النص المفهرس

صفحات 101-120

٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٥) حدیث
عَلَيْكَ، إِلا أَنَّا حُرُمٌ)) .
أخرجه البخاريّ في: ٢٨ - كتاب جزاء الصيد، ٦ - باب إذا أهدى للمحرم
حماراً وحشياً حيّاً .
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٨ - باب تحريم الصيد للمحرم، حديث ٥٠.
(عليك) وفي رواية ابن جريج: ((ليس بنا ردٌّ عليك)). وفي رواية عبد
الرحمن بن إسحاق عن الزهري عند الطبراني: ((إنا لم نرده عليك كراهية له،
ولكنا حرم))، كذا في ((الفتح))(١) (إلا) بحرف الاستثناء (أنا) بفتح الهمزة أي
لأجل أنا (حرم) بضم الحاء والراء جمع حرم بالكسر بمعنى حرام، كما في
((القاموس))، وفي ((المحلى)): جعله الجوهري جمع حرام أي: بمعنى محرم
أي: نحن محرمون، وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: ((لولا أنا
محرمون لقبلناه منك))، كذا في ((المحلى)).
قال العيني(٢): بفتح الهمزة في أنا، على أنه تعدى إليه الفعل بحرف
التعليل، فكأنه قال: لأنا. وقال أبو الفتح القشيري: إنا، مكسور الهمزة لأنها
ابتدائية. وقال الكرماني: لام التعليل محذوفة، والمستثنى منه مقدر، أي: لا
نرده لعلة من العلل إلا لأننا حرم، وفي رواية النسائي من رواية صالح بن
كيسان: ((إلا أنا حرم لا نأكل الصيد))، وفي رواية سعيد عن ابن عباس: ((لولا
أنا محرمون لقبلناه منك))، انتهى.
واستدل بالحديث من منع المحرم عن أكل الصيد مطلقاً سواء ذبحه
الحلال لنفسه أو لمحرم، وذلك لأنه اقتصر في الحديث في التعليل على كونه
محرماً، فدل على أنه هو سبب الامتناع، وأجاب عنه الشافعية ومن وافقهم بما
قال الشافعي: إن كان الصعب أهدى حماراً حياً، فليس للمحرم أن يذبح
(١) (فتح الباري)) (٣١/٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٩٥/٧).
١٠١

٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٦) حديث
٧٧٦/ ٨٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْج،
حماراً وحشياً حياً، وإن كان أهدى لحماً، فيحتمل أن يكون علم أنه صيد له،
ونقل الترمذي عن الشافعي أنه رده لظنه أنه صيد لأجله، انتهى.
وأجاب عنه الحنفية ومن وافقهم: بأن الصحيح في الرواية رد الحمار
الحي، كما تقدم عن الجمهور، وبما يحتمل أنه علم أنه صيد بدلالة المحرم،
وبما قال الطحاوي: إن حديث الصعب مضطرب، وبما قال بعدما بسط الكلام
على حديث الصعب: وعلى كل حال، ففي الحديث اضطراب، ليس مثله في
حديث أبي قتادة، فكان هو أولى، انتهى. وحاصله: الترجيح لرواية أبي قتادة،
وبما قال أبو داود: وإذا تنازع الخبران عن النبي ◌ّ( ينظر بما أخذ به أصحابه،
انتهى. وحاصله: الرجوع إلى دلائل أخر.
٨٤/٧٧٦ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم
(عن عبد الله بن عامر بن ربيعة) هكذا في جميع النسخ الهندية من المتون
والشروح، وكذا في ((موطأ محمد))(١)، وبه جزم الزرقاني، إذ قال: عبد الله بن
عامر بن ربيعة العدوي، مولاهم الغزي، ولد على العهد النبوي، وأبوه صحابي
شھیر، انتھی.
ووقع في جميع النسخ المصرية(٢) من المتون والشروح: عبد الرحمن بن.
عامر بن ربيعة، والصواب على الظاهر الأول لكثرة النسخ، وموافقة رواية
محمد، ولأن عبد الرحمن بن عامر بن ربيعة لم يذكره الحافظ في ((تهذيبه))،
ولا (تعجيله))، وعبد الله هذا من رواة عثمان ومشايخ ابن حزم.
(قال: رأيت عثمان بن عفان) - رضي الله عنه - (بالعرج) بفتح العين
(١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٩٣/٢).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣٠٥/١١).
١٠٢

٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٦) حديث
وَهُوَ مُحْرِمٌ، فِي يَوْمِ صَائِفٍ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةٍ أُرْجُوَانٍ، ثُمَّ
أَنِيَ بِلَحْم صَيْدٍ، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: كُلُوا، فَقَالُوا: أَوَ لا تَأَكُلُ أَنْتَ؟
فَقَالَ: إِنِّيَ لَسْتُ كَهَيْتَتِكُمْ، إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي.
المهملة، وسكون الراء، آخره جيم (وهو محرم في يوم صائف) أي شديد
الحرارة (قد غطّى) أي ستر (وجهه) وكان من مذهبه جواز تغطية الوجه
للمحرم، وتقدم الكلام على ذلك في بابه.
(بقطيفة) كسفينة: هي كساء له خمل (أرجوان) بضم الهمزة، والجيم،
بينهما راء ساكنة، ثم واو مفتوحة، فألف، فنون، أي شديدة الحمرة، وهو
معرب أرغوان، وهو شجر له نور أحمر، وكل لون يشبهه فهو أرجواني، وقيل:
الأرجوان: الصوف الأحمر، كذا في ((المحلى))، وقال الباجي: هو صوف
أحمر لا ينتفض شيء من صبغه، فلا يمنع المحرم منه، إلا لما أنكره عمر على
طلحة بن عبيد الله من لبس المصبوغ بالمدر، وقال: ((إنكم أيها الرهط أئمة
يقتدي بكم الناس))، انتهى.
(ثم أتي بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا، فقالوا: أو لا تأكل أنت؟
فقال: إني لست كهيئتكم) أي لست مثلكم في ذلك؛ لأنه (إنما صيد من أجلي)
قال الباجي(١): ذهب، أي عثمان إلى أن الصيد إنما يحرم من المحرمين على
من صيد من أجله دون غيره، وقد خالفه في ذلك علي بن أبي طالب وامتنع من
أكله، وإن كان صيد من أجل عثمان، ولم يصد من أجله، وفي ((المبسوط)) عن
ابن القاسم: كان مالك لا يأخذ بحديث عثمان حين قال لأصحابه: كلوا،
وأبى أن يأكل، انتهى.
وقال الزرقاني(٢): قد اختلف قول مالك فيما صيد لمحرم بعينه هل لغير
(١) ((المنتقى)) (٢٤٨/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٣/٢).
١٠٣

٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٦) حديث
من صيد لأجله أن يأكله من سائر من معه من المحرمين؟ والمشهور من مذهبه
عند أصحابه أن لا يؤكل ما صيد لمحرم معين أو غير معين، ولم يأخذوا بقول
عثمان هذا قاله أبو عمر، انتهى.
وقال الدردير(١): ما صاده محرم أو صيد له أي للمحرم، وذبحه حال
إحرامه، أو ذبحه حلال ليضيف به المحرم ميتةٌ على كل أحد، قال الدسوقي:
قوله: ((على كل أحد)) أي: بالنسبة لكل أحد فلا يجوز أكله لحلال ولا
لمحرم، انتهى. وعلم من هذا كله، أن ما حكي في الحواشي الهندية من
مذهب مالك في ذلك سهو من الناسخ.
وقال ابن قدامة في ((المغني)) (٢): وما حرم على المحرم، لكونه صيد من
أجله، أو دل عليه، أو أعان عليه، لم يحرم على الحلال أكله، لقول علي -
رضي الله عنه -: أطعموه حلالاً، ولحديث الصعب بن جثامة حين رد النبي لِ لّ
الصيد عليه، ولم ينهه عن أكله، ولأنه صيد حلال، فأبيح للحلال أكله، كما
لو صید لهم.
وهل يباح أكله لمحرم آخر؟ ظاهر الحديث إباحته له لقوله: ((صيد البر
حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصد لكم))، وهو قول عثمان، إذ قال لأصحابه:
كلوا ولم يأكل هو وقال: إنما صيد من أجلي، ولأنه لم يصد من أجله، فحل
له كما لو صاده الحلال لنفسه، ويحتمل أن يحرم عليه، وهو ظاهر قول علي؛
لقوله: أطعموه حلالاً، ولقول النبي ◌ّ في حديث أبي قتادة: ((هل منكم أحد
أمره أن يحمل عليه، أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوه)) فمفهومه أنّ إشارةً
واحدٍ منهم تُحَرِّمُه عليهم، انتهى.
(١) ((الشرح الكبير)) (٧٨/٢).
(٢) ((المغني)) (١٣٨/٥).
١٠٤

٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٧) حدیث
٧٧٧ / ٨٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: يَا ابْنَ أُخْتِي، إِنَّمَا هِيَ
عَشْرُ لَيَالٍ، فَإِن تَخَلْجَ فِي نَفْسِكَ شَيءٌ فَدَعْهُ، تَعْنِي أَكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ.
٨٥/٧٧٧ - (مالك) ترجم أصحاب ((المحلى)) على هذا الحديث ((ما يقتل
المحرم من الدواب))، وذكر فيها هذا الحديث، وما يأتي من أقوال مالك،
وليس بوجيه، فإنها لا تعلق لها بهذه الترجمة، فالوجه ما تظافرت عليه جميع
النسخ من ذكرها في أبواب الصيد، كما ذكرناه (عن هشام بن عروة عن أبيه)
عروة بن الزبير (عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت له) أي: لعروة. قال صاحب
((المحلى)): وقد سألها عن لحم صيد لم يصد من أجله، كذا زيد في أوله في
((جامع الأصول))، انتهى.
قلت: هكذا أخرجه صاحب ((التيسير)) برواية مالك عن عروة: أن عائشة
- رضي الله عنها - قالت له، وقد سألها عن لحم صيد لم يصد لأجله: يا ابن
أختي! إنما هي عشر ليال، الحديث.
(يا ابن أختي) أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - زوج الزبير بن
العوام، ووقع في النسخة الهندية: (يا ابن أخي)) فهو مجاز (إنما هي) أي مدة
الإحرام (عشر ليال) وذلك لما تقدم في إهلال أهل مكة أن عبد الله بن الزبير
أقام بمكة تسع سنين، يُهِلُّ لهلال ذي الحجة، وعروة بن الزبير معه يفعل ذلك،
فلم يبق مدة الإحرام، إلا عشر ليال، وغرضها أن تلك مدة قصيرة، والصبر
عن أكل لحم الصيد في هذه المدة لا يلحق به كبير مشقة.
(فإن تَخَلَّجَ) بفتح الفوقية والخاء المعجمة واللام المشددة وجيم أي:
تَحَرَّك، ويروى بالحاء المهملة أي دخل (في نفسك شيء) يعني إن شككت في
أمر الصيد (فدعه) أمر من ودع، أي دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (تعني)
عائشة بقولها المذكور (أكل لحم الصيد) قال الباجي(١): لم يفسر في الحديث
(١) انظر: ((المنتقى)) (٢٤٨/٢).
١٠٥

٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٧) حدیث
قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ الْمُحْرِمِ يُصَادُ مِنْ أَجْلِهِ صَيْدٌ، فَيُصْنَعُ لَهُ
ذُلِكَ الصَّيْدُ، فَيَأْكُلُ مِنْهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِهِ صِيدَ. فَإِنَّ عَلَيْهِ
جَزَاءَ ذُلِكَ الصَّيْدِ كُلِّهِ.
أن كلامهما في لحم الصيد، ولكن أورد من الحديث ما حفظه، ثم فسره بما
فهم من مقصده، وتيقن من معناه، وقد روي ذلك مفسراً في نص الحديث من
حديث عبد الرزاق أن عروة قال: سألت عائشة عن لحم الصيد للمحرم،
فقالت: يا ابن أخي إنما هي أيام قلائل فما حاك في نفسه فدعه، انتهى.
(يحيى عن مالك في الرجل المحرم يصاد من أجله صيد) نائب فاعل
لقوله: يصاد (فيصنع) ببناء المجهول (له) أي للمحرم (ذلك الصيد) أي: يطبخ
ويهيأ (فيأكل منه وهو يعلم أنه) كذا في النسخ المصرية، وفي الهندية: أن (من
أجله صيد: فإن عليه جزاء ذلك الصيد كله) لا بقدر أكله لأن الجزاء لا
يتبعض. وقيل: بقدر أكله، وقيل: لا جزاء عليه لأن الله تعالى جعله على قاتل
الصيد وهذا لم يقتله، قاله الزرقاني(١). وفي ((المحلى)): قوله: عليه جزاء
الصيد كله، وبه قال الشافعي خلافاً لأبي حنيفة، انتهى.
وقال الباجي(٢): المحرم إذا صيد من أجله صيد، فأكل منه عالماً بذلك،
فإن عليه جزاءه، فإن لم يعلم بذلك، فلا جزاء عليه، رواه ابن المواز عن
مالك، ثم قال: وقيل: لا جزاء عليه؛ لأنه أكل ميتة، إلا أن يعلم قبل ذبحه،
فيذبحه على ذلك، أو يأمرهم بذبحه، فهذا عليه جزاؤه.
وقال القاضي أبو الحسن: إن وجوب الجزاء على من أكل من لحم صيد
صِيْدَ من أجله عالماً بذلك استحسان على غير قياس، والقياس أن لا جزاء
عليه، وبه قال أصبغ وهو قول أبي حنيفة، وللشافعي في ذلك قولان؛
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٤/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢٤٨/٢).
١٠٦

٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٧) حديث
وَسُئِلَ مَالِكْ عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ،
أَيَصِيدُ الصَّيْدَ فَيَأْكُلُهُ؟ أَمْ يَأْكُلُ الْمَيْنَةَ؟ فَقَالَ: بَلْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَذُلِكَ
أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَمْ يُرَخِّصْ لِلْمُحْرِمِ فِي أَكْلِ الصَّيْدِ، وَلا فِي
أَخْذِهِ، فِي حَالٍ
أحدهما: وجوب الجزاء، والثاني: نفيه، انتهى. وجزم الدردير (١) بأن المحرم
إذا علم أنه صيد لمحرم ولو غيره، وأكل منه فعليه الجزاء إن كان الصائد
حلالاً، وإن كان الصائد محرماً فالجزاء عليه فقط لا الآكل، ولو كان الآكل
محرماً عالماً، وسواء كان الآكل هو الصائد أو غيره، إذ لا يتعدد الجزاء،
انتهى مختصراً.
وقال ابن قدامة(٢): إذا قتل المحرم الصيد، ثم أكله ضمنه للقتل دون
الأكل، وبه قال مالك والشافعي، وقال عطاء وأبو حنيفة: يضمنه للأكل أيضاً،
وإن أكل مما صيد لأجله ضمنه، وهو قول مالك، وقاله الشافعي في القديم.
وقال في الجديد: لا جزاء عليه؛ لأنه أكل للصيد، فلم يجب به الجزاء، كما
لو قتله، ثم أكله، انتهى. وبذلك جزم النووي في ((المناسك)) من أنه إن أكل
منه عصى، ولا جزاء عليه، انتهى. وكذلك لا جزاء عند الحنفية، إذ يجوز
عندهم أكل ما صيد لمحرم.
(قال يحيى: وسئل) ببناء المجهول (مالك عن الرجل يضطر إلى أكل
الميتة) يعني بلغت المخمصة إلى حد يجوز له أكل الميتة (وهو محرم) فيجد
الميتة ويجد الصيد أيضاً (أيصيد الصيد فيأكله أم يأكل الميتة؟ فقال) مالك: (بل
يأكل الميتة) ولا يصيد الصيد (وذلك) أي دليل ذلك (أن الله تبارك وتعالى لم
يرخص للمحرم) أي: لم ينص على الرخصة للمحرم، كما نص في حكم الميتة
(في أكل الصيد ولا في أخذه على حال) كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها في
(١) ((الشرح الكبير)) (٧٨/٢).
(٢) ((المغني)) (١٣٩/٥).
١٠٧

٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٧) حديث
مِنَ الأَحْوَالِ، وَقَدْ أَرْخَصَ فِي الْمَيْتَةِ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ.
حال (من الأحوال) بل أطلق المنع في قوله عز اسمه: ﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ
حُرُمٌ﴾ الآية، ولم يستثن فيه ضرورة ولا غيرها.
(وقد أرخص) نصاً (في الميتة على حال الضرورة) إذ قال عز اسمه: ﴿إِلَّا
مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيَّةٍ﴾
الآية. وأيضاً: فالصيد بعد تصيده حكمه حكم الميتة، وتصيده أيضاً ممنوع،
فكان فيه منعان، فيكون أشد تحريماً، كما بسطه الباجي، قال صاحب
((المحلى)): وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ففي ((الدر المختار)(١): يقدم الميتة
على الصيد، لكن في ((الأشباه)) عن ((البزازية)): الصيد المذبوح أولى اتفاقاً،
قلت: لعل المراد اتفاق الحنفية، وإلا فالمسألة خلافية عند الأئمة، وفيهما
تفصيل عند المالكية كما بسطه الدردير.
وقال الدسوقي بعدما شرح كلامه: وعلم مما ذكرنا أن الصور ثلاث:
الأولى: الاصطياد تقدم الميتة عليه لما فيه من حرمة الاصطياد وحرمة الذبح،
الثانية: الصيد الحيّ الذي صاده المحرم قبل اضطراره تقدم الميتة أيضاً عليه،
ولا يجوز له ذبحه؛ لأنه إذا ذبحه صار ميتة، فلا فائدة في ارتكاب هذا
المحرم، الثالثة: إذا كان عنده صيد صاده هو أو غيره لمحرم، وذبح قبل
اضطراره، فهذا مقدم على الميتة ولا تقدم الميتة عليه؛ لأن حرمة لحم صيد
المحرم عارضة؛ لأنها خاصة بالإحرام بخلاف الميتة، فحرمتها أصلية، انتهى.
وقال ابن قدامة (٢): وإذا اضطر المحرم، فوجد صيداً وميتة، أَكَلَ الميتة،
وبهذا قال الحسن والثوري ومالك، وقال الشافعي وإسحاق وابن المنذر: يأكل
الصيد، والمسألة مبنية على أنه إذا ذبح الصيد كان ميتة، فيساوي الميتة في
(١) انظر: ((الدر المختار)) (٦١٩/٢).
(٢) («المغني)) (١٤٠/٥).
١٠٨

٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٧) حديث
التحريم، ويمتاز بإيجاب الجزاء، وما يتعلق به من هتك حرمة الإحرام. فلذلك
كان أكل الميتة أولى، إلا أن لا تطيب نفسه بأكلها، فيأكل الصيد، كما لو لم
يجد غيره، انتھی.
قلت: ما حكي عن الشافعي - رحمه الله - يأباه كتب فروعه، ففي
((روضة المحتاجين)): ويجب تقديم الميتة على الصيد الذي حرم بإحرام أو
حرم، انتهى. وفي ((شرح الإقناع)): وجد مضطر ميتة وصيداً حرم بإحرام أو
حرم تعينت الميتة، قال البجيرمي في ((هامشه)): لأن المحرم ممنوع من ذبح
الصيد مع أن مذبوحه ميتة أيضاً، انتهى مختصراً.
وقال ابن الهمام(١): لو اضطر محرم إلى أكل الميتة أو الصيد يأكل الميتة
لا الصيد على قول زفر لتعدد جهات حرمته عليه، وعلى قول أبي حنيفة
وأبي يوسف يتناول الصيد، ويؤدي الجزاء؛ لأن حرمة الميتة أغلظ، ألا ترى
أن حرمة الصيد ترتفع بالخروج من الإحرام، فهي مؤقتة، بخلاف حرمة الميتة،
فعليه أن يقصد أخف الحرمتين دون أغلظهما، والصيد وإن كان محظور
الإحرام، لكن عند الضرورة يرتفع الحظر، فيقتله ويأكل منه ويؤدي الجزاء،
هكذا في ((المبسوط))، وفي ((فتاوى قاضيخان))(٢): أن المحرم إذا اضطر إلى
ميتة وصيد، فالميتة أولى في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف
والحسن: يذبح الصيد، ولو كان الصيد مذبوحاً فالصيد أولى عند الكل،
انتھی .
قلت: واختلف أصحاب الفروع في ذلك، ففي ((شرح اللباب)): ولو
اضطر المحرم إلى الصيد والميتة، يتناول الصيد لأن حرمة أكل الصيد مما
(١) ((فتح القدير)) (٢/٣).
(٢) (١٤٨/١).
١٠٩

٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَأَمَّا مَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ أَوْ ذَبَحَ مِنَ الصَّيْدِ، فَلا يحل
أَكْلُهُ لِحَلالٍ وَلا لِمُحْرِمِ، لأَنَّهُ لَيْسَ بِذَكِيٍّ،
اختلف فيه من أصله، بخلاف أكل الميتة، فالصيد أحل في الجملة من الميتة،
لا سيما وهو قابل لتداركه بالكفارة، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(١): ويقدم الميتة على الصيد، قال ابن عابدين: أي
في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف والحسن: يذبح الصيد، والفتوى
على الأول، كما في ((الشرنبلالية))، ورجحه في (البحر)) أيضاً بأن في أكل
الصيد ارتكاب حرمتين الأكل والقتل، وفي أكل الميتة ارتكاب حرمة الأكل
فقط، والخلاف في الأولوية، كما هو ظاهر قول ((البحر)) عن ((الخانية))، فالميتة
أولى، انتهى. وتقدم قريباً عن الأشباه عن ((البزازية)): الصيد المذبوح أولى
اتفاقاً .
(قال مالك: وأما ما قتل المحرم) أي: صاد المحرم صيداً (أو ذبح من
الصيد) الذي صاده غيره، قال الدردير(٢): ما صاده محرم، فمات بصيده
بسهمه، أو كلبه، أو ذبحه، ولو بعد إحلاله، أو ذبحه وإن لم يصده ميتة على
كل أحد، انتهى.
(فلا يحل أكله لحلال ولا لمحرم لأنه ليس بذكيّ) بل ميتة، قال
الباجي(٣): وبهذا قال أبو حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر: إن
غير القاتل يأكل منه، انتهى.
قال ابن قدامة(٤): وإذا ذبح المحرم الصيد صار ميتة، يحرم أكله على
(١) (٦٧٩/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٧٨/٢).
(٣) ((المنتقى)) (٢٥٠/٢).
(٤) ((المغني)) (١٣٩/٥).
١١٠

٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٧) حديث
كَانَ خَطَأَ أَوْ عَمْداً،
جميع الناس. وهذا قول الحسن والقاسم وسالم ومالك والأوزاعي والشافعي
وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال الحكم والثوري وأبو ثور: لا بأس بأكله،
وقال ابن المنذر: هو بمنزلة ذبيحة السارق، وقال عمرو بن دينار وأيوب
السختياني: يأكله الحلال، وحكي عن الشافعي قول قديم: إنه يحل لغيره
الأكل منه، انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): اتفق الأكثر على تحريم أكل ما صاده
المحرم، وقال الحسن والثوري وأبو ثور وطائفة: يجوز أكله، وهو كذبيحة
السارق، وهو وجه للشافعية، انتهى.
(كان خطأ أو عمداً) فإن ذلك سواء في المنع، قال العيني: قتل الصيد في
حالة الإحرام حرام بلا خلاف، ويجب الجزاء بقتله؛ لقوله تعالى: ﴿لَا نَقْتُلُواْ
الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُمٌ﴾(١)، وسواء في ذلك كان القاتل ناسياً، أو عامداً، أو مبتدئاً في
القتل، أو عائداً لأن الصيد مضمون بالإتلاف، كغرامة الأموال، فيستوي فيه
الأحوال، وقيد العمدية في الآية المذكورة، إما لأن مورد النص فيمن تَعَمَّد،
أو لأن الأصل فعل العمد، والخطأ ملحق به للتغليظ، وقال الزهري: نزل
الكتاب بالعمد، وجاءت السنة بالخطأ، وقال مجاهد: المراد بالمتعمد القاصد
إلى قتل الصيد الناسي لإحرامه، فأما المتعمد لقتل الصيد مع ذكره لإحرامه،
فذاك أمره أعظم من أن يكفر، وقد بطل إحرامه وهو مذهب غريب، انتهى.
وقال الحافظ (٢): قال ابن بطال: اتفق أئمة الفتوى من أهل الحجاز
وأهل العراق وغيرهم على أن المحرم إذا قتل الصيد عمداً، أو خطأ، فعليه
الجزاء، وخالف أهل الظاهر وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية في الخطأ،
وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ فإن مفهومه أن المخطئ بخلافه، وهو
(١) سورة المائدة: الآية ٩٥.
(٢) ((فتح الباري)) (٢١/٤).
١١١

٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٧) حديث
إحدى الروايتين عن أحمد، وعكس الحسن ومجاهد، فقالا: يجب الجزاء في
الخطأ دون العمد، فيختص الجزاء بالخطأ، والنقمة بالعمد، وعنهما يجب
الجزاء على العامد أول مرة، فإن عاد كان أعظم لإثمه، وعليه النقمة لا
الجزاء، قال الموفق في ((المغني)) (١): لا نعلم أحداً خالف في وجوب الجزاء
على العامد غيرهما، انتهى.
وقال الباجي(٢): قال كثير من أهل العلم: إن الناسي لإحرامه المتعمد
لقتله من جملة العامدين، وما ذكروا وجه صحيح؛ لأنه نص تعالى على متعمد
القتل، ولم يخص ناسياً لإحرامه ولا ذاكراً له، فيجب أن يحمل على عمومه،
وقد ذكرنا أن داود يقول: لا شيء على من نسي الإحرام وتعمَّد القتل، والآية
حجةٌ عليه لا سيما مع قوله بالعموم، وأما المخطئ بالقتل، فلم يجر له في
الآية ذِكْرٌ، فلا معنى للاحتجاج بالآية على إثبات الجزاء فيه ولا نفيه، إلا لمن
يقول بدليل الخطاب، ونحن لا نقول به ولا داود، وقال ابن شهاب: يجب
على العامد الجزاء بالآية وعلى المخطئ بالسُّنَّةِ، فَبَيَّنَ أنه لا حكم للمخطئ في
الآية، وقد قال القاضي أبو إسحاق: ثبت حكم المخطئ، بقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ
عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾(٣) فعَمَّ، وهذا فيه نظر، انتهى.
قال الجصاص في ((أحكام القرآن)) (٤): فيه ثلاثةُ أوجه؛ الأول: قول
الجمهور وفقهاء الأمصار، سواء قتله عمداً أو خطأ، فعليه الجزاء، وهو قول
عمر وعثمان والحسن رواية وإبراهيم، والثاني: ما روي عن ابن عباس: أنه
كان لا يرى في الخطأ شيئاً، وهو قول طاووس وعطاء وسالم والقاسم وأحد
(١) (٣٩٥/٥).
(٢) ((المنتقى)) (٢/ ٢٥٣).
(٣) سورة المائدة: الآية ٩٦.
(٤) (٤٨٠/٢).
١١٢

٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٧) حديث
فَأَكْلُهُ لَا يَحِلُّ، وَقَدْ سَمِعْتُ ذُلِكَ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، وَالَّذِي يَقْتُلُ الصَّيْدَ
ثُمَّ يَأْكُلُهُ، إِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، مِثْلُ مَنْ قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ.
قولي مجاهد. والثالث: ما روي عن مجاهد قال: إذا كان عامداً لقتله ناسياً
لإحرامه، فعليه الجزاء، وإن كان ذاكراً لإحرامه عامداً لقتله، فلا جزاء عليه،
وفي بعض الروايات قد فسد حجه، وعليه الهدي، وروي نحوه عن الحسن،
انتهى مختصراً.
وبسط السيوطي في الآثار في أن العمد والخطأ سواء في وجوب الجزاء،
قال القسطلاني: والذي عليه الجمهور من السلف والخلف أن العامد والناسي
سواء في وجوب الجزاء، فالقرآن دلَّ على وجوب الجزاء وعلى تأثيمه بقوله
تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَلَ أَمْرِهِّهِ عَفَا ◌َللَّهُ عَمَّا سَلَفَّ وَمَنْ عَادَ فَيَنَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾. وجاءت
السنة في أحكام النبي ◌َّ وأصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ، لكن المتعمد
مأثوم والمخطئ غير مأثوم، انتهى (١).
(فأكله لا يحل) أي لأحد لأنه ميتة (قال مالك: وقد سمعت ذلك من غير
واحد) من العلماء إشارة إلى أنه لم ينفرد بذلك، وزيادة أشهب عن مالك ممن
كنت أقتدي به وأتعلم منه دليل على أنه أخذ ذلك عن مشايخه، وقد تقدم أن
جمهور السلف والخلف على ذلك.
(قال مالك في الذي يقتل الصيد ثم يأكله، إنما عليه كفارة واحدة، مثل
من قتله ولم يأكل منه)، قال الباجي(٢): وهذا كما قال: إن من قتل الصيد،
فقد وجب عليه جزاؤه لقتله إياه، فإن أكل منه بعد ذلك، فلا جزاء عليه غير
الجزاء الأول، وهو الذي وجب بالقتل، وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف
ومحمد، وقال أبو حنيفة: في قتله جزاء كامل، وفي أكله ضمان ما أكل، وقال
عطاء: من ذبح صيداً ثم أكله، فعليه كفارتان، انتهى.
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٨٥/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٣٥٠/٣).
١١٣

٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٧) حديث
وقال ابن قدامة(١): إذا قتل المحرم الصيد، ثم أكله، ضمنه للقتل دون
الأكل. وبه قال مالك والشافعي، وقال عطاء وأبو حنيفة: يضمنه للأكل أيضاً،
انتهى. وقال الزرقاني(٢): لا خلاف أن من زنى مراراً قبل الحد، إنما عليه حدٌّ
واحدٌ، وكذا المحرم يقتل الصيد في الحرم، فيجتمع عليه حرمة الإحرام وحرمة
الحرم، إنما عليه جزاء واحد عند الجمهور قاله أبو عمر، انتهى. قلت: فيلزم
منه أن لا يتكرر الجزاء في قتل الصيود أيضاً.
وقد قال الباجي(٣): إذا عاد المحرم لقتل الصيد أو تكرر منه لزمه الجزاء
كلما عاد وتكرر منه قتل الصيد، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وهو قول عمر بن
الخطاب وسعيد بن جبير والحسن البصري، وإليه رجع عطاء، وقال ابن عباس :
لا جزاء عليه، إلا في أول مرة، فإن عاد ولم يحكم عليه بجزاء، وبه قال
مجاهد والنخعي والشعبي، انتهى.
وأنت خبير بأن الأكل فعل مستقل، والقتل فعل على حدة، بخلاف تكرار
الصيد. وفي ((الهداية))(٤): فإن أكل المحرم الذابح من ذلك شيئاً، فعليه قيمة ما
أكل عند أبي حنيفة، وقالا: ليس عليه جزاء ما أكل، وإن أكل منه محرم آخر
فلا شيء عليه في قولهم جميعاً .
لهما؛ أن هذه ميتة فلا يلزمه بأكلها إلا الاستغفار، وصار كما إذا أكله
محرم غيره، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن حرمته باعتبار كونه ميتة كما ذكرنا،
وباعتبار أنه محظور إحرامه؛ لأن إحرامه هو الذي أخرج الصيد عن المحلية،
(١) («المغني)) (١٣٩/٥).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٤/٢).
(٣) ((المنتقى)) (٢٥٠/٢).
(٤) (١٦٩/١)، ط. بيروت.
١١٤

٢٠ - كتاب الحج
(٢٥) باب
(٧٧٧) حديث
والذابح عن الأهلية في حق الذكاة، فصارت حرمة التناول بهذه الوسائط مضافةً
إلى إحرامه، بخلاف محرم آخر؛ لأن تناوله ليس من محظورات إحرامه، انتهى.
قال القاري في ((شرح النقاية)): هذا الخلاف إذا أكل بعد الجزاء، وأما
إذا أكل قبله، فيدخل قيمة ما أكل في الجزاء اتفاقاً، انتهى. هكذا قال عامة
شراح (الهداية)) وغيرهم. وحكى القاري في ((شرح اللباب)) عن ((الجوهرة)):
قيل: هو على الخلاف أيضاً. قال القدوري: لا رواية في هذه المسألة، فيجوز
أن يقال: يلزمه جزاء آخر، ويجوز أن يتداخلا، انتهى.
قلت: لكن العامة على الأول، قال ابن الهمام (١) تحت قول صاحب
((الهداية)): فعليه قيمة ما أكل عند أبي حنيفة: يعني سواء أدى ضمان المذبوح
قبل الأكل أو لا، غيرَ أنه إن أدى قبله ضمن ما أكل على حدته بالغاً ما بلغ،
وإن كان أكل قبله، دخل ضمان ما أكل في ضمان الصيد، فلا يجب له شيء
بانفراده، انتهى. وقال العيني في ((البناية)) تحت قول صاحب ((الهداية)) وقالا:
ليس عليه جزاء ما أكل: وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وأكثر أهل العلم،
انتھی .
فما في ((المحلى)) بعد ذكر قول الإمام مالك المذكور: وهو قول
أبي حنيفة، وعن عطاء عليه الجزاء، وقيمة ما أكل إذا أعطى جزاء، ثم أكل
منه، رواه ابن أبي شيبة، انتهى، ليس بوجيه، فإن الإمامين أبا حنيفة ومالكاً لا
يتوافقان في هذه المسألة، واستدل الجصاص للحنفية بقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ
أَمْرِهَّ﴾ فقال: يحتجُّ به لأبي حنيفة في المحرم، إذا أكل من الصيد الذي لزمه
جزاؤه أن عليه قيمة ما أكل يتصدق به؛ لأن الله تعالى أخبر أنه أوجب عليه
الغرم ليذوق وبال أمره بإخراج هذا القدر من ماله، فإذا أكل منه، فقد رجع من
(١) ((فتح القدير)) (٢٤/٣).
١١٥

٢٠ - كتاب الحج
(٢٦) باب
(٢٦) باب أمر الصيد في الحرم
الغرم في مقدار ما أكل منه، فهو غير ذائق بذلك وبال أمره؛ لأن من غرم شيئاً
وأخذ مثله لا يكون ذائقاً وبال أمره، انتهى.
(٢٦) أمر الصيد في الحرم
قال الموفق(١) في ((المغني)): صيد الحرم حرامٌ على الحلال والمحرم،
والأصل في تحريم صيد الحرم: النص والإجماع، أما النص: فما روي عن
ابن عباس قال: قال رسول الله ﴾ يوم فتح مكة: ((إن هذا البلد حَرَّمه الله))
الحديث، وفيه ((لا ينفر صيدها)) متفق عليه، وأجمع المسلمون على تحريم صيد
الحرم على الحلال والمحرم، وما يحرم ويضمن في الإحرام يحرم ويضمن في
الحرم ومالا فلا إلا شيئين؛ أحدهما: القمل، مختلف في قتله في الإحرام وهو
مباح في الحرم، بلا اختلاف، والثاني: صيد البحر، مباح في الإحرام، بغير
خلاف، ولا يحل صيده من آبار الحرم وعيونه، وكرهه جابر بن عبد الله
لعموم؛ قوله ◌َ﴾: ((ولا ينفر صيدها))، وعن أحمد رواية أخرى: أنه مباح،
انتهى مختصراً .
وفي (تحفة المحتاج)): يحرم اصطياد كل مأكول بري، وحشي، حال
كون ذلك الاصطياد الصادق بكون الصائد وحده، أو المصيد وحده، أو الآلة،
كالشبكة وحدها في الحرم المكي ولو على الحلال إجماعاً وللنهي عن تنفيره
فغيره أولى، انتهى.
قال الباجي(٢): فإن قتل الصيد في الحرم حلال، أو حرام، فعليه
الجزاء. وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال القاضي أبو الحسن: إنه إجماع
الصحابة والتابعين، وقال داود: لا جزاء عليه إن كان حلالاً، والدليل على ما
(١) ((المغني)) (١٧٩/٥).
(٢) ((المنتقى)) (٢٥٢/٢)، و((بدائع الصنائع)) (٢٠٧/٢).
١١٦

٢٠ - كتاب الحج
(٢٦) باب
نقوله قوله تعالى: ﴿لَ نَقْتُلُوْ اَلْضَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾(١)، والحرم جماعة حرام يقال:
أحرم الرجل فهو محرم، وحرام، إذا أتى الحرم، وإذا أحرم بحجة وعمرة،
يبين ذلك قول الشاعر :
قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً
فدعا فلم أر مثله مخذولا
يريد أنه كان في حرم المدينة، ولا خلاف أنه لم يكن محرماً بحج أو
عمرة ولا ادعى ذلك له أحد، وإذا ثبت أن هذا اللفظ يقع على من دخل
الحرم، وعلى من أحرم بنسك، وجب أن يحمل عليهما، انتهى.
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢): قيل: فيه ثلاثة أوجه فذكرهما،
والثالث: الدخول في الشهر الحرام، وجعل الشعر المذكور مثالاً لهذا الثالث،
فقال: يعني في الشهر الحرام، ويريد عثمان - رضي الله عنه -، ثم قال: لا
خلاف أن الوجه الثالث غير مراد ههنا، وأن الشهر الحرام لا يحظر الصيد،
والوجهان الأولان مرادان، انتهى.
قال الموفق(٣): وفي صيد الحرم الجزاء على من يقتله، ويجزى بمثل ما
يجزى به الصيد في الإحرام، وحكي عن داود: أنه لا جزاء فيه؛ لأن الأصل
براءة الذمة، ولم يرد فيه نصٌّ، فيبقى بحاله، ولنا: أن الصحابة - رضي الله
عنهم - قضوا في حمام الحرم بشاة شاة، روي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر
وابن عباس، ولم ينقل عن غيرهم خلافهم، فيكون إجماعاً، ولأنه صيد ممنوع
لحق الله تعالى، أشبه الصيد في حق المحرم، انتهى.
وفي (الهداية)) (٤) في صيد الحرم: إذا ذبحه الحلال تجب قيمته يتصدق
(١) سورة المائدة: الآية ٩٥.
(٢) (٤٦٧/٢).
(٣) ((المغني)) (١٧٩/٥).
(٤) (١/ ١٧٠).
١١٧

٢٠ - كتاب الحج
(٢٦) باب
(٧٧٨) حدیث
٧٧٨/ ٨٦ - قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ شَيءٍ صِيدَ فِي الْحَرَمِ، أَوْ أُرْسِلَ
عَلَيْهِ كَلْبٌ فِي الْحَرَمِ، فَقُتِلَ ذُلِكَ الصَّيْدُ فِي الْحِلِّ، فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ
أَكْلُهُ، وعَلَى مَنْ فَعَلَ ذُلِكَ جَزَاءُ الصَّيْدِ، فَأَمَّا الَّذِي يُرْسِلُ كَلْبَهُ عَلَى
الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يَصِيدَهُ فِي الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ لا يُؤْكَلُ،
وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذُلِكَ جَزَاءٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَرِيبٌ
مِنَ الْحَرَمِ، فَإِنْ أَرْسَلَهُ قَرِيباً مِنَ الْحَرَمِ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ.
بها على الفقراء؛ لأن الصيد استحق الأمن بسبب الحرم، قال عليه الصلاة
والسلام في حديث فيه طول: ((ولا ينفر صيدها))، الحديث، ولا يجزئه الصوم
لأنها غرامة، وليست بكفارة، فأشبه ضمان الأموال، والصوم يصلح جزاء
الأفعال لا جزاء المحال، وقال زفر: يجزئه الصوم اعتباراً بما وجب على
المحرم، والفرق قد ذكرنا، وهل يجزئه هدي؟ فیه روايتان، انتهى.
٨٦/٧٧٨ - (قال يحيى: قال مالك: كل شيء صيد) ببناء المجهول (في
الحرم) سواء كان الصائد حلالاً، أو محرماً (أو أرسل) ببناء المجهول (عليه
كلب) ونحوه (في الحرم) سواء كان المرسل أيضاً في الحرم، أو في الحل
(فقتل) الكلب (ذلك الصيد في الحل) بعد إخراجه من الحرم (فإنه لا يحل أكله)
لأحد في الصور كلها (وعلى من فعل ذلك جزاءُ الصيد) في جميع الصور (فأما
الذي يرسل) ببناء الفاعل (كلبه) مفعول (على الصيد) حال كونهما أي المرسل
والصيد كليهما معاً (في الحل، فيطلبه) أي يتعاقب الكلب الصيد (حتى يصيده)
بعد الدخول (في الحرم، فإنه لا يؤكل) أيضاً لأنه إذا دخل في الحرم صار من
صيده، ومن دخله كان آمناً (و) لكن (ليس عليه) حينئذ (في ذلك جزاءٌ) لأنه لم
يرسله في الحرم ولا إلى الحرم، ودخول الكلب الحرم ليس من فعله (إلا أن
يكون) الصائد (أرسله) أي الكلب (عليه) أي على الصيد (وهو قريب من
الحرم). واختلف قول مالك في مقدار القريب كما سيأتي بيانه (فإن أرسله قريباً
من الحرم فعليه جزاؤه).
١١٨

٢٠ - كتاب الحج
(٢٦) باب
(٧٧٨) حديث
وقد عرفت أن في كلام المصنف فروعاً عديدة، وهذه الفروع مختلفة عند
المالكية أيضاً، فضلاً عن غيرهم، قال الباجي: قوله: وأرسل عليه كلب في
الحرم .. إلخ، يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون الصائد في الحل والصيد في
الحرم، والثاني: أن يكون الصائد في الحرم، والصيد في الحل، فأما إن كانا
في الحرم، فأخذه الجارح في الحرم، أو الحل، فعليه جزاؤه؛ لأن الصيد قد
كان متحرماً بحرمة البيت، فإذا صاده، أو أخرجه منه، فأخذه في الحل، فقد
انتهك حرمة الحرم، وأخذ صيداً متحرماً، ولو كان الصائد في الحل، والصيد
في الحرم، لكان هذا حكمه؛ لأن ذلك المعنى موجود فيه، فإن كان الصيد في
الحل، والصائد في الحرم، فقال ابن القاسم: لا يجوز له الاصطياد، وقال
ابن الماجشون: له ذلك، وجه قول ابن القاسم ﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ومن
جهة المعنى أن هذا حرمة تمنع الاصطياد، فوجب أن يكون الاعتبار فيها بحال
الصائد دون الصيد، ووجه قول ابن الماجشون: أن الحرم لا تأثير له في
الصائد، وإنما تأثيره وحرمته للصيد، فإذا لم يتحرم بحرمة الحرم جاز
اصطياده .
وقال الباجي(١) أيضاً: اختلف قول مالك فيما يقرب من الحرم، وإن كان
يمنع الاصطياد، كما يمنعه الحرم، فقال أشهب: ليس له حكم الحرم، وروي
ذلك عن مالك وابن القاسم، قال مالك: والاصطياد فيه مباح إذا سلم من
القتل في الحرم، وقال ابن الماجشون: إن كل ما يسكن بسكون ما في الحرم،
ويتحرك بتحركه، فإن حكمه حكم الحرم، وقاله مالك. وجه القول الأول: أن
الحرم محدود، وفائدة تحديده أن ما خرج عن حده فإن حكمه غير حكم
الحرم، ووجه القول الثاني: أن تحديده ليس بمنصوص على غايته حتى لا
يكون بين الحل والحرم شيء منه جملة، إلا الحظ البين الواضح، وإذا كان
(١) ((المنتقى)) (٢٥١/٢).
١١٩

٢٠ - كتاب الحج
(٢٦) باب
(٧٧٨) حديث
الأمر على ذلك، وجب الاحتياط فيما قرب، ليتيقن استيفاء حرمة الحرم.
ثم قال: وقوله: ((أما الذي يرسل كلبه على الصيد في الحل)) إلخ، هذا
على قسمين إذا كان الصيد والصائد في الحل؛ أحدهما: أن يكون بقرب
الحرم، والثاني: أن يكون على بعد منه. فإن كان بعيداً من الحرم، فأرسل كلبه
على الصيد، فأدخله الكلب في الحرم، وقتله فيه، أو قتله في الحل، بعد
إدخاله الحرم، وإخراجه منه، فإنه لا يؤكل؛ لأنه قد تحرم بحرمة الحرم، فحرم
اصطياده، وأكله، ولا جزاء على الصائد؛ لأنه لم ينتهك حرمة الحرم.
فرع: البعد هو ما يغلب على ظنه أن الكلب لا يلحقه به، وأنه سيدركه
قبل ذلك أو يرجع عنه. وقال ابن الماجشون: إن البعد من الحرم بمقدار ما لا
يسكن الصيد فيه بسكون من في ذلك الموضع من الحل، وقوله: ((إلا أن يكون
أرسله عليه وهو قريب من الحرم ... )) إلخ، يريد أن الإرسال بقرب الحرم
ممنوع، وذلك يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون على ما قاله ابن الماجشون:
إن له حكم الحرم، والثاني: ما قاله أشهب: إن ذلك على معنى الاحتياط
والامتناع من التعزير بإرسال جارح على صيد قرب الحرم، فلا يدركه إلا في
الحرم، انتهى.
هذا، وبسط الباجي في أمثال هذه الفروع في جامع الفدية أيضاً، وقال
الدردير(١): في سهم رماه حل بحِلِّ ومرّ السهم بالحرم، فجاوزه، وأصاب
صيداً بالحل فقتله، ففيه الجزاء؛ وكلبٌ أرسله حلالٌ على صيد بالحل تعين
طريقه من الحرم، فالجزاء وإلا فلا، أو أرسل كلبه أو بازه من الحل بقرب
الحرم بحيث يظن أنه يأخذه بالحرم، فأدخله فيه، وأخرجه منه، فقتل خارجه
فالجزاء، ولا يؤكل في الكل، ولو قتله خارجه قبل إدخاله الحرم، فيؤكل ولا
جزاء عليه .
(١) ((الشرح الكبير)) (٧٥/٢).
١٢٠