النص المفهرس

صفحات 161-180

٢٠ - كتاب الحج
(٢٧) باب
(٧٧٩) حديث
ولا يجزئ إخراج القيمة؛ لأن الله تعالى خير بين ثلاثة أشياء ليست القيمة
منها، ثم قال في بيان ما لا مثل له: هل يجوز إخراج القيمة؟ فيه احتمالان.
أحدهما: لا يجوز، وهو ظاهر قول أحمد في رواية حنبل؛ لأنه جزاء
صيد، فلم يجز إخراج القيمة فيه كالذي له مثل.
الثاني: يجوز إخراج القيمة لأن عمر - رضي الله عنه - قال لكعب: ما
جعلت على نفسك؟ قال: درهمين، قال: اجعل ما جعلت على نفسك، وقال
عطاء: في العصفور نصف درهم، وظاهره إخراج الدراهم الواجبة، انتهى.
وفي ((شرح اللباب)): يجوز أداء القيمة في الكل دراهم أو دنانير أو فلوساً
أو عروضاً أو ما شاء من الأمتعة، انتهى. وقال الدردير في بيان الجزاء: أو
إطعام بقيمة الصيد، قال الدسوقي: أما لو قَوَّمَه بدراهم أو عرض وأخرج
ذلك، فإنه لا يجزئ، ويرجع به إن كان باقياً، انتهى.
وفي ((هامش الأنوار)) على قول المصنف: ويتخير في جزاء الصيد
المثلي ... إلخ: عُلِم من كلامه أنه لا يجوز إخراجه حيا ولا تقويم الصيد،
كما قال به مالك، ولا إخراج الدراهم كما قاله أبو حنيفة. انتهى.
والحادي عشر: موضع إخراج الطعام، وهل يختص بمساكين الحرم أم
لا؟ قال الموفق: والطعام كالهدي يختص بمساكين الحرم فيما يختص الهدي،
وقال عطاء والنخعي: ما كان من هدي، فبمكة، وما كان من طعام وصيام،
فحيث شاء، وهذا يقتضيه مذهب مالك وأبي حنيفة، ولنا، قول ابن عباس:
الهدي والطعام بمكة والصوم حيث شاء، ولأنه نسك يتعدى نفعه إلى
المساكين، فاختص بالحرم كالهدي، انتهى. وبالأول قالت الشافعية.
قال ابن رشد(١): اختلفوا في موضع الإطعام، فقال مالك في الموضع
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٥٩/١).
١٦١

٢٠ - كتاب الحج
(٢٧) باب
(٧٧٩) حديث
الذي أصاب فيه الصيد إن كان، ثم طعام، وإلا ففي أقرب المواضع إلى ذلك
الموضع، وقال أبو حنيفة: حيث ما أطعم، وقال الشافعي: لا يطعم إلا
مساکین مکة، انتهى.
قال النووي في ((مناسكه)): لو كان يتصدق بالطعام بدلاً عن الذبح وجبت
تفرقته على المساكين الموجودين في الحرم كاللحم، ولو كان يأتي بالصوم جاز
أن يصوم حيث شاء؛ لأنه لا غرض للمساکین فیه، انتهى.
وقال الدردير(١): ويعتبر كل من الإطعام والتقويم بمحل التلف، وإلا
فبقُرْبه، ولا يجزئ تقويم أو إطعام بغير ما ذكر من المحل أو قربه، قال
الدسوقي: حاصله أنه إذا أخرج الجزاء من النعم اختص بالحرم، وإن صام
فحيث شاء، وإن أراد أن يخرج طعاماً، فلا بد من اعتبار القيمة طعاماً بمحل
التلف، ولا بد من دفع ذلك الطعام لفقراء ذلك المحل، انتهى.
قلت: ظاهر هذه الأقاويل وجوب الإطعام لفقراء هذا المحل، وظاهر ما
سيأتي في جامع الهدي من كلام الباجي استحبابه فتأمل.
وقال العيني(٢): اختلفوا في مكان هذا الإطعام، فقال الشافعي: محله
الحرم، وقال مالك: يطعم في المكان الذي أصاب فيه الصيد، أو أقرب
الأماكن إليه. وقال أبو حنيفة: إن شاء أطعم في الحرم وإن شاء في غيره،
انتهى. وعُلِمَ من ذلك أن ما حكى بعض نقلة المذاهب من موافقة الحنفية
لمالك ليس بصحيح، فإنهم لم يقيدوه بموضع الإتلاف كما قيده مالك.
قال الجصاص(٣): والدليل على جوازه حيث شاء قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّرَةٌ
(١) ((الشرح الكبير)) (٨٠/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٧٧/٧).
(٣) ((أحكام القرآن)) (٢/ ٤٧٧).
١٦٢

٢٠ - كتاب الحج
(٢٧) باب
(٧٧٩) حدیث
أَوَ عَدُلُ ذَلِكَ صِيَامًا
طَعَامُ مَسَكِينَ﴾ وذلك عموم في سائرهم وغير جائز تخصيصه بمكان، إلا
بدلالة، ومن قصره على مساكين مكة، فقد خص الآية بغير دليل. وأيضاً ليس
في الأصول صدقة مخصوصة بمكان لا يجوز أداؤها في غيره، فلما كان ذلك
صدقة وجب جوازها في سائر المواضع إلى آخر ما ذكره.
والثاني عشر: ما قال الزرقاني (١): لا خلاف في جمع مساكين لههنا؛ لأنه
لا يطعم في قتل الصيد مسكين واحد بل جماعة، انتهى، وفي ((الدر المختار)):
لا يجوز أن يدفع كل الطعام إلى مسكين واحد لههنا بخلاف الفطرة؛ لأن العدد
منصوص علیه، انتهى.
قلت: وتقدم في المبحث الخامس: أن الواجب مد لكل مسكين عند
المالكية لا وكس ولا شطط، وكذا عند الحنفية، إلا أن الواجب عندهم الصاع
أو نصفه، وكذا عند الحنابلة في المرجح عندهم، المد من البر ومُدَّان من
غيره، وأما عند الشافعية، فالواجب تفريق الطعام على ثلاثة مساكين، قال
النووي في ((مناسكه)): وجبت تفرقته على المساكين الموجودين في الحرم، قال
ابن حجر في ((شرحه)): تعبيره بالمساكين يقتضي أنه لا بد من التفرقة على ثلاثة
مساكين فأكثر، فإن أعطى لاثنين غرم للثالث أقل ما يقع عليه الاسم، انتهى.
(﴿أَوَّ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾) وفيه أيضاً عدة أبحاث:
الأول: ما قال الفراء العدل ما عادل من غير جنسه، والعدل المثل،
تقول: عندي عدل غلامك أو شاتك، إذا كان عندك غلام يعدل غلاماً، أو شاة
تعدل شاة، أما إذا أردت قيمته من غير جنسه نصبت العين، فقلت عدل، وقال
أبو الهيثم: العدل المثل، والعدل القيمة، والعدل اسم حمل معدول بِحِمْل آخر
مسوّى به، والعدل تقويمك الشيء بالشيء من غير جنسه، وقوله: صياماً نصب
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٥/٢).
١٦٣

٢٠ - كتاب الحج
(٢٧) باب
(٧٧٩) حديث
على التمييز، قاله الرازي في ((الكبير)) (١).
وقال العيني (٢): الفرق بينهما أن عدل الشيء بالفتح ما عادله من غير
جنسه، كالصوم والإطعام، وعدله بالكسر ما عدل به في المقدار، ومنه عدلا
الحمل؛ لأن كل واحد منهما عدل بالآخر حتى اعتدلا، كأن المفتوح تسمية
بالمصدر، والمكسور بمعنى المفعول، وقال البيضاوي: هو في الأصل مصدر
أطلق للمفعول، وقرئ بكسر العين، وذلك إشارة إلى الطعام، و((صياماً)) تمييز
للعدل، انتهى.
والثاني: (٣) في مقدار الصيام، فعن الإمام أحمد أنه يصوم عن كل مد
يوماً، وهو ظاهر قول عطاء ومالك والشافعي؛ لأنها كفارة دخلها الصيام
والإطعام، فكان اليوم في مقابلة المد ككفارة الظهار، وعن أحمد أنه يصوم عن
كل نصف صاع يوماً، وهو قول ابن عقيل والحسن والنخعي والثوري وأصحاب
الرأي وابن المنذر، وقال القاضي: المسألة رواية واحدة، واليوم عن مُدِّ بُرٍّ أو
نصف صاع من غيره، وكلام أحمد في الروايتين محمول على اختلاف
الحالين؛ لأن صوم اليوم مقابل بإطعام المسكين مُدَّ بُرِّ، أو نصف صاع من
غيره، انتهى.
وفي ((الروض المربع)): ويطعم كل مسكين مداً إن كان براً، وإلا فمدین،
أو يصوم عن كل مد من البر يوماً، وإن بقي دون مد صام يوماً، انتهى. وجزم
في جميع فروع الشافعية بصوم يوم مكانه، قالوا: فإن انكسر مدٌّ صام يوماً.
انتھی .
(١) ((التفسير الكبير)) (٨٠/١٢/٦) ط بيروت.
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٧٣/٧).
(٣) انظر ((المغني)) (٤١٧/٥).
١٦٤

٢٠ - كتاب الحج
(٢٧) باب
(٧٧٩) حدیث
وقال الدردير(١): أو صيام أيام بعدد الأمداد لكل مد صومُ يومٍ، وكمل
كسر المد وجوباً في الصوم، إذ لا يتصور صوم بعض يوم، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): إن اختار الصيام يُقَوَّمُ المقتولُ طعاماً، ثم يصوم عن
كل نصف صاع من بر أو صاع من تمر يوماً؛ لأن تقدير الصيام بالمقتول غير
ممكن إذ لا قيمة للصيام، فقدرناه بالطعام، والتقدير على هذا الوجه معهود في
الشرع، كما في باب الفدية، فإن فضل من الطعام أقل من نصف صاع، فهو
مخير إن شاء تصدق به، وإن شاء صام عنه يوماً كاملاً، انتهى.
وهذا مبني على جواز تفريق الجزاء عند الحنفية كما سيأتي. هذا،
ولعلك قد عرفت أن ما حكى الموفق من موافقة أحمد لأهل الرأي الثاقب ليس
بصحيح، فإن قوله - رضي الله عنه -: مد من حنطة ومُدَّان من غيرها، وقولهم -
رضي الله عنهم -: مدان من حنطة، وأربعة أمداد من غيرها .
والثالث: ما قال الموفق(٣): إذا بقي ما لا يعدل كدون المد صام يوماً
كاملاً، كذلك قال عطاء والنخعي وحماد والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم
أحداً خالفهم؛ لأن الصوم لا يتبعض، فيجب تكميله، انتهى. قلت: وتقدمت
الأقوال في وفق ذلك من فروع الأئمة الأربعة قريباً .
والرابع: ما في ((المغني)): ولا يجب التتابع في الصيام، وبه قال الشافعي
وأصحاب الرأي، فإن الله تعالى أمر به مطلقاً، فلا يتقيد بالتتابع من غير دليل،
انتھی .
والخامس: ما قال الباجي(٤): ولا يتبعّض الإطعام والصيام بأن يطعم عن
(١) ((الشرح الكبير)) (٨١/٢).
(٢) (١٦٧/١) ط بيروت.
(٣) ((المغني)) (٤١٧/٥).
(٤) ((المنتقى)) (٢٥٨/٢).
١٦٥

٢٠ - كتاب الحج
(٢٧) باب
(٧٧٩) حديث
لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهٍ﴾(١).
-
بعض الكفارة ويصوم عن بعض، ولكن يطعم عن جميعها أو يصوم عن
جميعها . انتهى.
وقال الموفق: نص عليه أحمد. وبه قال الشافعي والثوري وإسحق وأبو
ثور وابن المنذر. انتهى.
وفي ((شرح اللباب)): يجوز له الجمع بين الصيام، والطعام، والدم في
جزاء صيد واحد بأن بلغت قيمته هدايا متعددة، فذبح هدياً، وأطعم عن هدي،
وصام عن آخر، انتهى.
قال الجصاص(٢): أما أصحابنا فأجازوا الجمع بين الصيام والطعام،
وفرقوا بينه وبين الصيام في كفارة اليمين مع الإطعام، فلم يجيزوا الجمع
بينهما، فإنما أجازوا الجمع؛ لأنه تعالى جعل الصيام عدلاً للطعام ومثلاً له
بقوله تعالى: ﴿أَوَ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ ومعلوم أنه لم يرد بقوله تعالى أن يكون مثلاً
له في حقيقة معناه إذ لا تشابه بين الصيام وبين الطعام، فعلمنا أن المراد
المماثلة بينهما في قيامه مقام الطعام ونيابة عنه، فمن صام بعضاً، فكأنه قد
أطعم بقدر ذلك، فجاز ضمه إلى الطعام، فكان الجميع طعاماً، وأما الصيام
في كفارة اليمين، فإنما يجوز عند عدم الطعام، وهو بدل عنه، فغير جائز
الجمع بينهما إلى آخر ما بسطه.
(﴿لَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهٍ﴾) فيه أيضاً عدة أبحاث.
الأول: ما قال العيني(٣): إن اللام يتعلق بقوله: ((فجزاء)) أي فعليه أن
يجازي أو يُكَفِّرَ ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام، وقال البيضاوي:
(١) سورة المائدة: الآية ٩٥.
(٢) («أحكام القرآن)) (٤٧٧/٢).
(٣) ((عمدة القاري)) (٤٧٣/٧).
١٦٦

٢٠ - كتاب الحج
(٢٧) باب
(٧٧٩) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: فَالَّذِي يَصِيدُ الصَّيْدَ وَهُوَ حَلَالٌ. ثُمَّ يَقْتُلُهُ وَهُوَ
مُحْرِمٌ. بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَبْتَاعُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ. ثُمَّ يَقْتُلُهُ. وَقَدْ نَهَى اللهُ عَنْ
قَتْلِهِ
متعلقه محذوف، وفي ((الجلالين)): وجب ذلك ليذوق وبال أمره، قال صاحب
((الجمل)): قوله: ((وجب ذلك)) أي الجزاء بأقسامه الثلاثة، وقوله: ((ليذوق))
متعلق بذلك المحذوف الذي قَدّره الشارح، انتهى.
والثاني: ما قال الرازي: الوبال في اللغة عبارة عما فيه من الثقل
والمكروه، يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وِخَامة، وماء وبيلٌ إذا لم يستمر،
والطعام الوبيل الذي يثقل على المعدة فلا ينهضم، قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَهُ أَخْذًا
وَبِيلًا﴾(١) وإنما سمى الله تعالى ذلك وبالاً، لأنه خيّره بين ثلاثة أشياء، اثنان
منها توجب تنقيص المال وهو ثقيل على الطبع، وهما الجزاء بالمثل والإطعام،
والثالث يوجب إيلام البدن، وهو الصوم، وذلك أيضاً ثقيل على الطبع،
والمعنى أنه تعالى أوجب على قاتل الصيد أحدَ هذه الأشياء التي كل واحد
منها ثقيل على الطبع، حتى يحترز عن قتل الصيد في الحرم والإحرام، انتهى.
والثالث: ما تقدم في آخر ((باب ما لا يجوز للمحرم أكله من الصيد)) أن
الجصاص استدل بذلك على ما قالت الحنفية من أن المحرم إذا أكل من الصيد
الذي لزمه جزاؤه أن عليه قيمة ما أكل، ثم لا يوجد في جميع النسخ الهندية
والمصرية، إلا هذا القدر من الآية، وتمامها: ﴿عَفَا اَللَّهُ عَمَّا سَلَفَّ وَمَنْ عَادَ فَيَنْثَقِمُ
اللّهُ مِنَّةً وَاللَّهُ عَزِيُ ذُو أَنِقَامٍ﴾(٢) وفي هذا القدر من الآية أيضاً مباحث عديدة،
لكنا اقتفينا المصنف رَوْماً للاختصار المرعى في هذا ((الأوجز)).
(قال مالك: فالذي يصيد الصيد وهو حلال ثم يقتله وهو محرم بمنزلة
الذي يبتاعه) أي يشتريه (وهو محرم ثم يقتله وقد نهى الله عن قتله) قال
(١) سورة المزمل: الآية ١٦.
(٢) سورة المائدة: الآية ٩٥.
١٦٧

٢٠ - كتاب الحج
(٢٧) باب
(٧٧٩) حدیث
فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ.
وَالأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ أَصَابَ الصَّيْدَ وَهُوَ مُحْرِمٌ حُكِمَ عَلَيْهِ.
الباجي(١): وهذا كما قال: إن الذي يصيد الصيد وهو حلال، ثم يقتله بعد أن
يحرم أنه بمنزلة الذي يبتاعه في حال إحرامه فيقتله، وذلك أن الذي يحرم وفي
يده صيد صاده وهو حلال قد حرم عليه قتله لقوله تعالى: ﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ
حُرُمٌ﴾ فنهى عن قتله في حال الإحرام، وقد استويا في ذلك، وإنما اختلف
أصحابنا في استدامة إمساكه، فجَوَّزه أشهب، ومنعه غيره، ولم يختلفوا في منع
القتل، انتهى.
(فعليه جزاؤه) لأن من نهي عن قتل الصيد لأجل إحرامه، فقتله عليه
الجزاء؛ لأنه قتل الصيد في حال إحرامه.
(قال مالك: والأمر عندنا أن من أصاب الصيد وهو محرم) سواء كان
واحداً أو جماعة (حكم عليه) زاد في النسخ المصرية بعد ذلك: ((بالجزاء)) لأنه
تعرض لما نهي عنه، ولا يختلف في ذلك بكونه منفرداً أو مع غيره، وهذا هو
الغرض عندي بكلام الإمام مالك، ولم يتعرض له أحد من الشراح.
والمسألة خلافية قال الخرقي: ولو اشترك جماعة في قتل صيد، فعليهم
جزاء واحد، قال الموفق(٢): يروى عن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات،
إحداهن: أن الواجب جزاء واحد وهو الصحيح، ويروى هذا عن عمر بن
الخطاب وابن عمر وابن عباس. وبه قال عطاء والزهري والنخعي والشعبي
والشافعي وإسحق. والثانية: على كل واحد جزاء رواهما ابن أبي موسى
واختارها أبو بكر. وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة، ويروى عن الحسن
لأنها كفارة قتل يدخلها الصوم أشبهت كفارة قتل الآدمي. والثالثة: إن كان
صوماً صام كل واحد صوماً تاماً، وإن كان غير ذلك فجزاء واحد، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢٥٨/٢).
(٢) ((المغني)) (٤٢٠/٥).
١٦٨

٢٠ - كتاب الحج
(٢٧) باب
(٧٧٩) حديث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الَّذِي يَقْتُلُ
الصَّيْدَ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ فِيهِ أَنْ يُقَوَّمَ الصَّيْدُ
وفي ((التفسير الكبير)) (١): جماعة محرمون قتلوا صيداً، قال الشافعي
- رحمه الله -: لا يجب عليهم إلا جزاء واحد، وهو قول أحمد وإسحق، وقال
أبو حنيفة ومالك والثوري: يجب على كل واحد منهم جزاء واحد، حجة
الشافعي - رحمه الله - أن الآية دلت على وجوب المثل، ومثل الواحد واحد،
وأكد هذا بما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال بمثل قولنا، وحجة
أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن كل واحد منهم قاتل، فوجب أن يجب على كل
واحد منهم جزاء كامل، انتهى. وقد تقدم في تفسير الآية ما قال الجصاص:
إن قوله تعالى: ﴿وَمَن قَثَلَهُ مِنْكُم مُتَعَمِّدًا﴾ ينتظم الواحد والجماعة.
وسيأتي التصريح بالمسألة في ((الموطأ)) أيضاً في ((جامع الفدية))، وفيه
تصريح عن الإمام مالك بتعدد الجزاء عن كل واحد، ومذهب الحنفية في ذلك
كما في ((الهداية)) (٢): إذا اشترك محرمان في قتل صيد، فعلى كل واحد منهما
جزاء كامل؛ لأن كل واحد منهما بالشركة يصير جانياً جناية تفوق الدلالة،
فيتعدد الجزاء بتعدد الجناية، وإذا اشترك حلالان في قتل صيد الحرم، فعليهما
جزاء واحد؛ لأن الضمان بدل عن المحل لا جزاء عن الجناية، فيتحد باتحاد
المحل كرجلين قتلا رجلاً خطأ يجب عليهما دية واحدة، وعلى كل واحد
منهما كفارة، انتهى.
(قال يحيى: قال مالك: أحسن ما سمعت في) كيفية التقويم وأداء الكفارة
بالطعام والصيام في الرجل (الذي يقتل الصيد فيحكم) ببناء المجهول (عليه)
على الرجل (فيه) أي في قتل الصيد (أن يقوم الصيد) مع صفته خبر لقوله:
(١) (١٠١/٦).
(٢) (١/ ١٧٢).
١٦٩

٢٠ - كتاب الحج
(٢٧) باب
(٧٧٩) حدیث
الَّذِي أَصَابَ، فَيُنْظَرَ كَمْ ثَمَنُّهُ مِنَ الطَّعَامِ، فَيُطْعِمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا،
أَوْ يَصُومَ مَكَانَ كُلِّ مُدِّ يَوْماً، وَيُنْظَرَ كَمْ عِدَّةُ الْمَسَاكِينِ. فَإِنَّ كَانُوا
عَشَرَةً، صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. وَإِنْ كَانُوا عِشْرِينَ مِسْكِيناً، صَامَ عِشْرِينَ
يَوْماً، عَدَدَهُمْ مَا كَانُوا،َ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ سِتِّيْنَ مِسْكِيناً.
قَالَ مَالِكٌ: سَمِعْتُ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَى مَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ
وَهُوَ حَلَالٌ، بِمِثْلِ مَا يُحْكَمُ
((أحسن ما سمعت)) (الذي أصاب فينظر كَمْ ثمنه من الطعام) يعني أن الصيد يُقَوَّم
بالطعام، بأن يقال: كم ثمن هذا الصيد إذا بيع بالطعام؟ كما تقدم في كيفية التقويم
من الأبحاث التي في تفسير الآية (فيطعم) بالرفع والنصب وببناء المعلوم أو
المجهول (كل) النصب أو الرفع (مسكين مداً، أو يصوم مكان كل مد يوماً) عند مالك
ومن معه، وعندنا الحنفية مكان كل مدين من البر يوماً، كما تقدم في تفسير الآية.
قال الباجي(١): ظاهره يقتضي أنه إذا حكم عليه بالإطعام كان له أن
يطعم كل مسكين مداً، أو يصوم مكانه يوماً دون حكم، وعلى هذا إنما يحتاج
إلى الحكم في إخراج المثل، أو إخراج الطعام، فأما التخيير بينه وبين الصيام
والتكفير بدلاً من الطعام، فلا يحتاج فيه إلى حكم، إلى آخر ما بسطه.
(وينظر كَمْ عدَّة المساكين، فإن كانوا عشرة، صام عشرة أيام، وإن كانوا
عشرين مسكيناً، صام عشرين يوماً، عددهم) منصوب بنزع الخافض أي يصوم
بمقدار المساكين كائنة (ما كانوا، وإن كانوا أكثر من ستين مسكيناً) يعني أن
الصيام والإطعام في جزاء الصيد لا يتقدر بعدد ينتهي إليه حتى لا يزاد عليه،
كما تقرر سائر الكفارات ككفارة الصيام والظهار بالستين.
(قال يحيى: قال مالك: سمعت) أهل العلم ومشايخي (أنه يحكم) ببناء
المجهول (على من قتل الصيد في الحرم وهو حلال بمثل ما يحكم) ببناء
(١) ((المنتقى)) (٢٥٩/٢).
١٧٠

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
بِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ الَّذِي يَقْتُلُ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
(٢٨) باب ما يقتل المحرم من الدواب
المجهول (به على المحرم الذي يقتل الصيد في الحرم وهو محرم) يعني جزاء
الصيد في الحرم على القاتل المحرم والقاتل الحلال سواء، لا يزاد على
المحرم بسبب إحرامه جزاء آخر، بل تداخلت الحرمتان، حرمة الإحرام وحرمة
الحرم، وبذلك قالت بقية الأئمة الأربعة.
ففي ((شرح الإقناع)) (١): والمحل والمحرم في ذلك أي في تحريم صيد
الحرم وقطع شجره والضمان سواء بلا فرق، انتهى. وفي ((الروض المربع))(٢):
ولا يلزم المحرم جزاءان، انتهى. قال صاحب ((العناية))(٣): فإن قيل: الصيد
كما استحق الأمن بسبب الحرم، فكذلك استحقه بسبب الإحرام، فإذا قتل
المحرم صيد الحرم ينبغي أن يجب عليه كفارتان، وليس كذلك.
قلت: وجوب الكفارتين وجه القياس، صرح بذلك في ((الإيضاح))،
ووجه الاستحسان ما ذكر في ((شرح الطحاوي)): أن حرمة الإحرام أقوى، لأن
المحرم يحرم عليه الصيد في الحل والحرم جميعاً، فاستتبع الأقوى الأضعف
انتهى .
(٢٨) ما يقتل المحرم من الدواب
أي ما يجوز للمحرم قتله من الصيود وغيرها، فهذا بمنزلة الاستثناء مما
تقدم، وبهذا بوب البخاري في (صحيحه)) وأبو داود في ((سننه))، قال العيني(٤):
الدواب جمع دابة وهي ما يدب على وجه الأرض، وقال ((صاحب المنتهى)):
(١) انظر ((الإقناع)) (٥٣٠/١).
(٢) (٤٩٦/١).
(٣) ((العناية مع فتح القدير)) (٩٥/٣).
(٤) ((عمدة القاري)) (٤٩٧/٧).
١٧١

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٠) حدیث
٨٨/٧٨٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ:
كل ماشٍ على الأرض دابة ودبيب، والهاء للمبالغة، والدابة في التي تُركب
أشهر، وفي ((المحكم)): الدابة تقع على المذكر والمؤنث وحقيقته الصفة، قال
العيني: والدابة في الأصل كل ما يدب على وجه الأرض، ثم نقله العرف العام
إلى ذوات القوائم الأربع من الخيل والبغال والحمير، ويسمى هذا منقولاً
عرفياً، فإن قلت: في أحاديث الباب الغراب والحدأة وليسا من الدواب، ولو
قال: من الحيوان لكان أصوب، قلت: أكثر ما ذكر في أحاديث الباب
الدواب، فنظر إلى هذا الجانب، انتهى.
وقال الحافظ(١): الدواب بتشديد الموحدة جمع دابة، وهو ما دبَّ من
الحيوان، وقد أخرج بعضهم منها الطير؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِ اُلْأَرْضِ
وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِحَنَاحَيْهِ﴾ (٢) الآية، وحديث الباب يرد عليه، فإنه ذكر في الدواب
الخمس الغراب والحدأة، ويدل على دخول الطير أيضاً عموم قوله تعالى:
﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾(٣) وفي حديث أبي هريرة عند مسلم
في صفة بدء الخلق: ((وخلق الدواب يوم الخميس))، ولم يفرد الطير بذكر، وقد
تصرف أهل العرف في الدابة، فمنهم من يخصها بالحمار، ومنهم من يخصها
بالفرس، وفائدة ذلك تظهر في الحلف، انتهى.
٧٨٠/ ٨٨ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -،
(أن رسول الله وَلي قال) هكذا عند البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن
مالك، ثم أخرجه بطريق أبي عوانة عن زيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر -
رضي الله عنهما - يقول: حدثتني إحدى نسوة النبي ◌َّ عن النبيِّ، وفي
(١) ((فتح الباري)) (٣٦/٤).
(٢) سورة الأنعام: الآية ٣٨.
(٣) سورة هود: الآية ٦.
١٧٢
------

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٠) حديث
((خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ :
أخرى من طريق يونس عن الزهري عن سالم قال: قال عبد الله بن عمر: قالت
حفصة: قال رسول الله وَل٤: ((خمس من الدواب ... ))، الحديث.
قال الحافظ(١): هذا والذي قبله يوهم أن عبد الله بن عمر ما سمع هذا
الحديث من النبي وَّر، ولكن وقع في بعض طرق نافع عنه: سمعت النبي ◌َّ،
أخرجه مسلم(٢) من طريق ابن جريج، وقال مسلم بعده: لم يقل أحد عن نافع
عن ابن عمر سمعت، إلا ابن جريج. وتابعه محمد بن إسحق، ثم ساقه من
طريق ابن إسحق عن نافع كذلك.
فالظاهر أن ابن عمر سمعه من أخته حفصة عن النبي وَلّ، وسمعه أيضاً عن
النبي ◌َّر، يحدث به حين سئل عنه، فقد وقع عند أحمد من طريق أيوب عن نافع
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: نادى رجل، ولأبي عوانة في ((المستخرج))
من هذا الوجه: أن أعرابياً نادى رسول الله وَ لور: ما نقتل من الدواب إذا أحرمنا؟
والظاهر أن المبهمة في رواية زيد بن جبير هي حفصة، ويحتمل أن تكون عائشة -
رضي الله عنها -، وقد رواه ابن عيينة عن ابن شهاب، فأسقط حفصة من الإسناد،
والصواب إثباتها في رواية سالم، انتهى. وبنحو ذلك قال العيني(٣).
(خمس) مرفوع على الابتداء نكرة مخصصة بصفة وهي قوله: (من
الدواب) وهو ما دبّ من الحيوان، وفي الحديث رد على من أخرج منها الطير،
والخبر قوله: (ليس على المحرم) بأحد النسكين أو كان في الحرم، فنفي الإثم
عن غيرهما بالأولى (في قتلهن جناح) بضم الجيم أي إثم، والجناح بالرفع اسم
ليس مؤخر عن خبره، والحديث أخرجه البخاري عن عائشة.
(١) ((فتح الباري)) (٣٥/٤، ٣٦).
(٢) رقم الحديث (١١٩٩) في الحج: ((باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في
الحل والحرم)).
(٣) ((عمدة القاري)) (٤٩٩/٧).
١٧٣

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٠) حدیث
الْغُرَابُ،
قال الحافظ(١): التقييد بالخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات
بذلك، لكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره،
فيحتمل أن يكون قاله وَّ أولاً، ثمَ بَيَّن بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها
في الحكم، فقد ورد في بعض طرق عائشة بلفظ ((أربع))، وفي بعض طرقها
بلفظ ((ست))، أما طريق أربع فأخرجها مسلم عنها، وأسقط العقرب، وأما
طريق (ست) فأخرجها أبو عوانة في ((المستخرج)) عنها، فأثبتها. وزاد ((الحية))،
ويشهد لها رواية لمسلم، وإن كانت خالية عن العدد، ذكر فيها الحية.
وأغرب عياض فقال: وفي غير كتاب مسلم ذكر الأفعى فصارت سبعاً،
وتُعُقِّب بأن الأفعى داخلة في مسمى الحية، وقد وقع في حديث أبي سعيد عند
أبي داود زيادة ((السبع العادي)) فصارت سبعاً، وفي حديث أبي هريرة عند
ابن خزيمة وابن المنذر زيادة ذكر ((الذئب والنمر)) على الخمس المشهورة فتصير
بهذا الاعتبار تسعاً.
لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلي أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي
للكلب العقور، ووقع ذكر الذئب في حديث مرسل، أخرجه ابن أبي شيبة
وسعيد بن منصور وأبو داود من طريق سعيد بن المسيب عن النبي ◌َّول قال:
(يقتل المحرم الحية والذئب))، ورجاله ثقات، وأخرج أحمد من طريق حجاج بن
أرطاة عن وبرة عن ابن عمر قال: ((أمر رسول الله وَلّر بقتل الذئب للمحرم))،
وحجاج ضعيف، وخالفه مسعر عن وبرة فرواه موقوفاً، أخرجه ابن أبي شيبة،
فهذا جميع ما وقفت عليه في الأحاديث المرفوعة زيادةً على الخمس
المشهورة، ولا يخلو شيء من ذلك من مقال، انتهى.
(الغراب) وهذا أحد الخمسة، وهو أصناف: الغداف، والزاغ،
(١) ((فتح الباري)) (٣٦/٤).
١٧٤

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٠) حديث
والأكحل، وغراب الزريح، والأورق، والأعصم، والعقعق، وغراب الليل،
كذا في ((حياة الحيوان))(١). وقال أيضاً: وغراب البين(٢) الأبقع، قال
الجوهري: هو الذي فيه سواد وبياض، ثم قال: وكل غراب غراب البين إذا
أرادوا به الشؤم، لا غراب البين نفسه الذي هو غراب صغير أبقع.
قال الموفق(٣): والمراد بالغرابِ الأبقع غرابُ البين. وقال قوم: لا يباح
من الغربان إلا الأبقع خاصة. لرواية مسلم: ((خمس فواسق يقتلن ... ))
الحديث. وفيه الغراب الأبقع، وهذا يقيد المطلق في الحديث الآخر، ولا
يمكن حمله على العموم؛ لأن المباح من الغربان لا يحل قتله.
ولنا، حديث عائشة وابن عمر متفق عليهما، وهذا عام في الغراب، وهو
أصح من الحديث الآخر، ولأن غراب البين محرم الأكل يَعْدُو على أموال الناس،
فلا وجه لإخراجه من العموم، وفارق ما أبيح أكله، فإنه مباح ليس هو في معنى ما
أبيح قتله، فلا يلزم من تخصيصه تخصيص ما ليس في معناه، انتهى.
وقال الحافظ (٤): زاد في رواية سعيد بن المسيب عن عائشة عند مسلم
(الأبقع))، وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب
الحديث، كما حكاه ابن المنذر وغيره وصرح ابن خزيمة باختياره، وهو قضية
حمل المطلق على المقيد، وأجاب ابن بطال بأن هذه الزيادة لا تصح؛ لأنها
من رواية قتادة عن سعيد، وهو مدلس، وقد شذّ بذلك، وقال ابن عبد البر: لا
تثبت هذه الزيادة.
(١) (٣٥/٢).
(٢) في ((الدر المختار)) (٦٢٧/٢) لأنه بان عن نوح عليه الصلاة والسلام واشتغل بجيفة حين
أرسله ليأتي بخبر الأرض.
(٣) ((المغني)) (١٧٥/٥).
(٤) ((فتح الباري)) (٣٧/٤).
١٧٥

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٠) حديث
وقال ابن قدامة: الروايات المطلقة أصح، وفي جميع هذا التعليل نظر،
أما دعوى التدليس فمردودة بأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما هو
مسموع لهم، وهذا من رواية شعبة، بل صرح النسائي بسماع قتادة، وأما نفي
الثبوت فمردود بإخراج مسلم، وأما الترجيح فليس من شرط قبول الزيادة بل
الزيادة مقبولة من الثقة الحافظ، وهو كذلك ههنا .
نعم قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل،
وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك،
ويقال له: غراب الزرع، ويقال له: الزاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عداه
من الغربان ملتحقاً بالأبقع، ومنها الغداف على الصحيح في ((الروضة)) بخلاف
تصحيح الرافعي، وسمى ابن قدامة الغداف غراب البين، والمعروف عند أهل
اللغة أنه الأبقع.
وقال صاحب ((الهداية)): المراد بالغراب في الحديث الغداف والأبقع؛
لأنهما يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع فلا، وكذا استثناه ابن قدامة، وما
أظن فيه خلافاً، وعليه يحمل ما جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود إن
صح حيث قال فيه: ويرمي الغراب ولا يقتله. وروى ابن المنذر وغيره نحوه
عن علي ومجاهد، قال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم قتل الغراب
في الإحرام، إلا ما جاء عن عطاء، قال في محرم كسر قرن غراب، فقال: إن
أدماه فعليه الجزاء، وقال الخطابي: لم يتابع أحد عطاء على هذا، ويحتمل أن
یکون مراده غراب الزرع.
وعند المالكية اختلاف آخر في الغراب والحدأة، هل يتقيد جواز قتلهما
بأن يبتدئا بالأذى؟ وهل يختص ذلك بكبارها؟ والمشهور عنهم كما قال
ابن شاش: لا فرق وفاقاً للجمهور، ومن أنواع الغربان الأعصم، وهو الذي
في رجليه أو في جناحيه أو بطنه بياض أو حمرة، وحكمه حكم الأبقع، ومنها
١٧٦

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٠) حدیث
وَالْحِدَأَةُ،
العقعق، وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، والعرب تتشاءم به أيضاً،
وحكمه حكم الأبقع على الصحيح، وقيل: حكم غراب الزرع، وقال أحمد:
إن أكل الجيف وإلا فلا بأس به، انتهى.
وذكر الدردير (١) في جملة المستثنيات غراباً أسود أو أبقع، وهو ما خالط
سواده بياض، ثم قال: وفي جواز قتل صغيرهما وهو ما لم يصل لحد الإيذاء
خلاف، انتهى .
وفي ((الدر المختار))(٢): لا شيء بقتل غراب إلا العقعق على الظاهر
(ظهيرية)) وتعميم ((البحر)) رده في ((النهر))، قال ابن عابدين: قوله: ((إلا العقعق))
هو طائر أبيض فيه بياض وسواد، يشبه صوته العين والقاف، ومثله في الحكم
الزاغ .
وأنواع الغراب على ما في ((فتح الباري)) خمسة، وقوله: تعميم البحر،
حيث جعل العقعق كالغراب، واعترض على قول ((الهداية)): إنه لا يسمى
غراباً، ولا يبتدئ بالأذى بقوله: فيه نظر؛ لأنه يقع دائماً على دبر الدابة، كما
في ((غاية البيان))، قوله: رده في (النهر))، أي بما في ((المعراج)) من أنه لا يفعل
ذلك غالباً وبما في ((الظهيرية)) حيث قال: وفي العقعق روايتان، والظاهر أنه
من الصيود، انتهى.
(والحدأة): بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين مهموزة، والجمع حدأ
بكسر الحاء والقصر والهمز، كعنب وعنبة، وفي ((المحلى)): الحدأة بكسر أوله
وفتح ثانية بعدها الهمزة بلا مد، وحكى صاحب ((المحكم)) المد فيه، والتاء فيه
ليست للتأنيث، بل هي كالتاء في تمرة، انتهى.
(١) انظر: ((الشرح الكبير)) (٧٤/٢).
(٢) (٦٢٧/٢).
١٧٧

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٠) حديث
وَالْعَقْرَبُ،
وفي حديث عائشة الحُدَيّا بضم الحاء وفتح الدال وشد الياء مقصور،
تصغير الحدأة، قاله الزرقاني(١). وفي ((البذل)) (٢): الحديا تصغير حد لغة في
الحدأ، أو تصغير حدأة قلبت الهمز بعد ياء التصغير ياء وأدغم، فصار حدية،
ثم حذفت التاء وعوض عنها الألف لدلالته على التأنيث أيضاً، انتهى.
وفي ((المحلي))(٣): الحديا قال قاسم بن ثابت: الوجه فيه الهمزة وكأنه
سهل ثم أدغم، ومن خواصها أنها تقف في الطيران، وليس ذلك لغيرها من
الكواسر، ومن طبعها أنها لا تختطف إلا من يمين من تختطف منه دون
شماله، حتى أن بعض الناس يقول: إنها عسراء؛ لأنها لا تأخذ من شمال
إنسان شيئاً، وقال القزويني: إنها سنة ذكر وسنة أنثى، قاله الدميري(٤). وتقدم
ما حكى الحافظ اختلاف المالكية في قتل صغير الحدأة، وعن ابن شاش وفاق
الجمهور، وحكى الخلاف في ذلك الدردير، ولم يرجح شيئاً.
قال العيني(٥): يجوز قتل الحدأة سواء كان للمحرم أو للحلال؛ لأنها
تبتدئ بالأذى، وتختطف اللحم من أيدي الناس، وروي عن مالك في الحدأة
والغراب أنه لا يقتلهما المحرم إلا أن يبتدئا بالأذى، والمشهور من مذهبه
خلافه، ويؤكل لحمهما عند مالك، وروي عنه المنع في الحرم سداً لذريعة
الاصطياد، انتهى. قلت: ما روي عن مالك من عدم قتلهما هي رواية أشهب
عنه، كما سيأتي في آخر الباب، والصحيح عنه موافقة الجمهور.
(والعقرب) يطلق على الذكر والأنثى سواء، جمعه العقارب، ويقال
(١) (٢٨٦/٢).
(٢) انظر ((بذل المجهود)) (٨٦/٩).
(٣) (٤٤٩/٤).
(٤) انظر ((حياة الحيوان)) (٣٢٦/١).
(٥) ((عمدة القاري)) (٥٠٢/٧).
١٧٨

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٠) حديث
وَالْفَأْرَةُ ،
للأنثى: عقربة وعقرباء ممدود غير مصروف، وليس منها العقربان، بل دُوَيْبةٌ
طويلةٌ كثيرة القوائم، قال صاحب ((المحكم)): يقال: إن عينها في ظهرها، وإنها
لا تضر ميتاً ولا نائماً حتى يتحرك، وقد تقدم اختلاف الرواة في ذكر الحية
بدلها ومن جمعها .
قال الحافظ(١): والذي يظهر لي أنه بَّ نَبَّهَ بإحداهما على الأخرى عند
الاقتصار، وَبَيَّن حكمهما معاً حيث جمع، قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا
في جواز قتل العقرب، وقال نافع: لما قيل له: فالحية؟ قال: لا يختلف فيها،
وفي رواية: ومن يشك فيها؟ وتعقبه ابن عبد البر بما أخرجه ابن أبي شيبة من
طريق شعبة أنه سأل الحكم وحماداً، فقالا: لا يقتل المحرم الحية ولا
العقرب، قال: ومن حجتهما أنهما من هوامّ الأرض، فيلزم من أباح قتلهما
مثل ذلك في سائر الهوام، وهذا اعتلال لا معنى له، نعم عند المالكية خلاف
في قتل صغير الحية والعقرب التي لا تتمكن من الأذى، انتهى.
قلت: ولم يذكر الخلاف في ذلك الدردير، بل قال في بيان ما استثنى
من حرمة التعرض: إلا الفأرة والحية والعقرب مطلقاً كبيرة أو صغيرة بدأت
بالأذية أم لا، انتهى. وكذلك عند الحنفية صرح في ((الدر المختار)) (٢) بأنه لا
شيء بقتل عقرب وحية، وهكذا في ((الهداية)) وغيرها .
(والفأرة) بهمزة ساكنة وتسهل. قال الحافظ: لم يختلف العلماء في جواز
قتلها للمحرم إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي فإنه قال: فيها جزاء إذا قتلها
المحرم، أخرجه ابن المنذر، وقال: هذا خلاف السنة وخلاف قول جميع أهل
العلم، ونقل ابن شاش عن المالكية خلافاً في جواز قتل الصغير منها الذي لا
(١) ((فتح الباري)) (٣٩/٤).
(٢) انظر ((الدر المختار)) (٦٢٧/٢).
١٧٩

٢٠ - كتاب الحج
(٢٨) باب
(٧٨٠) حدیث
وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ)).
أخرجه البخاريّ في: ٢٨ - كتاب جزاء الصيد، ٧ - باب ما يقتل المحرم من
الدواب.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٩ - باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من
الدواب في الحل والحرم، حديث ٧٦.
يتمكن من الأذى، انتهى. قلت: وتقدم في العقرب أن الدردير لم يحك
الخلاف فيها بل أطلق الاستثناء.
ثم قال الحافظ: والفأر أنواع: منها الجرذ بالجيم بوزن عمر، والخلد
بضم المعجمة وسكون اللام، وفأرة الإبل، وفأرة المسك، وفأرة الغيط(١)،
وحكمها في تحريم الأكل وجواز القتل سواء، انتهى.
قال الدميري(٢): هي أصناف الجرذ والفأر معروفان، وهما كالجاموس
والبقر، ومنها اليرابيع، والزباب، والخلد، فالزباب صُم، والخلد عمي، وفأرة
البيش، وفأرة الإبل، وفأرة المسك، وذات النطق، وفأرة البيت، وهي
الفويسقة، ويحرم أكل جميع أنواع الفأر إلا اليربوع، وسؤر الفأرة يورث
النسيان، انتهى. وفي ((الهداية))(٣): الفأرة الأهلية والوحشية سواء، والضب
واليربوع ليسا من الخمس المستثناة؛ لأنهما لا يبتدئان بالأذى، انتهى.
(والكلب العقور) قال الحافظ(٤): الكلب معروف والأنثى كلبة، واختلف
العلماء في المراد به لههنا، وهل لوصفه بكونه عقوراً مفهوم أم لا؟ فروى
سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: الكلب العقور الأسد، وعن
(١) الغيط: المطمئن الواسع من الأرض.
(٢) ((حياة الحيوان)) (٢٧٠/٢).
(٣) (١٦٨/١).
(٤) (فتح الباري)) (٣٩/٤).
١٨٠