النص المفهرس

صفحات 301-320

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
وحكى صاحب ((مرآة الحرمين)) عن الأزرقي عن ابن إسحاق ذرع بناية
إبراهيم عليه السلام، فقال: كان في طوله في السماء ٩ أذرع، وجداره الشرقي
٣٢ ذراعاً، والشمالي ٢٢ ذراعاً، والغربي ٣١ ذراعاً، والجنوبي ٢٠ ذراعاً،
وکان بابه بالأرض، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع)) (١): أما سبب بناء الخليل - صلوات الله وسلامه عليه -
فعن مجاهد أن موضع البيت قد خفي، ودرس من الغرق أيام الطوفان، فصار
موضعه أكمةً حمراء مدرة لا تعلوها السيول، غير أن الناس يعلمون أن موضع
البيت فيما هناك ولا يُعَيّنونه، وكان المظلوم يأتيه من أقطار الأرض، ويدعو
عنده، فقلَّ من دعا هناك إلا استجيب له، وعن ابن عمر: أن الناس كانوا
يحجونه، ولا يعلمون مكانه، حتى بَوّأه الله لخليله إبراهيم، وأعلمه مكانه.
ويروى أنه لما بوّأه وأمره ببنائه أقبل من الشام، وسنّه يومئذ مائة سنة،
وسنّ ابنه إسماعيل ستة وثلاثون، وأرسل الله معه السكينة، لها رأس كرأس
الهرّة وجناحان، وفي رواية: كأنها غمامة، في وسطها من أعلى كهيئة الرأس
تتكلم، وكانت بمقدار البيت، فلما انتهى الخليل إلى مكة، وقفت في موضع
البيت ونادت: يا إبراهيم! ابنِ على مقدار ظلّي، لا تزد ولا تنقص.
وفي الرواية الأخرى: أنها تطوَّقت بالأساس، كأنها حية، ثم أن الخليل
لما انتهى في البناء إلى موضع الحجر الأسود، طلب من إسماعيل حجراً
يضعه؛ ليكون علماً على بدء الطواف، فجاءه جبرئيل - عليه السلام - بالحجر
الأسود من جبل أبي قبيس؛ لأنه تعالى استودعه إيّاه لما غرقت الأرض، وفي
رواية: أن الحجر بنفسه نادى الخليل من أبي قُبيس: ها أنا ذا، فرقي إليه،
فأخذه، فوضعه موضعه.
(١) (٤٢١/٢).
٣٠١

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
وقيل: إن الجبل نادى إبراهيم، فقال: لك عندي أمانة فخذها، وجعل
الخليل طول البيت في السماء تسعة أذرع بتقديم التاء، ولعلّه بمقدار ما بنى
وإلا فطوله الآن سبعة وعشرون ذراعاً. ويمكن أن تكون أذرع سيدنا إبراهيم -
عليه السلام - طويلة، وعرضه على أساس آدم من الركن الأسود إلى الركن
الشامي اثنان وثلاثون ذراعاً، ومن الشامي إلى الغربي اثنان وعشرون ذراعاً،
ومن الغربي إلى اليماني أحد وثلاثون ذراعاً، ومن اليماني إلى الأسود عشرون
ذراعاً، وجعل بابه بالأرض غير مبوّب لنا حتى كان تبع الحميري هو الذي
جعل له باباً وغلقاً فارسياً، انتهى.
قلت: وقد وردت الروايات في هيئة السكينة مختلفة، كما ذكرها صاحب
الخميس(١)، وكذا ذكر الأقوال المختلفة في مساحة جوانب البيت، وحكى
القول المذكور عن ((تشويق الساجد))، وقال: فلذلك سمّيت الكعبة؛ لأنها على
خلقة الكعب، قال: وفي ((الاكتفاء)): وإنما بناه بحجارة بعضها على بعض،
ولم يجعل له سقفاً، وجعل له باباً، وحفر بئراً عند بابه، خزانة للبيت يلقى فيها
ما أهدي للبيت، انتهى.
:
وفي ((الخازن)): قال ابن عباس: بنى إبراهيم البيت من خمسة أجبل من
طورسيناء، وطورزيتاء، ولبنان جبل بالشام، والجودي جبل بالجزيرة، وبنى
قواعده من حراء جبل بمكة، وقيل: إن الله تعالى أمَدَّ إبراهيم وإسماعيل بسبعة
أملاك يعينونهما في بناء البيت، انتهى. وفي ((الخميس)): يروى أن بين بنائه
وبين أن يبعث محمد وَّ ثلاثة آلاف سنة.
والخامس والسادس: بناء العمالقة، وجرهم، وجمعتهما في محل
لاختلافهم في أيّهما مقدم، والجمهور على تقديم بناء العمالقة، وبه جزم
(١) ((تاريخ الخميس)) (١١٩/١).
٣٠٢

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
النووي في ((مناسكه)) إذ قال: بنته العمالقة بعد إبراهيم، وبنته جرهم بعد
العمالقة، قال ابن حجر في ((شرحه)): قوله: بنته جرهم بعد العمالقة، هو ما
ذكره الأزرقي في ((التاريخ))، عن علي - رضي الله عنه -، وجزم به المحب
الطبري، لكن ذكر الفاكهي عن عليّ - رضي الله عنه - ما يصرح بتقديم بناء
جرهم على العمالقة، انتهى.
وفي ((الخميس)) (١) عن ((شفاء الغرام)): منها، بناء إبراهيم، ومنها، بناء
العماليق، ومنها، بناء جرهم، وتقدم في مبدأ البحث، الثالث بناء العمالقة،
والرابع بناء جرهم، وقال الزرقاني(٢): روى ابن أبي شيبة وابن راهويه وابن
جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن عليّ: أن بناء إبراهيم لبث ما شاء الله أن
يلبث، ثم انهدم، فبنته العمالقة ثم انهدم، فبنته جرهم، وهكذا ذكره السيوطي
في ((الدر))، فقال: وأخرج ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في ((مسنده))،
وعبد بن حميد، والحارث بن أبي أسامة، وابن جرير، وابن أبي حاتم،
والأزرقي، والحاكم وصححه، والبيهقي في ((الدلائل)) من طريق خالد بن
عرعرة عن عليّ - رضيّ الله عنه - أن رجلاً قال له: ألا تخبرني عن البيت؟
فذكر القصة مفصلة.
قال الحافظ (٣): روى إسحاق بن راهويه عن عليّ في قصة بناء إبراهيم
البيت قال: فمرّ عليه الدهر، فانهدم، فبنته العمالقة، فمرّ عليه الدهر، فانهدم،
فبنته جرهم. وحكى العيني(٤) عن كتاب الأزرقي قيل: إنه بني في أيام جرهم
مرّة أو مرّتين؛ لأن السيل كان قد صدع حائطه، وقيل: لم يكن بنياناً إنما كان
(١) ((تاريخ الخميس)) (١ /١١٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٨/٢).
(٣) (فتح الباري)) (١٤٦/٧) رقم الحديث (٣٨٣٠).
(٤) انظر: ((عمدة القاري)) (١٣٣/٧).
٣٠٣

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
إصلاحاً لما وهى منه، وجدار بني بينه وبين السيل، بناه عامر الجادر، انتهى.
وهكذا حكاه الأبي(١) عن السهيلي، وقال: إنما كان إصلاحاً لما وَهى،
وجداراً بني بينه وبين السيل، بناه عمرو بن الجارود، انتهى.
وقال القسطلاني (٢): ثم بناه العمالقة، ثم جرهم، رواه الفاكهي بسنده
عن علي، وذكر المسعودي أن الذي بناه من جرهم، هو الحارث بن مضاض
الأصغر، انتهى. وهكذا في ((الجمل))، وبه جزم العيني، ولم يذكرهما معاً فيما
حكى عن الشيخ قطب الدين. وقال الرازي في ((التفسير الكبير)): أوّل من بناه
إبراهيم، ثم بناه قوم من العرب من جرهم، ثم هدم فبناه العمالقة، وهم ملوك
من أولاد عمليق بن سام بن نوح، ثم هدم فبناه قريش.
وقال الطبري في ((تاريخه)): كان إبراهيم خليل الرحمن وابنه إسماعيل
يَلِيان البيت، ومكّة يومئذ بلاقع، ومن حول مكة يومئذ جرهم والعماليق، فنكح
إسماعيل امرأة من جرهم، فولي البيت بعد إبراهيم إسماعيل، وبعده نبت وأمّه
الجرهمية، ثم مات نبت، ولم يكثر ولد إسماعيل، فغلبت جرهم على ولاية
البيت، فكان أوّل من ولي البيت من جرهم مضاض، ثم وليته بعده بنوه كابراً
عن كابر، حتى بغت جرهم بمكّة، واستحلُّوا حرمتَها، وأكلوا مال الكعبة الذي
يهدى إليها، حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكاناً يزني فيه، يدخل الكعبة
فزنى، فبعث الله على جرهم الرعاف والنمل، فأفناهم وأجلوا من بقي، إلى
آخر ما بسطه.
وبسط صاحب ((البحر العميق)) في أحوال جرهم والعماليق وولايتهم
بمكّة، وقال النووي في ((مناسكه)): كانت الكعبة بعد إبراهيم عليه السلام مع
(١) ((إكمال الإكمال)) (٤٢٨/٣).
(٢) ((إرشاد الساري)) (٤/ ١٠٣).
٣٠٤

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
العمالقة، وجرهم إلى أن انقرضوا، وخلفتهم فيها قريش بعد استيلائهم على
الحرم لكثرتهم بعد القلّة، وعزّهم بعد الذلّة، انتهى.
السابع: بناء قصي، خامس جد للنبيّ بَّر، كذا في ((الجمل)). وقال
القسطلاني: ثم بناء قصي بن كلاب، كما ذكره الزبير بن بكّار، زاد الزرقاني:
وبه جزم الماوردي، وكان اسم قصي زيداً، لُقِّبَ به؛ لأن أباه كلاب بن مرّة
لما مات تزوّجت أمه بربيعة بن حرام القضاعي، فاحتملها إلى بلاده في أرض
بني عذرة من أشراف الشام، فاحتملت معها زيداً، فلقب بقصي لبعده عن
داره، كما بسطه الطبري في ((تاريخه))(١)، قال: وهو ابن كلاب بن مرة بن
كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي.
فلما رجع قصي إلى مكّة خطب إلى حليل بن حبشية الخزاعي بنته حيي
بنت حليل، فعرف حليل النسب فزوّجه، وحليل كان يومئذ يلي الكعبة وأمر
مكة، فلما ثقل جعل ولاية البيت إلى بنته حيي، فقالت: قد علمت أني لا أقدر
على فتح الباب وإغلاقه، قال: فإني أجعل الفتح والإغلاق إلى رجل يقوم لك،
فجعله إلى أبي غبشان، وهو سليم بن عمرو بن بوي بن ملكان، فاشترى قصي
ولاية البيت منه بزقّ خمر وبعود، فلما رأت خزاعة ذلك حاربوا مع قصي،
فغلب عليهم، وأجلاهم عن مكّة، فولي قصي البيت وأمر مكة، انتهى
مختصراً .
(تنبيه)): قال صاحب ((الخميس))(٢): وجدت بخط عبد الله بن عبد الملك
المرجاني: أن عبد المطلب جد النبيّ وَلّ بنى الكعبة بعد قصي، وقبل بناء
قريش، ولم أرَ ذلك لغيره، وأخشى أن يكون ذلك وهماً، انتهى.
(١) انظر ((تاريخ الطبري)) (٥٠٣/١).
(٢) (١١٧/١).
٣٠٥

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
قلت: هذا هو الظاهر، فإن عامّة من ذكر أبنية الكعبة لم يذكر هذا البناء،
ولعلّه توهم بمن ذكر بناء جدّه وَّر، وكان جداً خامساً وهو القصي، والظاهر
أنه عَدَّ بعض الترميم بناء، فقد ذكر أهل السير، واللفظ للطبري في ذكر
عبد المطلب: هو الذي كشف عن زمزم بئر إسماعيل بن إبراهيم، واستخرج ما
كان فيها مدفوناً، وذلك غزالان من ذهب، كانت جرهم دفنتهما حين أخرجت
من مكّة، وأسياف قلعية وأدراع، فجعل الأسياف باباً للكعبة، وضرب في
الباب الغزالين صفائح من ذهب، فكان أَوّل ذهب حُلِّيَتْه - فيما قيل - الكعبة،
انتھی .
الثامن: بناء قريش، وحضره النبيّ وَّ وهو ابن خمس وثلاثين سنة، كذا
في (الجمل))، وفي ((مرآة الحرمين)): حضرها رسول الله وَّل وهو ابن خمس
وثلاثين سنة، كما جزم به ابن إسحاق وغير واحد من العلماء، وقيل: ابن
خمس وعشرين سنة، كما جزم به موسى بن عقبة في ((مغازيه))، وابن جماعة
في ((منسكه))، انتهى. وفي ((مناسك النووي)): كان ◌َّ إذ ذاك ابن خمس
وعشرين سنة، وقيل: ابن خمس وثلاثين سنة، انتهى.
قال القسطلاني(١): ثم بناء قريش، وحضره النبيّ وَّل، وجعلوا ارتفاعها
ثمانية عشر ذراعاً، وقيل: عشرين، ونقصوا من طولها وعرضها لضيق النفقة
بهم، قال الطبري في ((تاريخه))(٢) بعد ما حكى الاختلاف في تزويجه {10.
بخديجة - رضي الله عنها -: وبعد السنة التي نكحها فيها رسول الله وَله
هدمت قريش الكعبة بعشر سنين ثم بنتها، وذلك في قول ابن إسحاق في سنة
وستِلة
خمس وثلاثين من مولده
(١) ((إرشاد الساري)) (١٠٣/٤).
(٢) (تاريخ الطبري)) (٥٢٥/١).
٣٠٦

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
وكانت سبب هدمهم إياها فيما حدّثنا ابن حميد نا سلمة عن ابن إسحاق: أن
الكعبة كانت رضمة فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفراً من قريش
وغيرهم سرقوا كنز الكعبة، وكان في بئر في جوف الكعبة، وكان البحر قد رمى
بسفينة إلى جُدَّة لرجل من تجار الروم فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدّوه لسقفها،
وكان بمكّة رجل قبطي نجّار، فتهيّأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية
تخرج من بئر الكعبة التي يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم، فتشرف على جدار
الكعبة، فكانوا يهابونها، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألَّتْ(١) وكشّت
وفتحت فاها، فبينا هي يوماً تشرف على جدارها كما كانت تصنع، بعث الله عليها
طائراً فاختطفها، فذهب بها، فقالت قريش: إنّا لنرجو أن يكون الله عزّ وجلّ قد
رضي ما أردنا. عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وكفانا الله الحيّة.
فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن
عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حجراً، فوثب من يده حتى رجع إلى
موضعه، فقال: يا معشر قريش! لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيّباً، ولا
تدخلوا فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس، قال: والناس
ينحلون هذا الكلام لوليد بن المغيرة، وأبو وهب خال أبي رسول الله وَليه،
وكان شريفاً .
قلت: ولا مانع من أنّهما قالا ذلك، ثم قال الطبري(٢): قال ابن
إسحاق: ثم إن قريشاً تجزأت الكعبة، فكان شِقّ الباب لبني عبد مناف وزهرة،
وكان ما بين الركنين الأسود واليماني لبني مخزوم وتيم، وقبائل من قريش
ضُمّوا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جُمَح وبني سهم، وكان شق الحطيم لبني
عبد الدار بن قصي وبني أسد وبني عدي.
(١) احز ألّت: انضمت خوفاً، وقوله كشَّت: صوتت لاحتكاك بعض جلدها ببعض.
(٢) (تاريخ الطبري)) (٥٢٥/١).
٣٠٧

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن مغيرة: أنا أبدأكم
في هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها وهو يقول: اللّهمّ لم تُرَعْ (١) اللّهمّ لا
نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين، فتربّص الناس به تلك الليلة،
وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئاً، ورددناها كما كانت، وإن لم
يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا، فأصبح الوليد غادياً على عمله، فهدم
والناس معه حتى انتهى الهدم إلى الأساس، فأفضوا إلى حجارة خضر، كأنها
أسنّة آخذ بعضها ببعض.
وحكى ابن إسحاق عن بعض من يروي الحديث: أن رجلاً من قريش
ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك
الحجر انتقضت مكّة بأسرها، فانتهوا عند ذلك الأساس.
وفي ((البحر المحيط)): فأبصروا حجارة كأنها الإبل المحلف، ولا يطيق
الحجر منها ثلاثون رجلاً، يحرك الحجر منها، فترتجّ جوانبها قد تَشَبَّك بعضُها
ببعض، فأدخل الوليد بن المغيرة عتلة بين حجرين، فانفلقت منه فلقة، فأخذها
أبو وهب بن عمرو، فتردّت من يده، ثم عادت في مكانها، وطارت برقة كادت
أن تخطف بأبصارهم، ورجفت مكة بأسرها، فلما رأوا ذلك أمسكوا عن أن
ينظروا إلى ما تحت ذلك، فلما جمعوا ما أخرجوا من النفقة، قلَّت عن أن تبلغ
لهم عمارة البيت كلّه، فتشاوروا في ذلك، وأجمع رأيهم على أن يقصروا عن
القواعد، ويحجروا ما يقدرون عليه، ويتركوا بقيّته عليه جدار مدار يطوف
الناس من ورائه، إلخ.
قال الطبري: ثم إن القبائل جمعت الحجارة لبنائها، جعلت كل قبيلة
تجمع على حدتها، ثم بنوا حتى إذا بلغ البنيان موضع الركن اختصموا فيه،
(١) قولهم: ((اللَّهم لم تُرَعْ)) قال السهيلي: وهي كلمة تقال عند تسكين الرَّوع، والتأنيس،
وإظهار اللين والبر في القول، ((الروض الأنف)) (٢٧٩/٢).
٣٠٨

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
وفي ((البحر العميق)): قالت بنو عبد مناف وزهرة: هو في الشقّ الذي وقع لنا،
وقالت تيم ومخزوم: هو في الشق الذي وقع لنا، وقالت سائر القبائل: لم يكن
الركن مما استهمنا عليه.
وقال الطبري: كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى؛ حتى
تحاوزوا وتحالفوا وتواعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً، ثم
تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في
الجفنة، فمكثت قريش أربع ليال أو خمس ليال على ذلك، ثم إنهم اجتمعوا
في المسجد، فتشاوروا وتناصفوا.
فزعم بعض الرواة أن أبا أمية بن المغيرة كان عامئذ أسنّ قريش كلها،
قال: يا معشر قريش! اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوّل من يدخل باب
المسجد يقضي فيكم، فكان أوّل من دخل عليهم رسول الله ﴿ ل18، فلما رأوه
قالوا: هذا الأمين قد رضينا به، هذا محمّد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه
الخبر، قال: هلمّ لي ثوباً، فأُتِي به، فأخذ الركن، فوضعه بيده، ثم قال:
لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً ففعلوا، حتى إذا بلغوا به
موضعه وضعه بيده، ثم بني عليه، وكانت قريش تسمّي رسول الله وَ له قبل أن
ينزل عليه الوحي ((الأمين))، قال أبو جعفر: وكان بناء قريش الكعبة بعد الفجار
بخمس عشرة سنة، وكان بين عام الفيل وعام الفجار عشرون سنة، انتهى
مختصراً(١).
وفي ((البحر العميق)): كانت الكعبة قبل أن تبنيها قريش رضماً يابساً ليس
بمدر تنزوه العناق، وكان بابها بالأرض، ولم يكن لها سقف، وإنما تدلى
الكسوة على الجدر من خارج، وتربط من أعلى الجدار من بطنها، وكان في
(١) انظر: ((تاريخ الطبري)) (٥٢٦/١).
٣٠٩

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
.-.
بطن الكعبة جُبُّ كهيئة الخزانة، وكان عليه حية تحرسه، بعثها الله منذ زمن
جرهم، وذلك أنه عدا على ذلك الجبّ قوم من جرهم، فرّقوا مالها مرّة بعد
مرة، فبعث الله تلك الحية، فحرست الكعبة وما فيها خمسمائة سنة، ولم تزل
كذلك حتى بنت قريش الكعبة .
وسببه أن امرأة تجمرت، فطارت من مجمرتها شررة، فاحترقت كسوتها،
فلما احترقت توهنت جدرانها من كل جانب، وكانت السيول متواترة، فجاء
سيل عظيم، وهي على تلك الحال، فدخل الكعبة، وصدع جدرانها، ففزعت
من ذلك قريش فزعاً شديداً، فبينا هم على ذلك يتشاورون إذ أقبلت سفينة
للروم، حتى إذا كانت بالشُّعَيْبَة وهي يومئذ ساحل مكة قبل جُدّة انكسرت،
فسمعت قريش فركبوا إليها واشتروا خشبها، إلى آخر ما بسط القصة.
وقد أخرج البخاري في ((صحيحه))(١) عن جابر - رضي الله عنه -: لما
بنيت الكعبة ذهب النبيّ و9َّ وعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبيّ وَّى:
اجعل إزارك على رقبتك، فَخَرَّ إلى الأرض، فطمحت عيناه إلى السماء، فقال:
أرني إزاري، فشدّه عليه، قال الحافظ (٢): هذا من مرسل الصحابي؛ لأن جابراً
لم يدرك هذه القصة، فيحتمل أن يكون سمعها من النبيّ وَّر أو ممن حضرها.
وقد روى الطبراني وأبو نعيم في ((الدلائل)) من طريق ابن لهيعة عن أبي
الزبير قال: سألت جابراً هل يقوم الرجل عرياناً؟ قال: أخبرني النبيّ وَّ أنّه
لما انهدمت الكعبة، نقل كل بطن من قريش، وأن النبيّ وَ ل نقل مع العباس،
وكانوا يضعون ثيابهم على العواتق، يتقوّون بها، أي على حمل الحجارة، فقال
النبيّ وَّ: فاعتقلت رجلي، فخررت، وسقط ثوبي، فقلت للعباس: هلمّ ثوبي،
(١) ((صحيح البخاري)) رقم الحديث (١٥٨٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٤١/٣).
٣١٠

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
فلست أتعرّى بعدها إلا إلى الغسل، لكن ابن لهيعة ضعيف، وقد تابعه
عبد العزيز بن سليمان عن أبي الزبير، ذكره أبو نعيم. فإن كان محفوظاً، وإلا
فقد حضره من الصحابة العباس، كما في حديث الباب، فلعلّ جابراً حمله
عنه .
وروى الطبراني والبيهقي في ((الدلائل)) في ((التهذيب)) وأبو نعيم في
(المعرفة)) و((الدلائل)) عن ابن عباس، حدّثني العباس بن عبد المطلب قال: لما
بنت قريش انفردت رجلين رجلين ينقلون الحجارة، فكنت أنا وابن أخي،
فجعلنا نأخذ أزرنا، فنضعها على مناكبنا، ونجعل عليها الحجارة، فإذا دنونا
من الناس لبسنا أزرنا، فبينما هو أمامي إذ صرع، الحديث. وروى أبو نعيم
أيضاً من طريق النضر أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس، ليس فيه العباس،
وقال في آخره: فكان أوّل شيء رأى من النبوّة، والنضر ضعيف، وقد خبط في
إسناده وفي متنه، فإنه جعل القصّة في معالجة زمزم بأمر أبي طالب وهو غلام.
وكذا روى ابن إسحاق في ((السيرة)) عن أبيه عمّن حدّثه عن النبيّ وَّل
قال: إنّي لمع غلمان هم أسناني، قد جعلنا أزرنا على أعناقنا لحجارة ننقلها،
إذ لكمني لاكمٍّ لكمة شديدة، ثم قال: اشدد عليك إزارك. فكأنّ هذه قصة
أخرى، واغترّ بذلك الأزرقي، فحكى قولاً: أن النبيّ وَسير لما بنيت الكعبة كان
غلاماً، ولعلّ عمدته في ذلك ما سيأتي عن معمر عن الزهري، ولحديث معمر
شاهد من حديث أبي الطفيل، أخرجه عبد الرزاق.
ومن طريق الحاكم والطبراني قال: كانت الكعبة في الجاهلية مبنية
بالرضم ليس فيها مدر، وكانت قدر ما يقتحمها العناق، وكانت ثيابها توضع
· فأقبلت سفينة
عليها تسدل سدلاً، وكانت ذات ركنين كهيئة هذه الحلقة
من الروم؛ حتى إذا كانوا قريباً من جدّة انكسرت، فخرجت قريش لتأخذ
خشبها، فوجدوا الرومي الذي فيها نجاراً، فقدموا به وبالخشب؛ ليبنوا به
٣١١

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
البيت، فكانوا كلما أرادوا القرب منه لهدمه، بدت لهم حية فاتحة فاها،
فبعث الله طيراً أعظم من النسر، فغرز مخالبه فيها، فألقاها نحو أجياد، فهدمت
قريش الكعبة وبنوها بحجارة الوادي، فرفعوها في السماء عشرين ذراعاً، فبينما
النبيّ وَّ يحمل الحجارة، الحديث.
وفيه: وكان بين ذلك وبين المبعث خمس سنين، قال معمر: وأمّا
الزهري فقال: لما بلغ رسول الله وَّ الحلم أجمرت امرأة الكعبة، فطارت
شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت، فتشاورت قريش في هدمها،
وهابوه، فقال الوليد: إن الله لا يهلك من يريد الإصلاح، فارتقى على ظاهر
البيت، ومعه العباس، فقال: اللّهمّ لا نريد إلا الإصلاح، ثم هدم، فلما رأوه
سالماً تابعوه، قال عبد الرزاق: وأخبرنا ابن جريج قال: قال مجاهد: كان
ذلك قبل المبعث بخمس عشرة سنة، وكذا رواه ابن عبد البر من طريق محمد بن
جبير بن مطعم بإسناد له، وبه جزم موسى بن عقبة في مغازيه، والأوّل أشهر،
وبه جزم ابن إسحاق.
ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الحريق تقدم وقته على الشروع في البناء،
وذكر ابن إسحاق أن السيل يأتي، فيصيب الكعبة، فيتساقط من بنائها، وكان
رضماً فوق القامة، فأرادت قريش رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفراً سرقوا كنز
الكعبة، فذكر القصة مطولة في بنائهم الكعبة. وفي اختلافهم فيمن يضع الحجر
الأسود، قال: وكانت الكعبة على عهد النبيّ وَّ ثمانية عشر ذراعاً.
ووقع عند الطبراني من طريق أخرى عن أبي الطفيل أن اسم النجار
المذكور ((باقوم))، وللفاكهي من طريق ابن جريج مثله، قال: وكان يتّجر إلى
بندر وراء ساحل عدن، فانكسرت سفينته بالشُّعَيْبَة، فقال لقريش: إن أجريتم
عيري مع عيركم إلى الشام أعطيتكم الخشب، ففعلوا .
وروى سفيان بن عيينة في ((جامعه)) عن عمرو بن دينار، أنه سمع عبيد بن
٣١٢

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
عمير يقول: اسم الذي بنى الكعبة لقريش ((باقوم))، وكان رومياً، وقال
الأزرقي: كان طولها سبعة وعشرين ذراعاً، فاقتصرت قريش منها على ثمانية
عشر، ونقصوا من عرضها أذرعاً أدخلوها في الحجر، انتهى مختصراً(١).
وجمع بين مختلف ما ورد في سبب البناء من السيل والسرقة والتحريق أن
تكون الثلاثة سبباً لها، وسيأتي الكلام على مدار الحجر في آخر الباب.
وقال صاحب ((مرآة الحرمين)) بعد ما حكى بناء قريش هذا: وكان ارتفاعه
من الخارج ثمانية عشر ذراعاً بزيادة تسعة أذرع على ارتفاعها في بناء الخليل،
واقتصّوا من عرضها أذرعاً جعلوها في الحجر لقصر النفقة الحلال، ورفعوا
بابها ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، وكبوها بالحجارة، وجعلوا في
داخلها ستة دعائم في صفين، في كل صف ثلاث من الشمال إلى الجنوب،
وجعلوا في ركنها العراقي سلّماً يصعد عليه إلى سطحها الذي جعلوا فيه ميزاباً
يصبّ في الحجر، انتهى.
وفي ((مناسك النووي)): كان باب الكعبة لاصقاً بالأرض في عهد إبراهيم
- عليه السلام - وفي عهد جرهم ومن بعدهم، إلى أن بنته قريش، فرفعت بابه
وجعلت له سقفاً، ولم يكن لها سقف، وزادت في ارتفاعها إلى السماء،
فجعلته ثمانية عشر ذراعاً، انتهى.
تنبيه: وكان من هوى النبيّ ◌َ﴿ أن يجدّد البيت على أساس إبراهيم - عليه
الصّلاة والسّلام -، لكن لم يتفق له كما في أوّل حديث الباب في ((الموطأ))،
وفي (الصحيحين)) (٢)، عن عائشة - رضي الله عنها -: ((سألت النبيّ وَّ عن
الجدار أمن البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما بالهم لم يُدْخِلُوه في البيت؟ قال:
(١). ((فتح الباري)) (٤٤١/٣ و٤٤٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٥٨٤)، ومسلم (١٣٣٣).
٣١٣

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
إن قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: فعل ذلك
ليُدْخِلُوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا))، زاد مسلم: ((فكان الرجل إذا أراد أن
يدخلها يدعونه يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخلها دفعوه فسقط))، ومعنى قوله:
((قصرت بهم النفقة)) أي الطيبة التي أخرجوها لبنائه، كما تقدم في محلّه.
وفي رواية للصحيحين: ((لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت
بالبيت، فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين:
باباً شرقياً، وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم))، قاله الزرقاني(١).
قلت: وأصرح منها رواية الحارث الآتية في بناء الحجاج، فهذه الروايات
والتي بمعناها باعثة لابن الزبير - رضي الله عنهما - في التغير الآتي في بنائه.
التاسع: بناء عبد الله بن الزبير، وسببه توهين الكعبة من حجارة المنجيق
التي أصابها حين حوصر ابن الزبير بمكّة في أوائل سنة أربع وستّين بمعاندة
يزيد بن معاوية، فهدمها بعد أن استخار الله تعالى واستشار، وكان يوم السبت
منتصف جُمادى الأخرى سنة أربع وستين، وبلغ بالهدم قامة ونصفاً؛ حتى
وصل قواعد إبراهيم، فوجدها كالإبل المسنّمة، وبعضها متّصل ببعض؛ حتى إن
من ضرب بالمعول طرف البناء تحرك طرفه الآخر، فبناها على قواعد إبراهيم،
وأدخل فيها ما أخرجته منها قريش من الحِجر بكسر الحاء، وجعل لها بابين
لاصقين بالأرض، أحدهما بابها الموجود الآن، والآخر المقابل المسدود،
وكان ابتداء البناء في جمادى الآخرة، وختمه في رجب سنة خمس وستين، ثم
ذبح مائة بدنة للفقراء وكساهم، كذا في ((الجمل)) و(القسطلاني)).
قال السيوطي في ((تاريخه))(٢): وكان ابن الزبير ممّن أبى البيعة ليزيد بن
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٠/٢).
(٢) ((تاريخ الخلفاء)) (ص٢٤٠).
٣١٤

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
معاوية، وفرّ إلى مكّة، ولم يدع إلى نفسه، ولكن لم يبايع، فوجد يزيد عليه
وجداً شديداً، فلما مات يزيد بويع له بالخلافة، وأطاعه أهل الحجاز واليمن،
وجدّد عمارة الكعبة، انتهى.
وفي ((البحر العميق)) عن ابن جريج قال: سمعت غير واحد ممّن حضر
ابن الزبير قالوا: لما أبطأ ابن الزبير عن بيعة يزيد، وتخلّف، وخشي منهم،
لحق بمكة ليمتنع بالحرم، وجمع مواليه، ويظهر عيب يزيد ويشتمه، ويذكر
شربه الخمر وغير ذلك، ويجتمع الناس عليه، فبلغ ذلك يزيد بن معاوية،
فأقسم لا يؤتى به إلا مغلولاً .
فأرسل إليه رجلاً من أهل الشام، فعظم على ابن الزبير الفتنة، وقال:
لأن يستحلّ الحرم بسببك، فإنه غير تاركك ولا تقوى عليه، وأقسم أن لا يؤتى
بك إلا مغلولاً، وقد عملت لك غلاً من فضة، وتلبس فوقه الثياب، ويبر قسم
أمير المؤمنين، فالصلح خير عاقبة، فقال: دعوني أياماً حتى أنظر في أمري،
وشاور أمّه أسماء بنت أبي بكر، فأبت عليه، وقالت: يا بُنيّ! عِشْ كريماً ومت
كريماً، ولا تمكّن بني أميّة من نفسك، فتلعب بك، فالموت أحسن من هذا،
فأبى أن يذهب إليه في غلّ، إلخ.
وقال صاحب ((الخميس))(١): وفي ((شفاء الغرام)) ولي مكّة عبد الله بن
الزبير، بعد أن لقي في ذلك عناءً شديداً، سببه، أن أهل المدينة لما طردوا
منها عامل يزيد عثمان بن محمد بن أبي سفيان وغيره من بني أمية إلا ولد
عثمان - رضي الله عنه -، بعث إليهم يزيد بن مسلم بن عقبة المري - ويسمى
مسرفاً بإسرافه في القتل بالمدينة - وبعث معه اثني عشر ألفاً، فيهم الحصين بن
نمير السكوني، وقيل: الكندي، ليكون على العسكر إن عرض لمسلم موت،
(١) (تاريخ الخميس)) (٣٠٢/٢).
٣١٥

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
فإنه كان عليلاً، وأمر مسرفاً إذا بلغ المدينة أن يدعو أهلها إلى طاعة يزيد
ثلاثاً، فإن أجابوه، وإلا قاتلهم ثلاثاً، فإذا ظهر عليهم أباحها ثلاثاً، ثم يكف
عن الناس، ويسير إلى مكة لقتال ابن الزبير.
وفي ((حياة الحيوان)): في سنة ستين دعا ابن الزبير إلى نفسه بمكّة،
وعاب يزيد بشرب الخمر واللعب والتهاون بالدين، وأظهر ثلمه ومنقصته، فبايع
ابن الزبير أهل تهامة والحجاز، فلما بلغ ذلك يزيد، ندب له الحصين بن نمير
السكوني وروح بن زنباع الجذامي، وضمّ إلى كل واحد جيشاً، واستعمل على
الجميع مسلم بن عقبة المري، وجعله أمير الأمراء، ولما ودعهم قال: يا
مسلم! لا تردن أهل الشام عن شيء يريدونه بعدوّهم، واجعل طريقك على
المدينة، فإن حاربوك فحاربهم، فإن ظفرت بهم فأبحها ثلاثاً، فسار مسلم،
حتى نزل حَرَّة واقم بظاهر المدينة، فخرج أهل المدينة وعسكروا بها، وأميرهم
عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، فدعاهم مسلم ثلاثاً، فلم يجيبوه، فقاتلوا،
فانهزموا، وقتل أمير المدينة ابن حنظلة الغسيل، وسبعمائة من المهاجرين
والأنصار.
وفي ((شفاء الغرام)): كانت الوقعة بحَرَّةِ واقم لثلاث بقين من ذي الحجة
سنة ثلاث وستين من الهجرة، ثم سار مسلم إلى مكّة لقتال ابن الزبير، ولما
كان بالمشلَّلِ مات، ودفن بثنية المشلّل، ثم نبش وصلب هناك، وكان يُرْمى كما
يُرْمى قبر أبي رغال، ومات مسلم بعد أن قدم على عسكره الحصين بن نمير،
فسار الحصين بالعسكر حتى بلغ مكة لأربع بقين من المحرم سنة أربع وستين،
وقد اجتمع على ابن الزبير أهل مكة والحجاز وغيرهم، وانضمّ إليه من انهزم
من أهل المدينة، وكان قد بلغه خبر أهل المدينة وما وقع لهم من مسلم،
فلحقه منه أمر عظيم، واستعدّ هو وأصحابه للقتال، وقاتلوا الحصين أياماً،
وتحصن ابن الزبير وأصحابه في المسجد حول الكعبة، وضرب أصحابه في
المسجد خياماً .
٣١٦
---- -

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
وفي ((الوفاء)): حاصر مكّة أربعاً وستين يوماً جرى فيها قتال شديد،
ودُقَّتِ الكعبة بالمجانيق يوم السبت ثالث ربيع الأول، وأخذ رجل قبساً في
رأس رمح، فطارت به الريح، فاحترق البيت.
وفي ((أسد الغابة)): في هذا الحصر احترقت الكعبة، واحترق فيها قرن
الكبش الذي فدي به إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وكان معلقاً في الكعبة، ودام
الحرب بينهم إلى أن فرج الله عن ابن الزبير وأصحابه بوصول نعي يزيد بن
معاوية، ومات يزيد في منتصف ربيع الأول سنة أربع وستين، وكان وصول نعيه
ليلة الثلاثاء لثلاث مضين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين، وبلغ نعيه ابن
الزبير قبل أن يبلغ الحصين، وبعث إلى الحصين من يعلمه بموت يزيد، ويحسن
له ترك القتال، ويعظم عليه أمر الحرم، وما أصاب الكعبة، فمال إلى ذلك،
وأدبر إلى الشام لخمس ليال خلون من ربيع الآخر سنة أربع وستين، بعد أن
اجتمع بابن الزبير.
وفي ((حياة الحيوان))(١): نصب الحصين المنجنيق على أبي قُبَيْس، ورمى
به الكعبة المعظمة، فبينا هم كذلك، إذ ورد الخبر على الحصين بموت يزيد،
فأرسل إلى ابن الزبير يسأله الموادعة، فأجابه إلى ذلك، وفتح الأبواب واختلط
العسكران يطوفان بالبيت، انتهى.
وأخرج البخاري(٢) في (صحيحه)) برواية يزيد بن رومان عن عروة عن
عائشة أن النبيّ وَل﴾ قال لها: «لولا أن قومك حديثُ عهدٍ بجاهلية لأمرت
بالبيت، فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين،
باباً شرقياً، وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم))، فذلك الذي حمل ابن الزبير
(١) انظر: ((تاريخ الخميس)) (٣٠٣/٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٥٨٦)، ((باب فضل مكة وبنيانها)).
٣١٧

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
على هدمه، قال يزيد: وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه الحجر،
وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل. قال الحافظ(١): هكذا ذكره
يزيد بن رومان مختصراً، وقد ذكره مسلم وغيره واضحاً.
فروى مسلم (٢) من طريق عطاء بن أبي رباح قال: لما احترق البيت زمن
يزيد بن معاوية حين غزاه أهل الشام، وللفاكهي في ((كتاب مكة)): عن يزيد بن
رومان وغيره قالوا: لما أحرق أهل الشام الكعبة، ورموها بالمنجيق وهت
الكعبة، ولابن سعد في ((الطبقات)) من طريق أبي الحارث بن زمعة، قال:
ارتحل الحصين لما أتاهم موت يزيد بن معاوية، قال: فأمر ابن الزبير
بالخصاص التي كانت حول الكعبة فهدمت، فإذا الكعبة تنفض أي تتحرك
متوهنة ترتجُّ من أعلاها إلى أسفلها، فيها أمثال جيوب النساء من حجارة
المنجيق .
وللفاكهي: وفي المسجد يومئذ خيام، فمشى الحريق حتى أخذ في
البيت، فظن الفريقان أنهم هالكون. وضعف بناء البيت حتى أن الطير ليقع عليه
فتتناثر حجارته، ولعبد الرزاق عن أبيه عن مرثد بن شرحبيل، أنه حضر ذلك
قال: كانت الكعبة قد وهت من حريق أهل الشام، فهدمها ابن الزبير، وتركه
حتى قدم الناس الموسم يريد أن يحزبهم على أهل الشام، فلما صدر الناس
قال: أشيروا عليّ في الكعبة، الحديث.
وفي ((البحر العميق)): لما أدبر جيش الحصين، وكان خروجه من مكة
لخمس ليال خلون من ربيع الآخر سنة أربع وستين، دعا ابن الزبير وجوه
الناس وأشرافهم، فشاورهم في هدم الكعبة، فأشار عليه ناس قليلون بهدمها،
(١) ((فتح الباري)) (٣٤٥/٣)، و((صحيح البخاري)) (١٥٨٦).
(٢) ((أخرجه مسلم رقم (١٣٨٣))) (٢/ ٩٧٠).
٣١٨

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
وأبى كثير منهم، وكان أشدّهم إباءً ابن عباس، قال له: دعها على ما أقرّها
رسول الله وقدر، فإني أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم وتبنى،
فيتهاون الناس بحرمتها ولكن ارقعها، فقال ابن الزبير: والله ما يرضى أحدكم
أن يرقع بيت أمّه وأبيه، فكيف أرقع بيت الله؟ انتهى.
قال الحافظ(١): ولابن سعد من طريق ابن أبي مليكة قال: لم يبنِ ابن
الزبير الكعبة حتى حجّ الناس سنة أربع وستين، ثم بناها حين استقبل سنة
خمس وستين، وحكي عن الواقدي أنه ردّ ذلك، وقال: الأثبت عندي أنه ابتدأ
بناءها بعد رحيل الجيش بسبعين يوماً، وجزم الأزرقي بأن ذلك كان في نصف
جمادى الأخرى سنة أربع وستين، قال الحافظ: ويمكن الجمع بين الروايتين
بأن يكون ابتداء البناء في ذلك الوقت، وامتدَّ أمده إلى الموسم، ليراه أهل
الآفاق ليشنع بذلك على بني أمية، ويؤيّده ما في بعض التواريخ أن الفراغ من
بناء الكعبة كان في سنة خمس وستين، وزاد المحب الطبري: أنه في شهر
رجب وإن لم يكن هذا الجمع مقبولاً، فالذي في الصحيح مقدم على غيره.
وذكر مسلم في رواية عطاءٍ إشارةً ابن عباس عليه بأن لا يفعل، وقول ابن
الزبير: لو أن أحدكم احترق بيته بناه حتى يجدّده، وأنه استخار الله ثلاثاً،
قال: فتحاماه الناس حتى صعد رجل، فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس
أصابه شيء تتابعوا، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، وجعل ابن الزبير أعمدة،
فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه، قال ابن عيينة في ((جامعه)) عن مجاهد
قال: خرجنا إلى منى، فأقمنا بها ثلاثاً ننتظر العذاب، وارتقى ابن الزبير على
جدار الكعبة هو بنفسه، فهدم.
وفي ((البحر المحيط)): كان ممن أشار عليه بهدمها جابر بن عبد الله
(١) انظر ((فتح الباري)) (٤٤٥/٣).
٣١٩

٢٠ - كتاب الحج
(٣٣) باب
وعبيد بن عمير وعبد الله بن صفوان بن أمية، فأقام أياماً يشاور وينظر، ثم
أجمع على هدمها، فلما أراد هدمها خرج أهل مكة، وأقاموا بمنى ثلاثاً فرقاً
أن ينزل عليهم عذاب، فأمر ابن الزبير بهدمها، فلم يجترئ عليه أحد، فلما
رأى ذلك علاها هو بنفسه، فأخذ المعول، فجعل يهدمها، ويرمي بحجارتها،
فلما رأوا أنه لم يصبه شيء اجترأوا، فصعدوا وهدموا، ولم يقرب ابن عباس
مكة حين هدمت حتى فرغ منها، وأرسل إلى ابن الزبير: لا تدع الناس بغير
قبلة، انصَبْ لهم حول الكعبة خشباً، واجعل عليها الستورَ حتى يطوف الناس
من ورائها، ويصلّون إليها، ففعل ذلك ابن الزبير، انتهى.
قال الحافظ(١): وفي رواية أبي أُويس: ثم عزل ما كان يصلح أن يعاد
في البيت، فبنوا به، وما لا يصلح منها أن يبنى به، فأمر به أن يحفر له في
جوف الكعبة، فيدفن، واتبعوا قواعد إبراهيم من نحو الحجر، فلم يصيبوا شيئاً
حتى شقّ على ابن الزبير، ثم أدركوها بعدما أمعنوا، فنزل عبد الله بن الزبير،
فكشفوا له عن قواعد إبراهيم، وهي صخر أمثال الخلف من الإبل، فانفضوا
له، أي حركوا تلك القواعد بالعتل(٢)، فنفضت قواعد البيت ورأوه بنياناً
مربوطاً بعضه ببعض، فحمد الله وكبره، ثم أحضر الناس، فأمر بوجوههم
وأشرافهم، فنزلوا حتى شاهدوا ما شاهده، ورأوا بنياناً متّصلاً فأشهدهم على
ذلك، وكان طول الكعبة ثمان عشر ذراعاً، فزاد ابن الزبير في طولها عشرة
أذرع، وفي وجه آخر، أنه كان طولها عشرين ذراعاً، فلعلّ راويه جبر الكسر،
وجزم الأزرقي بأن الزيادة تسعة.
وللفاكهي عن عطاء: (كنت في الأمناء الذين جمعوا على حفره، فحفروا
(١) ((فتح الباري)) (٤٤٦/٣).
(٢) قوله: العَتَلُ، واحده العتلة: عمود قصير من الحديد له رأس عريض يُهدم به الحائط،
ويقلع به الحجر والشجر.
٣٢٠
---*