النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٠ - كتاب الحج (٣٢) باب (٧٩٥) حديث فَوَجَدَ عَبْدَاللهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدَاللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، فَذَكَرَ لَهُمُ الَّذِي عَرَضَ لَهُ. فَكُلَّهُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَدَاوَى بِمَا لَا بُدَّلَهُ مِنْهُ وَيَقْتَدِيَ، فَإِذَا صَحَّ اعْتَمَرَ، فَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ . آي كه فرود آمده بود برآن پس یافت عبدالله بن عمر، إلى آخره (فوجد) به (عبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير ومروان بن الحكم) قال الباجي: هذا يدل على أن مروان كان من الفقهاء، وأنه كان ممن يستفتى ويؤخذ بقوله، ويدل أيضاً على أن المفتي إذا كان من أهل العلم والاجتهاد، جاز أن يفتي في موضع فيه من هو أعلم منه، لأنه لا خلاف أن ابن عمر وابن الزبير مقدمان عليه في العلم والدين والفضل بدرجات منه (فذكر لهم الذي عرض له) من الصرع والشكوى (فكلهم أمره أن يتداوى بما لا بد له منه) يعني أباحوا له التداوي بما يحتاج إليه لمرضه (ويفتدي) إن فعل في التداوي شيئاً من محظورات الإحرام. قال الباجي(١): وكذلك إن احتاج أن يربط على موضع الكسر خرقة، فإنه يربطها ويلزمه الفدية، انتهى. قلت: وعندنا الحنفية فيه تفصيل، قال في مكروهات الإحرام من ((الغنية)): وتعصيب شيء من جسده غير الرأس والوجه إن كان بلا علة؛ لأنه نوع عبث وإلا فلا بأس به، وأما تعصيب الرأس والوجه، فمكروه مطلقاً موجب للجزاء بعذر أو بغير عذر، إلا أن صاحب العذر غير آثم، انتهى. (فإذا صح) وفاته الحج (اعتمر) أي يتحلل بفعل العمرة (فحل من إحرامه) بذلك، فإن فائت الحج يتحلل بفعل العمرة عند الثلاثة، ويفسخ الحج إليها عند أحمد، كما تقدم في الفرع الثامن. قال الباجي(٢): ومعنى ذلك أن يكون مرضه يدوم به حتى يفوته الحج، (١) ((المنتقى)) (٢٧٨/٢). (٢) (ص٢٦٨). ٢٨١ ٢٠ - كتاب الحج (٣٢) باب (٧٩٥) حديث ثُمَّ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلٍ، وَيُهْدِي مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي. .- قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى هُذَا، الأَمْرُ عِنْدَنَا. فِيمَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٌّ . وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ، وَهَبَّارَ بْنَ الأَسْوَدِ، حِينَ فَاتَهُما الْحَجُّ، وَأَتَيَا يَوْمَ النَّحْرِ: أَنْ يَحِلا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ يَرْجِعَا حَلَالاً. ثُمَّ يَحُجَّانِ . انتهى. قلت: وهذا ظاهر، كما يدل عليه قوله: (ثم عليه حج قابل) أي في السنة الآتية قضاء عما فاته في السنة الماضية (ويهدي ما استيسر) أي تيسر (من الهدي) لأنه صار فائت الحج، وعليه القضاء عند الأربعة، والهدي عند الثلاثة ما خلا الحنفية، فعندهم محمول على الندب، كما سيأتي في محله. (قال مالك: وعلى ذلك) أي المذكور قبل، خبرٌ (الأمر) مبتدأ (عندنا) بالمدينة المنورة (فيمن أحصر بغير عدو) أن لا يحل إلا بفعل العمرة، ولا يتحقق الإحصار بغير عدو. (قال مالك) في تقوية ما تقدم وتأييده، كما ذهب إليه عامة الشراح، والأوجه عندي أن المصنف شرع من ههنا أحكام فائت الحج، ولما كان حكمه وحكم المحصر بالمرض عند مالك متقاربين، جمع بينهما في باب واحد (وقد أمر عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (أبا أيوب الأنصاري) أحد كبار الصحابة، اسمه خالد بن زيد البدري (وهبار) بفتح الهاء وتشديد الموحدة على ما ضبطه في ((المغني))(١) و(تهذيب الأسماء)) للنووي، و((التعليق الممجد)) زاد آخره راء مهملة (ابن الأسود) بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي، أسلم بالجعرانة بعد فتح مكة وحسن إسلامه. (حين فاتهما الحج) كما سيأتي الأثران عنهما موصولاً في ((باب هدي من فاته الحج)) (وأتيا يوم النحر) أي وصلا مكة بعد يوم عرفة (أن يحلا بعمرة ثم يرجعان) بنون التثنية في النسخ الهندية، وبدونه في المصرية (حلالاً ثم يحجان) (١) (١٢٥/٢/١). ٢٨٢ ٢٠ - كتاب الحج (٣٢) باب (٧٩٥) حديث عَاماً قَابِلاً، وَيُهْدِيَانِ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ . قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ مَنْ حُبِسَ عَنِ الْحَجِّ بَعْدَ مَا يُحْرِمُ، إِمَّا بِمَرَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ. أَوْ بِخَطٍَ مِنَ الْعَدَدِ، أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ الْهِلَالُ، فَهُوَ مُحْصَرُ. عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْصَرِ. بنون التثنية في جميع النسخ الهندية والمصرية، أي يقضيان الحج (عاماً قابلاً) بالنصب على الظرفية والصفة (ويهديان، فمن لم يجد) الهدي (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) كما سيأتي في محله. ومقصود المصنف تقوية ما تقدم أن المحصر بالمرض إن فاته الحج يتحلل بفعل العمرة، فإن فائت الحج كيفما كان يتحلل بذلك. (قال مالك: وكل من حبس عن) إتمام (الحج بعد ما يحرم إما بمرض) أي سواء كان حبسه بمرض (أو بغيره، أو بخطأ من العدد) مثل أن يظن يوم النحر يوم عرفة (أو خفي عليه الهلال) وهو وإن كان يدخل في خطأ العدد، لكن خصه بالذكر لكثرة وقوعه، والخطأ في العدد قد يكون بغير خفاء الهلال، مثل أن يظن يوم السبت يوم الجمعة، فيتأخر يوماً ويفوت بذلك الحج. ومثّلَ الدسوقي(١) خطأ العدد بقوله: صورته، كما قال ابن عبد السلام: أن يعلموا أول الشهر، ثم إنهم سهوا، ووقفوا في الثامن، ولم يتبين لهم الخطأ، إلا بعد مضي العاشر، انتهى. قلت: وعلى هذا، فهو مقابل لخفاء الهلال. (فهو محصر وعليه ما على المحصر) من التحلل بفعل العمرة والهدي والقضاء، ومعنى قوله: ((فهو محصر)) أي في حكمه، وإلا فبينهما فرق عند المالكية أيضاً، وكذا عند الجمهور. (١) ((حاشية الدسوقي)) (٩٥/١). ٢٨٣ ٢٠ - كتاب الحج (٣٢) باب (٧٩٥) حديث قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ أَهَلَّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَصَابَهُ كَسْرٌ، أَوْ بَطْنٌّ مُتَحَرِّقٌ، قال الدردير: وإن حُصِر عن عرفة أو فاته الوقوف بغير العدو، كمرض أو خطأ عدد، لم يحلَّ إلا بفعل عمرة، قال الدسوقي: قوله: ((أو فاته الوقوف)) هذا وإن كان كالمحصر عن الوقوف في كونه لا يحل إلا بفعل عمرة، لكن يخالفه المحصر من جهة أنه لا قضاء عليه للتطوع كالمحصر عنهما المتقدم، بخلاف من فاته الوقوف، فعليه القضاء ولو كان تطوعاً، كما في النوادر وغیرها، انتهى. قال الخرقي: من لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر تحلل بعمرة، وذبح إن كان معه هدي، وحج من قابل وأتى بدم. قال الموفق(١): يلزمه القضاء من قابل، سواء كان الفائت واجباً أو تطوعاً، وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد: لا قضاء عليه، بل إن كانت فرضاً فعلها بالوجوب السابق، وهو إحدى الروايتين عن مالك؛ لأنه كالمحصر. وجه الرواية الأولى حديث عمر المذكور، والمحصر غير منسوب إلى التفريط بخلاف من فاته الحج، انتهى مختصراً. وكذلك عند الحنفية: أن فائت الحج يتحلل بفعل العمرة، وعليه القضاء، لكنه ليس بمحصر، كما تقدم في الفرع الثامن، فليس عليه الهدي عندهم. (قال يحيى: سئل مالك عمن أهلّ) أي أحرم (من أهل مكة بالحج ثم أصابه كسر) لبعض أعضائه (أو بطن) أي إسهال (منخرق) اختلفت نسخ ((الموطأ)) في هذا اللفظ، ففي بعضها بالنون، والخاء المعجمة والراء المهملة، وفي بعضها(٢) بالتاء بدل النون والباقي سواء، والمراد على كليهما الإسهال (١) («المغني)) (٤٢٦/٥). (٢) كذا في ((الاستذكار)) (٩٤/١٢). ٢٨٤ ٢٠ - كتاب الحج (٣٢) باب (٧٩٥) حديث أَوِ امْرَأَةٌ تَطْلَقُ، قَالَ: مَنْ أَصَابَهُ هُذا مِنْهُمْ فَهُوَ مُحْصَرٌ. يَكُون عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَى أَهْلِ الآفاقِ، إِذَا هُمْ أَحْصِرُوا. الطويل، مأخوذ مما قال المجد: رحل متخرق السربال، ومنخرقه: إذا طال سفره، فتشققت ثيابه، وفي (الصراح)): تخرق: فراخ دستي كردن در كرم، وفي بعضها بالتاء والحاء والراء المهملتين، وفي نسخة الباجي: بطن مخوف، والمراد مهلك، يقال: مرض مخوف أي مهلك، والمقصود في كلها سواء، أي أصابه إسهال بطن متواتر. (أو امرأة تطلق) أي تكون امرأة حامل يصيبها وجع النفاس، قال المجد: طُلِقَتْ كُعُنِيَ في المخاض طلقاً: أصابها وجع الولادة. (قال) مالك: (من أصابه هذا) أي ما ذكر من الأعذار (منهم، فهو محصر يكون عليه مثل ما يكون على أهل الآفاق، إذا هم أحصروا) يعني لا فرق في ذلك بين المكيين وغيرهم، قال الباجي(١): وهذا الذي ذهب إليه مالك وعليه أكثر أصحابه، وقال أشهب: لا إحصار على المكي، وإن نُعِشَ نعشاً، يريد وإن حمل على النعش إلى عرفة وغيرها . قال الموفق(٢): فإن كان قد طاف، وسعى للقدوم، ثم أحصر، أو مرض حتى فاته الحج، تحلل بطواف وسعي، وبهذا قال الشافعي وأبو ثور، وقال الزهري: لا بد أن يقف بعرفة، وقال محمد بن الحسن: لا يكون محصراً بمكة، وروي ذلك عن أحمد، انتهى. وفي ((البناية)): الرابع عشر من اختلافات الإحصار، قال الزهري وعروة بن الزبير: لا إحصار على أهل مكة، وفي ((المبسوط)): لو أحصر بمكة بعد قدومه، فليس بمحصر . (١) ((المنتقى)) (٢٨٠/٢). (٢) («المغني)) (١٩٩/٥). ٢٨٥ ٢٠ - كتاب الحج (٣٢) باب (٧٩٥) حدیث قَالَ مَالَكٌ فِي رَجُلٍ قَدِمَ مُعْتَمِراً فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، حَتَّى إِذَا قَضَى عُمْرَتَهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ. ثُمَّ كُسِرَ أَوْ أَصَابَهُ أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ ... عَلَى أَنْ يَحْضُرَ مَعَ النَّاسِ الْمَوْقِفَ. قَال مَالِكُ: أَرَى أَنْ يُقِيمَ وقال السرخسي: الأصح إن منع من الوقوف والطواف، فهو محصر، انتهى. وفي ((الهداية)): من أحصر بمكة وهو ممنوع عن الطواف والوقوف، فهو محصر، وإن قدر على أحدهما، فليس بمحصر، وقيل: في المسألة خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف، والصحيح ما أعلمتك من التفصيل، وفي ((البناية)): قوله: ومن أحصر بمكة، حاصله أن الإحصار لا يتحقق عندنا، إلا إذا مُنِعَ عن الوقوف والطواف جميعاً، وقال الشافعي: يتحقق الإحصار بمكة مطلقاً، سواء قدر على الطواف أو لا . وقوله: خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو ما ذكر علي بن جعد عن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة عن المحرم يُحْصَرُ في الحرم؟ فقال: لا يكون محصراً، فقلت: أليس أن النبي وَلقر أحصر بالحديبية، وهي من الحرم؟ فقال: إن مكة يومئذ كانت دار الحرب، فأما اليوم، فهي دار الإسلام، فلا يتحقق الإحصار فيها، قال أبو يوسف: وأما أنا فأقول: إذا غلب العدو على مكة حتى حالوا بينه وبين البيت، فهو محصر، قوله: والصحيح ما أعلمتك، أي الصحيح من الرواية أن الممنوع من الوقوف والطواف يكون محصراً باتفاق أصحابنا، وإذا قدر على أحدهما لا يكون محصراً، وهو معنى قوله: ما أعلمتك من التفصيل، انتهى. (قال مالك في رجل قدم مكة معتمراً) أي محرماً بالعمرة (في أشهر الحج) وكان قصده التمتع (حتى إذا قضى عمرته) أي أدى أعمالها وحل منها (أهلّ بالحج من مكة) كما هو ديدن المعتمر (ثم كسر) ببناء المجهول (أو أصابه أمر) آخر مانع (لا يقدر) لأجله (على أن يحضر مع الناس الموقف) بعرفة. (قال مالك:) أعاده ليفصل بين السؤال والجواب (أرى أن يقيم) على ٢٨٦ ---- ٢٠ - كتاب الحج (٣٢) باب (٧٩٥) حديث ◌َّى إِذَا بَرَأَ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ، إحرامه الذي أحرم به أولاً (حتى إذا برأ) بفتح الراء من باب فتح، وكسرها من باب سمع، وفي لغة بضمها من باب كرم، أي صح من مرضه وقوي (خرج إلى الحل) وجوباً؛ لأنه قد أحرم أولاً بالحج من مكة، كما تقدم، وإذا فاته الحج يتحلل بعمرة، ومن شرطها الجمع بين الحل والحرم عند المالكية، فلا بد عندهم أن يخرج إلى الحل ليجمع بين الحل والحرم. وفي ((البناية)): الستون من اختلافات الإحصار: أن المكي إذا تلبس بالحج، ثم أحصر بمكة، فإنه يطوف ويسعى ويحل، وكذا الغريب بمكة إذا أحرم بالحج، وبه قال الشافعي، وقال مالك: إذا بقي محصوراً حتى فرغ الناس من الحج خرج إلى الحل ويحرم بعمرة، ويفعل ما يفعله المعتمر، ويحل، وعليه الحج من قابل، والهدي مع الحج، وكذا الغريب إذا أحصر بمكة، حكاه عنه ابن المنذر في ((الأشراف))، انتهى. قلت: ما حكي عنه أنه يحرم يأبى عنه كتب فروعه، بل صرح الدردير(١) بأنه يخرج إلى الحل وجوباً، ويلبي منه من غير إنشاء إحرام، وقال أيضاً قبل ذلك: إن حصر عن عرفة، أو فاته الوقوف لم يحل، إلا تفعل عمرة بلا تجديد إحرام، انتهى. والمسألة خلافية عند الحنفية، ففي ((البناية)): الثامن عشر: المحرم بالحج إذا أحصر وفاته الحج، فإنه يتحلل بأفعال العمرة، ولا يحتاج إلى إحرام جديد للعمرة عند أبي حنيفة ومحمد، بل يؤديها بإحرام الحج الذي هو فيه، وعند أبي يوسف يحتاج إلى إحرام جديد للعمرة، انتهى. وهكذا حكى الاختلاف عز بن جماعة في ((منسكه))، لكن تعقبه القاري بأنه وهم، بل عند أبي يوسف ينقلب إحرامه إلى العمرة من غير تجديد، (١) انظر: ((الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي)) (٩٦/٢). ٢٨٧ ٢٠ - كتاب الحج (٣٢) باب (٧٩٥) حديث ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّ، ثُمَّ عَلَيْهِ حَجُّ قَابِلِ وَالْهَدْيُ. وعندهما لا ينقلب، انتهى. وهكذا حكى الخلاف صاحب ((البحر العميق)) عن ((البدائع))، ثم قال: والدليل على صحة ما ذكرنا، أن فائت الحج لو كان من أهل مكة يتحلل بالطواف، كما يتحلل أهل الآفاق، ولا يلزمه الخروج إلى الحل، ولو انقلب إحرامه عمرة، وصار معتمراً للزمه الخروج إلى الحل. وفي (منسك الكرماني)): اختلفوا في الطواف الذي يقع به التحلل، فعند أبي حنيفة ومحمد والشافعي هو عمل عمرة مؤداة بإحرام الحج، ومعناه أنه يبقى في إحرام الحج ويتحلل بأعمال العمرة، وقال أبو يوسف وأحمد: ينقلب إحرامه إحرام عمرة، انتهى. وقال الموفق(١): وليس عليه أن يجدد إحراماً، وبهذا قال الشافعي، وقال محمد بن الحسن: لا يكون محصراً بمكة، وروي ذلك عن أحمد، فإن فاته الحج، فحكمه حكم من فاته بغير حصر، انتهى. قلت: وسيأتي الاختلاف عند الحنابلة في أن إحرامه هل ينقلب إلى عمرة أم لا في فائت الحج؟ (ثم يرجع) من الحل (إلى مكة، فيطوف بالبيت) ويسعى (بين الصفا والمروة) للعمرة (ثم يحل) عن إحرامه (ثم عليه حج) عام (قابل) قضاء لما فاته. قال الجوهري: قبل وأقبل بمعنىّ، يقال عام قابل أي مقبل، قاله الزرقاني. (والهدي) جبراً لذلك، وقد عرفت أن فائت الحج يتحلل بعمرة إجماعاً، وكذلك يجب عليه القضاء بلا خلاف عند الأئمة الأربعة في المرجح عنهم، واختلفوا في الهدي، كما سيأتي في محله. (١) ((المغني)) (١٩٩/٥). ٢٨٨ ٢٠ - كتاب الحج (٣٢) باب (٧٩٥) حديث قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، (قال مالك فيمن أهل) أي أحرم (بالحج من مكة ثم طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة) قال الباجي(١): يريد أنه فعل ذلك وإن لم يكن من حكمه أن يفعله؛ لأن من حج من مكة فليس عليه طواف ورود؛ لأنه ليس بوارد، وله أن يتطوع بما شاء من الطواف، ولا يسعى بين الصفا والمروة، لأن السعي بينهما لا يتنفل به؛ لأنه عمل من أعمال الحج لا تعلق له بالبيت، فلم يكن قربة في نفسه متفرداً، وحكمه أن يكون بإثر طواف في حج أو عمرة، ولا طواف في الحج إلا طواف الورود أو الإفاضة، فإذا سقط طواف الورود لم يبق عليه إلا طواف الإفاضة، فيلزمه تأخير السعي يأتي به بعد طواف الإفاضة، هذا مذهب مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي: من أحرم من مكة بالحج، فله أن يقدم الطواف والسعي، انتهى. قال الموفق(٢): لا يسن أن يطوف بعد إحرامه أي من مكة، قال ابن عباس: لا أرى لأهل مكة أن يطوفوا بعد أن يحرموا بالحج، ولا أن يطوفوا بين الصفا والمروة حتى يرجعوا، وهذا مذهب عطاء ومالك وإسحق، وإن طاف بعد إحرامه، ثم سعى لم يجزئه عن السعي الواجب، وهو قول مالك، وقال الشافعي: يجزئه، وفعله ابن الزبير، وأجازه القاسم بن محمد وابن المنذر، انتهى. قلت: ما حكيا عن الشافعي مبنيٌ على أحد القولين في مذهبه، كما تقدم البسط في ذلك في إهلال أهل مكة. وفي ((شرح اللباب»: ليس على المتمتع طواف القدوم بالاتفاق كما صرح به الكرماني وغيره، لأنه صار من أهل مكة (١) ((المنتقى)) (٢٨٠/٢). (٢) ((المغني)) (٢٦١/٥). ٢٨٩ ٢٠ - كتاب الحج (٣٢) باب (٧٩٥) حدیث ثُمَّ مَرِضَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحْضُرَ مَعَ النَّاسِ الْمَوْقِفَ. قَالَ مَالِكٌ: إِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ، فَإِن اسْتَطَاعَ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ، فَدَخَلَ بِعُمْرَةٍ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لأَنَّ الطَّوَافَ الأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ نَوَاهُ لِلْعُمْرَةِ، فَلِذْلِكَ يَعْمَلُ بِهِذَا وَعَلَيْهِ حَجُّ قَابِلِ وَالْهَدْيُ. فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ. حينئذٍ، وليس عليهم طواف القدوم في حجتهم إلا أنهم إذا أرادوا أن يقدموا السعي، فلا بد أن يطوفوا ولو نفلاً ليصح سعيهم بعده، انتهى. (ثم مرض) ووقع له الإحصار بذلك (فلم يستطع أن يحضر مع الناس الموقف) بعرفة (قال) مالك، أعاده ليفصل بين السؤال والجواب (إذا فاته الحج) لعدم الوقوف بعرفة (فإن استطاع) بعد ذلك الخروج إلى الحل، ولم تخترمه المنية قبل ذلك (خرج إلى الحل) وجوباً إذا استطاع ذلك (فدخل) مكة (بعمرة) أي ملبياً بها بدون تجديد الإحرام، كما تقدم قريباً (فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة) للعمرة (لأن الطواف الأول) الذي فعله قبل المرض، كما لم يجزه للحج لكونه قبل الوقوف، كذلك لا يجزيه لهذه العمرة؛ لأنه (لم يكن نواه للعمرة) التي يريد أن يتحلل بها (فلذلك يعمل بهذا) أي يأتي بالطواف والسعي. قلت: وكذلك عند الحنفية لا يكفي طوافه الذي طاف قبل الفوات. ففي ((البحر العميق)) عن منسك الفارسي والطرابلسي: الطواف قبل يوم النحر لا يجزيه عن طواف العمرة الذي يتحلل به فائت الحج؛ لأنه طواف تحية، وطواف العمرة فرض، فلا ينوب عنه النفل، انتهى. .(وعليه حج قابل) قضاء لما فاته عند الأربعة (والهدي) عند مالك ومن معه، خلافاً للحنفية . (قال مالك: وإن كان) الذي أهلّ بالحج (من غير أهل مكة) بل يكون ٢٩٠ ٢٠ - كتاب الحج (٣٢) باب (٧٩٥) حدیث فَأَصَابَهُ مَرَضٌ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. حَلَّ بِعُمْرَةٍ وَطَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافاً آخَرَ. وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لأَنَّ طَوَافَهُ الأَوَّلَ وَسَعْيَهُ، إِنَّمَا كَانَ نَوَاهُ لِلْحَجِّ، وَعَلَيْهِ حَجُّ قَابِلِ وَالْهَدْيُّ . آفاقياً (فأصابه مرض) موصوف (حال) مرض صفة (بينه) أي المحرم (وبين) إتمام (الحج وطاف) بالواو في النسخ الهندية، أي وقد كان طاف بالبيت قبل المرض، وفي النسخ المصرية بالفاء، فهو للترتيب الذكري، وليس بمتفرع على المرض (بالبيت) للقدوم الواجب عند مالك والسنة عند غيره (وسعي بين الصفا والمروة) بعد طواف القدوم ثم وقع له الإحصار (حل) أيضاً (بعمرة) لفوت الحج (وطاف بالبيت طوافاً آخر) للتحلل (وسعى بين الصفا والمروة) تكميلاً لأفعال عمرة التحلل (لأن طوافه الأول) الذي طاف للقدوم (وسعيه) الأول الذي سعى بعد طواف القدوم (إنما كان نواه للحج) لا للتحلل. والحاصل، أن لا فرق فيمن فاته الحج بين المكي وغيره في أنه إنما يتحلل بفعل عمرة، إلا أن المكي يجب عليه الخروج إلى الحل عند مالك خاصة دون غيره، بخلاف الآفاقي إذ لا يحتاج إلى الخروج، وإنما كَرَّرَ الإمام مالك هذه المسألة؛ لأن الطواف في الصورة الأولى لم يكن مشروعاً، وفي هذه الصورة مشروع، بل واجب عند مالك، فَبَيَّنَ أنهما سواء في وجوب استئناف الطواف والسعي لعمرة التحلل. وقال القاري في ((شرح اللباب))(١): لو قدم محرم بحجة، فطاف للقدوم وسعى، ثم فاته الحج بفوت الوقوف، فعليه أن يحل بأفعال العمرة من طواف لها وسعي آخر بعدها، ولا يكفيه طواف التحية الأول، ولا السعي المتقدم في التحلل، انتهى. (وعليه حج قابل) بالإضافة أي حج عام قابل (والهدي) كما تقدم قريباً . (١) (ص٢٤٦). ٢٩١ ٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب (٣٣) باب ما جاء في بناء الكعبة (٣٣) ما جاء في بناء الكعبة اختلفت شراح الحديث وحملة التاريخ في عدة بناء الكعبة وفي أول بنائها، ففي ((العيني)) (١): قال الشيخ قطب الدين: قالوا: بني البيت خمس مرات، بنته الملائكة، ثم إبراهيم، ثم قريش في الجاهلية وحضر النبي وَلّ هذا البناء، ثم ابن الزبير، ثم حجاج واستمر، انتهى. وفي (الخميس))(٢) عن ((البحر العميق)): أن الكعبة بنيت سبع مرات، الأولى: بناء الملائكة أو آدم على الخلاف، الثانية: بناء إبراهيم، الثالثة: بناء العمالقة، الرابعة: بناء جرهم، الخامسة: بناء قريش قبل الإسلام بخمسة أعوام، السادسة: بناء ابن الزبير، السابعة: بناء الحَجَّاج. وعن ((شفاء الغرام)): لا شك أنها بنيت مراراً، وقد اختلف في عدد بنائها، ويتحصل من مجموع ما قيل فيه: إنها بنيت عشر مرات، منها بناء الملائكة، ومنها بناء آدم، ومنها بناء أولاده، وبناء إبراهيم، وبناء العماليق، وبناء جرهم، وبناء قصي بن كلاب، وبناء قريش، وبناء ابن الزبير، وبناء الحجاج، انتهى. وكذا حكى صاحب ((مرآة الحرمين)) عن ((شفاء الغرام)) للتقي الفاسي، وزاد في آخره: ثم بَيَّنَ أن بنايات الملائكة وآدم وأولاده لم يأت بها خبر ثابت، وأما بناء الخليل، فجاء به القرآن والسنة، وقال الحلبي: الحق أن الكعبة لم تُبْنَ جميعاً إلا ثلاث مرات، الأولى: بناء إبراهيم عليه السلام، والثانية: بناء قريش، وكان بينهما ١٦٧٥ سنة، والثالثة: بناء ابن الزبير، وكان بينهما ٨٢ سنة، وأما بناء الملائكة وآدم وشيث فلم يصح، وأما بناء جرهم والعمالقة وقُصيّ، فإنما كان ترميماً، انتهى. (١) ((عمدة القاري)) (٢٨٧/٢). (٢) ((تاريخ الخميس)) (١١٧/١). ٢٩٢ ٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب قال الزرقاني(١): اختلف في أول من بناها، فحكى المحب الطبري: أن الله وضعها أولاً لا ببناء أحد، وللأزرقي عن علي بن الحسين: أن الملائكة بنتها قبل آدم، ولعبد الرزاق عن عطاء: أول من بنى البيت آدم، وعن وهب بن منبه: شيث بن آدم، وقيل: أول من بناه إبراهيم، وجزم به ابن كثير زاعماً أنه أول من بناه مطلقاً، إذ لم يثبت عن معصوم أنه كان مبنياً قبله، ويقال عليه: إنه لم يثبت عن معصوم أنه أول من بناه، انتهى. وفي ((الخازن)) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ ... ﴾ الآية(٢): اختلف العلماء في كونه أول بيت على قولين: أحدهما: أنه أول في الوضع والبناء، قال مجاهد: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرضين، وفي رواية عنه: أن الله خلق موضع البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي عام، وقيل: هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السموات والأرض، خلقه قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على وجه الماء، فدحيت الأرض من تحته، وهذا قول ابن عمر ومجاهد وقتادة والسدي، انتهى. وفي ((البحر العميق)): أجمع العلماء على أن الكعبة أول بيت وضع للعبادة، واختلفوا هل هو أول بيت وضع لغيرها؟ فقيل: كانت قبله بيوت، وجمهور العلماء على أنه أول بيت وضع مطلقاً، انتهى. والجملة أن أكثر ما قيل في عدة بنائها في كتب السير والتفسير وشروح الحديث وكتب الفقه، أنها بنيت عشر مرات، نظمها بعضهم: ملائكة الله الكرام وآدم بنى بيتَ ربِّ العرش عشرٌ فخذهم قُصَيٍّ قريشٌ قبل هذين جرهم فشيتٌ فإبراهيم ثم عمالق (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٧/٢). (٢) سورة آل عمران: الآية ٩٦٠. ٢٩٣ ٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب بناه حَجَّاج وهذا مُتَمِّمُ وعبد الإله بن الزبير بنى كذا هذا، وقال بعضهم: بناه بعض الملوك في مبدأ الألف الثاني، كما سيأتي بيانه. ونجمل الكلام على هذه الأبنية كلها تكميلاً للفائدة. أما الأول: فبناء الملائكة على المشهور، وإلا فقد تقدم بناؤه عزّ اسمه بغير بناء أحد، قال القسطلاني (١): والذي تحصل أنها بنيت عشر مرات، بناء الملائكة قبل خلق آدم، وذلك لما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفُِ اُلْدِّمَآءَ﴾ الآية(٢) خافوا وحاقُّوا بالعرش، ثم أمرهم الله تعالى أن يبنوا في كل سماءٍ بيتاً، وفي كل أرض بيتاً، قال مجاهد: هي أربعة عشر بيتاً، وقد روي أن الملائكة حين أسست الكعبة انشقت الأرض إلى منتهاها، وقذفت فيها حجارة أمثال الإبل، فتلك القواعد من البيت التي وضع عليها إبراهيم وإسماعيل، انتھی . وفي ((الخازن)): قيل: هو أول بيت بني على الأرض، وروي عن علي بن الحسين بن علي: أن الله وضع تحت العرش بيتاً، وهو البيت المعمور، وأمر الملائكة أن يطوفوا به، ثم أمر الملائكة الذين في الأرض أن يبنوا بيتاً في الأرض على مثاله وقدره، فبنوا هذا البيت واسمه الضراح، وأمر من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. وروي أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام، وكانوا يحجونه، فلما حجه آدم قالت له الملائكة: بر حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، انتهى. (١) ((إرشاد الساري)) (١٠٣/٤). (٢) سورة البقرة: الآية ٣٠. ٢٩٤ ٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب وذكر صاحب ((البحر العميق)) الآثار في ذلك، منها عن علي بن الحسين،. وقد سُئِل عن بدء الطواف بالبيت فقال: إن الله تعالى قال: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِى اُلْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ (١) قالت الملائكة: أي رب أخليفة من غيرنا ممن يفسد فيها ويسفك الدماء؟ فغضب عليهم، فلاذوا بالعرش، ورفعوا رؤوسهم، وأشاروا بالأصابع يتضرعون، ويبكون إشفاقاً لغضبه، فطافوا بالعرش ثلاث ساعات، وفي رواية: سبعة أطواف يسترضون ربهم، فرضي عنهم، وقال لهم: ابنوا لي في الأرض بيتاً يعوذ به كل من سخطت عليه من خلقي، فيطوف حوله، كما فعلتم بعرشي، فأغفر له، كما غفرت لكم، فبنوا البيت. وأما الثاني: فبناء آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال الخازن: قال ابن عباس: هو أول بيت بناه آدم في الأرض، قيل: إن آدم لما أهبط إلى الأرض استوحش، وشكا الوحشة، فأمره الله تعالى ببناء الكعبة، فبناها، وطاف بها، وبقي ذلك البناء إلى زمان نوح عليه السلام، انتهى. وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِنْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ﴾ الآية(٢): وكانت قصة بناء البيت على ما ذكره العلماء وأصحاب السير، أن الله تعالى خلق موضع البيت قبل أن يخلق الأرض بألفي عام، فكانت زبدة بيضاء على وجه الماء، فدحيت الأرض من تحتها، فلما أهبط الله آدم إلى الأرض، استوحش، فشكا إلى الله تعالى، فأنزل البيت المعمور، وهو من ياقوتة من يواقيت الجنة، له بابان من زمرد أخضر، باب شرقي، وباب غربي، فوضعه على موضع البيت. وقال: يا آدم، إني أهبطت لك بيتاً تطوف به، كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده، كما يصلى عند عرشي، وأنزل الله عليه الحجر الأسود، وكان (١) سورة البقرة: الآية ٣٠. (٢) سورة البقرة: الآية ١٢٧. ٢٩٥ ٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب أبيض فاسودّ من مسِّ الحُيَّضٍ في الجاهلية، فتوجه آدم من الهند ماشياً إلى مكة، وأرسل الله إليه ملكاً يدله على البيت، فحج آدم البيت، وأقام المناسك، فلما فرغ تلقته الملائكة، وقالوا: بر حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، قال ابن عباس: حج آدم أربعين حجة من الهند إلى مكة على رجليه، فكان على ذلك إلى أيام الطوفان، انتهى. وقال القسطلاني(١) بعد ذكر بناء الملائكة: ثم بناء آدم، رواه البيهقي في (دلائل النبوة)) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي مرفوعاً من طريق ابن لهيعة، وفيه: ((أنه قيل له: أنت أول الناس، هذا أول بيت وضع للناس))، لكن قال ابن كثير: إنه من مفردات ابن لهيعة وهو ضعيف، والأشبه أن يكون موقوفاً على عبد الله، انتهى. قال الزرقاني(٢): وقد روى البيهقي في (الدلائل)) عن عمر عن النبي وَشَيّلاً صَلى الله قصة بناء آدم لها، ورواه الأزرقي وأبو الشيخ وابن عساكر موقوفاً على ابن عباس، وحكمه الرفع إذ لا يقال رأياً، انتهى. وقد بسط السيوطي في ((الدر)) في الروايات والآثار في أبنية البيت تحت قوله عزّ اسمه: ﴿وَإِذْ يَرفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ﴾ الآية(٣)، فذكر في بناء آدم أيضاً آثاراً، منها: ما أخرج عبد الرزاق(٤) وابن جرير وابن المنذر والجندي عن عطاء، قال: قال آدم: أي رب ما لي لا أسمع أصوات الملائكة؟ قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض، فابن لي بيتاً ثم احفف به كما رأيت (١) ((إرشاد الساري)) (١٠٣/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٧/٢). (٣) سورة البقرة، الآية ١٢٧. (٤) ((مصنف عبد الرزاق)) (٩٢/٥) رقم الحديث (٩٠٩٢). ٢٩٦ ------- ٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب الملائكة تحفّ ببيتي الذي في السماء، فزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل : من حراء ولبنان وطورزيتاء وطورسيناء والجودي. فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم بعد، انتهى. وجمع بين بنائه ونزول البيت المعمور بأن بناءه كان للأساس، ثم وضع عليه البيت المعمور، ويؤيّد ذلك ما في ((الدر))، برواية الأزرقي وأبي الشيخ في ((العظمة)) وابن عساكر عن ابن عباس، قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض ... الحديث، وفيه: فبنى البيت الحرام وأن جبرئيل ضرب بجناحه الأرض، فأبرز عن أُسِّ ثابتٍ على الأرض السابعة، فقذفت فيه الملائكة الصخر ما يطيق الصخر منها ثلاثون رجلاً، وأنه بناه من خمسة أجبل من لبنان، وطورسينا، وطورزيتا، والجودي، وحراء، حتى استوى على وجه الأرض، فكان أول من أسّس البيت. وبرواية الأزرقي عن عبيد الله بن أبي زياد قال: لما أهبط الله آدم من الجنّة، قال: يا آدم ابن لي بيتاً بحذاء بيتي الذي في السماء، فهبطت عليه الملائكة، فحفر حتى بلغ الأرض السابعة، فقذف فيه الملائكة الصخر حتى أشرف على وجه الأرض، وهبط آدم بياقوتة حمراء مجوّفة لها أربعة أركان، فوضعها على الأساس، فلم تزل الياقوتة كذلك حتى كان زمن الغرق، فرفعها الله، وبسط صاحب ((البحر العميق)) الآثار في بناء آدم ونزول الخيمة، وجمع بأن الخيمة يجوز أن تكون أنزلت وضربت في موضع الكعبة، فلما أمر ببنائها، فبنى ما كانت حول الكعبة طمأنينة لقلب آدم ما عاش ثم رفعت، انتھی . والثالث: بناء بني آدم، ذكره بعضهم ولم يذكره آخرون، قال الأبي في ((إكمال الإكمال))(١): قال العلماء: بني البيت خمس مرات، وأضاف ابن (١) (٤٢٨/٣). ٢٩٧ ٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب إسحاق البناء الأول من الخمس لآدم عليه السلام، وأضافه السهيلي لابنه شيث، انتهى. وقال القسطلاني(١) بعد بناء آدم: ثم بناء بني آدم من بعده، فلم يزل معموراً يعمرونه هم ومن بعدهم حتى كان زمن نوح، فنسفه الغرق، وغيّر مكانه حتى بَوَّأ لإبراهيم عليه السلام، انتهى. وتقدم ما في ((الخميس)) (٢) عن ((شفاء الغرام)) في مبدأ البحث: لا شكّ أنها بنيت مراراً، وقد اختلف في عدد بنائها، ويتحصّل من مجموع ما قيل فيه: إنها بنيت عشر مرات، منها بناء الملائكة، ومنها بناء آدم، ومنها بناء أولاده، ومنها بناء إبراهيم، إلى آخره. وفي ((الجمل)) بعد ذكر بناء آدم: الثالث بناء ابنه شيث بالطين والحجارة، فلم يزل معموراً به وبأولاده ومن بعدهم حتى كان زمن نوح، فأغرقه الطوفان وغیّر مكانه، انتھی. وفي ((الدر)) برواية ابن المنذر والأزرقي عن وهب بن منبه قال: لما تاب الله على آدم أمره أن يسير إلى مكة، فقال بعد ما بسط في بناء آدم ونزول الخيمة الياقوتية من يواقيت الجنّة، قال: فلم تزل خيمة آدم مكانها حتى قبض الله آدم، ورفعها الله إليه، وبنى بنو آدم من بعدها مكانها بيتاً بالطين والحجارة، فلم يزل معموراً يعمرونه ومن بعدهم حتى كان زمن نوح، فنسفه الغرق وخفي مكانه. وقال الحافظ(٣): روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء، أن آدم أوّل من بنى البيت، وقيل: بنته قبله الملائكة، وعن وهب بن منبه: أوّل من بناه (١) ((إرشاد الساري)) (١٠٣/٤). (٢) ((تاريخ الخميس)) (١١٧/١). (٣) ((فتح الباري)) (٤٠٢/٦). ٢٩٨ ٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب شيث بن آدم، انتهى. وفي ((تاريخ الطبري)) في ذكر شيث، قيل: إنه لم يزل مقيماً بمكّة يحج ويعتمر إلى أن مات، وإنه بنى الكعبة بالحجارة والطين، وأمّا السلف من علمائنا، فإنهم قالوا: لم تزل القبّة التي جعل الله لآدم في مكان البيت إلى أيام الطوفان، وإنما رفعها الله عزّ وجلّ حين أرسل الطوفان، انتهى. قلت: وقد ذكر صاحب ((البحر العميق)) الآثار في رفع البيت المعمور زمن الطوفان، وفي ((المحلى)): روى البيهقي في ((دلائل النبوّة)) عن عبد الله بن عمرو من طريق ابن لهيعة أنه بناها آدم، ثم بنى بنو آدم بعده بالطين والحجارة، فلم يزل معموراً حتى هدمه الغرق في زمن نوح، ثم بناه إبراهيم، ثم العمالقة، ثم جرهم، رواه الفاكهي عن علي، انتهى. وقال ابن حجر في ((شرح مناسك النووي)): قال الطبري: وفي رواية عن وهب: كان شيث وصي أبيه آدم، وهو الذي بنى الكعبة بالطين والحجارة، انتهى. ولم يذكر هذا البناء فيما تقدم في مبدأ البحث عن الشيخ قطب الدين، وعن صاحب ((البحر العميق)) وغيرهما، وكذا لم يذكره العيني في كتاب العلم، بل ذكر بعد بناء الملائكة بناء إبراهيم، وكذا لم يذكره الخازن فيما حكى قصة بناء البيت من العلماء وأهل السير، فقال بعد بيان إهباط البيت المعمور: فكان على ذلك إلى أيام الطوفان، فرفعه الله إلى السماء الرابعة، وبعث الله جبرئيل حتى خبأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة له من الغرق، فكان موضع البيت خالياً إلى زمن إبراهيم، انتهى. والرابع: بناء إبراهيم على نَبِيِّنا وعليه الصّلاة والسلام، وهو مجمع عليه لا خلاف فيه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ الآية(١)، قال صاحب ((الجمل)): الرابع: بناء إبراهيم وقد كان المبلغ له ببنائه جبرئيل عن (١) سورة البقرة، الآية ١٢٧. ٢٩٩ ٢٠ - كتاب الحج (٣٣) باب الملك الجليل، ومن ثَمَّ قيل: ليس في هذا العالم أشرف من الكعبة؛ لأن الآمر ببنائها الملك الجليل، والمبلغ والمهندس جبرئيل، والباني الخليل، والمعين إسمعيل، انتهى. وقال القسطلاني(١) بعد بناء بني آدم: فلم يزل معموراً يعمرونه هم ومن بعدهم حتى كان زمن نوح، فنسفه الغرق، وغَيَّرَ مكانه حتى بُوِّئ لإبراهيم عليه السلام، كما هو ثابت بنصّ القرآن، وجزم الحافظ ابن كثير (٢)؛ بأنه أوّل من بناه وقال: لم يجئ خبر معصوم، أنه كان مبنياً قبل الخليل، انتهى. قال الزرقاني(٣): ولابن أبي حاتم عن ابن عمر أن البيت رفع في الطوفان، فكان الأنبياء بعد ذلك يحجّونه، ولا يعلمون مكانه حتى بوّأه الله لإبراهيم، فبناه على أساس آدم، وجعل طوله في السماء سبعة أذرع بذراعهم، وذرعه في الأرض ثلاثين ذراعاً بذراعهم، وأدخل الحجر في البيت، ولم يجعل له سقفاً، وجعل له باباً، وحفر له بئراً عند بابه، يلقى فيها ما يهدى للبيت، فهذه الأخبار وإن كانت مفرداتها ضعيفة، لكن يقوي بعضها بعضاً، انتهى. قال العيني(٤): وفي ((كتاب الأزرقي)): جعل إبراهيم عليه السلام طول بناء الكعبة في السماء تسعة أذرع، وفي الأرض ثلاثين ذراعاً، وعرضها في الأرض اثنين وعشرين ذراعاً، وكانت بغير سقف، ولما بنتها قريش، جعلوا طولها ثماني عشر ذراعاً في السماء، ونقصوا من طولها في الأرض ستة أذرع وشبر، وتركوها في الحجر، انتهى. (١) ((إرشاد الساري)) (١٠٣/٤). (٢) ((البداية والنهاية)) (٢٣٥/١). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٨/٢). (٤) ((عمدة القاري)) (٧/ ١٣٣). ٣٠٠