النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٠ - كتاب الحج
(٣١) باب
(٧٩١) حديث
حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِراً فِي الْفِتْنَةِ :
يضرك أن لا تحج العام، إنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت. فقال: خرجنا
مع رسول الله وَل ... ، الحديث. (حين خرج) أي أراد أن يخرج من المدينة
(إلى مكة) سنة اثنتين وسبعين أو ثلاث وسبعين (معتمراً).
قال الحافظ: في ((الموطأ)) من هذا الوجه خرج إلى مكة يريد الحج،
فقال: إن صددت فذكره، ولا اختلاف فإنه خرج أولاً يريد الحج، فلما ذكروا
له أمر الفتنة أحرم بالعمرة، ثم قال: ما شأنهما إلا واحداً، فأضاف إليها
الحج، فصار قارناً، انتهى. وهكذا في عامة شروح البخاري، لكن النسخة التي
بأيدينا من رواية يحيى ليس فيها هذا اللفظ كما ترى.
نعم أخرج البخاري(١) في ((باب طواف القارن) برواية الليث عن نافع:
أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير، فقيل له: إن الناس كائن
بينهم قتال، الحديث. (في الفتنة) أي فتنة الحجاج حين نزل بابن الزبير.
قال القسطلاني، وتبعه الزرقاني: (٢) وذلك أنه لما مات معاوية بن يزيد بن
معاوية، ولم يكن استخلف، بقي الناس بلا خليفة شهرين وأياماً، فاجتمع رأي
أهل الحل والعقد من أهل مكة، فبايعوا عبدالله بن الزبير، وتم له ملك الحجاز
والعراق وخراسان وأعمال المشرق، وبايع أهل الشام ومصر مروان بن الحكم،
ثم لم يزل الأمر كذلك إلى أن توفي مروان، وولي ابنه عبد الملك، فمنع
الناس الحج خوفاً أن يبايعوا ابن الزبير، ثم بعث جيشاً أَمَّرَ عليه الحجاج،
فقدم مكة، وأقام الحصار من أول شعبان سنة اثنتين وسبعين بأهل مكة إلى أن
غلب عليهم، وقتل ابن الزبير، وصلبه، وذلك سنة ثلاث وسبعين، انتهى.
قلت: واختلف أهل التاريخ في مبدأ بيعة ابن الزبير، فقيل كما تقدم،
(١) رقم الحديث (١٦٣٩). ((فتح الباري)) (٤٩٤/٣).
(٢) ((شرح الموطأ)) (٢٩٣/٢).
٢٦١

٢٠ - كتاب الحج
(٣١) باب
(٧٩١) حديث
إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ، صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسَولِ اللهِ لَه
وقيل: بويع له بعد موت يزيد بن معاوية، فأطاعه أهل الحجاز والعراق
وغيرهما إلا الشام ومصر، فبويع بهما معاوية بن يزيد ولم تطل مدته، فلما
مات أطاع أهلهما ابن الزبير، وبايعوه سنة أربع وستين، وقيل: في سنة ستين
دعا ابن الزبير إلى نفسه بمكة، وغاب يزيد بشرب الخمر واللعب والتهاون
بالدين، كذا في ((الخميس))(١) و ((تاريخ الخلفاء))(٢).
وكذلك اختلف في الحصار، فقيل: اتبداؤه ليلة هلال ذي القعدة سنة
اثنتين وسبعين، وفي ((أسد الغابة)): أول ليلة من ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين،
ثم الرواية بأسرها صريحة في أن قصة الباب في فتنة الحجاج بابن الزبير.
وفي البخاري في ((باب من اشترى هديه من الطريق)) برواية موسى بن
عقبة عن نافع قال: أراد ابن عمر الحج عام حجة الحرورية في عهد ابن
الزبير، قال الحافظ(٣)، وتبعه عامة شراح البخاري: هذا مخالف لما ورد عام
نزول الحجاج بابن الزبير؛ لأن حجة الحرورية كانت في السنة التي مات فيها
يزيد بن معاوية سنة أربع وستين، وذلك قبل أن يتسمى ابن الزبير بالخلافة،
ونزول الحجاج بابن الزبير كان في سنة ثلاث وسبعين، وذلك في آخر أيام ابن
الزبير، فإما أن يحمل على أن الراوي أطلق على الحجاح وأتباعه حرورية
الجامع ما بينهم من الخروج على أئمة الحق، وإما أن يحمل على تعدد القصة،
انتھی .
(إن صددت) بضم الصاد المهملة مبنياً للمفعول أي منعت (عن البيت) أي
الوصول إليه (صنعنا) أي أنا ومن معي (كما صنعنا مع رسول الله وَ له) حين صُدَّ
(١) ((تاريخ الخميس)) (٣٠٢/٢).
(٢) (ص٢٤٠).
(٣) ((فتح الباري)) (٥٤١/٣).
٢٦٢

٢٠ - كتاب الحج
(٣١) باب
(٧٩١) حديث
في عمرة الحديبية. قال النووي(١): الصواب في معناه أنه أراد إن صددت
وأحصرت تحللت كما تحللنا عام الحديبية مع النبي ◌َّة، وقال القاضي:
يحتمل أنه أراد أهل بعمرة كما أهل النبي ◌ّ بعمرة في العام الذي أحصر،
قال: ويحتمل أنه أراد الأمرين وهو الأظهر، قال النووي: وليس بظاهر كما
ادعاه، بل الصحيح الذي يقتضي سياق كلامه ما قدمناه، انتهى.
قلت: ما قال النووي هو المتعين، ويؤيده ما في رواية موسى بن عقبة
عند البخاري، فقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ إذَنْ أَصْنَعُ كما
صنع أشهدكم أني قد أوجبت عمرة ... الحديث، قال الباجي(٢): من علم
بالحصر قبل الإحرام فلا يحرم، فإن فعل فليس له حكم المحصور، قاله ابن
المواز عن مالك، ووجه ذلك أنه علم بالمنع وأحرم، فقد ألزمه نفسه، فلم
یکن له التحلل لذلك.
ثم قال الباحي(٣): قوله: ((إن صددت صنعنا إلخ)) يريد ابن عمر -
رضي الله عنهما - أنه يحل دون البيت ويرجع، ويرى أنه قد أجزأ عنه نسكه،
ولو لم يكن مجزياً لما دخل فيه؛ لأنه بمنزلة من يتعرض لفوات النسك
وإبطاله، ويحتمل أن يكون ابن عمر لم يتيقن نزول الجيش بابن الزبير حين
أحرم، وإنما كان شيء يتقيه ويخاف أن يكون، وإن كان تيقن نزوله، فإنه لم
يتقين صدهم له لما كان عليه من اعتزال الطوائف وترك التلبس بالفتنة، وقد بين
ذلك بقوله: إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله حديثة، ولو
تيقن العدو المانع لما جاز أن يحرم؛ لأن ذلك تلبس بعبادة يتيقن أنها لا تتم،
فيكون كالقاصد لغير البيت بنسكه، أو ملتزماً لتمام النسك ومطرحاً للإحلال
(١) ((شرح صحيح مسلم للنووي)) (٢١٣/٨).
(٢) ((المنتقى)) (٢/ ٢٧٢).
(٣) (٢٧٥/٢).
٢٦٣

٢٠ - كتاب الحج
(٣١) باب
(٧٩١) حدیث
فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ،
بالحصر، وعلى من فعل ذلك إتمام نسكه، ولا يحلّ دون البيت، قاله ابن
الماجشون.
ومما يبين ذلك، أن النبى وَلّ لم يتيقن أن يصد عام الحديبية؛ لأنه لم
يأت محارباً، وإنما قصد العمرة، ولم تكن قريش تمنع من قصد الحج أو
العمرة، انتهى. وفي ((إكمال الإكمال)) (١): عن القاضي عياض: توقع الصدّ ولم
يتحققه، إذ لو تحققه لم تثبت له رخصة الحصر؛ لأنه غرر بإحرامه، قال
الأبي: لا يلزم من تحققه أن لا يترخص لجواز أن يكون تحقق. واشترط كما
تقدم في حديث ضباعة، انتهى. قلت: هذا التوجيه من الأبي مع كونه مالكياً
بعيد، فتأمل. وفي ((البناية)): قال في ((الذخيرة)): للمالكية: للحصر خمس
حالات، يجوز له التحلل في ثلاثة منها .
(فأهلّ) أي ابن عمر (بعمرة) زاد في رواية جويرية عند البخاري فأهلّ
بالعمرة من ذي الحليفة، قال الحافظ (٢): وفي رواية أيوب الماضية فأهلّ
بالعمرة من الدار، والمراد بالدار المنزل الذي نزله بذي الحليفة، ويحتمل أن
يحمل على الدار التي بالمدينة، ويجمع بأنه أهلَّ بالعمرة من داخل بيته، ثم
أعلن بها وأظهرها بعد أن استقر بذي الحليفة، انتهى.
قلت: لفظ رواية أيوب الذي في البخاري (٣) في ((باب طواف القارن)) عن
أيوب عن نافع أن ابن عمر - رضي الله عنهما - دخل(٤) ابنه عبدالله بن عبدالله
وظهره في الدار، فقال: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال، فيصدوك
(١) (٣٦٤/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٦/٤).
(٣) (١٩٣٩) باب طواف القارن ((صحيح البخاري مع فتح الباري)) (٤٩٤/٣).
(٤) كذا في الأصول. اهـ. ز.
٢٦٤
. -

٢٠ - كتاب الحج
(٣١) باب
(٧٩١) حدیث
مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَ﴿ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ.
ثُمَّ إِنَّ عَبْدَاللهِ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ؛ مَا أَمْرُهُمَا إِلا وَاحِدٌ. ثُمَّ
الْنَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلا وَاحِدٌ، أَشْهِدُكُمْ
عن البيت ... الحديث، فهذا ليس نصاً في الإهلال من الدار، ويحتمل التأويل
أيضاً .
(من أجل أن رسول الله ◌َّ كان أهلَّ) أي أحرم (بعمرة عام الحديبية) سنة
ست يريد أنه امتثل لنسك رسول الله ﴿ ليأتي من التحلل دون البيت إن صد
عنه بما أتى به النبي ◌َّل﴾، ويكون له من ذلك ما كان له (ثم إن عبدالله بن عمر)
- رضي الله عنه - (نظر في أمره) يعني تأمل ما أحرم به من العمرة، وما كان
يريده أولاً من الحج، فإنه قد تقدم في الجمع بين مختلف الروايات أنه خرج
يريد الحج، فلما ذكروا له الفتنة أحرم بالعمرة؛ لأنها أهون.
(فقال) في نظره وتأمله (ما أمرهما) أي الحج والعمرة (إلا واحدٌ) بالرفع،
وفي (الإكمال))(١): عن القاضي عياض يعني في حكم الحصر، وأنه إذا كان
التحلل للحصر جائزاً في العمرة مع أنها غير محدودة بوقت، ففي الحج أجوز،
انتهى .
وقال الباجي(٢): فرأى أن حكمهما في ذلك واحدٌ، فإذا كان الترخص
بالتحلل في أحدهما كان له في الآخر مثل ذلك، ولأنه إذا كان له التحلل في
العمرة، وليست متعلقة بوقت معين، فبأن يكون له ذلك في الحج، وهو يفوت
بفوات الوقت أولى، وهذا حكم بالقياس، ولا نعلم أحداً أنكر عليه ذلك،
انتھی .
(فالتفت إلى أصحابه) فأخبرهم بما أدى إليه نظره (فقال: ما أمرهما إلا
واحد، أشهدكم) أشهدهم، ولم يكتف على النية فقط، مع أن التلفظ ليس
(١) (٣٦٤/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٧٦/٢).
٢٦٥

٢٠ - كتاب الحج
(٣١) باب
(٧٩١) حديث
أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ.
ثُمَّ نَفَذَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ، فَطَافَ طَوَافاً وَاحِداً، وَرَأَى ذُلِكَ
مُجْزِياً عَنْهُ،
بشرط، لينبه بذلك من يقتدي به على أنه انتقل نظره من العمرة إلى القران (أني
قد أوجبت) أي ألزمت نفسي (الحج مع العمرة) وفيه إرداف الحج على العمرة،
كما تقدم في مبدأ القران ومنتهاه.
وفي رواية جويرية عند البخاري: أهلَّ بالعمرة من ذي الحليفة. ثم سار
ساعة، ثم قال: إنما شأنهما واحد، أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرتي،
وعنده أيضاً برواية موسى بن عقبة عن نافع: أشهدكم أني قد أوجبت عمرة
حتى كان بظاهر البيداء، قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد، أشهدكم أني
جمعت حجة مع عمرة، وبرواية الليث: أني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، ثم
خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة ... الحديث.
(ثم نفذ) بالذال المعجمة أي سار إلى مكة (حتى جاء البيت) ولم يصدّ
في الطريق (فطاف) للحج والعمرة معاً (طوافاً واحداً) اختلفوا في تعيين هذا
الطواف على أقوال سيأتي بيانها .
(ورأى) ابن عمر (ذلك) أي الطواف الواحد (مجزياً عنه) بضم الميم
وسكون الجيم وكسر الزاي بلا همز أي كافياً مفعول لقوله: رأى، ووقع في
البخاري بزيادة ((أن)) بلفظ ((ورأى أن ذلك مجزئ عنه))، قال الحافظ (١): كذا
لأبي ذر وغيره بالرفع على أنه خبر ((أن)) ووقع في رواية: مجزياً، فقيل: هو
على لغة من ينصب بأن المبتدأ والخبر، أو هي خبر كان المحذوفة، والذي
عندي أنه من خطأ الكاتب، فإن أصحاب ((الموطأ)) اتفقوا على روايته بالرفع
على الصواب، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (١٢/٤).
٢٦٦

٢٠ - كتاب الحج
(٣١) باب
(٧٩١) حدیث
وَأَهْدَى .
أخرجه البخاريّ في: ٦٤ - كتاب المغازي، ٣٥ - باب غزوة الحديبية.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٢٦ - باب جواز التحلل بالإحصار وجواز
القران، حديث ١٨٠.
قلت: لكن النسخ التي بأيدينا من الهندية والمصرية(١) ليس فيها لفظ ((أن))
فلفظ ((مجزياً)) بالنصب على المفعولية لا غبار فيه (وأهدى) بفتح الهمزة ماض
من الإهداء، وكان اشتراه من قديد، كما في البخاري في رواية أيوب والليث
وغيرهما، وقال الحافظ(٢): وقع في رواية القعنبي عن مالك زيادة وهي:
((أهدى شاة)) قال ابن عبد البر: هي زيادة غير محفوظة لأن ابن عمر - رضي الله
عنهما - كان يفسر ما استيسر من الهدي بأنه بدنة دون بدنة، أو بقرة دون بقرة،
فكيف يهدي شاة؟ انتهى .
قلت: لكن ما سيأتي في أبواب الهدي عن ابن عمر، أنه قال: ما استيسر
من الهدي شاة أو بقرة على ما في بعض النسخ بخلاف ذلك، فلو صح،
فيمكن أن يكون عنه روايتان.
وقال العيني في ((البناية)): الهدي بسبع بدنة أو بقرة أو شاة بكمالها، وهو
قول عمر وعلي وابن عباس - رضي الله عنهم -، وبه قال الجمهور، وعن
عائشة وابن عمر لا تجزيه الشاة، انتهى.
زاد في رواية موسى بن عقبة عن نافع عند البخاري في حديث الباب:
وأهدى هدياً مقلداً اشتراه، حتى قدم، فطاف بالبيت وبالصفا، ولم يزد على
ذلك، ولم يحلل من شيء حرم منه حتى يوم النحر، فحلق ونحر، ورأى إن
قضى طوافه للحج والعمرة بطوافه الأول، ثم قال: كذلك صنع النبي وَل﴾،
(١) كذا في ((الاستذكار)) (٧٦/١٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٧/٤).
٢٦٧

٢٠ - كتاب الحج
(٣١) باب
(٧٩١) حديث
انتهى. وظاهر هذا السياق أنه لم يطف إلا وقت دخوله مكة، ثم تحلل يوم
النحر بالحلق والرمي بدون الطواف.
ثم اعلم أن المشهور على ألسنة المشايخ أن الحديث حجة للأئمة الثلاثة
في وحدة الطواف للقارن، ومخالف للحنفية في اختيارهم الطوافين له، وبذلك
جزم عامة الشراح والمحشين، وأنت خبير بأن كلامهم هذا مجملاً مخلّ
ومختلّ، وذلك لأنهم اتفقوا على أن القارن يطوف ثلاث أطوفة، طواف القدوم
والركن والوداع، وأضافت الحنفية على ذلك طوافَ العمرة أيضاً، فصارت
أربعة .
قال الموفق(١): الأطوفة المشروعة في الحج ثلاثة، طواف الزيارة: وهو
ركن الحج لا يتم إلا به بغير خلاف، وطواف القدوم: وهو سنة لا شيء على
تاركه، وطواف الوداع: واجب ينوب عنه الدم إذا تركه، وبهذا قال أبو حنيفة
وأصحابه والثوري. وقال مالك: على تارك طواف القدوم دم، ولا شيء على
تارك طواف الوداع، وحكي عن الشافعي كقولنا في طواف الوداع، وكقوله في
طواف القدوم، انتهى.
وعدّ النووي في ((مناسكه)) طواف القدوم من السنن، والوداع من
الواجبات، وصرح الدردير بوجوب طواف القدوم، وكلهم صرحوا في فروعهم
أن القارن حكمه حكم المفرد، خلافاً للحنفية، وفي ((الهداية))(٢) في بيان
القارن: إذا دخل مكة ابتدأ، فطاف بالبيت سبعة أشواط يرمل في الثلاث الأول
منها، ويسعى بعدها بين الصفا والمروة، وهذه أفعال العمرة، ثم يبدأ بأفعال
الحج، فيطوف طواف القدوم ويسعى بعده، كما بينا في المفرد، انتهى.
(١) («المغني)) (٣١٦/٥).
(٢) (٢٥٨/٢) ط الهند.
٢٦٨
.---- .-
--.-

٢٠ - كتاب الحج
(٣١) باب
(٧٩١) حديث
وإذا عرفت هذا، فحديث الباب لو حُمِل على ظاهره أنه - رضي الله عنه -
اكتفى على طواف واحد لا غير، كان تاركاً للسنة والواجب عند الكل، وتاركاً
للركن أيضاً عند الحنفية، وأيضاً يخالف حديث نفسه المرفوع أيضاً، فقد أخرج
البخاري في ((صحيحه)(١) برواية الزهري عن سالم عنه قال: تمتع رسول الله وَل
في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ... ، الحديث، وفيه: فطاف حين قدم مكة
واستلم الركن أول شيء. ثم خبّ ثلاثة أطواف ومشى أربعاً، فركع ركعتين
حين قضى طوافه، فانصرف، فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة
أطواف، ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم
النحر، وأفاض، فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه.
وعن عروة أن عائشة أخبرته عن النبي ◌َّر في تمتعه بالعمرة إلى الحج
بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن رسول الله وسر، ففي هذا الحديث
تصريح بالطوافين من فعله وسر، فكيف يمكن أن يحمل حديث الباب على
ظاهره في الاكتفاء بالطواف الواحد الطواف الأول لا غير؟ ولذا ترى شراح
الحديث مع اتفاقهم على أن الحديث حجة لهم ومخالف للحنفية، احتاجوا إلى
تأويله، حتى تناقض بعضهم بعضاً في المراد بالحديث، وأَوَّلُوه بتوجيهات
مختلفة بعضها محتمل، وبعضها بعيد جداً.
فمنها: ما قال الزرقاني (٢): قوله: ((فطاف طوافاً واحداً)) لقرانه بعد
الوقوف بعرفة، وبه قال الأئمة الثلاثة والجمهور، وقال أبو حنيفة والكوفيون:
على القارن طوافان وسعيان، انتهى.
وأنت خبير بأنه لو حُمل على الطواف بعد الوقوف يخالف المالكية أيضاً
(١) أخرجه البخاري (١٦٩١) في كتاب الحج، باب من ساق البدن معه.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٤/٢).
٢٦٩

٢٠ - كتاب الحج
(٣١) باب
(٧٩١) حدیث
في ترك طواف القدوم الواجب. ويخالف نص طريق موسى بن عقبة المذكور
قبل، إذ فيه تصريح بأنه طاف حين قدم ولم يزد عليه، واكتفى بطوافه الأول.
ومنها: ما قال الأبي المالكي في ((الإكمال)) (١): فطاف بالبيت يعني
طواف القدوم، وقوله: ((ورأى)) أن قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول
يعني الطواف بالصفا والمروة، وأما الطواف بالبيت، وهو طواف الإفاضة، فهو
ركن، فلا يكتفي عنه بطواف القدوم في القران، ولا في الإفراد، انتهى.
وأنت خبير بأنه مخالف لظاهر السياق، فإن المذكور في الحديث أولاً
طواف البيت والصفا والمروة معاً، وجعله كله كافياً فكيف التخصيص؟.
ومنها: ما حكاه الزرقاني وغيره عن بعض الحنفية أنه طاف لهما طوافاً
واحداً، أي طاف لكل منهما طوافاً يشبه الطواف الذي للآخر، انتهى. وهذا
أَيضاً بعيد، لكنه مع بعده لا يردُّه لفظ الحديث، كما لا يخفى.
ومنها: ما بسطه الطحاوي في ((شرح المعاني))(٢): وأراد بالقِران المتعة
والمتمتع يسقط عنه طواف القدوم، فلم يبق إلا طوافه الأول يوم الإفاضة، وهو
أيضاً بعيد يأبى عنه صريح ألفاظ الروايات بأنه أهلّ بهما معاً قبل الوصول إلى
مکة .
ومنها: ما في ((العرف الشذي)) (٣): أنه طاف طواف العمرة، وأدرج فيه
طواف القدوم للحج لا طواف الزيارة، انتهى. وذكر فيه أيضاً قبل ذلك، لكني
ما وجدت أحداً قال: بإدراج طواف القدوم في طواف الزيارة، إلا أنهم قالوا:
إنه لو ترك طواف القدوم لا شيء عليه؛ لأنه ترك سنة.
(١) (٣٦٥/٣).
(٢) (٤٠٤/١).
(٣) انظر ((معارف السنن)) (٣٨٩/٦).
٢٧٠

٢٠ - كتاب الحج
(٣١) باب
(٧٩١) حديث
وفي عبارة في ((معاني الآثار)) أنه عليه السلام لم يطف طواف القدوم،
انتهى. قلت: أصل هذا التوجيه مأخوذ عن كلام الطحاوي إذ قال: لكن وجه
ذلك عندنا - والله أعلم -، أنه لم يطف لحجته قبل يوم النحر؛ لأن الطواف
الذي يفعل قبل يوم النحر في الحجة، إنما يفعل للقدوم لا لأنه من صلب
الحجة، فاكتفى ابن عمر - رضي الله عنهما - بالطواف الذي كان فعله بعد
القدوم في عمرته عن إعادته في حجته، انتهى.
ومنها: ما قال الحافظ (١): قوله: ((بطوافه الأول)) أي الذي طافه يوم
النحر للإفاضة، وتوهم بعضهم أنه أراد طواف القدوم، فحمله على السعي،
وقال ابن عبد البر: فيه حجة لمالك في قوله: إن طواف القدوم إذا وصل
بالسعي يجزئ عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلاً، أو نسيه حتى رجع إلى
بلده، وعليه الهدي، قال: ولا أعلم أحداً قال به غيره وغير أصحابه.
وتُعُقِّبَ بأنه إن حمل قوله: ((طوافه الأول)) على طواف القدوم، فإنه أجزأ
عن طواف الإفاضة كان ذلك دالًّا على الإجزاء مطلقاً، ولو تعمد لا بقيد
الجهل والنسيان لا إذا حملنا قوله: ((طوافه الأول)) على طواف الإفاضة يوم
النحر أو السعي، ويؤيد الثاني حديث جابر عند مسلم (لم يطف النبي ◌َّ، ولا
أصحابه بين الصفا والمروة، إلا طوافاً واحداً طوافه الأول)) وهو محمول على
ما حمل عليه حديث ابن عمر المذكور، انتهى.
وقال أيضاً في الإحصار: حمله بعضهم على طواف القدوم، وهو
مشکل، كما تقدم، انتهى.
ومنها: ما بسطه الموفق في ((المغني)) (٢): أن المراد الطواف الواحد
(١) ((فتح الباري)) (٤٩٦/٣) و(٤/٤، ٨).
(٢) انظر: ((المغني)) (٣١٤/٥).
٢٧١

٢٠ - كتاب الحج
(٣١) باب
(٧٩١) حديث
للزيارة بعد الرجوع عن منى، بخلاف المتمتع، فإنه يطوف عند الإمام أحمد إذ
ذاك طوافين طواف القدوم وطواف الزيارة، لأن المتمتع لم يأت بطواف القدوم
قبل ذلك، والطواف الذي طافه قبل الخروج إلى منى كان للعمرة، وقال: نص
أحمد على أنه مسنون في رواية الأثرم، قال: قلت لأبي عبدالله: إذا رجع أعني
المتمتع كم يطوف ويسعى؟ قال: يطوف ويسعى لحجته. ويطوف طوافاً آخر
للزيارة، عاودناه في هذا غير مرة، فثبت عليه.
,
واحتج بما روت عائشة قالت: طاف الذين أهلَّوا بالعمرة وبين الصفا
والمروة، ثم حلوا، فطافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما
الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً واحداً، فحمل أحمد قول
عائشة على أن طوافهم لحجهم طواف القدوم، انتهى. وعلى هذا فمعنى
قوله: طوافاً واحداً أي يوم النحر للزيارة فقط لا للقدوم طوافاً آخر، كما
يفعله المتمتع عندهم، وسيأتي كلام الموفق بتمامه في ((باب دخول الحائض
مکة)) .
ومنها: ما قال السندي على البخاري: قوله: ((بطوافه الأول)) أي بأول
طواف طافه بعد النحر والحلق، فإنه هو ركن الحج عندهم لا الذي طافه حين
القدوم، وإن كان هو المتبادر من اللفظ، فإنه للقدوم، وليس بركن للحج، ولا
يخفى أن بعض روايات ابن عمر - رضي الله عنهما - يبعد هذا التأويل،
ويقتضي أن الطواف الذي يجزئ عنهما، هو الذي حين القدوم، ففي رواية
البخاري السابقة ((ثم قدم فطاف لهما طوافاً واحداً)).
وسيجيء في ((باب من اشترى الهدي من الطريق)) بلفظ: ((ثم قدم فطاف
لهما طوافاً واحداً، فلم يحل حتى حل منهما جميعاً))، وسيجيء في ((باب
الإحصار): وكان يقول - أي ابن عمر -: ((لا يحل حتى يطوف طوافاً واحداً
يوم يدخل مكة))، وفي بعض روايات صحيح مسلم: ((فخرج حتى إذا جاء البيت
٢٧٢

٢٠ - كتاب الحج
(٣١) باب
(٧٩١) حديث
طاف به سبعاً وبين الصفا والمروة سبعاً لم يزد عليه))، ورأى أنه مجزئ عنه
وأهدى، وفي أخرى: ((ثم طاف لهما طوافاً واحداً بالبيت وبين الصفا والمروة،
ثم لم يحل منهما حتى أحل منهما بحجة يوم النحر))، وفي رواية أخرى: ((ثم
انطلق يهل بهما جميعاً حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ولم يزد
على ذلك، ولم ينحر، ولم يحلق حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق، ورأى أن
قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول)).
والنظر في هذه الرواية يبعد ذلك التأويل، لكن القول بأنه لا يرى طواف
الإفاضة مطلقاً، أو للقارن أيضاً قول بعيد، بل قد ثبت عند طواف الإفاضة في
(صحيح مسلم))، فأما أنه لا يرى طواف الإفاضة للقارن ركن الحج، بل يرى
أن الركن في حقه هو الأول، والإفاضة سنة أو نحوها، وهذا لا يخلو عن
بعد، أو أنه يرى دخول طواف العمرة في طواف القدوم للحج، ويرى أن
طواف القدوم من سنن الحج للمفرد، إلا أن القارن يجزئه ذلك عن سنة القدوم
للحج وعن فرض العمرة، وتكون الإفاضة عنده ركناً للحج فقط.
هذا غاية ما ظهر لي في التوفيق بين روايات حديث ابن عمر، ولم أر
أحداً تعرض لذلك مع البسط وجمع الطرق إلا ما قيل: إن المراد بالطواف
السعي بين الصفا والمروة، ولا يخفى بعده أيضاً، فإن مطلق اسم الطواف
ينصرف إلى طواف البيت سيما وهو مقتضى الروايات، انتهى ما في
(«السندي)) .
قلت: وأقرب التوجيهات عندي هو ما تقدم عن الطحاوي من الاكتفاء
بطواف العمرة عن طواف القدوم، وهذا وإن لم يوافق الحنفية، لكن تتفق عليه
جميع ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - في هذا الباب، فلا بُعْد في أن
يكون مذهبه كذلك، فإنه مجتهد ليس بمقلد للحنفية.
وعلى هذا، فمعنى قوله: طاف لهما طوافاً واحداً، أي لركن العمرة
٢٧٣

٢٠ - كتاب الحج
(٣١) باب
(٧٩١) حديث
قَالَ مَالَكٌ: فَهُذَا الأَمْرُ عِنْدَنَا. فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوِّ. كَمَا أُحْصِرَ
النَّبِيُّ وَّةٍ وَأَصْحَابُهُ. فَأَمَّا مَنْ أَحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوِّ، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ دُونَ
الْبَيْتَ .
وقدوم الحج، ومعنى قوله: طوافه الأول أي طواف العمرة، ومعنى قوله: أي
مجزئ عنه أي عن القدوم، ومعنى قوله: لم يزد عليه أي حين قدم حتى يوم
النحر، وذلك لأن طواف الإفاضة عنه ثابت.
ومعنى ما في إحصار البخاري من طريق جويرية بلفظ: وكان يقول
لا يحل حتى يطوف طوافاً واحداً يوم يدخل مكة، أن المفرد إذا لم يدخل
مكة، بل وصل إلى عرفة يسقط عنه طواف القدوم، وكذلك إذا دخل
مكة، لكنه لم يطف للقدوم، فيجوز له أن يتحلل بعد طواف الإفاضة،
لكن القارن لا يسقط عنه طوافه الأول؛ لكون طوافه متضمناً لطواف العمرة
وهو ركن، فلا يجوز له أن يحلّ حتى يطوف للعمرة والقدوم يوم يدخل
مكة .
(قال مالك: فهذا الأمر) أي الحكم الذي ذكر في هذا الباب (عندنا فيمن
أحصر) ببناء المجهول (بعدو كما أحصر النبي ◌َّ وأصحابه) في الحديبية،
وتحلل موضع حصره، فكذلك يتحلل موضع الحصر من أحصر بعدو.
(قال مالك) هكذا في النسخ الهندية وليست في المصرية هذه الكلمة بل
الكلام كله مذكور في القول السابق وهو الأوجه.
(فأما من حُصِر بغير عدو) كمرض ونحوه (فإنه لا يحل دون البيت) ولا
يثبت له حكم الإحصار (١) كما سيأتي في الباب اللاحق.
(١) انظر: ((المجموع)) (٢٦٧/٨) و((المغني)) (٢٠٣/٥).
٢٧٤

٢٠ - كتاب الحج
(٣٢) باب
(٧٩٢) حديث
(٣٢) باب ما جاء فيمن أحصر بغير عدوّ
٧٩٢/ ١٠٠ - حدّثني يَحْبَى عَنْ مَالَكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ
سَالِمٍ بْنِ عَبْدِاللهِ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ لا
يَجِلَّ. حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
(٣٢) ما جاء فيمن أحصر بغير عدو
وتقدمت المذاهب(١) في ذلك في مبدأ الباب السابق.
١٠٠/٧٩٢ - (مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبدالله عن) أبيه
(عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (أنه قال: المحصر بمرض لا يحل) بفتح
أوله وكسر ثانيه وتشديد ثالثه، أي لا يخرج من إحرامه في موضع حصل له
المرض، بل يستمر في إحرامه (حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة)
للحج إن بقي وقته بعد زوال العذر، وإلا فللعمرة عند الشافعي ومالك، وهو
المشهور عن أحمد، وفي أخرى له، وبه قالت الحنفية: أن يتحلل، كما تقدم
في الفرع الأول من الفروع الماضية في أول الباب الماضي.
قال الباجي(٢): وإذا ثبت ذلك، فسواء شرط عند إحرامه التحلل
للمرض، أو لم يشترط؛ لأن كل ما لا يجوز الخروج به من العبادة بغير شرط،
فإنه لا يجوز الخروج به من العبادة لأجل الشرط، وتقدم الكلام على الشرط
في الفرع العاشر من الفروع الماضية في الباب الأول، ثم أثر الباب هكذا في
جميع النسخ التي بأيدينا من الهندية والمصرية والشروح والمتون.
وقال الحافظ في ((الفتح)) (٣) بعدما ذكر الاختلاف المشهور في الحصر:
(١) انظر: ((البدائع)) (١٧٢/٢ - ١٧٥) و((فتح القدير)) (٢٩٥/٢ - ٣٠٤) و((بداية المجتهد))
(٣٤٢/١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٧٦/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٣/٤).
٢٧٥

٢٠ - كتاب الحج
(٣٢) باب
(٧٩٣) حدیث
فَإِذَا اضْطَرَّ إِلَى لُبْسِ شَيءٍ مِنَ الفِّيَابِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا، أَوِ
الذَّوَاءِ، صَنَعَ ذُلِكَ وَاقْتَدَى.
١٠١/٧٩٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِّ وََّ، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: الْمُخْرِمُ لَا يُحِلُّهُ
إِلَّا الْبَيْتُ.
هل هو عام أو خاص بالعدو؟ وفي المسألة قول ثالث، حكاه ابن جرير وغيره،
وهو أنه لا حصر بعد النبي ◌ّ﴾، وروى مالك في ((الموطأ)) عن ابن شهاب عن
سالم عن أبيه: ((المحرم لا يحل حتى يطوف))، أخرجه في ((باب ما يفعل من
أحصر بغير عدو))، انتهى. وأخرجه الشافعي في ((الأم)) برواية مالك بهذا
السند؛ (المحصر لا يحل حتى يطوف بالبيت)) ... الحديث، ثم قال: قال
الشافعي: يعني المحصر بالمرض، انتهى. وظاهرهما أن لفظ ((بالمرض)) ليس
فيه، لكنه موجود في جميع النسخ التي بأيدينا .
(فإن اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لا بد له منها) أي من الثياب
لأجل المرض (أو الدواء) الممنوع في الإحرام، كالمطيب وغيره (صنع ذلك)
أي استعمله (وافتدى) ولا إثم عليه، والأصل في ذلك قوله عز اسمه: ﴿فَنْ كَانَ
مِنْكُم فَرِيضًا أَوْ بِةَ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَاءٍ﴾(١) الآية، وسيأتي تفصيل الفدية
في محله.
١٠١/٧٩٣ - (مالك، عن يحيى بن سعيد، أنه بلغه، عن عائشة زوج
النبي (وَلّ) وأخرجه ابن جرير عنها بإسناد صحيح، كما سيأتي في كلام
الحافظ، وفي ((المحلى)): قال البيهقي: قد رويناه من أوجه عن هشام، عن
أبيه، عن عائشة موصولاً، انتهى. (أنها كانت تقول: المحرم لا يُحِلُّه) من
الإفعال (إلا البيت) ظاهره أنها لا ترى الإحصار مطلقاً، ولذا قال الحافظ، كما
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
٢٧٦

٢٠ - كتاب الحج
(٣٢) باب
(٧٩٤) حدیث
٧٩٤/ ١٠٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيْمَةَ
السَّخْتَيَانِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، كَانَ قَدِيماً؛ أَنّه قَالَ:
خَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا
تقدم قريباً: وفي المسألة قول ثالث، حكاه ابن جرير وغيره: أنه لا حصر بعد
النبي وَلّ، ثم قال بعد ما ذكر أثر سالم المذكور قبل: وأخرج ابن جرير عن
عائشة بإسناد صحيح، قالت: لا أعلم المحرم يحل بشيء دون البيت، وعن
ابن عباس بإسناد ضعيف: لا إحصار اليوم، وروي ذلك عن عبدالله بن الزبير،
انتھی .
وأشار المصنف بذكر هذا الأثر في الباب أنه محمول على من أحصر
بغير عدو، وقال ابن عبد البر(١): معناه المحرم بمرض مرضاً لا يقدر أن يصل
إلى البيت، فيبقى على حاله، فإن احتاج إلى لبس أو دواء فعل وافتدى، فإذا
برئ أتى البيت وطاف وسعى، فهو كقول ابن عمر سواء، انتهى.
١٠٢/٧٩٤ - (مالك، عن أيوب بن أبي تميمة) كيسان (السختياني) بفتح
السين وسكون المعجمة وفتح المثناة الفوقية (عن رجل من أهل البصرة) قال أبو
عمر: هو أبو قلابة عبدالله بن زيد الجرمي، شيخ أيوب ومعلِّمُهُ، كما رواه
حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة، كذا في ((الزرقاني))(٢)، وفي ((المحلى)):
سماه ابن جرير في بعض طرقه؛ أنه يزيد بن عبدالله الشخير، انتهى. (كان
قديماً) هكذا أخرجه الشافعي في ((الأم)) برواية مالك، ثم تابعه بقوله: أخبرنا
إسمعيل بن علية عن رجل كان قديماً، وأحسبه قد سماه وذكر نسبه، وسمى
الماء الذي أقام به الدثنة، وحدث شبيهاً بمعنى حديث مالك، انتهى.
وفي ((المحلى)): قوله: كان قديماً، أي شيخاً (أنه) أي الرجل البصري
(قال: خرجت إلى مكة) أي معتمراً، كما يدل عليه الجواب الآتي (حتى إذا
(١) انظر ((الاستذكار)) (١٢ / ١٠١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٥/٢).
٢٧٧

٢٠ - كتاب الحج
(٣٢) باب
(٧٩٥) حديث
كُنْتُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ كُسِرَتْ فَخِذِي، فَأَرْسَلْتُ إِلَى مَكَّةَ وَبِهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
عَبَّاس، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَالنَّاسُ. فَلَمْ يُرَخِّصْ لِي أَحَدٌ أَنْ أَحِلَّ،
فَأَقَمْتُ عَلَى ذُلِكَ الْمَاءِ سَبْعَةَ أَشْهُرِ. حَتَّى أَحْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ.
١٠٣/٧٩٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَالِمُ بْن عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حُبِسَ دُونَ
الْبَيْتِ بِمَرَضٍ، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةِ.
كنت ببعض الطريق) زاد جماعة: وقعت عن راحلتي (كُسِرَتْ) بسكون التاء ببناء
المجهول (فخذي) نائب فاعله (فأرسلت) بصيغة المتكلم (إلى مكة) رسولاً
(وبها) أي بمكة (عبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر، والناس) الفقهاء من
الصحابة والتابعين، أستفتيهم في التحلل.
(فلم يرخص) ببناء الفاعل من الترخيص، أي لم يجوز (لي أحد أن أحل)
وفي رواية حماد: فأرسلت إلى ابن عمر وابن عباس، فقالا: العمرة ليس لها وقت
كوقت الحج يكون على إحرامه حتى يصل إلى البيت (فأقمت) بصيغة المتكلم (على
ذلك الماء) الذي كسرت فخذي عنده (سبعة أشهر حتى أحللت بعمرة) بعد الصحة.
والأثر يحتمل أن يكون من باب الإحصار بالمرض، كما أشار إليه
المصنف بالترجمة، ويحتمل أن يكون من باب الإحصار بالعمرة، كما تقدم في
الفرع الثاني من فروع الباب الأول، مما ذكر محب الدين الطبري عن ابن عمر
وابن عباس؛ أنه لا يتحقق الإحصار في العمرة لعدم التأقيت وخوف الفوات.
١٠٣/٧٩٥ - (مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبدالله
بن عمر؛ أنه قال: من حبس) ببناء المجهول (دون البيت بمرض فإنه لا يحل)
بفتح الياء وكسر الحاء، أي لا يخرج من إحرامه (حتى يطوف بالبيت وبين
الصفا والمروة) أي يسعى بينهما، وإطلاق الطواف على السعي شائع في
النصوص، والأثر يحتمل الأمرين المذكورين قبل ذلك.
٢٧٨

٢٠ - كتاب الحج
(٣٢) باب
(٧٩٥) حدیث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بَنِ
يَسَارِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ حُزَابَةَ الْمَخْزُومِيَّ، صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكّْةَ، وَهُوَ
ے
مُحْرِمٌ.
(مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، أن معبد بن حزابة
المخزومي) اختلفت نسخ ((الموطأ)) في ذكر هذا الرجل، ففي نسخة الزرقاني،
وكذا في بعض النسخ الهندية القديمة ((سعيد بن حزابة))، وكذا في نسخة
((التنوير)) المصرية(١)، وكذا في النسخة المصرية التي على هامش ((المصابيح))،
وكذا في ((جمع الفوائد)) برواية مالك، وذكره في نسخة ((المنتقى)) للباجي بلفظ
(معبد بن حزابة))، وكذا في بعض النسخ المصرية والنسخة القديمة والمجتبائية
الهنديتين، وكذا ذكره شيخنا الشاه ولي الله في ((المصفى)). قال الزرقاني:
حزابة بضم الحاء المهملة وفتح الزاي فألف فموحدة فهاء، انتهى.
وهكذا ضبطه الشوكاني في ((النيل)) (٢)، لكن صاحب ((المنتقى)) لم يذكر
اسمه، بل ذكر عن سليمان بن يسار أن ابن حزابة المخزومي صرع ...
الحديث، قال الشوكاني: سليمان بن يسار لم يدرك القصة، انتهى. وهكذا
أخرجه البيهقي بلفظ ((ابن حزابة)) ولم يذكر اسمه، وضبطه صاحب ((المحلى))
بضم الحاء المهملة وخفة الراء وبالباء الموحدة، ابن سعيد بن وهب بن
عمرو بن عائذ بن عمران بن مخرم، تابعي، انتهى. ولم أجده في كتب الرجال
إلا في رجال ((جامع الأصول)) في ترجمة معبد، ذكر نسبه بنحو ما تقدم عن
((المحلى)) مع التحريف فيه.
(صرع) أي سقط عن دابته (ببعض طريق مكة وهو محرم) قال الباجي(٣):
(١) وكذا في نسخة ((الاستذكار)) (٩٤/١٢).
(٢) انظر ((نيل الأوطار)) (٤٥٠/٣).
(٣) ((المنتقى)) (٢٧٧/٢).
٢٧٩

٢٠ - كتاب الحج
(٣٢) باب
(٧٩٥) حديث
فَسَأَلَ: مَنْ يَلَي عَلَى الْمَاءِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ؟
ليس فيه ما يدل على أن إحرامه كان بحج أو عمرة، إلا أن قول المفتين له:
((ثم عليه حج قابل)) يقتضي أن إحرامه كان بالحج، وأنه قد بين ذلك لهم في
سؤاله، وعرفوا ذلك من حاله، ولو كان محرماً بعمرة لم يكن عليه قضاء حج
في المستقبل، ولو لم يعرفوا صفة إحرامه لما أفتوه حتى سألوه عن مقتضاه،
انتهى. قلت: لكن في ((المنتقى)) برواية مالك وهو محرم بالحج (فسأل من يلي
على الماء الذي كان عليه عن العلماء)، اختلفت نسخ ((الموطأ)) في هذا اللفظ
أيضاً، وما ذكرنا من السياق، هو ما أطبق عليه جميع النسخ المصرية من
المتون والشروح إلا الزرقاني، فليس فيها لفظ ((عن العلماء)) بل زاده في
الشرح، وكذا ليس في ((جمع الفوائد)) ولا ((المنتقى)).
قال الباجي(١): يريد أنه سأل عمن يستفتيه في أمره من الحالين على
الماء إن كان يحضر موضعه منهم أحد، فوجد به عبدالله بن عمر، إلى آخره.
وفي ((جمع الفوائد)): فسأل عن ذلك الماء الذي كان عليه فوجد ... إلى
آخره. ولفظ الإشارة لا يوجد في نسخة غيرها، وفي ((المنتقى)): فسأل على
الماء الذي كان عليه.
قال الشوكاني(٢): قوله: ((على الماء)) هكذا في بعض نسخ هذا الكتاب،
وفي بعضها: عن الماء، وفي نسخة صحيحة من ((الموطأ)): على الماء، فنسخ
بـ((عن))، انتهى. في جميع النسخ الهندية: فسأل من يلي الماء الذي كان عليه
فوجد ... إلى آخره.
قال الشيخ في ((المصفى))(٣): پس سوال كرد آن علماء راكه بودند متصل
(١) ((المنتقى)) (٢٧٨/٢).
(٢) ((نيل الأوطار)) (٤٥١/٣).
(٣) (٣٠٢/١). وهو شرح ((الموطأ)) للدهلوي باللغة الفارسية.
٢٨٠