النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٠ - كتاب الحج (٣٠) باب (٧٨٩) حديث فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ فَل﴿ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ. (فجعل رسول الله وَ لا يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر) الذي ليس فيه المرأة منعاً له عن مقتضى الطبع، وردّاً إلى مقتضى الشرع، وقال ابن عبد البر(١)، وتبعه عياض: فيه ما يلزم الأئمة من تغيير ما يخشى فتنته ومنعه ما ينكر في الدين، وقال النووي: فيه حرمة النظر إلى الأجنبية، وتغيير المنكر بالید لمن قدر عليه. وقال الأبي(٢): الأظهر أن صرفه وجه الفضل ليس للوقوع في المحرم، كما يعطيه كلام عياض والنووي، وإنما هو لخوف الوقوع، كما يعطيه كلام القرطبي، وقال العراقي: إن أراد النووي تحريم النظر عند خوف الفتنة، فهو محل وفاق من العلماء، وإن أراد الأعم، ففي حالة الأمن خلاف مشهور للعلماء، وهما وجهان، ولا يصح الاستدلال بالحديث على التحريم في هذه الحالة؛ لأن الأمر محتمل لكل منهما، بل الظاهر أنه # خشي الفتنة كما صرح به في حديث جابر عند الترمذي قال: ((رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما))، قاله الزرقاني(٣). قال الباجي(٤): ولم ينقل أنه نهى المرأة عن النظر إلى الفضل، ولا صرف وجهها إلى الشق الآخر، وإن كانت المرأة ممنوعة من النظر إلى الرجل، وقد قال تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبَصَدِهِمْ﴾(٥) الآية ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ﴾ الآية(٦)، ويحتمل أن يكون هو ترك ذلك لما احتمل (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٩١/٢). (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤٣٠/٣). (٣) (٢٩١/٢). (٤) ((المنتقى)) (٣٦٨/٢). (٥) سورة النور: الآية ٣٠. (٦) سورة النور: الآية ٣١. ٢٢١ ٢٠ - كتاب الحج (٣٠) باب (٧٨٩) حدیث نظرها إلى جهة أنه لم يكن، إلا لسؤالها عن مسألتها، إذا كانت من النبي في جهة يتضمنها نظرها، فكان نظرها إلى تلك الجهة مقصداً جائزاً، فترك الإنكار عليها لذلك، والفضل لم يكن لنظره إلى جهتها مقصد جائز غير تأملها، ويحتمل أن يكون و * اجتزأ بصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر؛ لأن ذلك يمنع نظر المرأة إلى شيء من وجه الفضل، فكان في ذلك منعاً للفضل من النظر إليها، ومنعاً لها من النظر إليه. ويحتمل أن يكون رسول الله ◌َّ اجتزأ بمنع الفضل من النظر إليها لما رأى أنها تعلم بذلك منع نظرها إليه؛ لأن حكمها في ذلك حكمه، ولعلها لما صرف وجه الفضل فهمت ذلك، فصرفت وجهها أو بصرها عن النظر إليه، انتھی . وقال الشيخ في ((البذل))(١): وإنما لم يمنعها، ولم يأمر بصرف النظر عنه؛ لأن صرف وجه أحدهما يغني عن الآخر، ويحتمل أن يكون وَّ لم يخف منها الشهوة، انتهى. قلت: ولا يبعد أن يقال: إن نظر الرجل إلى المرأة في حالة الشك أشدّ من نظرها إليه، ففي ((الهداية)): فإن كان في قلبها شهوة أو أكبر رأيها أنها تشتهي أوشَكَّتْ في ذلك، يستحب لها أن تغض بصرها. ولو كان الناظر هو الرجل إليها، وهو بهذه الصفة لم ينظر، وهذا إشارة إلى التحريم، ووجه الفرق أن الشهوة عليهن غالب، وهو كالمتحقق اعتباراً، فإذا اشتهى الرجل كانت الشهوة من الجانبين موجودة. ولا كذلك إذا اشتهت المرأة؛ لأن الشهوة غير موجودة في جانبه حقيقة واعتباراً، فكانت من جانب واحد، والمتحقق من الجانبين في الإفضاء إلى المحرَّم أقوى من المتحقق في جانب واحد، انتهى. (١) ((بذل المجهود)) (٢١/٩). ٢٢٢ ٢٠ - كتاب الحج (٣٠) باب (٧٨٩) حدیث فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخاً كَبِيراً، لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: (نَعَمْ)). (فقالت) الخثعمية (يا رسول الله إن فريضة الله) زاد في النسخ الهندية (على العباد) وليست هذه الزيادة في النسخ المصرية (في الحج) أي في أمره وشأنه، ويمكن ((في)) بمعنى ((من)) البيانية، كذا في ((المرقاة))(١). (أدركت) أي الفريضة (أبي) مفعول ولم يسم الأب (شيخاً) حال (كبيراً) نعت له (لا يستطيع أن يثبت على الراحلة) نعت آخر، أو من الأحوال المتداخلة، أو شيخاً بدل لكونه موصوفاً، أي وجب عليه الحج بأن أسلم وهو شيخ كبير. (أفأحج عنه؟) أي أيجوز لي أن أنوب عنه، فأحج عنه؟؛ لأن ما بعد الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوف على مقدر، والمعنى: أيصح منّي أن أكون نائبة عنه في الحج؟ وهذا كله على المشهور. قال صاحب ((المحلى)): المشهور فيه فتح الهمزة وضم الحاء أي أحرم عنه بنفسي، قيل: وروي بضم الهمزة وكسر الحاء، أي آمر أحداً أن يحج عنه، انتهى. (قال: نعم) وفي حديث أبي هريرة فقال: ((احجج عن أبيك)). واختلفت الروايات في أن السائل رجل أو امرأة، والمسؤول عنه أبوه أو أمه، قال الحافظ(٢): اتفقت الروايات كلها عن ابن شهاب على أن السائلة كانت امرأة، وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن إسحق عن سليمان، فاتفق الرواة عنه على أن السائل رجل ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه، أما إسناده، فقال هشيم: عنه عن سليمان عن عبد الله بن عباس. وقال محمد بن سيرين: عنه عن سليمان عن الفضل أخرجهما النسائي، وأما المتن فقال هشيم أن رجلاً سأل، فقال: إن أبي مات، وقال ابن سيرين: فجاء رجل، فقال: إن (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٧/٥). (٢) (فتح الباري)) (٦٨/٤). ٢٢٣ ٢٠ - كتاب الحج (٣٠) باب (٧٨٩) حديث أمي عجوز كبيرة، وخالف الجميع معمر عن يحيى بن أبي إسحق، فقال في روايته: ((إن امرأة سألت عن أمها))، وهذا الاختلاف كله عن سليمان بن يسار. ثم قال بعد ما بسط اختلاف الروايات: والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق، أن السائل رجل، وكانت ابنته معه، فسألت أيضاً، والمسؤول عنه أبو الرجل وأمه جميعاً، ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي، من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل بن عباس قال: كنت رِدْف النبي ◌َّ، وأعرابي معه بِنْتُ له حسناء، فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله وَله رجاء أن يتزوجها، وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبي وَّ برأسي، فيلويه. فعلى هذا قول الشابة: إن أبي، لعلها أرادت به جدها؛ لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبي وَ ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها، فلما لم يرضها سأل أبوها عن أبيه، ولا مانع أن يسأل أيضاً عن أمه. وتحصل من هذه الروايات أن اسم الرجل حصين بن عوف الخثعمي، وأما ما وقع في الرواية الأخرى أنه أبو الغوث بن حصين، فإن إسنادها ضعيف، ولعله كان فيه عن أبي الغوث حصين، فزيد في الرواية ابن، أو أن أبا الغوث أيضاً كان مع أبيه حُصين، فسأل كما سأل أبوه وأخته، والله أعلم، انتھی . والأوجه عندي في الجمع بين ذلك: أن البنت المذكورة كانت مع عم لها لا أبيها، فإن التجوز في حديث أبي يعلى من لفظ ((معه بنت له)) أهون من التجوز في جميع الروايات المختلفة الواردة فيها: ((إن أبي شيخ كبير))، فهي سألت عن أبيها، وعمها سأل عن أبيه، وأيضاً على ما أفاده الحافظ لم يبق الفاقة إلى سؤاله عن أبيه بعدما سألت هي عنه. ثم قال الحافظ: ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر، وهو ٢٢٤ ..---- - ٢٠ - كتاب الحج (٣٠) باب (٧٨٩) حدیث وَذُلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ١ - باب وجوب الحج وفضله. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٧١ - باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوها، أو للموت، حديث ٤٠٧. أبو رزين بفتح الراء وكسر الزاي، العقيلي بالتصغير، واسمه لقيط بن عامر، وهذه قصة أخرى، ومن وَحَّدَ بينها وبين حديث الخثعمي، فقد أبعد وتكلف، انتھی . وحديث الباب حجة الجمهور في الفرع التاسع من الفروع المتقدمة، واستدل به أيضاً من قال: تجب الاستنابة على المعضوب، كما تقدم في الفرع الثاني، ومن قال: بجواز الحج عن الحي، كما تقدم في الفرع الثالث، وحمله المالكية على الخصوصية، واستدل بعمومه من قال: بجواز الحج عن الغير لمن لم يحج عن نفسه، كما تقدم في الفرع الثامن. وقال ابن العربي: حديث الخثعمية أصل متفق على صحته في الحج خارج عن القاعدة المستقرة في الشرع من ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ رفقاً من الله في استدراك ما فرط فيه المرء بولده وماله، وتُعُقِّب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي، وبأن عموم السعي في الآية مخصوص اتفاقاً، كذا في (الفتح))(١). (وذلك في حجة الوداع) وتقدم في أول الحديث عن الترمذي وغيره ما يدل على أن السؤال المذكور وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي، وفيه إباحة التسمية بحجة الوداع خلافاً لمن كره ذلك. (١) ((فتح الباري)) (٧٠/٤). ٢٢٥ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب (٣١) باب ما جاء فيمن أحصر بعدو (٣١) ما جاء فيمن أَخْصِر - ببناء المجهول - بعدوِ قال الراغب(١): الحصر والإحصار: المنع من طريق البيت، فالإحصار يقال في المنع الظاهر كالعدو، والمنع الباطن كالمرض، والحصر لا يقال إلا في المنع الباطن، فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾(٢)، فمحمول على الأمرين، انتهى. وقال المجد: الحصر كالضرب والنصر: التضييق، والحبس عن السفر وغيره، كالإحصار، وأحصره المرض أو البول: جعله يحصر نفسه، انتهى. واختلفت الأئمة في هذا الباب بعد اتفاقهم على أن حكم المحصر لا يختص بالنبي ◌َّ، كما توهمه بعضهم اختلفوا من فروعه في مسائل كثيرة. حكى العيني في ((شرح الهداية)) عن الأسبيجابي والوتري والكرماني أنهم اختلفوا في الإحصار في اثنين وستين موضعاً، ثم بسطها، لكنا نقتصر منها على ما لا بد من معرفتها لناظر الحديث. الأول: ما في ((العيني))(٣): وهو اختلافهم في الحصر بأي شيء يكون؟ فقال قوم، وهم عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي والثوري: يكون الحصر بكل حابس من مرض أو غيره من عدو وكسر وذهاب نفقة ونحوها، مما يمنعه عن المضي إلى البيت، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت، وقال آخرون، وهم الليث بن سعد ومالك والشافعي وأحمد وإسحق: لا يكون الإحصار إلا بالعدو فقط، ولا يكون بالمرض، وهو قول عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، انتهى. . ومعنى قولهم: لا يكون الإحصار بالمرض، أي لا يجوز له التحلل (١) ((المفردات)) (ص٢٣٨). (٢) سورة البقرة: الآية ١٩٦. (٣) ((عمدة القاري)) (٤٤٦/٧). ٢٢٦ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب بذلك، وهذا مقيد عند الإمام الشافعي وأحمد بعدم الاشتراط، فإن اشترط عند الإحرام التحلل بالمرض ونحوه يجوز له التحلل عندهما، كما سيأتي. قال العيني في ((البناية)): الإحصار من عذر، أو مرض، أو كسر، أو قطاع طريق، وبكل حابس، هو مذهب ابن عباس، وابن مسعود، وعطاء، والنخعي، وأبي ثور، والثوري، وعروة، ومجاهد، وعلقمة، والحسن، وسالم، والقاسم، وابن سيرين، والزهري، وأبي عبيد، وأبي عبيدة، وداود، وأصحابه. وقال الفضل بن سلمة: قال بعض الفقهاء: لا يكون إلا من عدو دون المرض، وهو قول مخالف لقول مجتهدي الفقهاء ومذاهب العرب، انتهى . وقال ابن حزم في ((المحلى)) (١): كل من عرض له ما يمنعه من إتمام حجه، أو عمرته من عدو، أو مرض، أو خطأ طريق، أو خطأ في رؤية الهلال، فهو محصر . قال الموفق(٢): أجمع أهل العلم أن المحرم، إذا حضر عدو من المشركين، أو غيرهم، فمنعوه الوصول إلى البيت، فله التحلل، ثم قال: والمشهور في المذهب أن من يتعذر عليه الوصول إلى البيت بغير حصر العدو من مرض، أو عرج، أو ذهاب نفقة، ونحوه؛ أنه لا يجوز له التحلل بذلك. روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر، وبه قال مالك والشافعي وإسحق، وعن أحمد رواية أخرى: له التحلل بذلك، روي نحوه عن ابن مسعود، وهو قول عطاء والنخعي والثوري وأصحاب الرأي وأبي ثور؛ لأن النبي ◌ُّ قال: ((من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى))، رواه النسائي. (١) (٢٠٣/٧). (٢) ((المغني)) (١٩٤/٥). ٢٢٧ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب ولأنه محصر يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ اُلْهَدْيِّ﴾(١) الآية، يحققه أن لفظ الإحصار إنما هو للمرض ونحوه، يقال: أحصره المرض إحصاراً فهو محصر، وحصره العدو حصراً فهو محصور، فيكون اللفظ صريحاً في محل النزاع، وحصر العدو مقيس عليه، إلى آخر ما بسطه من دلائل الفريقين. وقال الزيلعي على ((الكنز)): لنا، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ﴾ الآية، ووجه الاستدلال به أن الإحصار يكون بالمرض، وبالعدو الحصر لا الإحصار، كذا قال أهل اللغة منهم الفرّاء، وابن السكيت، وأبو عبيد، وأبو عبيدة، والكسائي، والأخفش، والقتيبي، وغيرهم من أهل اللغة المتقنين لهذا الفن، وقال أبو جعفر النحاس: على ذلك جميع أهل اللغة، فعُلِمَ بذلك أن الآية نزلت في الإحصار بالمرض، ولئن كان الإحصار بغيره، فهو مطلق، فيتناوله وغيره من الأعذار، ولا وجه لما ذكروه من السبب؛ لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب إلى آخر ما بسط. وإلى التعميم مال البخاري في ((صحيحه)) إذ ذكر بعد آية الإحصار: قال عطاء: الإحصار من كل شيء يحبسه، قال الحافظ: وفي اقتصاره على تفسير عطاء إشارة إلى أنه اختار القول بتعميم الإحصار. قال الجصاص(٢): قال الكسائي وأبو عبيدة وأكثر أهل اللغة: الإحصار المنع بالمرض أو ذهاب النفقة، والحصر حصر العدو، ويقال: أحصره المرض وحصره العدو، وحكي عن الفراء أنه أجاز كل واحد منهما مكان الآخر، وأنكره أبو العباس المبرد والزجاج، وقالا: هما مختلفان في المعنى، ولا يقال في المرض: حصره، ولا في العدو أحصره. (١) سورة البقرة: الآية ١٦٣. (٢) ((أحكام القرآن)) (٢٧٨/١). ٢٢٨ .... ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب وروى ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس قال: لا حصر إلا حصر عدو، فأما من حبسه الله بكسر أو مرض، فليس بحصر. فأخبر ابن عباس أن الحصر يختص بالعدو، وأن المرض لا يسمى حصراً، وهذا موافق لقول من ذكرنا من أهل اللغة من الناس من يظن أن قوله يدل على أن المريض لا يجوز له أن يحل، ولا يكون محصراً، وليس في ذلك دلالة على ما ظن؛ لأنه إنما أخبر عن معنى الاسم، انتهى. وكذلك حكى عنه الباجي(١) إذ قال بعدما بسط أقوال أهل اللغة في أن الإحصار يكون بالمرض: وقد قال ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو، وهو من أهل اللغة واللسان مع التقدم والعلم، انتهى. الثاني: ما قال الموفق (٢): أجمع أهل العلم على أن المحرم إذا حصره عدو، فمنعوه الوصول إلى البيت، ولم يجد طريقاً آمناً، فله التحلل، وقد نص عز اسمه بقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُ لَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيِّ﴾(٣)، وثبت أن النبي ◌َّ أمر أصحابه يوم حصروا في الحديبية أن ينحروا ويحلوا، وسواء كان الإحرام بحج أو بعمرة أو بهما في قول إمامنا، وأبي حنيفة والشافعي، وحكي عن مالك أن المعتمر لا يتحلل، لأنه لا يخاف الفوات، انتهى. قلت: هكذا نقل مذهب مالك عامة نقلة المذاهب من شراح الحديث والفقه وغيرهم، كشراح البخاري تحت ترجمته ((باب إذا أحصر المعتمر))، فمالوا إلى أنه رد إلى ما حكي عن مالك، وكذلك شراح ((الهداية)) تحت قوله: والإحصار عنها يتحقق عندنا، وقال مالك: لا تتحقق؛ لأنها لا تتوقت، انتهى. وهكذا حكى الخلاف السرخسي وغيره. (١) ((المنتقى)) (٢/ ٢٧٣). (٢) ((المغني)) (١٩٤/٥). (٣) سورة البقرة: الآية ١٩٥. ٢٢٩ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب وفي ((البناية)): يتحقق الإحصار في العمرة عند عامة أهل العلم، وهو مذهبنا، وذكر محب الدين الطبري عن ابن عمر وابن عباس: أنه لا يتحقق لعدم التأقيت وخوف الفوات، وذكر ابن قدامة: أنه قول مالك، انتهى. قلت: وما يظهر لهذا العبد الفقير أن النقل عن مالك ليس بصحيح، لا يوافقه ما في كتب فروعه، بل عامتها مصرحة بصحة الحصر عن العمرة، ففي ((الشرح الكبير)): إن منعه أي المحرم عدوٌ كافر، أو فتنة بين المسلمين، أو حبس لا بحق، بل ظلماً بحج - أي فيه - أو عمرة، فله التحلل إن لم يعلم حين إحرامه بما ذكر من العدو وما بعده، فإن علم، فليس له التحلل إلا أن يظن أنه لا يمنعه، فمنعه وأيس من زواله قبل فوات الحج. قال الدسوقي(١): قوله: (فيه)) إشارة إلى أن الباء بمعنى ((في))، أي حالة كونه في حج أو عمرة، ويصح جعلها للملابسة، والأولى جعلها بمعنى (عن)) متعلقة بمنعه، أي إن منعه ما ذكر عن إتمام حج بأن أحصر عن الوقوف والبيت معاً، أو عن إكمال عمرة بأن أحصر عن البيت أو السعي، وقوله: ((فله التحلل)) أي بالنية مما هو محرم به، وقوله: ((إلا أن يظن أنه لا يمنعه فمنعه)) أي فله أن يتحلل حينئذ بالنية، كما وقع له رقمية أنه أحرم بالعمرة عام الحديبة عالماً بالعدو وظاناً أنه لا يمنعه فمنعه، فلما منعه تحلل بالنية وقوله: أيس من زواله ... إلخ، هذا خاص بالحج، وأما العمرة، فالمدار في التحلل منها على ظن حصول الضرر له، إذا بقي على إحرامه لزوال الحصر، انتهى مختصراً، وهذا أوضح كلام في المقصود. وفي ((المدونة))(٢): قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن محرماً بحج أحصر (١) ((حاشية الدسوقي)) (٢/ ٩٢). (٢) (٣٢٧/١). ٢٣٠ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب بعدوّ في بعض المناهل، هل يثبت حراماً حتى يذهب يوم النحر، أو ييأس من أن يبلغ مكة في أيام الحج، أم يحل ويرجع؟ قال: إذا أحصر بعدوٍ غالبٍ لم يعجل برجوع حتى ييأس، فإذا يئس حل مكانه، ورجع، ولم ينتظر، فإن كان معه هدي، نحره، وحلق، وحل، ورجع إلى بلاده، وكذلك في العمرة أيضاً. قلت: هذا قول مالك؟ قال: هذا قوله، انتهى. وقال أيضاً في موضع آخر: قلت لابن القاسم: أرأيت هذا المحصور بعدو إن كان قضى حجة الإسلام، ثم أحصر فَصُدَّ عن البيت، أيكون عليه قضاء هذه الحجة التي صُدَّ عنها؟ قال: لا، قلت: وكذلك إن صُدَّ عن العمرة بعدوٍ حصره؟ قال: نعم لا قضاء عليه، قلت: هذا قول مالك؟ قال نعم، انتھی . قلت: ويؤيد ذلك أن ابن العربي المالكي لم يذكر فيه إلا خلاف ابن سيرين، وحكى إجماع غيره، فقال في ((أحكام القرآن)) له: لا خلاف بين علماء الأمصار أن الإحصار عام في الحج والعمرة، وقال ابن سيرين: لا إحصار في العمرة إلخ. ويؤيده أيضاً ما سيأتي من كلام الشراح المالكية، كالباجي والأبي وغيرهما، تحت روايات البابين، وبسطت في ذلك؛ لأن عامتهم حكوا خلاف الإمام مالك في ذلك، كما تقدم، وبعض الفقهاء حكوا في ذلك خلاف الإمام الشافعي أيضاً، ولا يصح، بل هو أيضاً موافق للجمهور، كما تقدم في كلام الموفق ويؤيده ما في فروعه، قال النووي في ((مناسكه)): إذا أحصر العدو المحرم، عن المضي في الحج كله من كل الطرق، فله التحلل، ثم قال: ويجوز للمحرم بالعمرة التحلل، إذا أحصر كالحج، انتهى. وفي ((شرح المنهاج)): من أحصر عن المضي في نسكه تحلل جوازاً، حاجاً كان أو معتمراً لنزول قوله تعالى حين أحصروا بالحديبية، وهم حُرُمٌ: ٢٣١ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ﴾ الآية، والأولى لمعتمرٍ وحاج اتسع زمن إحرامه الصّبْرُ إن رجا زوال الإحصار، نعم، إن غلب على ظنه انكشاف العدو، وإمكان الحج، أو قبل ثلاثة أيام في العمرة امتنع تحلله لقلة المشقة حينئذ، انتهى مختصراً، وهكذا في فروعه الآخر. فالحق أن لا خلاف في المسألة للأئمة، نعم، فيه خلاف لبعض السلف، كما حكاه الطحاوي عن قوم، وحكاه الجصاص في ((أحكام القرآن))(١) عن ابن سيرين فقال: الإحصار من الحج والعمرة سواء، وحكي عن محمد بن سيرين أن الإحصار يكون من الحج دون العمرة، وذهب إلى أن العمرة غير موقتة، وأنه لا يخشى الفوات. وقد تواترت الأخبار بأن النبي بَّ كان محرماً بالعمرة عام الحديبية، وأنه أحل من عمرته بغير طواف، ثم قضاها في العام القابل، وقال الله تعالى: ﴿وَنِّقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾(٢) ثم قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ وذلك حكم عائد إليهما جميعاً، وغير جائز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، لما فيه من تخصيص حكم اللفظ بغير دلالة، انتهى. والثالث: هل يجب على المحصر القضاء؟ قال العيني في ((البناية)): المحصر بالحج، يجب عليه قضاء حجة وعمرة، وإن كان محصراً بعمرة، يجب عليه قضاء عمرة لا غير، وهو قول عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعروة وعلقمة والحسن والنخعي وسالم والقاسم وابن سيرين وعكرمة والشعبي، انتهى. وقال الموفق(٣): أما من لم يجد طريقاً أخرى، فتحلل، فلا قضاء عليه (١) (٢٧١/١). (٢) سورة البقرة: الآية ١٩٦. (٣) ((المغني)) (١٩٦/٥). ٢٣٢ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب إلا أن يكون واجباً يفعله بالوجوب السابق في الصحيح من المذهب، وبه قال مالك والشافعي. وعن أحمد: أن عليه القضاء، روي ذلك عن مجاهد وعكرمة والشعبي، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه وَ لّ لما تحلل زمن الحديبية قضى من قابل، وسميت عمرة القضية، ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه، فلزمه القضاء، كما لوفاته الحج إلى آخر ما ذكره، وتقدم البسط في ذلك في عمرة القضاء. وقال الجصاص(١): اختلف السلف وفقهاء الأمصار في المحصر بالحج، إذا حل بالهدي، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس، ومجاهد عن ابن مسعود قالا: عليه حجة وعمرة، فإن جمع بينهما في أشهر الحج، فعليه دم وهو متمتع. وإن لم يجمعهما في أشهر الحج، فلا دم عليه، وكذلك قال علقمة والحسن وإبراهيم وسالم والقاسم ومحمد بن سيرين، وهو قول أصحابنا، وروى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: أمر الله بالقصاص أَوَ يأخذ منكم العدوان؟ حجة بحجة وعمرة بعمرة، وروي عن الشعبي قال: عليه حجة، وإنما يوجب أبو حنيفة - رضي الله عنه - عليه حجة وعمرة إذا أحل بالدم، ثم لم يحج من عامه ذلك، فلو أنه أحل من إحرامه قبل يوم النحر، ثم زال الإحصار، فأحرم بالحج وحج من عامه لم يكن عليه عمرة. وذلك؛ لأن هذه العمرة إنما هي التي تلزم بالفوات؛ لأن من فاته الحج، فعليه أن يتحلل بعمرة، فلما حصل حجه فائتاً كان عليه عمرة للفوات، والدم الذي عليه في الإحصار إنما هو للإحلال، ولا يقوم مقام العمرة التي تلزم بالفوات، وذلك؛ لأنه ليس في الأصول عمرة يقوم مقامها دم، ألا ترى أن من نذر عمرة لم ينب عنها دم، لا في حال العذر، ولا في حال الإمكان إلى آخر ما بسط من الدلائل . (١) ((أحكام القرآن)) (١/ ٢٧٧). ٢٣٣ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب , قلت: ولعل المراد بقول ابن عباس: أمر الله بالقصاص قوله عز اسمه: ﴿الشَّهُ الْحَمُ بِالشَّهْرِ الْخَرَامِ وَالْخُرُمَثُ قِصَاصُ﴾(١)، فإن نزوله كان في عمرة القضاء، كما تقدم في محلها، واستدل لوجوب القضاء بقوله تعالى: ﴿وَتِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) فإنه يقتضي إيجاب الإتمام بدون التفريق بين حج الفرض والنفل، وبحديث حجاج بن عمرو الأنصاري: ((من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل))؛ بدون التفريق بينهما، وبحديث عائشة - رضي الله عنها - إذا أمرها والكثير برفض العمرة، ثم أعمرها من التنعيم. وقال: هذه مكان عمرتك وبغير ذلك. والرابع: هل يجب على المحصر الهدي أيضاً أم لا؟ واختلف في ذلك نقلة المذاهب، وتوهموا، حتى الشيخ ابن القيم مع جلالة شأنه، كما تقدم في عمرة القضاء، فاحتجنا إلى فروع الأئمة، قال الموفق(٣): وعلى من تحلل بالإحصار الهدي في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن مالك: ليس عليه هدي؛ لأنه تحلل، أبيح له من غير تفريط أشبه من أتم حجه، وليس بصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدِْ﴾ قال الشافعي: لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية، ولأنه أبيح له التحلل قبل إتمام نسكه، فكان عليه الهدي، كالذي فاته الحج، وبهذا فارق من أتم حجه، انتھی . ثم قال الموفق(٤): وإذا قدر المحصر على الهدي، فليس له الحل قبل ذبحه، فإن كان معه هدي، قد ساقه، أجزأه، وإن لم يكن معه لزمه شراؤه، انتهى. وتقدم في عمرة القضاء ما قال ابن القيم: إن أشهر الروايات عن الإمام (١) سورة البقرة: الآية ١٩٤. (٢) سورة البقرة: الآية ١٩٦. (٣) ((المغني)) (١٩٥/٥). (٤) ((المغني)) (١٩٦/٥). ٢٣٤ -- ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب أحمد لزوم القضاء والهدي، ورواية أبي طالب عنه لزوم الهدي دون القضاء، وفي ((الروض المربع)» (١): ومن أحرم فصده عدو عن البيت، أهدى أي نحر هدياً في موضعه، ثم حل، سواء كان في حج أو عمرة أو قارناً، انتهى. ولا يذهب عليك أن وجوب الهدي عند الحنابلة مقيد بعدم الاشتراط، فإن اشترط التحلل عند الإحرام، فلا يلزمه الهدي، لا في الإحصار بالمرض، ولا في الحصر بالعدو، كما سيأتي في الفرع العاشر، وكذلك عند الشافعية يلزمه الهدي، قال النووي في ((مناسكه)): يلزم المتحلل بالإحصار ذبح شاة، يفرقها حيث أحصر، انتهى. وسيأتي قريباً عن ((شرح المنهاج)): من أراد التحلل بالإحصار ذبح وجوباً شاة، أو سبع بدنة أو بقرة، انتهى. ويجب عندهم الهدي في الحصر بالعدو مطلقاً، وفي الإحصار بالمرض، إذا اشترط التحلل بالهدي، كما في الفرع العاشر. وكذلك عند الحنفية يلزمه الهدي، بخلاف ما حكى عنهم ابن القيم وغيره، صرح بذلك في عامة فروعهم، ففي ((الهداية)) (٢): إذا أحصر المحرم، فمنعه من المضي، جاز له التحلل، ويقال له: ابعَثْ شاةً، تذبح في الحرم، وواعِد من تبعتُه بيوم بعينه يُذبح فيه، ثم تحلل، انتهى. وفي ((شرح اللباب))(٣): إذا أحصر المحرم بحجة أو عمرة، وأراد التحلل أي الخروج من إحرامه، بخلاف من أراد الاستمرار على حاله، منتظراً زوال إحصاره، يجب عليه أن يبعث الهدي، إلى آخر ما بسطه، وأما عند الإمام (١) (١/ ٥٢٧). (٢) (١٧٥/١). ط. بيروت. (٣) (ص٢٣٦). ٢٣٥ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب مالك، فلا يجب عليه الهدي، بخلاف ما حكى عنه الشيخ ابن القيم. قال الباجي(١): أما تحلله للحصر، فلا يوجب هدياً عند مالك، وبه قال ابن القاسم، وقال أشهب: عليه الهدي، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، ودليلنا؛ أنه تحلل مأذون عار عن التفريط وإدخال النقص، فلم يجب عليه الهدي، ودليل ثانٍ يختص بالشافعي؛ أن هذه عبادةٌ لها تحرم وتحلل، فإذا سقط قضاؤها بالفوات، يجب أن يسقط جبرانها، واحتج أشهب ومن تابعه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ الآية، وقال: هذا ممن أحصر بعدو، وقد خالف سائر أصحابنا أشهب في هذا، وقالوا: الإحصار إنما هو إحصار المرض، وأما العدو فإنما يقال: فيه حصر حصراً فهو محصور إلى آخر ما بسط في الدلائل والاستشهاد على أن الإحصار يستعمل في المرض. وقال الدردير(٢): إن منعه عدو، أو فتنة بحج، أو عمرة، فله التحلل ولا دم عليه، بنحر هديه متعلق بقوله: فله التحلل أي يتحلل بنحر هديه الذي كان معه، بأن ساقه عن شيء مضى أو تطوعاً، انتهى مختصراً. قال الدسوقي: قوله: ولا دم عليه أي خلافاً لأشهب، حيث قال بوجوبه، واستدل بالآية، وأجيب بأن الهدي في الآية لم يكن لأجل الحصر. وإنما ساقه بعضهم تطوعاً، فأمروا بذبحه، فلا دليل فيها للوجوب، انتهى. والخامس: اختلافهم في زمان نحر الهدي ومكانه، قال الموفق(٣): إذا قدر المحصر على الهدي، فليس له الحل قبل ذبحه، وله نحره في موضع حصره من حل أو حرم، نص عليه أحمد، وهو قول مالك والشافعي، إلا أن (١) ((المنتقى)) (٢٧٣/٢). (٢) ((الشرح الكبير)) (٩٣/٢). (٣) («المغني)) (٣٥٧/٣). ٢٣٦ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب يكون قادراً على أطراف الحرم، ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه نحره؛ لأن الحرم كله منحر، وقد قدر عليه، والثاني: ينحره في موضعه، وعن أحمد: ليس للمحصر نحر هديه إلا في الحرم، فيبعثه، ويواطئ رجلاً على نحره في وقت يتحلل فيه، وهذا يروى عن ابن مسعود في من لدغ في الطريق، وروي نحو ذلك عن الحسن والشعبي والنخعي وعطاء، وهذا والله أعلم فيمن كان حصره خاصاً. وأما الحصر العام فلا ينبغي أن يقوله أحد؛ لأن ذلك يُفْضي إلى تعذر الحل، لتعذر وصول الهدي إلى محله، ومتى كان المحصر بعمرة، فله التحلل ونحر هديه وقت حصره؛ لأنه وَل# وأصحابه زمن الحديبية حلوا ونحروا هداياهم بها قبل يوم النحر، وإن كان مفرداً أو قارناً، فكذلك في إحدى الروايتين؛ لأن الحج أحد النسكين، فجاز الحل منه ونحر هديه وقت حصره كالعمرة، ولأن العمرة لا تفوت، وجميع الزمان وقت لها، فإذا جاز الحل منها، ونحر هديها من غير خشية فواتها، فالحج الذي يخشى فواته أولى. والرواية الثانية: لا يحل ولا ينحر هديه إلى يوم النحر، نص عليه أحمد في رواية الأثرم وحنبل؛ لأن للهدي محل زمان ومحل مكان، فإذا عجز عن محل المكان، فسقط، بقي محل الزمان واجباً لإمكانه، وإذا لم يجز له النحر قبل يوم النحر، لم يجز التحلل، انتهى. وتقدم ما في ((الروض المربع)) قريباً في الفرع الثالث. وفي ((شرح المنهاج)): من أراد التحلل بالإحصار ذبح وجوباً شاة، أو سبع بدنة أو بقرة، حيث أحصر ولو في الحل، ولو أمكنه إرساله لمكة لم يلزمه. لكن يسن له بعثه لما يقدر عليه من الحرم أو مكة، وواضح أنه لا يحل حينئذ حتى يغلب على ظنه ذبحه، انتهى. وهكذا في ((مناسك النووي)) وقال: إن التحلل يحصل بثلاثة أشياء: ذبح، ونية التحلل، والحلق، إذا قلنا بالأصح: إنه نسك، ولا يحصل إلا باجتماع ٢٣٧ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب هذه الثلاثة، انتهى. وفي ((روضة المحتاجين)): محل الذبح محل الإحصار من حل أو حرم، ويفرق لحمه على مساكين ذلك الموضع وفقرائه، ولا يجوز نقله إلى موضع آخر من الحل، ويجوز نقله إلى الحرم، لكنه لا يتحلل حتى يعلم بنحره، انتهى. وقال الدردير بعدما ذكر عدم وجوب الهدي: يتحلل بنحر هديه الذي كان معه، بأن ساقه عن شيء مضى، أو تطوعاً في أي مكان كان، إن لم يتيسر له إرساله لمكة وحلقه، ولا بد من نية التحلل بل هي كافية، قال الدسوقي(١): قوله: ولا بد، أي فلو نحر الهدي وحلق ولم ينو التحلل لم يتحلل، قوله: بل هي كافية، أي وحدها، ولا يشترط انضمام حلق أو هدي لها، خلافاً لظاهر المصنف من أن التحلل لا يحصل إلا بنحر هديه وحلق رأسه، وليس كذلك، بل الحلق والنحر سنة، وليس بشرط . وقال أيضاً في بيان المحصر بالمرض(٢): والحاصل أن المريض والمحبوس بحق، إذا فات كلاً منهما الوقوف، وكان معه هدي ساقه في إحرامه تطوعاً، أو لنقص، فلا يخلو إما أن يخاف عليه العطب، إذا بقي عنده لطول زمن المرض والحبس، أو لا يخاف عليه العطب، وفي كل إما أن يجد من يرسله معه لمكة أو لا، فإن كان لا يخاف عليه إذا بقي، فإنه يحبسه عنده رجاء أن يخلص، وينحر هديه في محله أمكنه إرساله لمكة أو لا، وإن كان يخاف عليه العطب إذا بقي عنده إن أمكنه إرساله لمكة أرسله، وإلاّ ذبحه في أي محل كان. وأما إن كان المانع له عدو أو فتنة، فمتى قدر على إرساله لمكة، بأن (١) ((حاشية الدسوقي)) (٩٤/٢). (٢) (٩٦/٢). ٢٣٨ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب يجد من يرسله معه إليها أرسله كأن يخاف عليه العطب، إذا بقي عنده أم لا ، وإن لم يجد من يرسله معه ذبحه في أي محل كان، كأن يخاف عليه العطب إذا بقي عنده أم لا، وحبس هدي المريض والمحبوس بحق مندوب، سواء كان الهدي واجباً أو تطوعاً، وقال الشيخ سالم: الحبس واجب في الهدي الواجب، ومندوب في هدي التطوع، وجعل الشيخ أحمد الزرقاني الحبس واجباً، وأطلق، ولكن حمل عج كلامه على الهدي الواجب، وحينئذ فيكون موافقاً للشيخ سالم، انتهى. وفي ((الهداية))(١): إذا أحصر المحرم جاز له التحلل، ويقال له: ابعث شاة تذبح في الحرم، وواعِدْ من تبعثه بيوم بعينه يذبح فيه، ثم تحلل، وإنما يبعث إلى الحرم؛ لأن دم الإحصار قربة، والإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان أو مكان، فلا يقع قربة دونه، فلا يقع به التحلل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِّقُواْ رُءُوسَكُمْ حَى بََّ الْهَدْىُ مِلَّمْ﴾(٢) فإن الهدي اسم لما يُهْدَى إلى الحرم، ولا يجوز دم الإحصار إلا في الحرم، ويجوز ذبحه قبل يوم النحر عند أبي حنيفة . وقالا: لا يجوز الذبح للمحصر بالحج إلا في يوم النحر، ويجوز للمحصر بالعمرة متى شاء، اعتباراً بهدي المتعة والقران، وربما يعتبر أنه بالحلق، إذ كل واحد منهما محلل. ولأبي حنيفة أنه دم كفارة، حتى لا يجوز الأكل منها، فيختص بالمكان دون الزمان، كسائر دماء الكفارات، بخلاف دم المتعة والقران؛ لأنه دم نسك، انتهى. وقال الجصاص(٣): لم يختلف أهل العلم ممن أباح الإحلال بالهدي أن (١) (١٧٥/١)، ط بيروت. (٢) سورة البقرة: الآية ١٩٦. (٣) («أحكام القرآن)) (٢٧٤/١). ٢٣٩ ٢٠ - كتاب الحج (٣١) باب ذبح هدي العمرة غير موقتٍ، وأنه له أن يذبحه متى شاء ويحل، وقد كان النبي ◌َّ﴾ وأصحابه محصرين بالحديبية، وكانوا محرمين بالعمرة، فحلوا منها بعد الذبح، واختلفوا في هدي الإحصار في الحج، فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: له أن يذبحه متى شاء، وقال أبو يوسف والثوري ومحمد: لا يذبح قبل يوم النحر، وظاهر قوله تعالى: ﴿فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ يقتضي جواز غير موقت، وفي إثبات التوقيت تخصيص اللفظ، وذلك غير جائز إلا بدليل، إلى آخر ما بسطه من الدلائل. وسيأتي الكلام أيضاً على موضع نحره وَ ل قريباً، وعلم من هذه الأقوال عدة أمور: أحدها: أن دم الإحصار يتوقف نحرها على الحرم عند الحنفية بلا خلاف بينهم، وهو رواية عن الإمام أحمد، وفي ((البناية)): هو قول ابن مسعود، وابن عباس إن قدر عليه، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والثوري، انتھی. قلت: وينحر موضع الحصر عند الإمام الشافعي، وهو رواية أخرى للإمام أحمد المختار في فروعه، ولأحمد رواية ثالثة: أنه إن قدر على أطراف الحرم يلزمه وإلا لا، وينحر في أي موضع شاء عند الإمام مالك، إذا لم يجد من يرسل معه، وإن وجد أرسله إلى الحرم، هذا في الإحصار بالعدو. وأما في المرض فيحبسه عنده، إن لم يخف العطب، وإلا فأرسله إن وجد من يرسل معه، وإن لم يجد ينحر في أي موضع شاء. وثانيها: أن دم الإحصار بالعمرة لا يتوقف على زمان عند أحد من الأئمة الستة . وثالثها: أن دم الإحصار بالحج يتوقف على يوم النحر عند صاحبي أبي حنيفة، وهو رواية لأحمد، وفي أخرى له، وبه قال الجمهور: لا يتوقف عليه بل ينحره متى شاء. ٢٤٠ ـ٠٠