النص المفهرس
صفحات 141-160
٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث على القولين جميعاً، انتهى. وفي ((شرح اللباب)): يشترط للتقويم عدلان غير الجاني مما نسبه عز بن جماعة للحنفية، ولعله لعلة التهمة، انتهى. وفي ((الدر المختار))(١): قيل: الواحد ولو القاتل يكفي. قال ابن عابدين: الأولى إسقاط قوله: ولو القاتل؛ لأنه بحث من صاحب ((البحر))، وقال بعده: لكنه يتوقف على نقل ولم أره، انتهى. على أن صاحب ((اللباب)) صرح بخلافه حيث قال: يشترط للتقويم إلخ، انتهى ما في الشامي. والرابعة: ما في ((الهداية))(٢): قالوا: الواحد يكفي والمثنى أولى؛ لأنه أحوط وأبعد عن الغلط، وقيل: يعتبر المثنى ههنا بالنص، قال ابن الهمام: والذين لم يوجبوه حملوا العدد في الآية على الأولوية؛ لأن المقصود زيادة الإحكام والإتقان، والظاهر الوجوب، وقصد الإحكام والإتقان لا ينافيه بل قد یکون داعیته، انتھی. وفي ((شرح اللباب))(٣): يشترط للتقويم عدلان لظاهر القرآن، وقيل: الواحد يكفي، لكن المثنى أحوط، وهو الأظهر، انتهى. فالمسألة خلافية عند الحنفية، ومختار (اللباب)) غير مختار ((الهداية))، وإلى كل من القولين ذهب جماعة من الحنفية، كما بسطه ابن عابدين والعيني في ((البناية))، وعزا العيني اشتراط الاثنين إلى الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، وصرح الدسوقي تبعاً للدردير أنه لا يكفي حكم واحدٍ فقط، اهـ. وقال الباجي(٤): لم يجز أن يقتصر على أقل من اثنين؛ لأنه شرط فيه (١) (٦٢٠/٢). (٢) (١٦٦/١). (٣) (ص٢١٦). (٤) ((المنتقى)) (٢٥٥/٢). ١٤١ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث ٠ العدد، كما شرط العدالة، وكما شرط العدد في الشهود، فقال تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾(١) اهـ. قلت: وما تقدم في الثالثة من أمر عمر - رضي الله عنه - أربد وأبيا أن يحكما على أنفسهما، وكذا ما روي من حكم عمر وعثمان عن أنفسهما يؤيد كفاية الواحد. والخامسة: في صفات العدلين، قال الموفق في ((المغني)) (٢): ليس من شرط الحكم أن يكون فقيهاً؛ لأن ذلك زيادة على أمر الله تعالى، وقد أمر عمر - رضي الله عنه - أن يحكم في الضب، ولم يسأل أفقيه هو أم لا؟ لكن تعتبر العدالة؛ لأنها منصوص عليها، ولأنها شرط في قبول القول على الغير في سائر الأماكن، وتعتبر الخبرة؛ لأنه لا يتمكن من الحكم بالمثل إلا من له خبرة، اهـ. وقال ابن نجيم: أراد بالعدل من له معرفة وبصارة بقيمة الصيد لا العدل في باب الشهادة، اهـ. وجزم ابن حجر المكي في ((شرح مناسك النووي)): أن المراد بالعدل ههنا عدل الشهادة، فلا يكفي عبد وامرأة وخنثى، وحقق أيضاً أن يكونا فقيهين بباب الشبه؛ لأن أكابر العلماء والصحابة وقع بينهم الاختلاف في المماثلة فكيف بغيرهم، اهـ. وقال الدردير(٣): الجزاء بحكم عدلين فقيهين أي عالمين بأحكام الصيد، قال الدسوقي: اشتراط العدالة يستلزم اشتراط الحرية والبلوغ فيهما، وقوله: بأحكام الصيد أي لا بجميع أبواب الفقه إذ لا يشترط ذلك، اهـ. والسادسة: لو حكم عدلان بمثل، وحكم عدلان آخران بمثل آخر، فيه (١) سورة البقرة: الآية ٢٨٢. (٢) (٤٠٤/٥). (٣) ((الشرح الكبير)) (٨٠/٢). ١٤٢ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حدیث هَدیًا وجهان عند الشافعية، أحدهما يتخير، والثاني يأخذ بالأغلظ كذا في ((الكبير))، وفي (شرح المنهاج)): لو حكم اثنان بمثل وآخران بنفيه كان مثلياً، أو بمثل آخر تخير، وقيل: يتعين الأعلم، اهـ. (﴿هَدْيَا)﴾) حال من جزاء، أو منصوب على المصدرية، أي يهديه هدياً، أو منصوب على التمييز، كذا في ((الجمل))، وقال أبو السعود: حال مقدرة من الضمير في به، والهدي ما يُهْدَى إلى الحرم من النعم، وتقدم قريباً أن المالكية استدلوا بذلك على أنه يجب في الصغير الكبير، وفي المعيب الصحيح. قال الباجي(١): ظاهره يقتضي أن يكون ما يخرج من النعم جزاء عن الصيد مما يجوز أن يهدى، وهو الجذع من الضأن، والثنيّ من غيره، وبهذا قال مالك وجميع أصحابه، اهـ. وتقدم أيضاً ما أجاب به الموفق بأن الهدي في الآية معتبر بالمثل، اهـ. وكذلك عند الشافعية لا عبرة في المرجح بسن الأضحية. وقال الجصاص(٢): قد اختلف في السن الذي يجوز في جزاء الصيد، فقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يُهْدى إلا ما يجزئ في الأضحية والإحصار، وقال أبو يوسف ومحمد: يجزئ الجفرة والعناق على قدر الصيد، والدليل على صحة القول الأول أن ذلك هدي تعلق وجوبه بالإحرام، وقد اتفقوا في سائر الهدايا التي تعلق وجوبها بالإحرام أنها لا يجزئ منها، إلا ما يجزئ في الأضاحي، وأيضاً لما سماه الله تعالى هدياً على الإطلاق كان بمنزلة سائر الهدايا المطلقة في القرآن، فلا يجزئ دون السن الذي ذكرنا، وذهب أبو يوسف ومحمد إلى ما روي عن جماعة من الصحابة أن في اليربوع جفرة، وفي (١) ((المنتقى)) (٢٥٦/٢). (٢) ((أحكام القرآن)) (١/ ٤٧٤). ١٤٣ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث الأرنب عناق، فأما ما روي عن الصحابة فجائز أن يكون على وجه القيمة، اهـ. وفي ((الهداية))(١): الجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن يُقَوَّمَ الصيد في المكان الذي قتل فيه، أو في أقرب المواضع منه إذا كان في برّية، فيُقَوِّمُه ذوا عدل، ثم هو مُخَيَّرٌ في الفداء، إن شاء ابتاع بها هدياً، وذبحه إن بلغت هدياً، وإن شاء اشترى بها طعاماً، وتصدق، وإن شاء صام، وقال محمد والشافعي: يجب في الصيد النظير فيما له نظير، ففي الظبي شاة، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة. وقال أيضاً(٢): إذا وقع الاختيار على الهدي يهدي ما يجزيه في الأضحية، لأن مطلق اسم الهدي منصرف إليه، وقال محمد والشافعي: يجزئ صغار النعم فيها لأن الصحابة - رضي الله عنهم - أوجبوا عناقاً وجفرة، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف يجوز الصغار على وجه الإطعام يعني إذا تصدق، اهـ. قال ابن الهمام: (٣) العناق الأنثى من أولاد المعز دون الجذع، والجفر ما يبلغ أربعة أشهر من العناق، اهـ. وقد عرفت من هذا أن لا عبرة بالسن عند محمد والشافعي وأحمد، ولا بد من السن الذي يجزئ في الأضحية عند الشيخين من الحنفية ومالك - رحمهم الله -، لكن الصغير يجزئ بالكبير عند مالك خلافاً لهما، كما تقدم في مسائل المماثلة مفصلاً . هذا، ولههنا مسألة أخرى خلافية وهي: أن خيار تعيين أحد أنواع الكفارة الثلاثة للقاتل عند عامة العلماء خلافاً لمحمد، إذ قال: إن ذلك وظيفة (١) (١٦٥/١). (٢) ((الهداية)) (١/ ١٦٧). (٣) ((فتح القدير)) (٨/٣). ١٤٤ ..- ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث بَلِغَ الْكَعْبَةِ الحكمين. كما تقدم مفصلاً في مسائل الحكمين، واستدل له صاحب ((الهداية)) بهذا اللفظ من الآية إذ قال: قال محمد: الخيار إلى الحكمين لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِءَ ذَوَا عَدْلٍ مِّنَكُمْ هَدْيًا﴾(١) الآية، ذكر الهدي منصوباً، لأنه تفسير لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أو مفعول لحكم الحكم، ثم ذكر الطعام والصيام بكلمة ((أو)) فيكون الخيار إليهما، قلنا: الكفارة عطفت على الجزاء، لا على الهدي بدليل أنه مرفوع، وكذا قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ مرفوع، فلم يكن فيها دلالة اختيار الحكمين، وإنما يرجع إليهما في تقويم المتلف، ثم الخيار بعد ذلك إلى من عليه، اهـ. (﴿بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾) صفة ((هدياً))، والإضافة لفظية أي واصلاً إليها، وقال الجصاص: بلوغه الكعبة ذبحه في الحرم لاخلاف في ذلك. وكذا قال غير واحد من أئمة الفقه والتفسير؛ منهم الرازي في ((الكبير)) إذ قال: سميت الكعبة كعبة لارتفاعها وتربعها، والعرب تسمّي كل بيت مربع كعبةً، والكعبة إنما أريد بها كل الحرم؛ لأن الذبح والنحر لا يقعان في الكعبة، ولا عندها ملازقا، ونظير هذه الآية ﴿ُثُمَّ يِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح بالحرم، اهـ. قال ابن رشد(٢): أجمع العلماء على أن الكعبة لا يجوز لأحد فيها ذبح، وكذلك المسجد الحرام، وأن المعنى في قوله: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾ أنه إنما أراد به النحر بمكة إحساناً منه لمساكينهم وفقرائهم، وكان مالك يقول: إنما المعنى في قوله: ﴿هَدْيَا بَلِغَ اُلْكَعْبَةِ﴾ مكة، وكان لا يجيز لمن نحر هديه في الحرم، إلا أن ينحره بمكة، وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن نحره في غير مكة من الحرم أجزأه، اهـ. وسيأتي من نص مالك في ((جامع الهدى)) أنه لا يكون إلا بمكة، لكن قال الدردير: محله منى أو مكة، اهـ. (١) سورة المائدة: الآية ٩٥. (٢) ((بداية المجتهد)) (١/ ٣٧٧). ١٤٥ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث وما يظهر من ملاحظة فروع المالكية أن النحر بمنى مقيّدٌ بثلاثة شروط، بسطها الدردير، إن وجدت وجب النحر بمنى وإلا بمكة، والمراد بها البلد لا ما يليها من منازل الناس، جزم به الدسوقي، وأيضاً من شرط الهدي مطلقاً عند المالكية الجمع بين الحل والحرم، وسيأتي بيان الشروط الثلاثة في ((جامع الهدي)) . وعُلِمَ من هذا كله أن من حكى الإجماع على النحر بالحرم تجوّزٌّ، بل يختص عند مالك بمكة، أو منى، وسيأتي شيء من الكلام على ذلك في النحر في الحج، وأما الكلام على مواضع نحر الهدايا مطلقاً، فيأتي في ((جامع الهدي))، وهذا أحد الأبحاث المتعلقة بهذه الآية. والثاني: هل يجوز ذبحه في غير الحرم؟ قال الموفق (١): أما جزاء الصيد فهو لمساكين الحرم، نص عليه أحمد، فقال: أما ما كان بمكة، أو كان من الصيد فكُلٌّ بمكة؛ لأنه تعالى قال: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾، وما كان من فدية الرأس، فحيث حلقه، وذكر القاضي في قتل الصيد رواية أخرى أنه يفدي حيث قتله، وهذا يخالف نص الكتاب، ونص الإمام أحمد في التفرقة بينه وبين حلق الرأس، فلا يعول عليه، انتهى. وقال النووي في ((المناسك)) في بيان الدماء الواجبة في الإحرام: أما الزمان فما وجب لارتكاب محظور أو ترك مأمور لا يختصُّ بزمان، بل يجوز في يوم النحر وغيره، وأما مكانه فيختص بالحرم، فيجب ذبحه بالحرم، ولو ذبحه في طرف الحل، ونقل لحمه إلى الحرم قبل تغيره، لم يجزه على الأصح، انتھی. وقال القاري في ((شرح النقاية)): ولو ذبح في غير أرض الحرم لا يخرج (١) ((المغني)) (٤٥٠/٥). ١٤٦ ------------ - | ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث عن العهدة، إلا إذا تصدق على كل مسكين من اللحم بما يساوي قيمة نصف صاع من بر، وكان وفاءً بما قَوَّمه عَدْلاَن، انتهى. وقد عرفت أنه لا يجوز عند المالكية في غير مكة ومنى أيضاً فضلاً عن غير الحرم. والثالث: هل يتوقت بيوم النحر أم لا؟ قال الموفق في ((المغني)) (١): وله ذبحه أي وقت شاء، ولا يختص ذلك بأيام النحر، انتهى. وبذلك قالت الشافعية، كما تقدم في ((مناسك النووي)). وفي ((الهداية)): لا يجوز ذبح هدي التطوع والمتعة والقران إلا يوم النحر، ويجوز ذبح بقية الهدايا في أي وقت شاء، وقال الشافعي: لا يجوز إلا يوم النحر اعتباراً بدم المتعة والقران، ولنا، أن هذه دماء كفارات فلا تخْتَصُّ بيوم النحر؛ لأنها لما وجبت لجبر النقصان كان التعجيل بها أولى، لارتفاع النقصان به من غير تأخير، بخلاف دم المتعة والقران؛ لأنه دم نسك، انتهى. وما ذكره من مذهب الشافعي - رحمه الله - يحتمل أن يكون قولا له، وإلا فيخالفه ما تقدم عن النووي، ولذا تعقب عليه العيني في ((البناية)) فقال: هذا مخالف لما ذكره في كتبهم، فإنه ذكر في ((الوجيز)) و ((شرحه) و ((التتمة)) وغيرها: أن الدم الواجب في الإحرام، إما لارتكاب محظور، أو جزاء ترك مأمور، ولا يختص بزمان، فيجوز في يوم النحر وغيره، انتهى. والرابع: هل يكفي النحر والذبح أو يجب بعده تفرقة اللحم أيضاً؟ قال الباجي(٢): فإن نحره بمنى أو بمكة، فأراد أن يطعم منه مساكين الحل بأن ينقل ذلك إليهم جاز ذلك، فيما حكاه القاضي أبو الحسن عن مالك، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لا يجوز أن يُفَرِّقه إلا في الحرم، والدليل على ما نقوله (١) (٤٥٠/٥). (٢) ((المنتقى)) (٢٥٦/٢). ١٤٧ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث أن هذا هدي جزاء الصيد، فجاز أن يصرف إلى فقراء الحل، أصل ذلك إذا دفع إليهم في الحرم، وأيضاً فقد صار بالنحر طعاماً، فبطل اختصاصه بالحرم، انتھی . وقال الموفق(١): ما وجب نحره بالحرم وجب تفرقة لحمه به، وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: إذا ذبحها في الحرم جاز تفرقة لحمها في الحل، ولنا: أنه أحد مقصودي النسك، فلم يجز في الحل كالذبح، ولأن المعقول من ذبحه بالحرم التوسعة على مساكينه، وهذا لا يحصل بإعطاء غيرهم، ولأنه نسك يختص بالحرم، فكان جميعه مختصًا به، كالطواف وسائر المناسك. انتهى. وقال القاري في ((شرح اللباب))(٢): ويجوز أن يتصدق بلحم الهدي على مسكين واحد، أو مساكين، ويجوز الصدقة في الأماكن كلها عندنا، ولا يختص بالحرم خلافاً لغيرنا، ويسقط بالذبح، فلو ضاع بعده لا شيء عليه؛ لأن المقصود هو الإراقة، انتهى. قال ابن الهمام (٣): وذلك أنه لما عين الهدي أحد الواجبات علم أن ليس المراد مجرد التصدق باللحم، وإلا لحصل التصدق بالقيمة أو بلحم يشتريه، بل المراد التقرب بالإراقة مع التصدق بلحم القربان، وهو تبع متمم لمقصوده، فلا ينعدم الإجزاء بفواته عن ضرورة، فلذا لو سرق بعد الإراقة أجزأه بخلاف ما لو سرق قبلها. انتهى. وبذلك قالت المالكية. قال الدردير: وإن سرق الهدي الواجب، أو تلف بعد ذبحه أو نحره (١) ((المغني)) (٤٥١/٥). (٢) (ص ٢١٧). (٣) ((فتح القدير)) (١٣/٣). ١٤٨ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث أجزأ، لأنه بلغ محله لا قبله، انتهى. وإن سرق أو غصب قبل التفرقة لا يجزئ عند الشافعية، كما صرح به البجيرمي في هامش ((شرح الإقناع))(١) . والخامس: هل يجوز التصدق به حيا؟ قال الموفق: إذا اختار المثل ذبحه وتصدق به على مساكين الحرم، ولا يجزئه أن يتصدق به حياً على المساكين؛ لأن الله تعالى سماه هدياً، والهدي يجب ذبحه. انتهى. وكذا قال الرازي في ((الكبير))، ولفظه: معنى بلوغه الكعبة أن يذبح بالحرم، فإن دفع مثل الصيد المقتول إلى الفقراء حياً لم يجز، بل يجب ذبحه في الحرم، انتهى. وبه جزم في هامش ((الأنوار))، كما سيأتي في البحث العاشر من مباحث الإطعام، وبه جزم ابن عابدين إذ قال تحت قول صاحب ((الدر)): يذبح بمكة: أفاد بالذبح أن المراد التقرب بالإراقة، فلو سرق بعده أجزأه، لا لو تصدق به حياً، انتهى. والسادس ما قال الخرقي: ومن وجبت عليه بدنة، فذبح سبعاً من الغنم أجزأ، قال الموفق(٢): ظاهره أن سبعاً من الغنم يجزئ عن البدنة مع القدرة عليها، سواء كانت البدنة واجبة بنذر، أو جزاء صيد، أو كفارة وطء، وقال ابن عقيل: إنما يجزئ ذلك عند عدمها في ظاهر كلام أحمد؛ لأن ذلك بدل عنها، فلا يصار إليه مع وجودها، كسائر الأبدال، فأما مع عدمها فيجوز، لما روى ابن عباس قال: أتى النبي وَّ رجل، فقال: إن عَلَيّ بدنة، وأنا موسر لها، ولا أجدها فأشتريها؟ فأمره النبي ملل أن يبتاع سبع شیاه، فیذبحهن. رواه ابن ماجه . (١) انظر ((الإقناع)) (٤٩٣/١). (٢) ((المغني)) (٤٥٧/٥). ١٤٩ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث ولنا أن الشاة معدولة بسبع بدنة، وهي أطيب لحماً. فإذا عدل عن الأدنى إلى الأعلى جاز، كما لو ذبح بدنة مكان شاة، انتهى. وبذلك قالت الحنفية، ففي ((شرح اللباب)): فإن بلغت قيمة الصيد بدنة، أو بقرة إن شاء اشتراها بقيمة الصيد، أو اشترى بها سبع شياهٍ، إلا أن شراء البدنة أفضل من الأغنام، وإن فضل شيء من القيمة، إن شاء اشترى به هديا آخر إن بلغه، وإن شاء صرفه إلى الطعام، انتهى. وفي ((شرح الإقناع)): في إتلاف النعامة بدنة، فلا تجزئ بقرة ولا سَبَعُ شياهٍ، أو أكثر؛ لأن جزاء الصيد تراعى فيه المماثلة، انتهى. والسابع: ما في ((المغني)): من وجبت عليه بقرة أجزأته بدنة؛ لأنها أكثر لحماً وأوفر، ويجزئه سَبَعٌ من الغنم؛ لأنها تجزئ عن البدنة فعن البقرة أولى، انتھی . وفي ((الروض المربع)) (١): تجزئ عن البدنة بقرة، ولو في جزاء صيد كعكسه، وعن سبع شياه بدنة أو بقرة مطلقاً، انتهى. والثامن: ما قاله الموفق(٢): من وجب عليه سبع من الغنم في جزاء الصيد لم يجزئه بدنة في الظاهر؛ لأن سبعا من الغنم أطيب لحماً، فلا يعدل عن الأعلى إلى الأدنى، وإن كان ذلك في كفارة محظور أجزأه بدنة؛ لأن الدم الواجب فيه ما استيسر من الهدي، وهو شاة أو سبع بدنة، انتهى. قلت: لكن تقدم عن ((الروض)): أنه يكفي مطلقاً، فتأمل. والتاسع: ما حكى البجيرمي عن شارح ((المنهج)): يجزئ فداء الذكر (١) ((الروض المربع)) (٤٩٣/١). (٢) ((المغني)) (٤٥٨/٥). ١٥٠ ---- ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ بالأنثى وعكسه، اهـ. وتقدم في بيان المماثلة: إن فدى الذكر بالأنثى جاز، وعكسه في أحد الوجهين . والعاشر: ما قال ابن رشد: لم يختلف هؤلاء الفقهاء في أنه لا يأكل من هدي جزاء الصيد، اهـ. (﴿أَوَ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ() وفيه أيضاً عدة أبحاث لابد من ذكرها. الأول: في القراءة. قال الرازي في ((الكبير))(١): قرأ نافع وابن عامر ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامٍ﴾ على إضافة الكفارة إلى الطعام، والباقون ﴿أَوْ كَفَّرَةٌ﴾ بالرفع والتنوين و﴿طَعَامُ﴾ بالرفع من غير تنوين، اهـ. وقال العيني(٢): مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هي طعام مساكين، ويجوز أن يكون بدلاً من كفارة، أو عطف بيان، وقرئ بالإضافة كأنه قيل: أو كفارة من طعام مساكين، كقولك خاتم فضة، وقرأ الأعرج ((أو كفارة طعام مسكين)) بالإفراد؛ لأنه واحد دالٌّ على الجنس، اهـ. والثاني: أن لفظة ((أو)) للتخيير عند الجمهور خلافاً لزفر، ورواية لأحمد وبعض السلف، قال الجصاص(٣): ما ذكره تعالى في هذه الآية من الهدي والإطعام والصيام، فهو على التخيير؛ لأن ((أو)) يقتضي ذلك، وروي نحو ذلك عن ابن عباس وعطاء والحسن وإبراهيم رواية، وهو قول أصحابنا، وروي عن ابن عباس رواية أخرى، أنها على الترتيب، وروي عن مجاهد والشعبي والسدي نحوه، وعن إبراهيم رواية أخرى أنها على الترتيب، والصحيح الأول؛ لأنه حقيقة اللفظ، ومن حمله على الترتيب زاد فيه ما ليس منه، اهـ. (١) ((التفسير الكبير)) (١٠١/٦). (٢) ((عمدة القاري)) (٤٧٣/٧). (٣) ((أحكام القرآن)) (٤٧٥/٢). ١٥١ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث وقال الرازي في ((التفسير الكبير)): قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة: كلمة ((أو)) في هذه الآية للتخيير، وقال أحمد وزفر: إنها للترتيب، حجة الأولين أن كلمة ((أو)) في أصل اللغة للتخيير، والقول بأنها للترتيب ترك للظاهر، وحجة الباقين أن كلمة ((أو)) قد تجيء لا لمعنى التخيير، كما في قوله تعالى: ﴿أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَبْدِيهِمْ﴾ الآية، فإن المراد تخصيص كل واحد من هذه الأحكام بحالة معينة، فثبت أن هذا اللفظ يحتمل الترتيب فنقول به، والدليل دَلَّ على أن المراد هو الترتيب؛ لأن الواجب لهُهنا شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَلَ أَمْرِهٍ،﴾ والتخيير ينافي التغليظ، والجواب أن إخراج المثل ليس أقوى عقوبة من إخراج الطعام، فالتخيير لا يقدح في القدر الحاصل من إيجاب العقوبة، اهـ. قلت: هكذا حكى عن الإمام أحمد غير واحد من نقلة المذاهب، لكنه مبني على إحدى الروايات عنه المرجوحة، قال الموفق(١): إن قاتل الصيد مخير في الجزاء بأحد هذه الثلاثة بأيها شاء كفّر، موسراً كان أو معسراً، وبهذا قال الشافعي ومالك وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية ثانية أنها على الترتيب، فيجب المثل أولاً؛ فإن لم يجد أطعم، وإن لم يجد صام، وروي هذا عن ابن عباس والثوري؛ لأن هدي المتعة على الترتيب، وهذا أوكد منه؛ لأنه بفعل محظور، وعنه رواية ثالثة، أنه لا إطعام في الكفارة، وإنما ذكر في الآية ليعدل به الصيام؛ لأن من قدر على الإطعام قدر على الذبح، هكذا قال ابن عباس، وهو قول الشعبي وأبي عياض. ولنا قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ﴾(٢) الآية، و((أو) في الأمر (١) ((المغني)) (٤١٥/٥). (٢) سورة المائدة: الآية ٩٦. ١٥٢ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حدیث للتخيير، روي عن ابن عباس أنه قال: كل شيء أو أو، فهو مخير، وأما ما(١) كان فإن لم يوجد، فهو الأول الأول، ولأن عطف هذه الخصال بعضها على بعض بأو، فكان مخيراً بين ثلاثتها، كفدية الأذى، وقد سمى الله تعالى الطعام كفارة، ولا يكون كفارة ما لم يجب إخراجه، وجعله طعاماً للمساكين، وإلا يجوز صرفه إليهم. لا يكون طعاماً لهم، وقولهم: إنها وجبت بفعل محظور. يبطل بفدية الأذى على أن لفظ النص صريح في التخيير، فليس ترك مدلوله قياساً على هدي المتعة بأولى من العكس، انتهى. وقال الباجي(٢) بعدما ذكر التخيير: وهذا مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي، وروي عن ابن سيرين أنها على الترتيب وحكي مثله عن الشافعي في القديم وأصحابه ينكرونه، انتهى. والثالث: ما قال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٣): قد اختلف في تقدير الطعام، فقال ابن عباس رواية وإبراهيم وعطاء ومجاهد ومقسم: يُقَوَّمُ الصَّيْد دراهم، ثم يشترى بالدراهم طعام، فيطعم كل مسكين نصف صاع، وروي عن ابن عباس رواية، يقوم الهدي، ثم يشتري بقيمة الهدي طعاماً، وروي مثله عن مجاهد أيضاً، والأول: قول أصحابنا، والثاني: قول الشافعي، والأول أصح، وذلك لأن جميع ذلك جزاء الصيد، فلما كان الهدي من حيث كان جزاء معتبراً بالصيد، إما في قيمته أو في نظيره وجب أن يكون الطعام مثله؛ لأنه قال: فجزاء مثل ما قتل إلى قوله: كفارة طعام مساكين، فجعل الطعام جزاءً وكفارةً كالقيمة، فاعتباره بقيمة الصيد أولى من اعتباره بالهدي، إذ هو بدل من الصيد، وجزاء عنه لا من الهدي. (١) أي ما كان في القرآن بلفظ ((فإن لم يوجد)) فهو على الترتيب. اهـ، (ش)). (٢) ((المنتقى)) (٢٥٦/٢). (٣) (٤٧٥/٢). ١٥٣ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث وأيضاً قد اتفقوا فيما لا نظير له من النعم أن اعتبار الطعام إنما هو بقيمة الصيد، فكذلك فيما له نظير لأن الآية منتظمة للأمرين، فلما اتفقوا في أحدهما أن المراد اعتبار الطعام بقيمة الصيد كان الآخر مثله، انتهى. قلت: والحنابلة مع الشافعي - رحمه الله - في هذه المسألة، والمالكية مع الحنفية، قال العيني(١): يُقَوَّمُ الصيدُ المقتول عند مالك وأبي حنيفة وأصحابه وحماد وإبراهیم، انتهى. وقال الموفق(٢) متى اختار الطعام فإنه يُقَوَّمُ المثل بدراهم، والدراهم بطعام، ويتصدق به على المساكين. وبهذا قال الشافعي - رحمه الله -، وقال مالك يقوم الصيد لا المثل؛ لأن التقويم إذا وجب لأجل الإتلاف، قوّم المتلف، كالذي لا مثل له، ولنا، أن كل ما تلف وجب فيه المثل إذا قوم لزمت قیمته مثله، انتهى. والرابع: في كيفية التقويم، والجمهور على أن يُقَوَّم الصيد أو المثل بالدراهم والدراهم بطعام، كما تقدم في كلام الموفق. وبه قالت الحنفية، قال الجصاص: قال أصحابنا: إذا أراد الإطعام اشترى بقيمة الصيد طعاماً فأطعم، وكذا الشافعية. قال النووي في ((المناسك)): فهو مخيَّر إن شاء أخرج المثل، وإن شاء قومه دراهم، واشترى به طعاماً، وتصدق، وإن شاء صام، انتهى. واختلف في ذلك المالكية، قال الباجي(٣): قد اختلف أصحابنا في ذلك، فقال يحيى: يُنْظُرُ كَمْ يشبع الصيد من نفس، ثم يخرج قدر شبعهم طعاماً، وبمثل هذا قال ابن القاسم وسالم، وقد قال في ((المدونة)): ينظر إلى (١) ((عمدة القاري)) (٧/ ٤٧٧). (٢) ((المغني)) (٤١٦/٥). (٣) ((المنتقى)) (٢٥٧/٢). ١٥٤ --- ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حدیث ما يساوي من الطعام، وبنحو ذلك قال ابن المواز، وجه قول يحيى، أن من الحيوان مالا قيمة له كالضبع والثعلب، فوجب أن يكون الاعتبار بمقداره، فإن ذلك لا يعدم في شيء من الحيوان، ولو راعينا القيمة لأعدمنا دم كثير من الحيوان، ووجه الرواية الثانية، أن الحيوان كله تُراعى قيمته على حسب ما هو حين إتلافه، ولو اعتبر بالشبع منه لذهب كثير من قيمة جلده، ولا اعتبرنا في قيمته ما لم يكن عليه حين إتلافه، انتهى. وقال الدردير(١): أو إطعام بقيمة الصيد نفسه أي يُقَوَّمُ حياً كبيراً بطعام لا بدراهم، ثم يشترى بها طعام، قال الدسوقي: قوله: أي يقوم ... إلخ بأن يقال: كم يساوي هذا الصيد لو كان حيّاً كبيراً من أغلب طعام هذا المحل، فيقال كذا، فيحكمان عليه بذلك، انتهى. قلت: وهذه الكيفية هي مختار المصنف في ((الموطأ))، كما سيأتي في آخر الباب. والخامس: هل يقوم الصيد حياً أو مذبوحاً؟ قال الباجي(٢): إذا قلنا بالرواية الثانية أي المذكورة في البحث الرابع، فإنه يقوم حياً، وهو المروي عن مالك، أنه إنما تلزمه قيمته على الصفة التي أتلفه عليها، وإن قلنا برواية يحيى في مراعاة الشبع، فإنه لا يمكن أن يقوم حيا، وإنما يعتبر مقدار لحمه بعد ذبحه، وكم عدد من شبع من لحمه، انتهى. وتقدم قريباً ما قال الدردير: أن يقوم حياً كبيراً، انتهى. وفي ((شرح اللباب))(٣): هل يُقَوَّمُ الصيد حياً أو مذبوحاً لحماً؟ أما في حق المالك فيقوم حياً. وأما في حق الشرع، فعبارة بعضهم تفهم أنه يقوم حياً، وصرح في ((المحيط)) بأنه يقوم لحماً، انتهى. (١) ((الشرح الكبير)) (٨٠/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٥٧/٢). (٣) (ص٢١٨). ١٥٥ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حدیث قال ابن نجيم في ((البحر)) (١): وفي ((الاختيار)): إذا كان المراد من الجزاء القيمةُ يقَوِّمُ العدلان اللَّحْمَ لا الحيوان، والمراد أنه يُقَوَّمُ من حيث الذات لا من حيث الصفة؛ لأنها أمر عارضي، ولو كانت الصفة بأمر خلقي، كما إذا كان طيراً يصوت، فازدادت قيمته لذلك، ففي اعتبار ذلك في الجزاء روايتان. ورجح في ((البدائع)»(٢) اعتبارها بخلاف ما إذا أتلف شيئاً مملوكاً، فإن القيمة تعتبر من حيث الذات والصفات، وليس مرادهم أنه يقوم لحمه بعد قتله، وإنما يقوم وهو حي باعتبار ذاته، انتهى. وفي ((شرح الإقناع))(٣): إن كان الصيد مما لا مثل له أخرج بقيمته طعاماً، قال البجيرمي: قوله: بقيمته أي حياً، فلا يرد أنه لا قيمة له بعد موته إذ لا يحل، انتهى. والسادس: في مكان التقويم، قال الرازي: اختلفوا في موضع التقويم، فقال أكثر الفقهاء: إنما يُقوّم في المكان الذي قتل الصيد فيه، وقال الشعبي: يقوم بمكة بثمن مكة؛ لأنه يكفر بها، انتهى. وقال الجصاص: قد اختلف في مواضع تقويم الصيد، فقال إبراهيم: يقوم في المكان الذي أصابه فيه، فإن كان في فلاة، ففي أقرب الأماكن من العمران إليها، وهو قول أصحابنا، وقال الشعبي: يقوم بمكة أو بمنى، والأول هو الصحيح؛ لأنه كتقويم المستهلكات، فيعتبر الموضع الذي وقع فيه الاستهلاك، لا الموضع الذي يؤدى فيه القيمة، ولأن تخصيص مكة ومنى من بين سائر البقاع تخصيص الآية بغير دليل، فلا يجوز، انتهى. (١) ((البحر الرائق)) (٣٢/٣). (٢) (٤٣١/٢). (٣) (٤٧٣/٢). ١٥٦ -- ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث وقال الباجي(١): الذي قاله جماعة أصحابنا أنه تراعى قيمته حيث أصاب الصيد، إن كان له هناك قيمة؛ فإن لم تكن له هناك قيمة؛ لأنه ليس بموضع استيطان انتقل إلى أقرب المواضع، ويجب أن يراعى أيضاً ذلك الوقت وذلك الإبان؛ لأن القيمة قد تختلف باختلاف الأوقات، وهذا على الظاهر من المذهب. فأما على قول يحيى فلا يراعى شيء من هذا، وإنما يراعى الشبع خاصة من جنس ذلك الصيد، انتهى. وقال الدردير: ويعتبر كل من الإطعام والتقويم بمحل التلف، وإن لم يكن له قيمة بمحل التلف فبقربه، انتهى. وكذا عند الحنفية ففي ((الهداية))(٢): يقوم الصيد في المكان الذي قتل فيه أو أقرب المواضع منه إذا كان في برية، انتهى. وأما عند الشافعية ففيه تفصيل، ذكره أهل الفروع، ففي ((شرح الإقناع))(٣): تعتبر قيمة المثلي والطعام في الزمان بحالة الإخراج على الأصح، وفي المكان بجميع الحرم؛ لأنه محل الذبح لا بمحل الإتلاف على المذهب، وغير المثلي تعتبر قيمته في الزمان بحالة الإتلاف، لا الإخراج على الأصح، وفي المكان بمحل الإتلاف، لا بالحرم على المذهب، انتهى. وجزم بهذا التفصيل النووي في ((مناسكه)). وبه قالت الحنابلة، كما فصله الموفق، إذ قال: وهو مخيّر إن شاء فداه بالنظير، أو قوّم النظير بدراهم، ونظر كَمْ يجيئ به طعاماً فأطعم، ويعتبر قيمة المثل في الحَرم؛ لأنه يحل إحرامه، وقال أيضاً: إن كان طائراً فداه بقيمته، وتعتبر القيمة في موضع إتلافه، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٢٥٧/٢). (٢) (١٦٥/١). (٣) (٤٧٤/٢). ١٥٧ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حديث والسابع: زمان التقويم، وتقدم قريباً عن ((شرح الإقناع)): ما قالت الشافعية: إنه يعتبر في المثلي زمان الإخراج، وفي غير المثلي زمان الإتلاف، وأما عند المالكية، فتعتبر القيمة زمان الإتلاف، كما تقدم عن الباجي. قال الدردير: والجزاء بحكم عدلين مثله أو إطعام بقيمة الصيد نفسه يوم التلف، لا يوم تقويم الحكمين، ولا يوم التعدي، انتهى. وفي ((شرح اللباب))(١): ويعتبر الزمان الذي أصابه أي الصيد فيه على الأصح لاختلاف القيمة باختلاف الزمان. انتهى. والثامن: في مقدار الطعام، قال الخرقي: أو قُوّمَ النظير بدراهم، وينظر كُمْ يجيئ به طعاماً، فأطعم كل مسكين مداً، قال الموفق(٢): والطعام المخرج هو الذي يخزن في الفطرة وفدية الأذى، وهو الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ويحتمل أن يجزئ كل ما يسمى طعاماً لدخوله في إطلاق اللفظ، ويعطي كل مسكين مداً من البر، كما يدفع إليه في كفارة اليمين، فأما بقية الأصناف فنصف صاع لكل مسكين، نص عليه أحمد، فقال: إن أطعم بُراً فمد طعام لكل مسكين، وإن أطعم تمراً فنصف صاع لكل مسكين، ولم يفرق الخرقي، والأولى أنه لا يجزئ من غير البر أقل من نصف صاع، إذ لم يرد الشرع في موضع بأقل من ذلك في طعمة المساكين، ولا توقيف فيه، فيرد إلى نظائره، انتھی . وفي ((الروض المربع)) (٣): يخير بجزاء صيد بين مثل أو تقويمه بدراهم، يشتري بها طعاماً يجزئ في فطرة، أو يخرج بدله من طعامه، فيطعم كل مسكين مداً إن كان الطعام براً وإلا فمدين. انتهى. (١) (ص٢١٦). (٢) («المغني)) (٤١٦/٥). (٣) (٤٨٦/١). ١٥٨ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حدیث ٠ ٠ وأما الشافعية فحكى عنهم الرازي في ((التفسير الكبير)) وابن رشد في ((البداية))(١): أن يطعم كل مسكين مداً، لكن في عامة فروعهم عدم التقييد، وفي ((تحفة المحتاج)): وحيث وجب صرف الطعام إليهم في غير دم التخيير والتقدير لا يتعين لكل منهم مد، بل يجوز دونه وفوقه. وفي ((شرح الإقناع)»(٢): ولا يجزئه الهدي ولا الإطعام، إلا بالحرم مع التفرقة على مساكينه وفقرائه بالنية، ولا يجزئه على أقل من ثلاثة من الفقراء أو المساكين أو منهما، انتهى. وبهذا جزم ابن حجر في ((شرح المناسك)) حتى قال: إن أعطى الاثنين غرم للثالث أقل ما يقع عليه الاسم. وفي ((روضة المحتاجين)): إذا فرق الطعام لا يتعين أن يكون لكل مسكين مد، بل تجوز الزيادة عليه والنقص عنه، لكن هذا في غير دم الحلق وما ألحق به، انتهى. والمراد بما ألحق به قلم الظفر وغيره لا الصيد. وحكى ابن رشد عن مالك تحديد المد لكل مسكين، وبه جزم الدردير(٣) إذ قال: ولا يجزئ زائد على مد لمسكين ولا الناقص عن المد، بل لا بد من مد لكل مسكين ويكمل الناقص، قال الدسوقي: أي من الأمداد وجوباً، انتھی . وقال الباجي(٤): يفرق من هذا الطعام مداً لكل مسكين بمد النبي ◌َّيّ؛ لأنها كفارة، والكفارة الإطعام فيها مد لكل مسكين، فإن كان في الطعام كَسْرُ مُدَّ يعطى لمسكين، ولا يلزم جبره لأن الإطعام إنما كان بالقيمة، وقد استوفيت (١) ((بداية المجتهد)) (٣٥٨/١). (٢) (٣٧٥/٢). (٣) ((الشرح الكبير)) (٨١/٢). (٤) انظر ((المنتقى)) (٢٥٨/٢). ١٥٩ ٢٠ - كتاب الحج (٢٧) باب (٧٧٩) حدیث القيمة فيه بالإخراج، ولو قيل: فيه يلزم جبره لا يبعد عندي، لأن ما يعطى لكل مسکین مقدار لا یتبعض، انتهى. وفي ((الهداية))(١): إذا اشترى بالقيمة طعاماً تصدق على كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من تمر، ولا يجوز أن يطعم المسكين أقل من نصف صاع؛ لأن الطعام المذكور ينصرف إلى ما هو المعهود في الشرع، فإن فضل أقل من نصف صاع، فهو مخير إن شاء تصدق به، وإن شاء صام عنه يوماً كاملاً، انتهى. ومال صاحب ((الدر المختار))(٢) إلى جواز التفريق، لكن قال ابن عابدين: إنه مخالف لعامة كتب المذهب، انتهى. وفي ((اللباب))(٣): إن أعطى أكثر من نصف صاع لفقير فهو - أي الزائد - تطوع، وعليه أن يكمل بحسابه، انتھی. والتاسع: في المراد بالطعام، وتقدم عن (المغني)) في ذلك قولان، وفي ((شرح الإقناع)): المراد بالطعام في هذا الباب ما يجزئ عن الفطرة، انتهى. وقال الدردير: ويكون من جل طعام أهل ذلك المكان، انتهى. يعني من غالب قوت البلد، وفي (شرح اللباب)) في شرائط الصدقة: الثاني، الجنس وهو البر ودقيقه وسويقه والشعير ودقيقه وسويقه والتمر والزبيب، فهذه أربعة أنواع لا خامس لها التي يجوز أداؤها من حيث القدر، وأما غيرها من أنواع الحبوب، فحكمه كما عدا المطعومات من الأمتعة، فلا يجوز أداؤه، إلا باعتبار القيمة، كالأرز والذرة والماش والأقط، وكذا الخبز ولو من بر يعتبر فيه القيمة، انتهى. والعاشر: هل يجوز إخراج القيمة؟ قال الموفق(٤) في بيان الصيد المثلي: (١) (١/ ١٦٧). (٢) (٦٢١/٢). (٣) (ص٢١٧). (٤) ((المغني)) (٤١٦/٥). ١٦٠