النص المفهرس
صفحات 61-80
٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٦٨) حديث مُحْرِمينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، رسول الله وَلّ بالقاحة من المدينة على ثلاث، الحديث. قال الحافظ: أي ثلاث مراحل، انتهى. فالظاهر أن المراد في حديث الباب تخلفهم بالقاحة بعدما انصرفوا عن ساحل البحر، وفيها وقع أمر الصيد، قال الحافظ: ووقع في حديث أبي سعيد عند البزار والطحاوي وابن حبان أن ذلك وقع وهم بعسفان وفيه نظر، والصحيح ما في رواية أبي محمد: والقاحة بقاف ومهملة خفيفة بعد الألف، موضع قريب من السُّقيا، انتهى. (محرمين وهو) أي أبو قتادة (غير محرم) ظاهره انحصار عدم الإحرام في أبي قتادة خاصة، وهكذا في عامة الروايات للشيخين وغيرهما . ويُشْكل عليه ما في رواية للبخاري(١): فخرجوا معه فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة، فقال: خذوا ساحل البحر، حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم، الحديث. قال الشيخ في ((البذل))(٢): سياق حديث البخاري هذا مشكل، لأنه يخالف جميع السياقات التي أخرجها البخاري وغيره، فإنه يدل على أن أبا قتادة ومن معه خرجوا إلى ساحل البحر، وكلهم لم يُحْرموا، فلما انصرفوا من ساحل البحر أحرموا كُلُّهم إلا أبو قتادة، فإنه لم يُخْرم، وجميع السياقات يدل على أن رسول الله وَل ومن معه من أصحابه كلهم أحرموا من الميقات إلا أبو قتادة، فإنه لم يحرم، وتأوّله القسطلاني بأن قوله: ((فلما انصرفوا)) شرط ليس جزاءه قوله: ((أحرموا كلهم إلا أبو قتادة)»، بل جزاؤه قوله: ((فبينما هم يسيرون إذا رأوا حمار وحشٍ)) وتقدير العبارة فأخذوا ساحل البحر فلما انصرفوا، وكانوا قد أحرموا كلهم من الميقات إلا أبو قتادة فإنه لم يحرم ... من ذي الحليفة، قال الشيخ: فعلى هذا لم يبق فيه إشكال، ولم أر من تعرض لدفع هذا الإشكال من الشراح إلا القسطلاني، فجزاه الله خيراً، انتهى. (١) أخرجه البخاري (١٨٢٤). (٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٩٩/٩). ٦١ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٦٨) حديث فَرَأَى حِمَاراً وَحْشِيّاً، قلت: ويشكل عليه أيضاً ما في رواية أبي محمد عن أبي قتادة عند البخاري بلفظ: ((كنا مع النبي (َ﴾ بالقاحة، منا المحرم ومنا غير المحرم)) الحديث. قال القسطلاني (١): يحتمل أن يقال: لا منافاة بين قوله: ((منا غير المحرم)) وبين ما سبق مما يقتضي انحصار عدم الإحرام في أبي قتادة، فقد يريد بقوله: ((ومنا غير المحرم)) نفسه فقط بدليل الأحاديث الدالة على الانحصار، انتھی . وزاد في رواية عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عند البخاري ((فبينا أبي مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض))، وبسط شراح البخاري في أن ضحك بعضهم إلى بعض هل هو داخل في الدلالة أم لا؟ ومال الحافظ (٢) وغيره إلى أنه ليس بدلالة، لكن قال شارح ((المنهاج)): وله أكل لحم صيد لم يصد له، ولا دل ولو بطريق خفي، كأن ضحك، فتنبه الصائد له، انتهى. (فرأى حماراً وحشياً) قال النووي: كذا ذكر في أكثر الروايات حمار وحش، وفي رواية أبي كامل الجحدري عن أبي عوانة: ((إذا رأوا حمر وحش، فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتاناً))، فهذه الرواية تبين أن الحمار في أكثر الرواية المراد به أنثى، وهي الأتان سُمِّيتْ حماراً مجازاً، انتهى. قلت: وبنحو ذلك قال الحافظ، وتبعه غيره من شراح البخاري، فإن البخاري أخرجها برواية موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة، قال الحافظ: في هذا السياق زيادة على جميع الروايات لأنها متفقة على إفراد الحمار بالرؤية، وأفادت هذه الرواية أنه من جملة الحمر، وأن المقتول كان أتاناً أنثى، فعلى هذا إطلاق الحمار عليه تجوُّزٌ، انتهى. وزاد القسطلاني أو أن الحمار يطلق على الذكر والأنثى. (١) ((إرشاد الساري)) (٤٠٣/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٢٤/٤). ٦٢ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٦٨) حديث فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، (فاستوى على فرسه) وفي رواية محمد بن جعفر: فقمت إلى الفرس، فأسرجته، ثم ركبت، ونسيت السوط والرمح، وفي رواية فضيل بن سليمان عند البخاري في الجهاد (١): ((فركب فرساً له، يقال له: الجرادة، فسألهم أن يُنَاولوه سوطَه))، وفي رواية عمرو بن الحارث: ((وهم محرمون وأنا رجل حِلٌّ على فرسي وكنت رَقَّاء على الجبال، فبينا أنا على ذلك إذ رأيت الناس مُتَشَوَّفِينَ فذهبت أنظر)). قال الحافظ(٢): الجرادة بفتح الجيم وتخفيف الراء، والجراد اسم جنس، ووقع في ((السيرة)) لابن هشام: أن اسم فرس أبي قتادة حزوة أي بفتح الحاء وسكون الزاي بعدها واو، فإما أن يكون له اسمان أو أحدهما تصحيف، والذي في الصحيح هو المعتمد، انتهى. (فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا عليه) وقالوا: لا نعينك عليه، وفي رواية عمرو بن الحارث: ((وكنت نسيت سوطي))، وتقدم في رواية محمد بن جعفر: ((ونسيت السوط))، وهكذا في رواية أبي النضر: ((وكنت نسيت سوطي))، وفي رواية عبد الله بن أبي قتادة عند البخاري: ((ثم ركبته فسقط مني سوطي))، قال الزرقاني(٣): فلعله أطلق النسيان على السقوط أو عكسه تجوّزاً. قلت: ولا مانع من الجمع فنسي أولاً ثم سقط، وقال الحافظ: ووقع عند النسائي من طريق شعبة عن عثمان بن موهب، وعند ابن أبي شيبة من طريق عبد العزيز بن رفيع، وأخرج مسلم إسنادهما كلاهما عن أبي قتادة: ((فاختلس من بعضهم سوطاً)) والرواية الأولى أقوى، ويمكن أن يجمع بينهما (١) ((فتح الباري)) (٥٨/٦). قوله: رقّاء: كثير الصعود. وقوله: رجلٌ حلٌّ أي حلال، قوله: متشوَّفين من قولهم: تشوّف فلان للشيء أي لمح له ونظر إليه، انظر: ((عمدة القاري)) (٤٩٢/١٤) (٢) ((فتح الباري)) (٦١٤/٩). ((شرح الزرقاني)) (٢٧٦/٢). (٣) ٦٣ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٦٨) حديث فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ، فَأَبَوْا، فَأَخَذَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ، وَأَبَى بَعْضُهُمْ بأنه رأى في سوطه نفسه تقصيراً، فأخذ سوط غيره، واحتاج إلى اختلاسه لأنه لو طلبه منه اختياراً لامتنع (فسألهم رمحه فأبوا فأخذه) أي: كل واحد من السوط والرمح، وفي رواية محمد بن جعفر: ((ونسيت السوط والرمح، فقلت: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا والله، لا نُعِينُك عليه بشيءٍ، فغضبتُ، فنزلتُ فأخذتُهما)). (ثم شدَّ على الحمار فقتله) ولفظ البخاري(١) برواية صالح بن كيسان عن نافع المذكور: ((ثم أتيت الحمار من وراء أكمة، فعقرته))، وفي رواية عبد الله بن أبي قتادة: ((فحملتُ عليه الفرسَ فطعنتُ))، زاد في رواية عمرو: ((فأتيت إليهم، فقلت لهم: قوموا، فاحتملوا، قالوا: لا نَمسُّه، فحملته حتى جئتهم به)) (فأكل منه بعض أصحاب رسول الله وَالر وأبى بعضهم) من الأكل، وفيه جواز الاجتهاد في الفروع، والاختلاف فيها إذا استند كلٌّ إلى دليل. قال ابن العربي: هو اجتهاد بالقرب من النبي ◌َ ◌ّ لا في حضرته، وفيه العمل بما أدى إليه الاجتهاد، ولو تضاد المجتهدان، ولا يعاب واحد منهما على ذلك لقوله: ((فلم يعب ذلك علينا))، كذا في ((الفتح))(٢)، ولفظ صالح بن كيسان عن نافع عند البخاري: ((فأتيت به أصحابي فقال بعضهم: كلوا، وقال بعضهم: لا تأكلوا))، قال الحافظ: روي من عدة أوجهٍ أنهم أكلوا، والظاهر أنهم أكلوا أول ما أتاهم، ثم طرأ عليهم الشك، كما في لفظ عثمان بن موهب عند البخاري: ((فأكلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل من لحم صيد ونحن محرمون؟)) وأصرح من ذلك رواية أبي حازم في الهبة عند البخاري بلفظ: «ثم جئت به فوقعوا فيه يأكلون ثم إنهم شَكُّوا في أكلهم إياه وهم حرم)) . (١) ((فتح الباري)) (٢٥/٤). (٢) (فتح الباري)) (٣١/٤). ٦٤ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٦٨) حديث فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ﴾، سَأَلُوهُ عَنْ ذُلِكَ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ)). أخرجه البخاريّ في: ٥٦ - كتاب الجهاد، ٨٨ - باب ما قيل في الرماح. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٨ - باب تحريم الصيد للمحرم، حديث ٥٧. (فلما أدركوا رسول الله بِ ﴿) وقد تقدمهم إلى السُّقْيا (سألوه عن ذلك) ولفظ صالح بن كيسان: فأتيت النبي ◌َ﴾ وهو أمامنا فسألته، فقال: ((كلوه، حلال))، وفي حديث عبد الله بن أبي قتادة عند البخاري: ((قال: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا)). قال الحافظ: وفي رواية مسلم: ((هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟))، وله من طريق آخر: ((هل أشرتم أو أعنتم أو اصطدتم؟)) (فقال) بَّ بعدما سألهم عن قتلهم وإشارتهم ودلالتهم: كلوا ما بقي من لحمها . (إنما هي طعمة) بضم الطاء وسكون العين أي: طعام (أطعمكموها الله) وفيه جواز أكل المحرم لحم الصيد إذا لم يكن منه قتل أو إعانة أو إشارة أو دلالة، وهو إجماع إذا لم يُصَدْ لأجله، فإن صِيد لأجله فكذلك عند الجمهور، منهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، وقال الحنفية وطائفة: يجوز أكل ما صيد لأجله، لظاهر حديث أبي قتادة أنه صاده لأجلهم، كما سيأتي، فإن قيل: كيف لم يحرم أبو قتادة مع مجاوزته الميقات وذلك لا يجوز؟. قال الحافظ (١): استمر هو حلالاً لأنه إما لم يجاوز الميقات، وإما لم يقصد العمرة، قال: وبهذا يرتفع الإشكال الذي ذكره أبو بكر الأثرم، قال: كنت أسمع أصحابنا يتعجبون من هذا الحديث، ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات وهو غير محرم، ولا يدرون ما وجهه؟ قال: حتى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد، فيها: ((خرجنا مع رسول الله وَّر فأحرمنا، فلما (١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٣/٤). ٦٥ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٦٨) حديث كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة، وكان النبي ◌ُّ بعثه في وجه))، الحديث. قال: فإذا أبو قتادة إنما جاز له ذلك، لأنه لم يخرج يريد مكة، قال الحافظ: هذه الرواية التي أشار إليها تقتضي أن أبا قتادة لم يخرج مع النبي صل من المدينة، وليس كذلك لما بينّا يعني أن بعثه أبا قتادة ومن معه كان من الروحاء. قال الحافظ: ثم وجدت في ((صحيح ابن حبان)) والبزار من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال: ((بعث رسول الله ويهيقول أبا قتادة على الصدقة، وخرج رسول الله وَّ وأصحابه وهم مُحرمون حتى نزلوا بعُسْفَان))، فهذا سبب آخر، ويحتمل جمعهما. والذي يظهر أن أبا قتادة إنما أَخَّر الإحرام، لأنه لم يتحقق أنه يدخل مكة، فساغ له التأخير، انتهى. وفي ((التعليق الممجد))(١) عن القاري: أنه لم يحرم لقصد الإحرام من ميقات آخر، وهو الجحفة، فإن المدني مُخيّرٌ بين أن يحرم من ذي الحليفة وبين أن يحرم من الجحفة، انتهى. وقال القسطلاني(٢): لم يحرم لاحتمال أنه لم يقصد نسكاً، إذ يجوز دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد حجاً ولا عمرة كما هو مذهب الشافعية، وأما على مذهب الأئمة الثلاثة القائلين بوجوب الإحرام فبأنه إنما لم يحرم لأنه وَلّ كان أرسله إلى جهة أخرى ليكشف أمر عدو، انتهى. وقال النووي(٣): قال القاضي عياض في جوابه: قيل: إن المواقيت لم تكن وقتت بعد، وقيل: لأن النبي وَّ بعثه لكشف عدو لهم بجهة الساحل، (١) (٣٣١/٢). (٢) ((إرشاد الساري)) (٤ / ٣٥٧). (٣) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٠٩/٨/٤). ٦٦ ------ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٦٩) حديث ٧٧/٧٦٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أُبِهِ: أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ كَانَ يَتَرَوَّدُ صَفِيفَ الطَّبَاءِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ . ٠١ وقيل: إنه لم يكن خرج مع النبي ◌ُّر من المدينة، بل بعثه أهل المدينة بعد ذلك إلى النبي ◌ّ ليُعْلِمَه أن بعض العرب يقصدون الإغارة على المدينة، وقيل: إنه خرج معهم لكنه لم ينو حجاً ولا عمرة، قال القاضي: هذا بعيد، انتهى. ٧٧/٧٦٩ - (مالك، عن هشام بن عروة أن) أباه (الزبير) مصغراً (ابن العوام) بتشديد الواو ابن خويلد ابن أسد القرشي الأسدي أبو عبد الله ابن عمة رسول الله وَ﴾ صفية، أحد العشرة المبشّرة، أسلم بعد أبي بكر - رضي الله عنه - بقليل، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها، وقتل سنة ٣٦هـ بعد منصرفه من وقعة الجمل، كذا في ((التقريب)) (١) و ((التعليق الممجد)) (كان يتزود) أي: يجعل زاداً لسفره (صفيف الظباء) بكسر الظاء جمع ظبي (في الإحرام) كذا في النسخ الهندية وفي المصرية: ((وهو محرم)). قال العيني(٢): وعزا صاحب ((الإمام)) إلى النسائي من حديث أبي حنيفة عن هشام عن أبيه عن جده الزبير، قال: ((كنا نحمل الصيد صفيفاً، ونتزوّده ونحن محرمون مع رسول الله وَل﴾)) رواه الحافظ أبو عبد الله البلخي في ((مسند أبي حنيفة)) من هذا الوجه عن هشام، ومن جهة إسماعيل بن يزيد عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة، انتهى. قلت: هكذا رواه محمد في ((الآثار)) (٣) بلفظ: ((كنا نحمل لحم الصيد صفيفاً ونتزود ونأكله، ونحن محرمون مع رسول الله (ّ))، زاد الزيلعي في (نصب الراية))(٤): كذلك رواه ابن أبي العوّام في ((كتاب فضائل أبي حنيفة))، (١) (٢٥٩/١). (٢) ((عمدة القاري)) (٤٨٥/٧). (٣) (ص٧٤). (٤) (١٤٠/٣). ٦٧ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٧٠) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَالصَّفِيفُ الْقَدِيدُ. ٧٨/٧٧٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، فِي الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ، مِثْلَ حَدِيثٍ أَبِي النَّضْرِ، إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلَ قَالَ: ((هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ))؟ أخرجه البخاريّ في: ٧٢ - كتاب الذبائح والصيد، ١٠ - باب ما جاء في الصيد. ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٨ - باب تحريم الصيد للمحرم، حديث ٥٨. واختصره مالك في ((الموطأ))، انتهى. قال الحافظ في ((الدراية)): وصله ابن أبي العوام وابن جزء، انتهى. (قال مالك: والصفيف) بصاد مهملة ففائين بينهما تحتية، قال المجد: الصفيف كأمير: ما صُفَّ في الشمس ليجِفَّ، وعلى الجمر: لينشوي (القديد) ذكر في ((المجمع)) في حديث ((كان يتزود قديد الظباء)»، وهو اللحم المملوح المُجَفَّفُ في الشمس، وقال الزيلعي: قال في ((الصحاح)): الصفيف ما يُصَفُّ من اللحم على اللحم ليستوي، انتهى. قلت: والأثر مؤيد لمن قال: يجوز للمحرم أكلُ ما اصطيد لأجله، فإنهم كانوا يتزوَّدون للإحرام. ٧٨/٧٧٠ - (مالك، عن زيد بن أسلم) العدوي (أن عطاء بن يسار أخبره)، وفي نسخة: حدَّثه (عن أبي قتادة في) قصة صيد (الحمار الوحشي) بفتح الواو وسكون الحاء المهملة، يقال له بالفارسية: ((كورخر)) وهو حلال بالإجماع، كذا في ((التعليق الممجد))(١) (مثل حديث أبي النضر) المذكور قبل ذلك، وجميع النسخ ههنا متضافرة على أبي النضر بالضاد المعجمة، وهذا صريح في التصحيف في الرواية الماضية (إلا أن في حديث زيد بن أسلم) زيادة (أن رسول الله وَّ قال: هل معكم من لحمه شيءٌ؟) والحديث هكذا أخرجه (١) (٣٣١/٢). ٦٨ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٧٠) حديث البخاري في ((باب ما قيل في الرماح))، فقد أخرج أولاً حديث أبي النضر ثم قال: وعن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي يسار عن أبي قتادة في الحمار الوحشي مثل حديث أبي النضر قال: ((هل معكم من لحمه شيء؟)). قال العيني(١): أخرجه البخاري موصولاً في كتاب الذبائح، قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي قتادة مثله إلا أنه قال: ((هل معكم منه شيء؟))، انتهى. وفي ((الصحيحين)) من طريق عبد الله بن أبي قتادة قالوا: معنا رِجْلُه، فأخذ رسول الله وَّ فأكلها، وللبخاري في الهبة: ((فناولته العضدَ فأكلها حتى تعَرَّقَها))، وفي رواية المطلب: ((قد رفعنا له الذراع فأكل منه»، وجُمع بأنه أكل من كليهما . ولأحمد وأبي داود الطيالسي وأبي عوانة فقال: ((كلوا وأطعموني))، ووقع عند الدارقطني وابن خزيمة والبيهقي: أن أبا قتادة قال للنبي وَله: إنما اصطدته لك، فأمر أصحابه فأكلوا ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له، قال الدارقطني وابن خزيمة وأبو بكر النيسابوري والجوزقي: تفرد بهذه الزيادة معمر، قال ابن خزيمة: إن كانت هذه الزيادة محفوظة احتمل أن يكون مظهر أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله، فلما أعلمه (٢) امتنع (٢). قال الحافظ في ((الفتح))(٣): وفيه نظر، لأنه لو كان حراماً ما أقرَّ النبي ◌َّ على الأكل منه إلى أن أعلمه أبو قتادة بأنه صاده لأجله، ويحتمل أن يكون ذلك لبيان الجواز، فإن الذي يحرم على المحرم إنما هو الذي يعلم أنه صيد (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٣٥/١٠). (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٩٢/٤). (٣) (فتح الباري)) (٣٠/٤). ٦٩ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٧٠) حديث من أجله، وأما إذا أتي بلحم لا يدري ألحم صيد أو لا؟ فحمله على أصل الإباحة فأكل منه لم يكن ذلك حراماً على الآكل. وعندي بعد ذلك فيه وقفةٌ، فإن الروايات المتقدمة ظاهرةٌ في أن الذي تَأَخَّر هو العضدُ، وأنه وَِّ أكلها حتى تعَرَّقَها أي: لم يبق منه إلا العظم، ووقع عند البخاري في ((الهبة)): حتى نفدها أي فرغها، فأي شيء يبقى منها حينئذ حتى يأمر أصحابه بأكله، لكن رواية أبي محمد في الصيد عند البخاري: ((أبقي شيء منه؟)). قلتُ: نعم، قال: كلوا فهو طعمة أطعمكموها الله))، فأشعر بأنه بقي غير العضد، انتهى. وفي ((نصب الراية)) (١): قال صاحب ((التنقيح)): الظاهر أن هذا اللفظ : الذي تفرد به معمر غلطٌ، فإن في ((الصحيحين)): أن النبي ◌َّ - أكل منه، وفي لفظ لأحمد: قلت: هذه العضد قد شويتُها، وأنضجتُها، فأخذها فنهشها عليه السلام وهو حرام حتى فرغ منها، انتهى. وحديث أبي قتادة من مستدلات الحنفية، فإن ظاهره أنه صاد لأجل رفقتهم، قال القاري في ((شرح النقاية)): الأولى في الاستدلال على المطلوب حديث أبي قتادة، فإنهم لما سألوه ◌َّ لم يُجِبْ بحِلِّهِ لهم حتى سألهم عن موانع الحل أكانت موجودة أم لا؟ فقال ◌َله: ((أمنكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟))، قالوا: لا، قال: ((فكلوا إذاً)). فلو كان من الموانع أن يصاد لهم لنظم في سلك ما يُسْأل عنه منها في التفحص عن الموانع، فيجب ما يحكم عند خُلوّه عنها، وهذا المعنى كالصريح في نفي كون الاصطياد لهم مانعاً . وقال الشيخ في ((الكوكب))(٢): فهذا أبو قتادة، أفتراه اصطاد الحمار (١) انظر: ((نصب الراية)) (١٤٢/٣). (٢) ((الكوكب الدري)) (١٠٦/٢). ٧٠ ٢٠ - كتاب الحج (٤ ٢) باب (٧٧١) حديث ٧٩/٧٧١ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيّ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، ◌َنْ عِيسى بْنِ حَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُمَيْرٍ بْنِ سَلَّمَةَ الضَّمْرِيِّ، لنفسه خاصة مع كبر جثته ما هو؟ وكون أبي قتادة على سفر فليس اصطياده إياه إلا بنية أصحابه المحرمين، إذ لم يكن معه أحد، وهو غير محرم، ثم لما أخذه لحماً أكله بعضُهم، وامتنع عنه بعض لعدم علم المسألة، فكان فعل كل منهما ظناً وتخميناً حتى أتوا رسول الله وَّه، فهلاً سأل أبا قتادة هل صِدْتَه لهم أو لنفسك؟ كما سأل عنهم هل أشرتم أو دللتم أو أعنتم؟ فعُلِم أن الإشارة والدلالة والإعانة مُحرَّمةٌ، ومحرمةٌ دون نية المحرم وإلا لم يتركه النبي وَّ أن يسأل عنها، انتهى. قال الحافظ(١): وفي رواية علي بن المبارك: ((فبصر أصحابي بحمارٍ وحشٍ فجعل بعضُهم يضحك إلى بعض))، زاد في رواية أبي حازم: ((وأحبوا لو أني أبصرته»، هكذا في جميع الطرق والروايات، انتهى. فهذا كالنص بأنهم أحَبُّوا أن يَعْقِرَه أبو قتادة، فهل كانوا يحبون أن يعقره لنفسه. ٧٩/٧٧١ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) زاد في النسخ المصرية: الأنصاري (أنه قال: أخبرني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي) القرشي (عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله) - بضم العين - القرشي التيمي، أبو محمد المدني، ثقة فاضل أخو موسى ومحمد، قاله العيني، من رواة الستة، مات سنة مائة وأبوه طلحة أحد العشرة المبشرة. (عن عمير) بضم العين المهملة مصغراً (ابن سلمة) بن منتاب بن طلحة بن جدي بن ضمرة، هكذا نسبه ابن إسحاق (الضمري) بفتح المعجمة وسكون (١) ((فتح الباري)) (٢٣/٤). ٧١ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٧١) حديث عَنِ الْبَهْزِيِّ؛ الميم مدني له صحبة، كذا في ((التقريب))(١)، وفي ((تهذيب النووي)) (٢): يقال فيه: الضمري والبهري والزهري، والصحيح: الضمري، انتهى. وقال ابن عبد البر: لم يختلفوا في صحبته، قال الحافظ (٣): فيه نظر فقد قال ابن منده: مختلف في صحبته، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين بعد أن ذكره في الصحابة، روى عن النبي ◌ّ، وقيل: عن البهزي عنه قصة الظبي الخافق. (أنه أخبره عن البهزي) - بفتح الموحدة وسكون الهاء بعدها زاي - صحابي، له حديث، قيل اسمه: زيد بن كعب، كذا في ((التقريب))، وفي ((رجال جامع الأصول)): منسوب إلى بهز بن امرئ القيس بن بهثة بن مضر، واسمه: مرة، وقيل: زيد، انتهى. والأوجه عندي أن الذي يقال في اسمه: مرة بن كعب، أو كعب بن مرة رجل آخر هو شامي، وهذا مدني، ولم يذكروا في اسمه إلا زيد بن كعب، ذكره بعضهم بلفظ: قيل، وبعضهم بالجزم. وقال الباجي(٤): هو زيد بن كعب البهزي السلمي. قال ابن عبد البر: لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث، واختلف أصحاب يحيى بن سعيد فرواه جماعة كما رواه مالك، ورواه هشيم ويزيد بن هارون وعلي بن مسهر وغيرهم عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة عن النبي وَّر، وعمير من كبار الصحابة، (١) ((تقريب التهذيب)) (٨٦/٢). (٢) (٣٩/٢/١). (٣) ((تهذيب التهذيب)) (١٤٧/٨). (٤) ((المنتقى)) (٢٤٣/٢). ٧٢ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٧١) حديث والصحيح أن الحديث من مسنده، ليس بينه وبين النبي صَلّر فيه أحد، قال موسى بن هارون: ولم يأت ذلك عن مالك لأن جماعة رووه عن يحيى بن سعيد كما رواه مالك، وإنما جاء ذلك من يحيى بن سعيد كان يرويه أحياناً، فيقول فيه عن البهزي، وأحياناً لا يقول، وأظن المشيخة الأولى كان ذلك جائزاً عندهم، وليس هو رواية عن فلان، وإنما هو عن قصة فلان، انتهى ما قاله موسى بن هارون، كذا في ((التنوير)) (١). وقال الحافظ في ((الإصابة)) (٢): أخرج ابن أبي حاتم من طريق الدراوردي وابن أبي حازم عن يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة قال: ((بينما نسير مع رسول الله مح لول بالروحاء إذا حمار وحش معقور))، الحديث، وهكذا رواه يحيى بن سعيد من رواية حماد بن زيد وهشيم والليث عنه، وقال مالك عن يحيى بسنده عن عمير عن البهزي، وتابعه أبو أويس وعبد الوهاب الثقفي وحماد بن سلمة وغيرهم عن يحيى. فاختلف فيه على يحيى ولم يختلف على يزيد، وقد وافق يزيد عبد ربه بن سعيد أخو يحيى، فرواه عن محمد بن إبراهيم، وقال في روايته: عن عيسى عن عمير، قال: خرجنا مع رسول الله وَلّر، قال أبو عمر: الصحيح أنه لعمير بن سلمة، والبهزي كان صائد الحمار، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: عن البهزي أي عن قصته، ولذلك نظائر ذكرها أبو عمر في ((التمهيد))(٣)، وتبعه صاحب ((المحلى)) إذ قال: عن البهزي أي عن قصته، وليس ذلك رواية عنه، انتهى. وبذلك جزم موسى بن هارون كما نقله الدارقطني في ((العلل))، وتُعكّرُ (١) انظر: ((تنوير الحوالك)) (٣٢٢/١). (٢) (٣٣/٥) في (ترجمة عمير بن سلمة). (٣) (٣٤٢/٢٣). ٧٣ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٧١) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّهَ خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ، إِذَا حِمَارٌ وَحْشِيٍّ عَقِيرٌ، فَذُكِرَ ذُلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَّةِ، فَقَالَ: ((دَعُوهُ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ))، فَجَاءَ الْبَهْزِيُّ، وَهُوَ صَاحِبُهُ، إِلَى النَّبِيِّ نَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَأَنَكُمْ بِهذا الحِمَارِ، عليه روايته في ((العلل)) من طريق عبَّاد بن العوام، ويونس بن راشد كلاهما عن يحيى. فإنه قال فيها: إن البهزي حدثه، ويمكن أن يجاب بأنهما غَيَّرا قوله: عن البهزي إلى قوله: إن البهزي حدثه توهماً منهما، وظناً أنهما سواء، لكون الراوي غير مدلس، فيستوي في حقه الصيغتان، فروياه بالمعنى، فقالا : حدثه، انتهى ما في ((الإصابة)) بزيادة من ((التهذيب))، ولا يذهب عليك أن سياق ابن ماجه برواية ابن عيينة عن يحيى بن سعيد يخالف الجميع، فليحرر. (أن رسول الله (وَل خرج يريد مكة) في حجة الوداع كما ذكره فيها ابن القيم (وهو محرم) من ذي الحليفة (حتى إذا كان بالروحاء) بفتح الراء وسكون الواو وحاء مهملة وبالمد، موضع بين مكة والمدينة على ثلاثين أو أربعين ميلاً من المدينة كذا في هامش الطحاوي عن ((منتهى الأرب)). قلت: وههنا مسجدٌ ثانٍ من المساجد بين مكة والمدينة ذكرها البخاري في حديث طويل، قال العيني: قرية جامعة على ليلتين من المدينة، وفي ((المحلى)): وللنسائي: ((بينما يسير مع النبي ◌ُّل بين أثاية والروحاء))، الحديث. (إذا حمار وحشي عقير) أي: معقور، قال في ((المجمع)): مقتول أو مجروح، أي: لم يمت بعد، قلت: والأول متعين ههنا لرواية الطحاوي: ((بحمار وحش عقير فيه سهم قد مات)) (فذكر) ببناء المجهول (ذلك) أي شأنه (لرسول الله وَلخيار) يعني وصفوا له ◌َّر حاله (فقال: دعوه) بفتح الدال وضم العين الخفيفة المهملتين أي اتركوه (فإنه يوشك) أي يقرب (أن يأتي صاحبه) الذي صاده (فجاء البهزي وهو صاحبه) ولفظ الطحاوي برواية ابن الهاد، فجاء رجل من بهز، هو الذي عقر الحمار (إلى رسول الله ◌َلل فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار) ولفظ الطحاوي برواية ابن هارون: ((فجاء البهزي فقال: يا رسول الله هي رميتي فكلوه)). ٧٤ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٧١) حديث فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَبَا بَكْرٍ، فَقَسَمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ، ثُمَّ مَضَى. حَتَّى إِذَا ثَانَ بِالأَنَايَةِ، (فأمر رسول الله # أبا بكر) الصديق (فقسمه بين الرفاق) بكسر الراء جمع رفقة بضم الراء وكسرها، القوم المترافقون في السفر، وقال الباجي (١): هو جماعة من الناس يجتمعون في المأكل والنزول والتعاون، وقال ابن عبد البر (٢): فيه جواز هبة المشاع وأن الصائد إذا أثبت الصيد برمحه أو نبله فقد ملكه، لأنه سماه صاحبه . وقال ابن القيم(٣): تدل القصة على أن الهبة لا تفتقر إلى لفظ: ((وهبت لك)) بل تصح بلفظ يدل عليها أو تدل على قسمة اللحم مع عظامه بالتحري، وتدل على أن الصيد لمن أثبته لا لمن أخذه، وتدل على التوكيل في القسمة، انتھی . وما قيل: إن فيها رداً لقول أبي حنيفة وأصحابه في اشتراطهم الطلب أو رداً لقول مالك في قوله: إن ما توارى عنه إذا لم يبِتْ يَحِلُّ، فإذا بات ليلةٌ لا يحِلُّ ليس بشيء، لأن ظاهر سياق الروايات أنه لم يَظُلِ التواري ههنا، ومثل ذلك التواري مغتفر عند الكل ضرورة كما ثبت في محله. (ثم مضى) أي: سار النبي 18َّ إلى مكة (حتى إذا كان بالأثاية) قال الزرقاني(٤): بضم الهمزة ومثلثة فألف فتحتية، وقال ياقوت الحموي: بفتح الهمزة وبعد الألف ياء مفتوحة من أثيت به إذا وشيت، ورواه بعضهم أثاثة بثاء أخرى وأثانة بالنون وهو خطأ، والصحيح الأول، تفتح همزته وتكسر، موضع (١) ((المنتقى)) (٢٤٣/٢). (٢) ((الاستذكار)) (٣٨٦/٩). (٣) ((زاد المعاد)) (١٥١/٢). (٤) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٨/٢). ٧٥ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٧١) حدیث بَيْنَ الرُّوَيْثَةِ وَالْعَرْجِ، إِذَا ظَبْيٌ حَاقِفٌ فِي ظِلِّ فِيهِ سَهْمٌ، فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ أَمَرَ رَجُلاً أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ، لا يَرِيبُهُ في طريق الجحفة بينه وبين المدينة خمسة وعشرون فرسخاً، انتهى. وقال المجد: أثاية بالضم ويثلث، موضع بين الحرمين فيه مسجد نبوي أو بئر دون العرج، وفي ((المحلى)): موضع بطريق الجحفة بينه وبين المدينة سبعة وسبعون میلاً . (بين الرويثة) بضم الراء المهملة وفتح الواو وسكون التحتية وفتح المثلثة والهاء موضع، قاله الزرقاني. وقال الحموي: تصغير روثة على ليلة من المدينة، وقال ابن السكيت: معشى بين العرج والروحاء، وقال الأزهري: اسم منهلة من المناهل التي بين المسجدين، يريد مكة والمدينة، وفي ((المحلى)): موضع على ستة عشر فرسخاً من المدينة المنورة (والعرج) بفتح العين المهملة وسكون الراء وبالجيم، قال الحموي: قرية جامعة في وادٍ من نواحي الطائف، وهي أول تهامة بينها وبين المدينة ثمانية وسبعون ميلاً، وأيضاً عقبة بين مكة والمدينة على جادّة الحاج تذكر مع السقيا، وفي ((المحلى)): قيل: بينه وبين الرويثة أربعة عشر ميلاً، انتهى. (إذا ظبي حَاقِفٌ) بحاء مهملة فألف فقافٍ ففاء أي: واقف منحنٍ رأسه بين يديه إلى رجليه، وقيل: الحافف الذي لجأ إلى حقف، وهو ما انعطف من الرمل، وقال أبو عبيد: حاقف يعني قد انحنى وتثَنَّى في نومه، وفي ((المجمع)): فإذا ظبي حاقف أي: نائم قد انحنى في نومه (في ظل وفيه سهم) وفي رواية يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عند الطحاوي: إذا هو بظبي مستظل في حقف جبل فيه سهم، وهو حي. (فزعم) ولفظ الطحاوي: فقال (أن رسول الله (َّليل أمر رجلاً) لم يسم (أن يقف عنده لا يريبه) بفتح الياء وكسر الراء فتحتية فموحدة، قال أبو عمر: أي لا يمسه ولا يحركه ولا يُهَيِّجُه، قلت: ويحتمل أن يكون من الإرابة أي: يزعجه ٧٦ ----------- ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٧٢) حديث أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى يُجَاوِزَهُ. أخرجه النسائيّ في: ٢٤ - كتاب مناسك الحج، ٧٨ - باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد. ٧٧٢ / ٨٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّبَذَةِ، من رابني، وأرابني إذا رأيت منه ما تكره (أحد من الناس حتى يجاوزوه) ولفظ أحمد برواية هشيم عن يحيى، فقال: قف ههنا لا يرميه أحد بشيء، قلت: والفرق بين قصة الحمار الوحشي والظبي ظاهر بأن الثاني كان حياً، كما تقدم النص بذلك وهذا الأوجه، بل هو متعين. وقال ابن القيم(١): والفرق بين قصة الظبي وقصة الحمار أن الذي صاد الحمار كان حلالاً فلم يمنع من أكله، وهذا لم يعلم أنه حلال، وهم محرمون فلم يأذن لهم في أكله، ووَكَّلَ من يقف لئلا يأخذه أحد حتى يُجاوزوه. وقال الباجي (٢): يحتمل أمره و ليل ذلك وجهين؛ أحدهما: أن الذي أصابه بالسهم قد ملكه، فلا يجوز لأحد أن ينال منه شيئاً إلا بإذنه، والثاني: أنه إذا كان حياً بعد لم يكن للمحرم أن یذکیه، انتهى. ٨٠/٧٧٢ - (مالك، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث عن أبي هريرة أنه أقبل من البحرين) بلفظ تثنية بحر، موضع بين البصرة وعمان، قال الباجي: البحرين يقرب من العراق إلا أنهما مما يلي اليمن، وتقدم قبل ذلك (حتى إذا كان بالربذة) بفتح الراء والموحدة والمعجمة، موضع قرب المدينة . (١) ((زاد المعاد)) (١٥٢/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٤٣/٢). ٧٧ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٧٢) حديث وَجَدَ رَكْباً مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مُحْرِمِينَ. فَسَأَلُوهُ عَنْ لَحْم صَيْدٍ وَجَدُوهُ عِنْدَ أَهْلِ الرَّبَذَةِ، فَأَمَرَهُمْ بِأَكْلِهِ. قَالَ: ثُمَّ إِنِّي شَكَكْتُّ فِيمَا أَمَرْتُهُمْ بِهِ. فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ ذَكَرْتُ ذُلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقَالَ عُمَرُ: مَاذَا أَمَرْتَهُمْ بِهِ؟ فَقَالَ: أَمَرْتُهُمْ بِأَكْلِهِ. وقال الباجي(١): موضع بين المدينة ونجد، وقال الحموي(٢): بفتح أوله وثانيه وذال معجمة مفتوحة، من قرى المدينة على ثلاثة أميال قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز. : وفيها قبر أبي ذر الغفاري، وقد خرج إليها مغاضباً لعثمان - رضي الله عنه -، وقال الأصمعي: يُذَكِّرُ نجداً، والشرف كبدُ نجد، وفي الشرف الربذة، انتهى. وفي ((المحلى)): موضع على ثلاثة مراحل من المدينة (وجد ركباً من أهل العراق) يأتون مكة. قال الباجي: يحتمل أنه أدركهم أو أدركوه هناك، أو التقى طريقاهما، قلت: الأثر الآتي يشير إلى الثاني (محرمين) قال الباجي: هذا يقتضي أنهم أحرموا قبل الميقات لأن الربذة قبل الميقات، انتهى. (فسألوه عن لحم صيد وجدوه عند أهل الربذة) فظاهر هذا الصيد أنه من قوم حلال، لأنهم يحرمون غالباً من المواقيت بعد مجاوزة الربذة، قاله الباجي. قلت: وسيأتي النص بذلك في الأثر الآتي (فأمرهم) أبو هريرة (بأكله، قال) أبو هريرة: (ثم إني شككت فيما أمرتهم به) لكونهم محرمين (فلما قدمت المدينة ذكرت ذلك) أي سؤال الركب (لعمر بن الخطاب) الظاهر أنه أخبره بسؤالهم، وأمسك عن بيان ما أجاب به كما يدل عليه قوله (فقال) عمر - رضي الله عنه - (ماذا أمرتهم به) ولعل عمر أراد أن يعلم ما أجاب به أبو هريرة خشية أن أفتاهم بغير ما ينبغي، فيتكلف المشقة في إعلامهم بأن ما أمرهم به أبو هريرة غير صحيح (قال) أبو هريرة: (أمرتهم بأكله) لأن الشك طرأ بعد (١) ((المنتقى)) (٢٤٣/٢). (٢) انظر: ((معجم البلدان)) (٢٧/٣). ٧٨ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٧٣) حديث فَقَالَ مْمَرُّ بْنُ الْخَتََّابِ: لَوْ أَمَرْتَهُمْ بِغَيٍْ ذَلِكَ لَفَعَلْتُ بِكَ، يَتَوَاعَدَهُ. ٨١/١٧٣ وحدثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ صَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ؛ أَنَّهُ مَرَّ بِهِ قَوْمٌ مُحْرِمُونَ بِالرَّبَدَةِ، فَاسْتَقْتَوْهُ فِي لَحْم صَيْدٍ، وَجَدُوا نَاساً أَسِلَةٌ بَأْكُلُونَهُ. ذلك، كما يدل عليه قوله المتقدم: ((ثم شككت)) وحين الإفتاء كان جازماً بهذه الفتيا . (فقال عمر بن الخطاب. لو أمرتهم بغير ذلك لفعلت بك) كذا وكذا، وسيأتي في الآثر الآتي: (لأوجعتك))، وفي كتاب ((الآثار))(١) لمحمد: أخبرنا أبو حنيفة حدثنا أبو سلمة عن رجل عن أبي هريرة قال: ((مررت في البحرين، فسألوني عن لحم الصيد يصيده الحلال هل يصلح للمحرم أن يأكله؟ فأفتيتهم بأكله، وفي نفسي منه شيء، ثم قدمت على عمر بن الخطاب، فذكرت له ما قلت لهم، فقال: لو قلت غير ذلك ما أفتيت (٢) بين اثنين ما بقيت)) (يتواعده) من التفاعل في أكثر النسخ، وفي بعضها يتوعَّدُه من التفعل، وهو الأوجه، قال المجد: التوعد: التهدد، انتهى. قلت: ويستعمل التواعد في الخير والشر معاً . ٨١/٧٧٣ - (مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله) بن عمر (أنه ميم أبا هريرة يحدث) ببناء الفاعل (عبد الله بن عمر) مفعول (أنه) أي أبا هريرة والرَّ به قوم محرمون بالريدة) لا يخالف ما تقدم، فالظاهر أنه وجدهم مارين به لما نزل أبو هريرة بالربذة في الطريق (فاستفتو، في لحم صيد، وجدوا ناساً) من أهل الربذة (أحلة) جمع حلال (بأكلونه) هل يجوز للمحرمين أيضاً أكله أم لا؟ (١) (ص٧٣). (٢) في الأصل، لم تقل وهو تحريف. ٧٩ ٢٠ - كتاب الحج (٢٤) باب (٧٧٤) حدیث فَأَقْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذُلِكَ، فَقَالَ: بِمَ أَفْتَيْتَهُمْ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَفْتَيْتُهُمْ بِأَكْلِهِ. فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِ ذُلِكَ، لَأَوْجَعْتُكَ. ٨٢/٧٧٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ كَعْبَ الأَحْبَارِ أَقْبَلَ مِنَ الشَّام في رَكْبٍ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، (فأفتاهم بأكله قال) أبو هريرة: (ثم قدمتُ المدينة على عمر بن الخطاب فسألته عن ذلك) لما طرأ عليّ الشك فيه كما تقدم. (فقال: بم) بالجارة على ما الاستفهامية (أفتيتهم؟ قال) أبو هريرة: (فقلت: أفتيتهم بأكله، قال: فقال عمر: لو أفتيتهم بغير ذلك لأوجعتك) تصريح بما تقدمت الإشارة بقوله: ((لفعلت))، وأراد تأديب من يتسامح في الفتوى، وإشارة إلى أن جواز لحم الصيد كان معروفاً، كيف وقد وكّلَ النبيِ وَل ◌ّ أبا بكر بقسمة لحم الصيد في حجة الوداع، وقد وافاه في ذلك خلائق لا يحصون، ولأجل ذلك أراد عمر - رضي الله عنه - التنبيه، وإلا فالمجتهد لا لوم عليه(١). ٧٧٤/ ٨٢ - (مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن كعب الأحبار) قال النووي في ((تهذيبه))(٢): يقال له: كعب الأحبار، وكعب الحبر بكسر الحاء وفتحها لكثرة علمه، انتهى. قلت: وتوهم المجد إذ قال: لا تقل: الأحبار، كما تقدم في موضعه، تابعي مشهور (أقبل من الشام في ركب) جمع راكب، ولفظ محمد: أقبل من الشام في ركب (محرمين حتى إذا كانوا ببعض الطريق) وكانوا إذ ذاك محرمين سواء أحرموا من الشام أو بعد انفصالهم عنها، وإلا لما كان لسؤالهم عن الصيد معنى. (١) ((انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٧٩/٢). (٢) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٦٨/٢/١). ٨٠