النص المفهرس

صفحات 181-200

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٠) حديث
سفيان عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور، فقال: أي كلب أعقر
من الحية؟ وقال زفر: المراد بالكلب العقور لههنا الذئب خاصة، وقال مالك
في ((الموطأ)): كل ما عقر الناس، وعدا عليهم، وأخافهم مثل الأسد والنمر
والفهد والذئب هو العقور، وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور.
وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب لههنا الكلب خاصة، ولا يلتحق به في ذلك
الحكم سوى الذئب.
وقال النووي(١): اتفق العلماء على جواز قتل الكلب العقور للمحرم
والحلال في الحل والحرم، واختلفوا في المراد به، فقيل: هذا الكلب
المعروف خاصة، حكاه القاضي عن الأوزاعي وأبي حنيفة والحسن بن صالح،
وألحقوا به الذئب، وحمل زفر الكلب على الذئب وحده، وقال الجمهور: ليس
المراد تخصيص هذا الكلب، بل المراد كل عادٍ مفترس كالسبع والنمر، وهذا
قول الثوري والشافعي وأحمد وغيرهم، ومعنى العاقر الجارح، انتهى.
وقال الحافظ(٢): واختلف العلماء في غير العقور مما لم يؤمر باقتنائه،
فصرح بتحريم قتله القاضيان حسين والماوردي وغيرهما، ووقع في (الأم))
للشافعي الجواز، واختلف كلام النووي، فقال في البيع من ((شرح المهذب)):
لا خلاف بين أصحابنا في أنه محترم لا يجوز قتله، وقال في التيمم والغصب:
إنه محترم، وقال في الحج: يكره قتله كراهة تنزيه، وهذا اختلاف شديد،
وعلى كراهة قتله اختصر الرافعي، وتبعه في ((الروضة)) وزاد: أنها كراهة تنزيه،
انتھی .
وفي ((الروض المربع)) (٣): لا يَحْرِمُ بِحَرَم ولا إحرام قتلُ مُحَرَّمِ الأكل
(١) ((شرح صحيح مسلم للنووي)) (١١٤/٨).
(٢) (٤ /٤٠).
(٣) (٤٧٩/١).
١٨١

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٠) حديث
كالأسد والنمر والكلب، إلى آخر ما ذكره، وقال الدردير (١): حرم بالحرم
وبالإحرام تعرضٌ لحيوان بري، ويدخل فيه السلحفاة لا الكلب الإنسي، قال
الدسوقي: لأنه وإن كان حيواناً بَرِّياً لكن ليس مما يحرم التعرض له على
المحرم. ولا في الحرم؛ لأن قتله جائز بل يندب على المشهور مطلقاً، انتهى.
ثم قال الدردير في ذكر ما استثنى من الصيد: شَبَّه الماتن في جواز القتل
ما فسر به الكلب العقور في الحديث بقوله: كعادي سبع كذئب وأسد ونمر
وفهد إن كبر بكسر الباء، انتهى. وفي ((الهداية))(٢): المراد بالكلب العقور
الذئب، أو يقال: إن الذئب في معناه، وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن
الكلب العقور وغير العقور والمستأنس والمتوحش منهما سواء؛ لأن المعتبر في
ذلك الجنس، انتهى.
وفي ((شرح اللباب))(٣): لا شيء مطلقاً بقتل الذئب والكلب الأهلي
والوحشي والعقور وغيره، إلا أنه يأثم في قتل غير العقور على ما في ظاهر
الرواية، انتهى. وذلك لأن الكلب ليس بصيد بل أهلي.
ثم قال الحافظ(٤): وذهب الجمهور إلى إلحاق غير الخمس بها في هذا
الحكم، إلا أنهم اختلفوا في المعنى، فقيل: لكونها مؤذية، فيجوز قتل كل
مؤذٍ، وهذا قضية مذهب مالك، وقيل: لكونها مما لا يؤكل، فعلى هذا كل ما
يجوز قتله لا فدية على المحرم فيه، وهذا قضية مذهب الشافعي.
وقد قسم هو وأصحابه الحيوان بالنسبة للمحرم إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ:
(١) ((الشرح الكبير)) (٢/ ٧٢).
(٢) (١٦٧/١) ط بيروت.
(٣) (ص٢٠٩).
(٤) ((فتح الباري)) (٤٠/٤).
١٨٢

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨١) حديث
٨٩/٧٨١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه: قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوابِّ.
مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ :
يستحب كالخمس، وما في معناها مما يؤذي، وقسمٌ: يجوز كسائر ما لا يؤكل
لحمه، وهو قسمان: ما يحصل منه نفع وضرر، فيباح لما فيه من منفعة
الاصطياد، ولا يكره لما فيه من العدوان، وقسمٌ: ليس فيه نفع ولا ضرر فيكره
قتله ولا يحرم، والقسم الثالث، ما أبيح أكله أو نُهي عن قتله، فلا يجوز ففيه
الجزاء إذا قتله المحرم، وخالف الحنفية فاقتصروا على الخمس، إلا أنهم
ألحقوا بها الحية لثبوت الخبر، والذئب لمشاركته للكلب في الكلبية، وألحقوا
بذلك من ابتدأ بالعدوان والأذى من غيرها، وقال ابن دقيق العيد: التعدية
بمعنى الأذى إلى كل موذٍ قوي بالإضافة إلى تصرف أهل القياس، فإنه ظاهر
من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق، وهو الخروج عن الحد، وأما التعليل بحرمة
الأكل، ففيه إبطال لما دل عليه إيماء النص من التعليل بالفسق، انتهى.
وقال ابن العربي في ((شرح الترمذي)» (١): هذا الحديث من معضلات
الأخبار لتعارض الأدلة فيه، وجملة المذاهب انتهت إلى فقهاء الأمصار إلى
ثلاثة أقوال: الأول: أنه يقتل كل سبع عادٍ يعقر ابتداء كالأسد والنمر والفيل،
قال مالك في الجملة، والثوري: لا كفارة فيه، وزاد مالك وسباع الطير مثله.
الثاني: قال أبو حنيفة: يقتل الذئب والكلب العقور، وخالفنا في السبع والنمر
وغيرهما من السباع. الثالث: قال الشافعي: كل ما لا يؤكل لحمه من الصيد
فلا جزاء فيه إلا السبع، وهو المتولد من الذئب والضبع فهذه أصول المذاهب،
انتھی .
٨٩/٧٨١ - (مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر؛ أن
رسول الله مَّر قال: خمسٌ من الدواب من قتلهن وهو محرم، فلا جناح عليه)
(١) ((عارضة الأحوذي)) (٦٣/٤).
١٨٣

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨١) حديث
الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ)).
أخرجه البخاريّ في: ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١٦ - باب خمس من الدوابّ
فواسق يقتلن في الحرم.
مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٩ - باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من
الدواب في الحلّ والحرم، حديث ٧٩.
أي لا إثم عليه، ولا فدية (العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والحدأة،
والغراب) أعاد المصنف هذا الحديث لإفادة أن له فيه شيخاً آخر، ولعله أراد
تقوية رواية نافع الدالة على أن ابن عمر بدون الواسطة، وخالفهما زيد بن جبير
وسالم، كما تقدم في أول حديث نافع.
وقال الحافظ(١): أورده البخاري في ((بدء الخلق))، وساق لفظه مثل
نافع، وكذا أخرجه مسلم من طريق إسمعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار.
وأخرجه أحمد من طريق شعبة، عن عبد الله بن دينار، فقال: ((الحية)) بدل
((العقرب))، انتهى.
واستدل بهذه الأحاديث على جواز قتل من وجب عليه قتل بقصاص، أو
رجم بزنا، أو محاربة، أو غير ذلك في الحرم، وأنه يجوز إقامة سائر الحدود
فيه سواء جرى موجب القتل والحد في الحرم أو خارجه، ثم لجأ صاحبه إلى
الحرم، وبه قال مالك والشافعي وآخرون. وقال أبو حنيفة وطائفة: ما ارتكبه
من ذلك في الحرم يقام عليه فيه، ومن فعله خارجه، ثم لجأ إليه إن كان إتلاف
نفس لم يقم عليه في الحرم، بل يضيق عليه، ولا يكلم، ولا يجالس، ولا
يبايع حتى يضطر إلى الخروج منه، فيقام عليه خارجه، وما كان دون النفس
یقام فيه .
قال عياض: روي عن ابن عباس، وعطاء، والشعبي، والحكم نحوه،
(١) ((فتح الباري)) (٣٥/٤).
١٨٤
------

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨١) حديث
لكنهم لم يفرقوا بين النفس، وما دونها، وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ
ءَامِنًا﴾ وحجتنا هذه الأحاديث لمشاركة فاعل الجناية لهذه الدواب في اسم
الفسق، بل فسقه أفحش لكونه مكلفاً، قاله الزرقاني(١).
وفي ((أحكام القرآن)): روي عن ابن عباس، وابن عمر، وعبيد الله بن
عمير، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاووس، والشعبي، فيمن قتل ثم لجأ إلى
الحرم أنه لا يقتل، قال ابن عباس: ولكنه لا يجالس، ولا يؤوى، ولا يبايع
حتى يخرج من الحرم، فيقتل، وإن فعل ذلك في الحرم أقيم عليه، وروى قتادة
عن الحسن أنه قال: لا يمنع الحرم من أصاب فيه، أو في غيره أن يقام عليه،
وما ذكرنا من قول السلف يدل على أنه اتفاق منهم على حظر قتل من قتل في
غير الحرم؛ لأن الحسن روي عنه فيه قولان متضادان، أحدهما: رواية قتادة
عنه أنه يقتل، والآخر: رواية هشام بن حسان في أنه لا يقتل في الحرم، ولكنه
يخرج منه فيقتل .
وقوله: يخرج، يحتمل أنه يُضَيّق عليه في ترك المبايعة، والأكل،
والشرب حتى يضطر إلى الخروج، فلم يحصل للحسن في هذا قول لتضادّ
الروايتين، وبقي قول الآخرين من الصحابة، والتابعين في منع القصاص في
الحرم، بجناية كانت منه في غير الحرم، ولم يختلف السلف، ومن بعدهم من
الفقهاء أنه إذا جنى في الحرم كان مأخوذاً بجنايته، يقام عليه ما يستحقه من
قتل أو غيره، انتهى.
قلت: وقد بسط السيوطي الآثار في ذلك في (الدر)) (٢) تحت قوله تعالى:
﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ منها: برواية ابن جرير عن عكرمة عن ابن عباس قال:
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٨٧/٢).
(٢) ((الدر المنثور)) (٩٧/٢).
١٨٥

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٢) حديث
٩٠/٧٨٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَالَ: ((خَمْسٌ فَوَاسِقُ،
من أحدث حدثاً، ثم استجار بالبيت، فهو آمن، وليس للمسلمين أن يعاقبوه
على شيء إلى أن يخرج، فإذا خرج أقاموا عليه الحد، ومنها: بروايته عن
ابن عمر، لو أخذت قاتل عمر في الحرم ما هجتُه، وبرواية عبد بن حميد،
وابن جرير، عن ابن عباس قال: لو وجدت قاتل أبي في الحرم لم أعرض له،
وغير ذلك من الروايات.
٩٠/٧٨٢ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) مرسلاً، وصله مسلم،
والنسائي من طريق حماد بن زيد، ومسلم من طريق ابن نمير كلاهما عن هشام
عن أبيه عن عائشة، والبخاري من طريق الزهري عن عروة عن عائشة (أن
رسول الله ◌َّ﴾ قال: خمس فواسق). قال الحافظ: قال النووي: هو بإضافة
خمس لا بتنوينه، وجوّز ابن دقيق العيد الوجهين، وأشار إلى ترجيح الثاني،
فإنه قال: رواية الإضافة تشعر بالتخصيص، فيخالفها غيرها في الحكم من
طريق المفهوم، ورواية التنوين تقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى،
فيشعر بأن الحكم المرتب على ذلك، وهو القتل معلل بما جعل وصفاً وهو
الفسق، فيدخل فيه كل فاسق من الدواب، ويؤيده رواية يونس أي التي عند
البخاري بلفظ ((خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم))، الحديث.
قلت: قال النووي في ((شرح مسلم))(١): قوله ◌َّل: ((خمس فواسق)) هو
بتنوين ((خمس))، وقول عائشة: أمر بقتل خمس فواسق بإضافة خمس لا
بتنوينه، انتهى. وقد أخرج مسلم الحديث بكلا اللفظين، ثم قال الحافظ(٢):
قال النووي وغيره: تسمية هذه الخمس فواسق تسمية صحيحة جارية على وفق
(١) (١١٥/٨).
(٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٣٧).
١٨٦

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٢) حديث
يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ،
اللغة، فإن أصل الفسق لغة الخروج، ومنه فسقت الرطبة: إذا خرجت عن
قشرها، وسمي الرجل فاسقاً لخروجه عن طاعة ربه، فهو خروج مخصوص،
وزعم ابن الأعرابي أنه لا يعرف في كلام الجاهلية، ولا شعرهم فاسق، يعني
بالمعنى الشرعي .
وأما المعنى في وصف الدواب المذكورة بالفسق، فقيل: لخروجها عن
حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله، وقيل في حل أكله لقوله تعالى: ﴿أَوْ
فِسْقَا أُهِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾(١) وقيل: لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم
الانتفاع، ومن ثم اختلف أهل الفتوى، فمن قال بالأول ألحق بالخمس كلَّ ما
جاز قتله في الحرم، ومن قال بالثاني ألحق ما لا يؤكل إلا ما نُهِيَ عن قتله،
وهذا قد يجامع الأول، ومن قال بالثالث يخص الإلحاق بما يحصل منه
الإفساد، ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن ماجه(٢)، قيل له: لِمَ قيل للفأرة
فويسقة؟ فقال: لأن النبي ◌َّر استيقظ، وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت،
فهذا يومئ إلى أن سبب تسمية الخمس بذلك لكون فعلها يشبه فعل الفساق،
وهو يرجح القول الأخير، انتهى.
(يقتلن في الحل والحرم) قال النووي(٣): اختلفوا فيه، فضبطه جماعة من
المحققين بفتح الحاء والراء أي الحرم المشهور، وهو حرم مكة، والثاني بضم
الحاء والراء، ولم يذكر القاضي في (المشارق)) غيره قال: وهو جمع حرام كما
قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ والمراد به المواضع المحرمة، والفتح أظهر، انتهى.
(الفأرة) سميت فويسقة لما تقدم عن الخدري، أو لأنها قطعت حبال
سفينة نوح، كذا في ((المحلي)) (والعقرب والغراب) سميت فويسقة لكثرة إيذائه،
(١) سورة الأنعام: الآية ١٤٥.
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٣٠٨٩).
(٣) (شرح صحيح مسلم)) للنووي (١١٥/٨).
١٨٧

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٣) حديث
وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ)).
وصله مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٩ - باب ما يندب للمحرم وغيره قتله
من الدواب في الحل والحرم، حديث ٦٨.
٩١/٧٨٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ
الْخَطَّابِ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ فِي الْحَرَم.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْكَلْبِ الْعَقُورِ الَّذِي أُمِرَ بِقَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ: إِنَّ
كُلَّ مَا عَقَرَ النَّاسَ، وَعَدَا عَلَيْهِمْ، وَأَخَافَهُمْ، مِثْلُ الْأَسَدِ
أو لأنه اشتغل بالجيفة حين بعثه نوح لخبر الأرض لما استوت السفينة على
الجودي، كذا في ((المحلى)) (والحدأة والكلب العقور) هكذا عند مسلم برواية
هشام عن أبيه، وعنده أيضاً برواية سعيد بن المسيب عن عائشة الحية موضع
العقرب.
٩١/٧٨٣ - (مالك، عن ابن شهاب، أن عمر بن الخطاب أمر بقتل
الحيات في الحرم) إما لأنه بلغه الحديث الذي فيه الحية، وإما لأنها أولى من
العقرب، وقد أمر رسول الله وَله بقتل الحية في منى عند نزول ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾ كما
أخرجه البخاري في ((التفسير)). قال الأبي (١): وقد صح النهي عن قتل حيات
البيوت بلا إنذار، فهو مخصص لعموم أحاديث الباب، والإنذار عند مالك في
حيات بيوت المدينة آكد من حيات بيوت غيرها، وحكى العيني اختلاف السلف
في مسألة الإنذار، فارجع إليه.
(قال، يحي: قال مالك في) تفسير (الكلب العقور الذي أمر بقتله في
الحرم: إن كل ما عقر الناس) أي جرحهم (وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد) من
السباع معروف، جمعه أسود وأسد وآسد، والأنثى أسدة، قال ابن خالويه:
للأسود خمسمائة اسم وصفة، وزاد عليه علي بن قاسم اللغوي مائة وثلاثين
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣١٣/٣).
١٨٨

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٣) حدیث
وَالنَّمِرِ، وَالْفِهْدِ وَالذِّتْبِ، فَهُوَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ.
اسماً، قاله الدميري. وقال الزرقاني، الأسد يطلق على الذكر والأنثى. وربما
قيل للأنثى: أسدة.
(والنمر) بفتح النون وكسر الميم، ويجوز إسكان الميم مع فتح النون
وكسرها، ضرب من السباع، فيه شبه من الأسد إلا أنه أصغر منه، وهو منقط
الجلد نقطاً سوداً وبيضاً، وهو أخبث من الأسد، لا يملك نفسه عند الغضب
حتى يبلغ من شدة غضبه أن يقتل نفسه، وزعم قوم أن النمرة لا تضع ولدها،
إلا مطوقاً بحية وفي طبعه عداوة الأسد، والظفر بينهما سجال، قاله الدميري،
وفي لغات ((الصراح))(١) نمر: بلنك تيندوا(٢).
(والفهد) بكسر الفاء وسكون الهاء، قال الدميري: زعم أرسطو أنه يتولد
بين نمر وأسد، ومزاجه كمزاج النمر، وفي طبعه مشابهة لطبع الكلب في أدوائه
ودوائه، ويضرب بالفهد المَثَلُ في كثرة النوم، ويصاد بالصوت الحسن، ومن
خلقه أنه يأنس لمن يحسن إليه، انتهى. وفي ((لغات الصراح)): فهد: يوز،
چیتا(٣)، انتھی.
(والذئب) يهمز ولا يهمز، وأصله الهمزة، يطلق على الذكر والأنثى،
وربما قيل: ذئبة بالهاء، وعجيب أمره أنه ينام بإحدى مقلتيه والأخرى يقظى
حتى تكتفي العين النائمة من النوم، فيفتحها وينام بالأخرى، فيحرس باليقظى
ويستريح بالنائمة .
(فهو الكلب العقور) وبهذا قال الشافعي وأحمد. وقال الأوزاعي وأبو
حنيفة: المراد به الكلب المعروف خاصة، كما تقدم في تفسير الكلب العقور
(١) وفي ((مصباح اللغات)): النمر - جيتا.
(٢) في ((مصباح اللغات)): الفهد - تيندوا.
(٣) (يوز)) في اللغة الفارسية و((چيتا)) في اللغة الهندية.
١٨٩

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٣) حديث
وَأَمَا مَا كَانَ مِنَ السِّبَاعِ، لَا يَعْدُو، مِثْلُ الضَّبُعِ، وَالثَّعْلَبِ،
في الحديث المتقدم (وأما ما كان من السباع لا يعدو مثل الضبع) وفي النسخ
الهندية من الضبع، وهو بضم الباء لغةُ قيسٍ. وسكونها لغةُ تميم، وهي أنثى،
وقيل: يقع على الذكر والأنثى، وربما قيل في الأنثى: ضبعة، قالَّه الزرقاني.
واختلف أهل الهند في ترجمته فقيل: هندار، وقيل: بِجُوْ، وقال
الدميري(١): الضبع معروف، ولا تَقُلْ: ضبعة؛ لأن الذكر ضبعان، ويحل أكلها
عند الشافعي وأحمد وأبي ثور، وقال مالك: يكره أكلها، وقال أبو حنيفة:
حرام وهو قول سعيد بن المسيب والثوري، انتهى.
وفي (البذل)) (٢) عن ((النيل)): من عجيب خلقه أن يكون سنةً ذكراً، وسنة
أثنى، فيلقح في حال الذكورة ويلد في حال الأنوثة، وإلى جواز أكله ذهب
الشافعي وأحمد، وذهب الجمهور إلى التحریم، انتهى.
(والثعلب) يقع على الأنثى والذكر، ويختص بثعلبان بضم الثاء واللام،
قاله ابن الأنباري، وقال غيره: يقال في الأنثى: ثعلبة، قاله الزرقاني، ويقال له
في الهندية: لومرّي، وقال الدميري(٣): روى ابن قانع في ((معجمه)) عن وابصة بن
معبد مرفوعاً: ((شر السباع هذه الأثعل)) يعني الثعالب، ومن عجيب طبعه أن
الذئب يطلب أولاده(٤)، فإذا ولد له ولد وضع أوراق العنصل على باب دجاره
ليهرب الذئب منها، وهو حلال عند الشافعي، وقال ابن الصلاح: ليس في حله
حديث عن رسول الله م 18، وفي تحريمه حديثان، في إسنادهما ضعف، وكره أبو
حنيفة ومالك أكله، وأكثر الروايات عن أحمد تحريمه؛ لأنه سبع، انتهى.
(١) ((حياة الحيوان)) (١١١/٢).
(٢) ((بذل المجهود)) (١٢٨/١٦).
(٣) ((حياة الحيوان)) (٢٥٢/١).
(٤) أي أولاد الثعلب.
١٩٠

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٣) حديث
وَالْهِرِّ، وَمَا أَشْبَهَهُنَّ مِنَ السِّبَاعِ. فَلا يَقْتُلُهُنَّ الْمُحْرِمُ، فَإِنْ قَتَلَهُ فَدَاهُ ....
(والهر) ذكر القط: السنور، والأنثى هرة، قاله الأزهري. وقال ابن
الأنباري: يقع على الذكر والأنثى، وربما دخلت فيها الهاء، قال الدميري(١):
يحرم أكل الهر على الصحيح من مذهب الشافعي، والثاني: وبه قال الليث بن
سعد، يحل أكله، وقال أيضاً: اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في سنور البر،
وأكثر الروايات على تحريمه كالثعلب، وأما الأهلي، فحرام عند أبي حنيفة
ومالك وأحمد، انتهى.
وذكر برواية الحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً ((السنور سبع))، وقال:
صحيح، وقال ابن عابدين(٢): خرج - أي من تعريف الصيد - الكلب ولو
وحشياً؛ لأنه أهلي في الأصل، وكذا السنور الأهلي. أما البري، ففيه روايتان
عن الإمام، وجزم في ((البحر)) بأنه كالكلب، انتهى.
(وما أشبههن من السباع) قال الأزهري: يقع السبع على كل ماله ناب
يعدو به ويفترس، كالذئب والفهد والنمر، وأما الثعلب، فليس بسبع وإن كان
له ناب؛ لأنه لا يعدو به ولا يفترس، وكذا الضبع، وعلى هذا، فعدُّهما في
السباع تَجَوُّزٌ، علاقته المشابهة للسباع في الناب وإن لم يفترس به، قاله
الزرقاني(٣).
قلت: وقد ورد نصاً شر السباع الأثعل، والهرة سبع كما تقدم، فكيف
يمكن أن يقال: إنه مجاز؟ وشرط التجوز عدم إمكان الحقيقة.
(فلا يقتلهن المحرم، فإن قتله فداه) وفي نسخة ((وداه))، فالعلة في قتل
المذكورات في الحديث، وما في معناها عند مالك كونهن مؤذيات، فكل مؤذٍ
يجوز للمحرم وفي الحرم قتله ولا فدية، وما لا فلا.
(١) ((حياة الحيوان)) (٢/ ٥٢٣).
(٢) ((رد المحتار)) (٦٧١/٢).
(٣) (٢٨٩/٢).
١٩١

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٣) حديث
قال الباجي(١): لم يختلف قول مالك في الأسد والنمر والفهد: إنه يجوز
للمحرم قتلها، واختلف قوله في الذئب، وروي عنه إباحة ذلك ومنعه، وجه
الإباحة لما فيه من الاختلاس وتكرر الضرر والأذى، كالعقرب، ولأن اسم
الكلب العقور يتناوله، فوجب حمله على عمومه، ووجه المنع أنه لا يبتديء
غالباً بالعقر والتفرس، وإنما يفعل ذلك في النادر، أو عند انفراده بصغار
المواشي، فأشبه الضبع، وأما الضبع والثعلب والهر وما أشبهها من السباع،
فلا يقتلهن المحرم، فإنه من جنس الحيوان المستوحش الذي لا يبدأ بالضرر
غالباً، بل يفر من الإنسان إذا رآه، انتهى.
وفي (روضة المحتاجين)): أما غير المأكول وإن كان برياً وحشياً، فلا
يحرم التعرض له، بل منه ما هو مؤذ طبعاً يندب قتله، كالفواسق الخمس،
وألحق بها الأسد والنمر والذئب والزنبور وكل مؤذ، ومنه ما لا يظهر فيه نفع
ولا ضرر، كسرطان، فيكره قتله، انتهى.
قال محشيه: هي عبارة الرملي، وقال الشبراملسي: قضية جواز قتل
الكلب الذي لا نفع فيه ولا ضرر، والمعتمد عند الشارح حرمة قتله، وساق
عبارته في التيمم، وفيها أما غير العقور فمحترم، لا يجوز قتله على المعتمد،
ومنه الهرة، انتهى.
وفي ((الروض المربع))(٢): لا يَحْرُم بِحَرَمٍ ولا إحرام قتلُ محرّم الأكل،
کالأسد والنمر والكلب، انتهى.
قال الموفق: واختلفت الرواية في الثعلب، فعنه فيه الجزاء. وبه قال
مالك والشافعي. وقال: هو صيد يؤكل، وفيه الجزاء، وعن أحمد لا شيء
(١) ((المنتقى)) (٢٦٢/٢).
(٢) (٤٧٩/١).
١٩٢
-------

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٣) حديث
فيه، وهو قول الزهري وعمرو بن دينار وابن أبي نجيح وابن المنذر؛ لأنه
سبع، وقد نهي عن كل ذي ناب من السباع، واختلفت الرواية في السنور أهلياً
كان أو وحشياً، والصحيح أنه لا جزاء فيه، وهو اختيار القاضي؛ لأنه سبع،
وكل ما اختلف في إباحته يختلف في جزائه، فأما ما يحرم، فالصحيح أنه لا
جزاء فیه، انتهى.
وأما عند الحنفية، فقال ابن الهمام(١): يستثنى من صيد البر بعضه،
كالذئب والغراب والحدأة، وأما باقي الفواسق، فليست بصيود، وأما باقي
السباع فالمنصوص عليه في ظاهر الرواية أنه يجب بقتلها الجزاء، لا يجاوز
شاة إن ابتدأها المحرم، فإن ابتدأته بالأذى، فقتلها فلا شيء عليه، وذلك
كالأسد والفهد والنمر والصقر والبازي.
وأما صاحب ((البدائع))(٢) فقسم البري إلى مأكول وغيره، والثاني إلى ما
يبتديء بالأذى غالباً، كالأسد والذئب والنمر والفهد، وإلى ما ليس كذلك،
كالضبع والثعلب، فلا يحل قتل الأول والأخير إلا أن يصول، ويحل قتل
الثاني، ولا شيء فيه وإن لم يصل، وجعل ورود النص في الفواسق وروداً فيها
دلالة، ولم يحك خلافاً، بل ذكره حكماً مبتدأً مسكوتاً فيه، ثم رأيناه رواية عن
أبي يوسف، قال في ((فتاوى قاضيخان))(٣): وعن أبي يوسف الأسد بمنزلة
الذئب، وفي ظاهر الرواية السباع كلها صيد إلا الكلب والذئب، انتهى. وفي
((الدر المختار))(٤): فإن قتل محرم صيداً، فعليه جزاؤه ولو سبعاً غير صائل،
انتهى .
(١) (فتح القدير)) (٣/٣).
(٢) انظر ((بدائع الصنائع)) (٤٢٧/٢ و٤٢٨ وما بعدها).
(٣) (١٣٨/١).
(٤) (٦١٧/٢).
١٩٣

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٣) حديث
وَأَمَّا مَا ضَرَّ مِنَ الطَّيْرِ، فَإِنَّ الْمُحْرِمَ لا يَقْتُلُهُ. إِلا مَا سَمَّى
النَّبِيُّ وَلِهِ: الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ. وَإِنْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ شَيْئاً مِنَ الطَّيْرِ
سِوَاهُمَا، فَدَاهُ.
(قال مالك: وأما ما ضَرَّ) أي آذى (من الطير، فإن المحرم لا يقتله إلا ما
سمى النبي ◌ُّ: الغراب والحدأة) بالنصب بدل عن قوله: ((ما سمى)) (فإن قتل
المحرم شيئاً من الطير سواهما فداه) قال الباجي(١) وهذا كما قال: إنه لا يقتل
ابتداء من الطير إلا الغراب والحدأة؛ لأن المنع عام في الطير وسائر الحيوان
لقوله تعالى: ﴿وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾(٢).
ثم خص النبي ◌َّ- من الجملة الغراب والحدأة فبقي باقي الطير على
الحظر. وأيضاً فإن مضرتهما التي أباحت قتلهما لا يشاركهما في إباحة القتل،
وقد اختلف قول مالك في إباحة قتلهما ابتداءً، فالظاهر من مذهب مالك ما
أثبته في ((موطئه)) وهو الأشهر عنه. وقد روى عنه أشهب منع ذلك للمحرم وفي
الحرم، وجه القول الأول، أنهما من الفواسق التي ورد النص بإباحة قتلها
كالعقرب والحية، ووجه الرواية الثانية، أنهما من سباع الطير، فلم تبدأ بالقتل
كالعقبان والنسور، والأول الصحيح لموافقة الحديث، وإن قتل شيئاً من الطير
غيرهما وداه لا خلاف على المذهب أنه لا يجوز قتلهما ابتداء، انتهى.
-- -
قلت: ومعنى قوله: ابتداءً أنه يجوز قتل الطير إذ يخاف منه على النفس
أو المال، ولا يدفع إلا بقتله، وأما بدون ذلك، فلا يجوز ابتداء، ولو فعل
إذاً، فعليه الجزاء، صرح به الدردير والدسوقي، وفي ((المدونة))(٣): كان مالك
يكره قتل سباع الطير كلها وغير سباعها للمحرم، قلت: فإن قتل محرمٌ سباعَ
(١) ((المنتقى)) (٢٦٣/٢).
(٢) سورة المائدة: الآية ٩٦.
(٣) (٣٣٤/١).
١٩٤

٢٠ - كتاب الحج
(٢٩) باب
(٧٨٤) حدیث
(٢٩) باب ما يجوز للمحرم أن يفعله
٧٨٤/ ٩٢ - حدّثَني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ؛ أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
الطير أكان مالك يرى عليه فيها الجزاء؟ قال: نعم، قلت: فإن عَدَتْ عليه سباعُ
الطيرِ، فخافها على نفسه، فدفعها عن نفسه، فقتلها أيكون عليه الجزاء في قول
مالك؟ قال: لا شيء عليه، انتهى.
وقال الموفق: (١) يباح كل ما فيه أذى للناس، مثل سباع البهائم كلها
المُحرَّم أكلها وجوارح الطير، كالبازي والعقاب والصقر والحشرات المؤذية،
وبهذا قال الشافعي، انتهى.
قلت: وقد عرفت أن النهي عند الحنفية عام في جميع الصيود، والطيور
كلها صيود؛ لتوحشها في أصل الخلقة.
(٢٩) ما يجوز للمحرم
هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية، فما في بعضها ((ما لا يجوز))
لیس بوجیه.
(أن يفعله) يعني بيان الأفعال التي يجوز فعلها في الإحرام.
٧٨٤/ ٩٢ - (مالك، عن يحي بن سعيد) الأنصاري، وفي ((موطأ محمد))(٢)
بدل يحيى عبد الله بن عمر بن حفص (عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن
ربيعة بن عبد الله(٣) بن الهدير) بضم الهاء وفتح الدال (أنه رأى عمر بن الخطاب)
(١) ((المغني)) (١٧٦/٥).
(٢) انظر ((التعليق الممجد مع موطأ الإمام محمد)) (٣١٥/٢، ٣١٦).
(٣) هكذا في الأصل و((التعليق الممجد)) (٣١٧/٢) و((أسد الغابة)) (٢٨١/٢) و((الاستيعاب))
(٢/ ٢٩٢) وما جاء في الزرقاني ونسخة ف ربيعة بن أبي عبد الله فهو وهم.
١٩٥

٢٠ - كتاب الحج
(٢٩) باب
(٧٨٤) حدیث
يُقَرِّدُ بَعِيراً لَهُ فِي طِينٍ بِالسُّقْيَا. وَهُوَ مُحْرِمٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَنَا أَكْرَهُهُ.
ولفظ محمد عن ربيعة قال: رأيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (يُقَرِّدُ
بَعيراً له) من التقريد، وهو نزع القراد من البعير (في طين) أي يزيل قراد بعيره
ملقياً في الطين، ولفظ محمد: يُقَرِّدُ بعيره بالسقيا، فيجعله في طين (بالسقيا)
بضم السين المهملة، وسكون القاف، والقصر، قرية بين مكة والمدينة (وهو
محرم) لأنه يرى جواز ذلك.
قال محمد بن الحسن: لا بأس بذلك وهو قول عمر، وهذا أعجبُ إلينا
من قول ابن عمر، وهو قول أبي حنيفة. وروى ابن أبي شيبة أن علياً -
رضي الله عنه - رخّص للمحرم أن يُقَرِّدَ بعيره، وعن ابن عباس وجابر لا بأس
به، وعن إبراهيم ومجاهد كذلك، قاله في ((المحلى)) (قال مالك: وأنا أكرهه)
كما سيأتي عن ابن عمر، أنه كان يكره ذلك.
قال الباجي(١): وقد اختلف في ذلك، فأجازه عمر وابن عباس. وبه قال
أبو حنيفة والشافعي، وكرهه ابن عمر وسعيد بن المسيب، وبه قال مالك،
والأصل في ذلك منع القمل وإلقاؤها عن الجسد، فنقول: إن هذا حيوان يتولد
في جسده حيوان من غير جنسه، فلم يكن للمحرم طرحه عما يختص به من
الأجسام، كالقُمّل من جسد الإنسان، وهذا حكم جميع الهوام لا يجوز للمحرم
قتله، فيلزم الامتناع من قتل الذباب والنمل والبراغيث.
والدليل على ذلك قوله ومَ له لكعب بن عجرة: ((أتؤذيك هوامك؟)) ثم أباح
له إزالته على أن يفتدي، فدل على المنع من إزالة ما يقع عليه هذا الاسم من
غير أذى، انتهى. قلت: والجمهور فرقوا بين القمل والقراد.
قال الموفق(٢): وما لا يؤذي بطبعه، ولا يؤكل كالرخم والديدان، فلا
(١) ((المنتقى)) (٢٦٤/٢).
(٢) ((المغني)) (١٧٧/٥).
١٩٦

٢٠ - كتاب الحج
(٢٩) باب
(٧٨٤) حديث
أثر للحرم ولا للإحرام فيه، ولا جزاء فيه إن قتله، وبهذا قال الشافعي، وقال
مالك: يحرم قتلها، وإن قتلها فداها، وإذا وطئ الذباب والنمل تصدق بشيء
من الطعام.
ولنا، أن الله تعالى إنما أوجب الجزاء في الصيد، وليس هذا بصيد،
ولأنه لا مثل له ولا قيمة، والضمان إنما يكون بأحد هذين الشيئين، وروي عن
عمر، أنه قَرَّدَ بعيره بالسقيا، وهو محرم، ومعناها أنه نزع القراد عنه، وهو قول
جابر بن زيد وعطاء، وروي أن ابن عباس قال لعكرمة وهو محرم: قرد البعير،
فكره ذلك، قال: قم فانحره، فنحره، فقال له ابن عباس: لا أم لك، كَمْ
قتلت فيها من قراد وحلمة وحمنانة؟، يعني كبار القراد، رواه كله سعيد.
وقال أيضاً(١): اختلفت الرواية عن أحمد في إباحة قتل القمل، فعنه
إباحته؛ لأنه من أكثر الهوام أذى، فأبيح قتله كالبراغيث وسائر ما يؤذي، وعنه
أن قتله محرم؛ لأنه يترفه بإزالته، فحرم كقطع الشعر، ولأن النبي وَلّ رأى
كعب بن عجرة والقمل يتناثر على وجهه، فقال له: احلق رأسك، فلو كان قتل
القمل أو إزالته مباحاً لم يكن كعب ليتركه حتى يصير كذلك، ولا فرق بين قتل
القمل، أو إزالته بإلقائه على الأرض، أو قتله بالزئبق، فإن قتله لم يحرم
لحرمته، لكن لما فيه من الترفه، فعمّ المنع إزالته كيفما كانت.
فإن خالف وتَفَلَّى، أو قتل قملاً، فلا فديه فيه، فإن كعب بن عجرة حين
حلق رأسه، قد أذهب قملاً كثيراً، ولم يجب عليه لذلك شيء، وإنما وجبت
الفدية بحلق الشعر، ولأن القمل لا قيمة له أشبه البعوض والبراغيث، ولأنه
ليس بصيد، ولا هو مأكول، وعن أحمد فيمن قتل قملة؟ قال: يطعم شيئاً،
وقال مالك: حفنة من طعام، انتهى.
(١) ((المغني)) (١١٥/٥).
١٩٧

٢٠ - كتاب الحج
(٢٩) باب
(٧٨٥) حدیث
٩٣/٧٨٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ،
عَنْ أُمِّه؛ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ زوْجَ النَّبِيِّ وََّ تُسْأَلُ عَنِ
الْمُحْرِمِ. أَيَحُكُ جَسَدَهُ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ فَلْيحْكُكْهُ وَلْيَشْدُدْ. وَلَوْ رُبِطَتْ
يَدَايَ،
وفي ((الهداية))(١): ليس في قتل البعوض والنمل والبراغيث والقراد شيء؛
لأنها ليست بصيود، وليست بمتولدة من البدن، ثم هي مؤذية بطباعها، والمراد
بالنمل السود والصفر الذي يؤذي، وما لا يؤذي لا يحل قتلها، ولكن لا يجب
الجزاء للعلة الأولى، ومن قتل قملة تصدق بما شاء؛ لأنها متولدة من التفث
الذي على البدن .
قال ابن الهمام(٢): يفيد أن الجزاء باعتبار أنه قضاء التفث، فيستفاد منه
أنه لو لم يأخذها من بدنه، بل وجد قملة على الأرض، فقتلها، فلا شيء،
واعلم أن الإلقاء على الأرض كالقتل تجب به الصدقة، انتهى. وسيأتي شيء
من قتل القمل في ((فدية من حلق قبل أن ينحر)).
٩٣/٧٨٥ - (مالك، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه) مرجانة (أنها
قالت: سمعت عائشة) رضي الله عنها (زوج النبي والر تسأل) ببناء المجهول (عن
المحرم يحك) ببناء الفاعل من الحك بدون همزة الاستفهام في النسخ الهندية،
وبزيادة همزة الاستفهام في أوله في النسخ المصرية، وضمير الفاعل للمحرم
(جسده) مفعول (فقالت: نعم فليحككه) الأمر للإباحة أي يجوز له أن يحك
جسده، ثم قالت زيادة في بيان الإباحة: (وليشدد) كينصر أي يبالغ في الحك
بالشدة أمر إباحة .
(قالت عائشة: لو ربطت) ببناء المفعول (يداي) نائب الفاعل، واحتجتُ
(١) (١٦٨/١)، بيروت.
(٢) ((فتح القدير)) (١٨/٣).
١٩٨

٢٠ - كتاب الحج
(٢٩) باب
(٧٨٦) حديث
وَلَمْ أَجِدْ إِلا رِجْلِيَّ لَحَكَكْتُ.
٩٤/٧٨٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسى؛ ....
إلى الحك (ولم أجد) ما أحكُ به (إلا رجليَ) بالتثنية مع شد الياء، والإفراد مع
السكون (لحككتُ) بتاء المتكلم، ومحمل قولها، ويشدّد عند مالك، كما جزم
به الزرقاني(١)، وبسط نصوص المذاهب في ذلك الباجي (٢)، هو ما إذا كان
يرى ما يحكه، فإن لم يره، فإنما يجوز الحك بالرفق؛ لأنه إذا شدّد مع عدم
الرؤية ربما أتى على شيء من الدواب ولا يشعر به، وقد قال مالك: لا بأس
أن يحُكَ المحرمُ ما يرى من جسده وقروحه وإن أدمى جلده، انتهى.
قال الخرقي: ويحك رأسه وجسده حكاً رفيقاً، قال الموفق(٣): يرفق في
الحك كيلا يقطع شعراً أو يقتل قملة، انتهى. وفي ((الدر المختار)): ولا يتقي
حك رأسه وبدنه، لكن برفق إن خاف سقوط شعرة أو قملة. وعَدَّ القاري في
(شرح اللباب)) (٤) من المكروهات: حك شعر رأسه ولحيته وسائر جسده حكاً
شديداً، لما فيه من التعرض لقطع الشعر وإزالته ونتفه، وقال في المباحات:
وحك رأسه وسائر بدنه برفق إن خاف سقوط شيء من شعره، وإن لم يخف،
فلا بأس بالحك الشديد ولو أدمى، انتهى.
وفي ((المسوى))(٥) عن ((العالمكيرية)): إذا حك فليرفق بحكه خوفاً من
تناثر الشعر وقتل القمل، فإن لم يكن في رأسه شعر، فلا بأس بالحك الشديد،
انتھی .
٩٤/٧٨٦ - (مالك، عن أيوب بن موسى) بن عمرو بن سعيد بن
(١) انظر ((شرح الزرقاني)) (٢٩٠/٢).
(٢) انظر ((المنتقى)) (٢٦٥/٢).
(٣) ((المغني)) (١١٦/٥).
(٤) انظر: (ص٥٣ - ٥٧).
(٥) (٣٥٦/١).
١٩٩

٢٠ - كتاب الحج
(٢٩) باب
(٧٨٦) حديث
أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي الْمِرآةِ لِشَكْوِ كَانَ بِعَيْنَيْهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ.
العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، أبو موسى المكّي من رواة الستة،
المتوفى سنة ١٣٢هـ، وقيل غير ذلك (أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(نظر في المرآة) بالكسر معروفة، مفعلة من الرؤية، جمعه مراءٍ ومرايا؛ كذا في
(الصراح))، وقال المجد: كمِسْحاةٍ ما تَراءيْتَ فيه، ويقال له في الهندية: آئينه
(الشكوى) بالقصر مصدر، وفي روايةَ لشكوٍ بالتنوين مصدر أيضاً أي لمرض
(كان بعينيه وهو محرم) قال الباجي: يريد أنه استباح ذلك لهذه العلة، ويحتمل
أن يكون أخبر أن سبب نظره فيها كان لشكوى عينيه؛ لأنه ليس في النظر في
المرآة ما يمنع من أجل الإحرام؛ لأن نظر الإنسان إلى جسده كله مباح في
حال إحرامه، انتهى.
وفي الهامش عن ((المحلي)): وعند ابن أبي شيبة عن ابن عمر وابن
عباس: لا بأس بالمرآة للمحرم، قال الزرقاني: ويكره عند مالك بغير ضرورة
مخافة أن يرى شعثاً، فيصلحه، قال الباحي: وقد روى محمد عن مالك: ليس
من شأن المحرم النظر في المرآة إلا من وجع، ومعنى ذلك أن النظر في المرآة
إنما يكون غالباً لإصلاح الوجه، وتزيينه، وإزالة ما فيه من شعث، وذلك من
ممنوعات الإحرام، فإذا نظر فيه لوجع به، فلا بأس بذلك؛ لأنه قصد به ما هو
مباح له، انتھی.
وقال الموفق(١): ولا ينظر في المرآة لإصلاح شيء يعني لإزالة شعث،
أو لتسوية شعر، أو شيء من الزينة، قال أحمد: ولا بأس أن ينظر في المرآة،
ولا يصلح شعثاً، ولا ينفض عنه غباراً، وروي نحو ذلك عن عطاء، والوجه
في ذلك أنه قد روي في حديثٍ: ((أن المحرم الأشعث الأغبر))، فإن نظر فيها
الحاجة كمداواة جرح، أو إزالة شعر ينبت في عينيه، ونحو ذلك مما أباح
الشرع له فعله، فلا بأس، ولا فدية عليه بالنظر في المرآة على كل حال، وإنما
.....
(١) ((المغني)) (١٤٧/٥).
٢٠٠