها منع الصلاة في البيت، فنقول: إن الصلاة في الحجر بمنزلتها في
المنع إمّا على وجه الكراهية، وإما على وجه عدم الصحة، ولو كانت مباحة في
البيت لما خصّت الحِجْرَ به؛ لأن ذلك حكم سائر المواضع، والوجه الثاني: أن
تكون قالت ذلك على سبيل إباحة الأمرين جواباً لمنكر ذلك في البيت،
فقالت: إن الصلاة في الحجر والبيت عندي سواء، انتهى.
قلت: ما ذكر الباجي من المعنى الأول مبنيّ على مختار المالكية في منع
الصلاة في البيت كما سيأتي، وتأويل للأثر إلى مختارهم، لكن الروايات تأبى
عن هذا التأويل، فإن صلاته ◌َّل# في جوف الكعبة مروية بطرق عديدة صحاح،
هذا وللترمذي وأبي داود والنسائي وأبي عوانة بطرق عن عائشة قالت: (كنت
أحبّ أن أصلي في البيت، فأخذ ◌َّ بيدي وأدخلني الحجر، وقال: صَلِّي فيه،
فإنما هو قطعة من البيت))، الحديث.
والظاهر عندي في غرض أمّ المؤمنين أن فضل الصلاة في البيت يحصل
من الصلاة في الحِجْر، قال العيني(٢): وفي ((المغني)): يستحب لمن حجّ أن
يدخل البيت، ويصلّي فيه ركعتين كما فعل النبيّ ◌َ﴾، وقال القسطلاني:
استحبّ الشافعي الصلاة فيها، وهو ظاهر في النفل، ويلحق به الفرض، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢٨٣/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٦٩/٣).
٣٣٩

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
(٧٩٨) حدیث
١٠٦/٧٩٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ
يَقُولُ: سَمِعْتُ بَعْضَ عُلَمَائِنَا يَقُولُ: مَا حُجِرَ الْحِجْرُ، فَطَافَ النَّاسُ
مِنْ وَرَائِهِ، إِلَّا إِرَادَةَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ النَّاسُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ كُلِّهِ.
وقال محمد في ((موطئه)) (١): الصلاة في الكعبة حسنة جميلة، وهو قول
أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى. ويحتمل أن يكون مرادها أن من نذر
الصلاة في الكعبة يكفي له أداؤها في الحجر، كما سيأتي عنها مرفوعاً في كلام
الموفق في الأثر الآتي.
ثم اختلف في جواز الصلاة في الكعبة، وحكى القسطلاني(٢) عن ابن
عباس: لا تصح الصلاة داخلها مطلقاً؛ لأنه يلزم من ذلك استدبار بعضها،
وقد ورد الأمر باستقبالها، فيحمل على استقبال جميعها، انتهى. والجمهور
على جوازها مع الخلاف بينهم في تخصيص ذلك بالنفل، أو تعميمه بالفرض
أيضاً، كما سيأتي في باب الصلاة في البيت.
١٠٦/٧٩٨ - (مالك، أنه سمع ابن شهاب) الزهري (يقول: سمعت بعض
علمائنا) كذا في جميع النسخ الهندية وبعض المصرية، وفي أكثرها: سمعت
بعض العلماء (يقول: ما حُجِر) بالتخفيف وبناء المجهول، أي ما منع وأحيط
(الحجر) بكسر الحاء وسكون الجيم، أي ما أُحيط الحطيم بالجدار (وطاف
الناس) بالواو في أوّله في النسخ الهندية، وفي المصرية بالفاء (من ورائه) أي
وراء الحجر والجدار المحيط (إلا إرادة) بالنصب أي لإرادة (أن يستوعب الناس
الطواف بالبيت كلّه) فلو لم يحجر لأوشك أن يمر به طائف، فلا يستوعب
البيت بالطواف، فإجماع الناس على تحجيره دليل على أن الاستيعاب لجميع
البيت لازم متفق عليه، فلو كان الطواف ببعض البيت مجزياً لما احتيج إلى
تحجيره .
(١) ((التعليق الممجد)) (٢٨٨/٢)، و((فتح الباري)) (٤٧٧/٣).
(٢) ((إرشاد الساري)) (١٣٨/٤).
٣٤٠