النص المفهرس

صفحات 581-600

٢٠ - كتاب الحج
(١٦) باب
(٧٤٦) حديث
وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهِيَ تَشْهَدُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا مَعَ النَّاسِ، غَيْرَ
أَنَّهَا لا تَطُوفُ
قال الباجي(١): لأن الطواف بالبيت ينافيه، ولذلك يفسده الحيض
والنفاس، ويمنع صحته وتمامه، لأن من شرطه الطهارة، انتهى.
قلت: وكذلك قالت الحنفية(٢): إنها لا تطوف بالبيت إلا أن الطهارة
عندهم واجب، ففي ((شرح اللباب)): الأول: ((أي من واجبات الطواف))
الطهارة عن الحدث الأكبر والأصغر، وإن فرق بينهما في حكم الإثم والكفارة
ووجوبها عنهما هو الصحيح من المذهب، وهو إحدى الروايتين عن الإمام
أحمد، وقال ابن شجاع: هو سنة، ونقل النووي في ((شرح مسلم)) عن
أبي حنيفة استحبابها، وكأنه أخذ من قول ابن شجاع، انتهى.
(ولا بين الصفا والمروة) أي: لا تسعى فهو من باب ((علفتها تبناً وماءً
بارداً)) أو التقدير: لا تطوف، مجازاً كما سيأتي في ((باب دخول الحائض
مكة))، وقال الباجي(٣): يعني أنها تمتنع من السعي أيضاً كما تمتنع من
الطواف، ومعنى ذلك أن السعي إنما يكون بإثر الطواف بالبيت، فإذا لم يمكن
الحائض الطواف بالبيت لم يمكنها السعي بين الصفا والمروة، وإن لم تكن من
شرطه الطهارة، لأنه عبادة لا تعلق لها بالبيت، ولو طرأ على المرأة الحيض
بعد كمال الطواف، يصح سعيها، انتهى. قلت: وكذلك عند الحنفية، بل عند
الجمهور في المسألتين كما سيأتي.
(وهي) أي الحائض (تشهد) أي تحضر (المناسك كلها) من وقوف عرفة
والمزدلفة والجمار وغيرها غير ما استثني، وهو الطواف والسعي بعده (مع
الناس) يعني لا تعتزل عنهم (غير أنها) وهذا تنبيه على المستثنى (لا تطوف
(١) ((المنتقى)) (٢٢٤/٢).
(٢) انظر: ((بدائع الصنائع)) (٤٤/١)، و((تبيين الحقائق)) (٥٦/١).
(٣) ((المنتقى)) (٢٢٤/٢).
٥٨١

٢٠ - كتاب الحج
(١٦) باب
(٧٤٦) حديث
بِالْبَيْتِ، وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلا تَقْرَبُ الْمَسْجِدَ حَتَّى تَظْهُرَ.
بالبيت) لاشتراط الطهارة أو وجوبها (ولا بين الصفا والمروة) لتوقفه على
الطواف عند الجمهور، خلافاً لما سيأتي عن عطاء وبعض أهل الحديث في
كلام الحافظ في مسألة السعي.
وقال ابن قدامة (١): السعي تبع للطواف لا يصح إلا أن يتقدمه طواف،
فإن سعى قبله لم يصح. وبذلك قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال
عطاء: يجزئه، وعن أحمد: يجزئه إن كان ناسياً، وإن عمد لم يجزئه، انتهى.
قلت: ويأتي مفصلاً في أبواب السعي قبيل صيام يوم عرفة.
(ولا تقرب) الحائض (المسجد) بالنصب (حتى تطهر) بسكون الطاء وضم
الهاء من المجرد، أو بفتح الطاء المشددة من المزيد بحذف إحدى التائين
مبالغة في النهي، والغرض نفي الدخول ولو لغير طواف.
قال الباجي: فيمتنع عليها الطواف حينئذ لمعنيين: أحدهما: أنه في
المسجد والحائض لا تدخل المسجد، والثاني: أن الحيض حدث يمنع
الطهارة، والطواف لا يكون إلا بالطهارة، انتهى. وبمثل ما قال ابن عمر
- رضي الله عنه - روي في حديث عائشة - رضي الله عنها -: أنه وجه له قال لها:
((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى
تطهري)) كما سيأتي في ((باب دخول الحائض مكة)).
وفي الأثر مسألتان: إحداهما: اشتراط الطهارة للطواف، فقد قال الحافظ
في حديث عائشة المذكور: الحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى
تطهر، لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد، وذلك يقتضي بطلان الطواف لو
فعلته، وفي معنى الحائض الجنب والمحدث وهو قول الجمهور، وذهب جمع
من الكوفيين إلى عدم الاشتراط، قال ابن أبي شيبة: نا غندر، نا شعبة سألت
(١) ((المغني)) (٢٤٠/٥).
٥٨٢

٢٠ - كتاب الحج
(١٦) باب
(٧٤٦) حديث
الحكم وحماداً ومنصور وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة فلم
يروا به بأساً، وروي عن عطاء: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعداً ثم
حاضت أجزأ عنها .
وفي هذا تعقب على النووي حيث قال في ((شرح المهذب)): تفرد
أبو حنيفة بأن الطهارة ليست بشرط في الطواف، واختلف أصحابه في وجوبها
وجُبْرانه بالدم إن فعلته، انتهى. ولم ينفرد بذلك لما ترى، فلعله أراد انفرادهم
عن الأئمة الثلاثة، لكن عن أحمد رواية: أن الطهارة للطواف واجبة تجبر
بالدم، وعند المالكية قول يوافق هذا، انتهى.
قلت: لكن الذي جزم به الدردير والدسوقي هو اشتراط الطهارة، قال
الدردير: للطواف مطلقاً ركناً أو واجباً أو مندوباً شروط؛ أولها: كونه أشواطاً
سبعاً، وثانيها: كونه متلبساً بالطهارتين، أي: طهارة الحدث والخبث، انتهى.
وقال ابن قدامة في ((المغني))(١): ويكون طاهراً في ثياب طاهرة، لأن
الطهارة من الحدث والنجاسة والسِّتارةِ شرائط لصحة الطواف في المشهور عن
أحمد وهو قول مالك والشافعي، وعن أحمد: أن الطهارة ليست بشرط، فمتى
طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكة، فإن خرج إلى بلده جبره بدم،
وكذلك يُخَرَّجُ في الطَّهارة من النجس والسِّتارة، وعنه: فيمن طاف للزيارة وهو
ناس للطهارة لا شيء عليه، انتهى.
قال النووي في ((شرح مسلم))(٢) تحت حديث عائشة: فيه دليل على أن
الطواف لا يصح من الحائض، وهذا مجمع عليه، لكن اختلفوا في علته على
حسب اختلافهم في اشتراط الطهارة للطواف، فقال مالك والشافعي وأحمد:
(١) ((المغني)) (٢٢٢/٥).
(٢) انظر: (١٣٣/٨/٤).
٥٨٣

٢٠ - كتاب الحج
(١٦) باب
(٧٤٦) حديث
هي شرط، وقال أبو حنيفة: ليست بشرط، وبه قال داود، فمن شرط الطهارة
قال: العلة في بطلان الطواف عدم الطهارة، ومن لم يشترطها قال: العلة في
كونها ممنوعة من اللبث في المسجد، انتهى.
وهكذا حكى الزرقاني عن الولي العراقي، وتقدم قريباً ما في ((شرح
اللباب))، وقال شارح ((الوقاية)): حيضها لا يمنع نسكاً إلا الطواف، فإنه في
المسجد، ولا يجوز للحائض دخوله، انتهى.
وما أورد عليه المحشي تعقبه الشيخ في ((البذل))(١). قال ابن الهمام:
والحاصل أن حرمة الطواف من وجهين: دخولها المسجد وترك واجب
الطواف، فإن الطهارة واجبة في الطواف، فلا يحل لها أن تطوف حتى تطهر،
فإن طافت كانت عاصية مستحقة لعقاب الله تعالى، ولزمها الإعادة، انتهى.
وهكذا فى ((البحر)) بلفظه.
وأما المسألة الثانية: وهي اشتراط الطهارة للسعي، فقد ترجم البخاري
على حديث عائشة المذكور ((باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف
بالبيت، وإذا سعى على غير وضوء بين الصفا والمروة)) قال الحافظ (٢): جزم
بالحكم الأول لتصريح الأخبار التي ذكرها في الباب بذلك، وأورد المسألة
الثانية مورد الاستفهام للاحتمال، وكأنه أشار إلى ما روي عن مالك في حديث
الباب بزيادة: ((ولا بين الصفا والمروة))، قال ابن عبد البر: لم يقله عن مالك
إلا يحيى بن يحيى.
قال الحافظ: فإن كان يحيى حفظه فلا يدل على اشتراط الوضوء
للسعي، لأن السعي يتوقف على طواف قبله، فإذا كان الطواف ممتنعاً امتنع
(١) ((بذل المجهود)) (٣٨٩/٨).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٠٤/٣).
٥٨٤

٢٠ - كتاب الحج
(١٦) باب
(٧٤٦) حديث
لذلك لا لاشتراط الطهارة له، وقد روي عن ابن عمر أيضاً أنه قال: ((تقضي
الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة))، أخرجه ابن
أبي شيبة بإسناد صحيح، قال: وحدثنا ابن فضيل عن عاصم قلت لأبي العالية:
تقرأ الحائض؟ قال: لا، ولا تطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، ولم يذكر
ابن المنذر عن أحد من السلف اشتراط الطهارة للسعي إلا عن الحسن
البصري .
وقد حكى المجد بن تيمية من الحنابلة رواية عندهم مثله، وأما ما رواه
ابن أبي شيبة عن ابن عمر بإسناد صحيح: ((إذا طافت ثم حاضت قبل أن تسعى
بين الصفا والمروة فلتسع))، وعن عبد الأعلى عن هشام عن الحسن مثله، وهذا
إسناد صحيح عن الحسن فلعله يفرق بين الحائض والمحدث، وقال ابن بطال:
كأن البخاري فهم أن قوله وَلّ لعائشة: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا
تطوفي بالبيت)) أن لها أن تسعى، ولذا قال: وإذا سعى على غير وضوء.
قال الحافظ (١): هو توجيه جيد وهو قول الجمهور، وحكى ابن المنذر
عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت، وبالإجزاء قال بعض
أهل الحديث لحديث أسامة بن شريك أن رجلاً سأل النبي والر فقال: ((سعيت
قبل أن أطوف؟ قال: طف ولا حرج)). وقال الجمهور: لا يجزئه، وأوّلوا
حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة، انتهى.
قلت: وحديث أسامة أخرجه أبو داود(٢)، وقال الشيخ ابن القيم في
((الهدي)) (٣): إنه غير محفوظ، وقال ابن قدامة في ((المغني))(٤): ومن سعى بين
(١) ((فتح الباري)) (٥٠٥/٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٠١٥) والترمذي (٩١٦) وابن ماجه (٣٠٥١).
(٣) ((زاد المعاد)) (٢٣٩/٢).
(٤) ((المغني)) (٢٤٦/٥).
٥٨٥

٢٠ - كتاب الحج
(١٧) باب
(١٧) باب العمرة في أشهر الحج
الصفا والمروة على غير طهارة كرهنا له ذلك وأجزأه، وأكثر أهل العلم يرون
أن لا تشترط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة، وممن قال بذلك عطاء ومالك
وأبو ثور والشافعي وأصحاب الرأي، وكان الحسن يقول: إن ذكر قبل أن يحلَّ
فليُعِد الطواف، وإن ذكر بعدما حلَّ فلا شيء عليه.
وروي عن عائشة وأم سلمة أنهما قالتا: إذا طافت المرأة بالبيت، وصلت
ركعتين، ثم حاضت، فلتطف بالصفا والمروة، رواه الأثرم. والمستحب لمن
قدر على الطهارة أن لا يسعى إلا متطهراً، وكذلك يستحب أن يكون طاهراً في
جميع مناسكه، ولا يشترط أيضاً الطهارة من النجاسة والستارة للسعي، لأنه إذا
لم يشترط الطهارة من الحدث، وهي آكد فغيرها أولى، وقد ذكر بعض أصحابنا
رواية عن أحمد: أن الطهارة في السعي كالطهارة في الطواف ولا يعول عليه،
انتھی .
---
وقال الدردير(١): ندب للسعي شروط الصلاة الممكنة من طهارة حدث
وخبث وستر عورة، قال الدسوقي: قوله: الممكنة، أما غيرها مثل الاستقبال
فلا يستحب لعدم إمكانه وإن انتقض وضوؤه أو تذكر حدثاً أو أصابه حقن،
استحب له أن يتوضأ ويبني، فإن أتم سعيه كذلك أجزأه، واستخفَّ مالك
اشتغاله بالوضوء، ولم يره مُخِلاَّ بالموالاة الواجبة في السعي ليسارته، انتهى.
وعَدَّ القاري في ((شرح اللباب)) في مستحبات السعي الطهارة في الثوب
والبدن عن النجاسة الحقيقية والحكمية الكبرى والصغرى، انتهى.
(١٧) العمرة في أشهر الحج
كان أهل الجاهلية يرونها من أفجر الفجور، فأبطله النبي وَ ل قولاً
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٣/٢).
٥٨٦
----

٢٠ - كتاب الحج
(١٧) باب
(٧٤٧) حديث
٥٥/٧٤٧ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ فَلَهِ اعْتَمَرَ ثَلاثاً:
وفعلاً، ولذا أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة ليشتهر بذلك جوازها، قال
الحافظ (١): اتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن متلبساً بأعمال
الحج، إلا ما نقل عن الحنفية أنه يكره في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق،
ونقل الأثرم إذا اعتمر فلا بد أن يحلق أو يقصر، فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة
أيام ليمكن حلق الرأس فيها .
قال ابن قدامة: هذا يدل على كراهة الاعتمار عنده في دون عشرة أيام،
انتھی .
قلت: وسيأتي في ((باب العمرة)) عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: أتم
لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج.
وقال السيوطي في ((الدر)): أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والطبراني عن
ابن مسعود: أنه سئل عن العمرة في أشهر الحج؟، فقال: ((الحج أشهر
معلومات ليس فيهن عمرة))، وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن محمد بن
سيرين قال: ما أحد من أهل العلم شَكَّ أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل
من عمرة في أشهر الحج. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عوف قال: سئل
القاسم عن العمرة في أشهر الحج؟ قال: كانوا لا يرونها تامة، انتهى. وسيأتي
بيان أشهر الحج في ((باب التمتع)).
٥٥/٧٤٧ - (مالك، أنه بلغه) قال صاحب ((المحلى)): وأخرجه البزار من
طرق عن جابر موصولاً (٢) (أن رسول الله مَّر اعتمر ثلاثاً) يعني سوى التي قرن
بحجته عند الجمهور، وقال الباجي(٣): قوله: ثلاثاً هو الصحيح على مذهب
(١) ((فتح الباري)) (٥٩٨/٣).
(٢) وهذا الحديث يتصل من وجوه. انظر: ((التمهيد)) (٢٨٩/٢٢)، (٤١٠/٢٤).
(٣) ((المنتقى)) (٢٢٤/٢).
٥٨٧

٢٠ - كتاب الحج
(١٧) باب
(٧٤٧) حديث
عَامَ الْخُدَيْبِيَةِ،
مالك، ومن قال: إن النبي ◌ّ قرن الحج يقول: اعتمر أربع عمر، انتهى.
(عام الحديبية) تقدم ضبطها في الاستمطار بالنجوم، وتقدم أيضاً أنها كانت في
ذي القعدة سنة ست بلا خلاف.
قال الحافظ(١): وكان توجهه وَل من المدينة يوم الاثنين مستهل ذي
القعدة سنة ست، فخرج قاصداً إلى العمرة، فصدَّه المشركون عن الوصول إلى
البيت، ووقعت بينهم المصالحة على أن يدخل مكة في العام المقبل.
وجاء عن هشام بن عروة عن أبيه: أنه خرج في رمضان، واعتمر في
شوال وشذّ بذلك، ووافق أبو الأسود عن عروة الجمهور، انتهى.
وفي العيني(٢) بعدما بسط الروايات في عمرة شوال عن عائشة، قال
شيخنا: كأن عائشة تريد بعمرة شوال عمرة الحديبية، والصحيح أنها كانت في
ذي القعدة كما في حديث أنس في ((الصحيح))، وإليه ذهب الزهري ونافع
وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وغيرهم، واختلف فيه على عروة
فروى عنه ابنه هشام: أنها كانت في شوال، وروى ابن لهيعة عن أبي الأسود
عنه: أنها كانت في ذي القعدة، قال البيهقي: هو الصحيح، وقد عَدَّ الناس
هذه في عمره وَّه، وإن كان صُدَّ عن البيت، فنحر الهدي وحلق، انتهى.
قال الباجي(٣): فعَدُّها عمرة يقتضي أنها عنده تامة وإن كان صُدَّ عن
البيت ومُنع منه، فلا قضاء على من صُدَّ عنه، وقال أبو حنيفة: عليه القضاء،
والدليل على ذلك إجماع الصحابة على الاعتداد بعمرة الحديبية، فلو كانت
عمرة غير تامة، وكانت عمرة القضية قضاء لها لما عُدَّتْ إلا أن تُعَدَّ مع عمرة
القضية عمرة واحدة، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (٤٤٠/٧).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٠٦/٧).
(٣) ((المنتقى)) (٢٢٥/٢).
٥٨٨

٢٠ - كتاب الحج
(١٧) باب
(٧٤٧) حديث
قلت: وبنحو ذلك حكى الحافظ عن ابن التين، وبه جزم الزرقاني، لكن
للمخالف إن عَدَّها عمرة باعتبار ثبوت بعض الأحكام، منها من الإحصار
والإحرام والحلق وغيرها .
وقال ابن الهمام: والمراد بالأربعة إحرامه بهن، فأما ما تم له منها
فثلاث، ولذا قال البراء: اعتمر النبي ◌َّل عمرتين قبل الحج فلم يحتسب بعمرة
الحديبية، انتهى.
وقال الزرقاني(١) بعد قول القسطلاني في ((المواهب)) في عدّهم عمرة
الحديبية ما يدل على أنها عمرة تامة: لعل المراد من حيث الثواب، لأنه لم
يأت من أعمالها بشيء سوى الإحرام، انتهى.
وأنت خبير بأن الصحابة مختلفة في عدّها أيضاً، ففي ((الصحيحين)) عن
البراء بن عازب قال: اعتمر رسول الله 18َل في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين،
قال ابن القيم: أراد العمرة المفردة المستقلة، ولا ريب أنهما اثنتان، فإن عمرة
القران لم تكن مستقلة، وعمرة الحديبية صُدَّ عنها، وحِيلَ بينه وبين إتمامها،
انتهى .
وقال الحافظ(٢): روى يونس بن بكير في زيادات المغازي وعبد الرزاق
جميعاً عن عمر بن ذر عن مجاهد عن أبي هريرة قال: ((اعتمر النبي ◌َّ ثلاث
عمر في ذي القعدة))، وأخرج أبو داود عن أبي إسحاق عن مجاهد سئل
ابن عمر: كم اعتمر رسول الله ◌َ﴾؟ فقال: مرتين، فقالت عائشة - رضي الله
عنها -: لقد علم ابن عمر أن رسول الله وَل﴿ل قد اعتمر ثلاثاً سوى التي قرنها
بحجة الوداع، فهذا ابن عمر - رضي الله عنهما - مع علمه بالأربع لم يَعُدَّ إلا
اثنتين .
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢/ ٢٦٢).
(٢) (فتح الباري)) (٦٠٠/٣).
٥٨٩

٢٠ - كتاب الحج
(١٧) باب
(٧٤٧) حديث
وَعَامَ الْقَضِيَّةِ،
بل في حديث آخر للبخاري قالت عائشة: ((يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما
اعتمر 3 18 عمرة إلا وهو شاهده))، وهذه عائشة بنفسها مع روايتها أربعاً في
روايات عديدة سيأتي عنها في ((الموطأ)): أنه لم يعتمر إلا ثلاثاً، وروى عنها
هشام عن أبيه عنها: أن رسول الله وَل اعتمر عمرتين، عمرة في ذي القعدة،
وعمرة في شوال، فلم تعد فيه عمرة الحج لاقترانها به، وعمرة الحديبية، لأنها
لم تتم، وليت شعري كيف قالت المالكية: إنها عمرة تامة مع ما قال الدردير:
ولا يسقط عن المحصر الفرض من حجة الإسلام أو نذر مضمون أو عمرة
إسلام؟ انتهى.
فقد يلزمهم إذا قالوا بأنها عمرة تامة أن يسقطوا عن المحصر عمرة
إسلام، فتأمل.
(وعام القضية) وتسمى عمرة القضاء، وعمرة القضية، وعمرة القصاص،
قال العيني(١): أما العمرة الثانية، فهي أيضاً في ذي القعدة سنة سبع فيما
علمت، قاله نافع وسليمان التيمي وعروة ومحمد بن إسحاق وغيرهم، لكن ذكر
ابن حبان في ((صحيحه)) أنها كانت في رمضان، قال المحب الطبري: ولم ينقل
ذلك أحد غيره. والمشهور أنها في ذي القعدة، انتهى.
قال صاحب ((الخميس)): وفي ذي القعدة من هذه السنة أي سنة سبع،
وقعت عمرة القضاء، ويقال لها: عمرة القضية، وغزوة الأمن أيضاً، أما
تسميتها عمرة القضاء، فلأنها قضاء عن العمرة التي صد عنها بالحديبية، فإنها
فسدت بالتحلل عنها، وإنما عَدُّوها عمرة لثبوت الأجر فيها لا لأنها كملت كما
هو مذهب الحنفية .
وذكر ابن هشام أنها يقال لها: عمرة القضاء، لأنهم صَدُّوا رسول الله وَل
(١) ((عمدة القاري)) (٤٠٦/٧).
٥٩٠

٢٠ - كتاب الحج
(١٧) باب
(٧٤٧) حديث
عن العمرة من سنة ست، فاقتصَّ منهم رسول الله وَلّ، ودخل مكة في ذي
القعدة في الشهر الحرام الذي صدّوه فيه من سنة سبع، قال موسى بن عقبة:
وذكر أن الله تعالى أنزل في تلك العمرة: ﴿الشَّهُ الَْمُ بِالشَّهْرِ الْحَامِ وَالْحُرُمَثُ
قِصَاصٌُّ﴾(١).
وأما تسميتها عمرة القضية، فلأنه ◌َ لّ قاضى قريشاً فيها، لا لأنها قضاء
عن العمرة التي صُدَّ عنها، لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها كما هو
مذهب الشافعية، وهذا الخلاف مبني على الاختلاف في وجوب القضاء
والهدي على من أحرم معتمراً، وصُدَّ عن البيت فعند أبي حنيفة: يجب
القضاء، وعند الشافعية: يجب عليه الهدي لا القضاء.
وكانت عمرة القضاء بعد غزوة خيبر بستة أشهر وعشرة أيام، فخرج في
ذي القعدة في الشهر الذي صَدَّه فيه المشركون معتمراً عمرة القضاء مكان عمرته
التي صدّوه عنها. وخرج معه المسلمون ممن كان صَدَّ معه في عمرته تلك،
فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنها، كذا في ((الاكتفاء)).
وقال غيره: إن رسول الله وَليل أمر أصحابه حين رأوا هلال ذي القعدة أن
يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية، وأن لا يتخلف
أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف أحد منهم إلا من استشهد منهم بخيبر،
ومن مات، وخرج معه وَّ قومٌ من المسلمين عُمَّاراً غير الذي شهدوا الحديبية،
وكانوا في عمرة القضاء ألفين، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري، انتهى
ما في ((الخميس))(٢).
وفي ((المواهب اللدنية))(٣) بعدما حكى الاختلاف في وجه التسمية: وأنه
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٤.
(٢) (٦٢/٢).
(٣) (٥٤١/٢).
٥٩١

٢٠ - كتاب الحج
(١٧) باب
(٧٤٧) حدیث
مبني على الاختلاف في وجوب القضاء وعن أحمد رواية: أنه لا يلزمه هدي
ولا قضاء، وأخرى: يلزمه القضاء والهدي.
قال الحاكم في ((الإكليل)): تواترت الأخبار أنه مسجل﴾ لما هَلَّ ذو القعدة
يعني سنة سبع أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صدَّهم المشركون
منها بالحديبية، وأن لا يتخلّف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منهم إلا
رجال استشهدوا بخيبر ورجال ماتوا، انتهى.
وهكذا حكاه الحافظ في ((الفتح)) (١)، فقال: قال الحاكم في ((الإكليل)):
تواترت الأخبار أنه ﴿ ﴿ّ لما هلَّ ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء
عمرتهم، وأن لا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من استشهد،
وخرج معه آخرون معتمرين. فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان.
وقال ابن إسحاق: خرج النبي ◌ّ في ذي القعدة مثل الشهر الذي صَدَّ
فيه المشركون معتمراً عمرة القضاء مكان عمرته التي صدُّوه عنها، وقال أيضاً:
خرج معه من كان صُدَّ في تلك العمرة إلا من مات أو استشهد، انتهى.
وسيأتي شيء من ذلك في ((باب الإحصار)).
وفي (سيرة ابن هشام)): ثم خرج في ذي القعدة معتمراً عمرة القضاء
مكان عمرته التي صدُّوه عنها، ويقال لها: عمرة القصاص، لأنهم صدُّوا
رسول الله ◌َ﴾ في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ست، فاقتصّ
رسول الله ◌َّ منهم، فدخل مكة في ذي القعدة في الشهر الحرام الذي صدُّوه
فيه من سنة سبع، وبلغنا عن ابن عباس أنه قال: فأنزل الله في ذلك: ﴿وَالْحُرُمَتُ
قِصَامٌ﴾، انتھی.
وقال ابن القيم(٢): واختلف في تسمية هذه العمرة بعمرة القضاء هل هو
(١) ((فتح الباري)) (٥٠٠/٧).
(٢) ((زاد المعاد)) (٣٣٣/٣).
٥٩٢

٢٠ - كتاب الحج
(١٧) باب
(٧٤٧) حديث
لكونها قضاء العمرة التي صدُّوه عنها أو من المقاضاة؟ على قولين للعلماء،
وهما روايتان عن أحمد، أحدهما: أنها قضاء، وهو مذهب أبي حنيفة.
والثاني: ليست بقضاء، وهو قول مالك، انتهى.
وفي ((الشرح الكبير)) (١) لابن قدامة: في وجوب القضاء على المحصور
روايتان؛ أحدهما: لا قضاء عليه إلا أن يكون واجباً فيفعله بالوجوب السابق،
هذا هو الصحيح من المذهب، وبه قال مالك والشافعي. والثاني: عليه القضاء
روي ذلك عن عكرمة ومجاهد والشعبي، وبه قال أبو حنيفة، لأنه وَلّ لما
تحلل زمن الحديبية قضى من قابل، وسميت عمرة القضية، ولأنه حل من
إحرامه قبل إتمامه، فلزمه القضاء كما لو فاته والحج.
ووجه الرواية الأولى: أنه تطوع جاز التحلل منه، وأما الخبر فإن الذين
صدُّوا كانوا ألفاً وأربعمائة، والذين اعتمروا مع النبي ◌َّل كانوا يسيراً، ولم
ينقل إلينا أن النبي وَ﴿ أمر أحداً بالقضاء، وأما تسميتها عمرة القضية فإنما يعني
بها القضية التي اصطلحوا عليها، ولو أرادوا غير ذلك لقالوا: عمرة القضاء،
انتھی .
وأنت خبير بأن تسميتها عمرة القضاء أشهر من غيرها، وما قال: إنهم
كانوا يسيراً، وكذا قال ابن القيم في ((الهدي))(٢) يأباه ما تقدم من كتب السير.
وقال ابن الهمام(٣): هي قضاء الحديبية عند أبي حنيفة، وذهب مالك إلى
أنها مستأنفة لا قضاء عنها، وتسمية الصحابة وجميع السلف إياها بعمرة القضاء
ظاهر في خلافه، وتسمية بعضهم إياها بعمرة القضية لا ينفيه، فإنه اتفق في
(١) (٥٢٣/٣).
(٢) ((زاد المعاد)) (٢٧٣/٣).
(٣) ((فتح القدير)) (٦١/٣).
٥٩٣

٢٠ - كتاب الحج
(١٧) باب
(٧٤٨) حدیث
وَعَامَ الْجِعِرَّانَةِ .
٥٦/٧٤٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّه لَمْ يَعْتَمِرْ إِلَّ ثَلاثً:
الأولى مقاضاة النبي ◌َّل# أهل مكة، فتصح إضافتها إلى كل منهما، فلا تستلزم
الإضافة إلى القضية نفي القضاء، والإضافة إلى القضاء يفيد ثبوته، فيثبت مفيد
ثبوته بلا معارض، وعدم نقل أنه وَلّ أمر الذين كانوا معه بالقضاء لا يفيد
ذلك، بل المفيد له نقل العدم، لا عدم النقل، انتهى.
١
قلت: وهذا على سبيل التسليم، وإلا فتقدم النقل، وقال ابن القيم:
واختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال؛ أحدها: أن من أحصر عن العمرة يلزمه
القضاء والهدي، وهذا إحدى الروايات عن أحمد، بل أشهرها عنه. والثاني: لا
قضاء عليه، وعليه الهدي، وهو قول الشافعي ومالك في ظاهر مذهبه، ورواية أبي
طالب عن أحمد. والثالث: يلزمه القضاء ولا هدي عليه، وهو قول أبي حنيفة.
والرابع: لا قضاء عليه ولا هدي، وهو إحدى الروايات عن أحمد، انتهى.
قلت: ما حكي عن مالك يأبى عنه كتب فروعه، بل مذهب المالكية أنه
لا يجب عليه قضاء ولا هدي، نعم لو كان معه هدي بأن يكون سائق الهدي
ينحر هديه، كما سيأتي في كلام الباجي في ((باب من أحصر بعدو))، وكذلك ما
حكي عن الحنفية غير صحيح، بل مذهبهم موافق لأشهر روايات أحمد من
وجوب الهدي والقضاء، كما صرح به في ((اللباب)) و((الهداية)) وغيرهما (وعام
الجعرانة) تقدم ضبطها، والكلام عليها في المواقيت.
٥٦/٧٤٨ _ (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) مرسل في ((الموطأ))،
ووصله أبو داود برواية داود بن عبد الرحمن عن هشام عن أبيه عن عائشة،
وسيأتي ما قال الحافظ: رواه سعيد بن منصور بإسناد قوي (أن رسول الله وَال
لم يعتمر إلا ثلاثاً) قال الباجي(١): إنكار لقول عبد الله بن عمر وقول أنس:
(١) ((المنتقى)) (٢٢٥/٢).
٥٩٤

٢٠ - كتاب الحج
(١٧) باب
(٧٤٨) حديث
إِحْدَاهُنَّ فِي شَوَّالٍ،
اعتمر أربعاً، فأما ابن عمر فإنه أضاف إلى الثلاثة المذكورة عمرة في رجب،
وأنكرت ذلك عائشة، وقالت: لم يعتمر في رجب قط، وأما أنس فإنه أضاف
إلى الثلاثة المذكورة عمرة زعم أنه قرنها بحجته، انتهى.
وقريب منه ما حكى الأبي في ((الإكمال)) (١) والسنوسي في ((المكمل)) عن
القاضي عياض، وقال في آخره: فجاء من هذا أن عُمَرَه ◌َلّ ليست إلا ثلاثاً،
وعلى أنها ثلاث اعتمد مالك في ((الموطأ))، انتهى.
فحديث عائشة عند المالكية على ظاهره خلافاً لمحققيهم القائلين
بقرانه ولد، كما تقدم في محله، لكن الحديث مخالف لما في ((الصحيحين))
عنها: أنه اعتمر أربعاً، وفيهما عن أنس - رضي الله عنه -: اعتمر أربعاً،
ويمكن أن يجمع بأنها لم تَعُدَّ في حديث الباب عمرةَ القران، لأنها لم تكن
مستقلة، ويؤيد ذلك ما في أبي داود من حديثها رداً على ابن عمر: ((لقد علم
ابن عمر أنه وَّ قد اعتمر ثلاثاً سوى التي قرنها بحجة الوداع)) فعدّت عائشة
- رضي الله عنها - ههنا غير عمرة القران، ويحتمل عند الحنفية أنها لم تعد في
حديث الباب عمرة الحديبية، لأنها لم تتم.
(إحداهن في شوال) قال الحافظ (٢): روى سعيد بن منصور عن الدراوردي
عن هشام عن أبيه عن عائشة: أن النبي ◌َ* اعتمر ثلاث عمر: عمرتين في ذي
القعدة وعمرة في شوال، وإسناده قوي، وقد رواه مالك عن هشام عن أبيه مرسلاً،
لكن قولها في شوال مغايرٌ لقول غيرها في ذي القعدة، ويُجْمع بينهما بأن يكون
ذلك وقع في آخر شوال وأول ذي القعدة، ويؤيده ما رواه ابن ماجه(٣) بإسناد
صحيح عن مجاهد عن عائشة: لم يعتمر ◌َّ إلا في ذي القعدة، انتهى.
(١) (٣٥٨/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٦٠٠/٣).
(٣) ح (٢٩٩٧).
٥٩٥

٢٠ - كتاب الحج
(١٧) باب
(٧٤٨) حديث
ولا ينافيه أن عمرة القران كانت في ذي الحجة؛ لأن مبدأ إحرامها كان
في ذي القعدة وفعلها كان في ذي الحجة، فصح طريقا الإثبات والنفي، كما
جمع بذلك بينهما ابن الهمام وابن القيم والقسطلاني وغيرهم، وقال ابن القيم(١)
بعدما ذكر حديث الباب: هذا الحديث مرسل، وهو غلط أيضاً، إما من هشام،
وإما من عروة، وقد رواه أبو داود مرفوعاً عن عائشة، وهو غلط أيضاً لا يصح
رفعه، قال ابن عبد البر: ليس روايته مسنداً مما يذكر عن مالك في صحة
النقل .
قال ابن القيم: ويدل على بطلانه عن عائشة: أن عائشة وابن عباس
وأنساً - رضي الله عنهم - قالوا: إن رسول الله وَّ لم يعتمر إلا في ذي القعدة،
وهذا هو الصواب، انتهى.
وقال في موضع آخر: روى أبو داود عن عائشة: أنه وَ ﴿ اعتمر في
شوال، هذا إن كان محفوظاً، فلعله في عمرة الجعرانة حين خرج في شوال،
ولكن إنما أحرم بها في ذي القعدة، انتهى.
وبذلك جزم ابن الهمام في ((الفتح)) و((القسطلاني)) في ((شرح البخاري))
إذ قالا: لا خلاف أن عمره ◌ّي لم تزد على أربع، وقد عينها أنس وعدَّها،
وليس فيها ذكر شيء منها في غير ذي القعدة سوى التي مع حجته، فما أمكن
فيه الجمع وجب ارتكابه دفعاً للمعارضة، وما لم يمكن فيه حكم بمقتضى
الأصح والأثبت، وهذا ممكن الجمع بإرادة عمرة الجعرانة، فإنه عليه السلام
خرج إلى حنين في شوال والإحرام بها في ذي القعدة، فكان مجازاً للقرب،
هذا إن صح وحفظ، وإلا فالمعول عليه الثابت، انتهى.
وقد علم من هذا كله أن الجمهور حملوا عمرة شوال على عمرة الجعرانة
(١) ((زاد المعاد)) (١١٩/٢).
٥٩٦

٢٠ - كتاب الحج
(١٧) باب
(٧٤٨) حديث
وانْتَيْنِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ.
مجازاً، وهذا هو الأوجه، وقد حمل بعضهم هذا على عمرة الحديبية، كما
تقدم في بيانها، وليس بوجيه (واثنتين) كذا في جميع النسخ المصرية والهندية
إلا في نسخة ((المنتقى)) ففيها اثنتان (في ذي القعدة) وهما عمرتا الحديبية
والقضاء، أو عمرتا القضاء والقران، على الاحتمالين المذكورين في قولهما
ثلاثاً .
تنبيه :
لا خلاف بين أهل العلم أنه # لم يعتمر أكثر من أربع، قال
ابن الهمام(١): قد اعتمر النبي وَلّ أربع عمرات كلهن بعد الهجرة، ولم يعتمر
مدة إقامته بمكة بعد النبوة شيئاً، وذلك ثلاث عشرة سنة، وعن هذا ادّعى من
ادّعى أن السنة في العمرة أن تفعل داخلاً إلى مكة لا خارجاً بأن يخرج إلى
الحل فيعتمر، كما يفعل اليوم، وإن لم يكن ذلك ممنوعاً، ثم فصل العمرات
الأربعة المذكورة، وهي عمرة الحديبية ولم تتم، وعمرة القضاء، وعمرة
الجعرانة وهي محل عمرة شوال عند المحققين، كما تقدم قريباً، والرابعة
العمرة التي اعتمر بها مع حجته عند القائلين بأنه عليه السلام كان قارناً أو
متمتعاً، كما تقدم بيانه في إحرامه وَالت .
وأما من قال: بأنه ﴿ ﴿ كان منفرداً، أنكر هذه العمرة، قال ابن بطال:
الصحيح أنه اعتمر ثلاثاً، والرابعة إنما تجوز نسبتها إليه؛ لأنه أمر الناس بها
وعملت بحضرته، لأنه اعتمرها، كذا في ((العيني))(٢). وقال أيضاً: أسقط
بعضهم عمرته هذه فجعلها ثلاث عمر، وهو الذي صححه القاضي عياض،
وهذا مسلك عامة الشافعية والمالكية القائلين بإفراده ◌َّر، خلافاً لمحققيهم،
(١) ((فتح القدير)) (٦١/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٠٦/٧).
٥٩٧

٢٠ - كتاب الحج
(١٧) باب
(٧٤٨) حدیث
كما تقدم في محله، وبقيت في روايات الحديث عمرتان أخريان، إحداهما
عمرة رجب، ذكرها ابن عمر - رضي الله عنهما - في (الصحيحين)) وغيرهما .
قال الحافظ(١): وقد أخرج أحمد عن مجاهد قال: سأل عروة بن الزبير
ابن عمر، في أي شهر اعتمر النبي بَّ؟ قال: في رجب، انتهى. وأنكرت عليه
عائشة، ففي ((البخاري))، قالت: ((يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة قط
إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط))، وفي ((العيني))(٢): قال أبو
عبد الملك: إنه وَهمٌ من ابن عمر لإجماع المسلمين أنه اعتمر ثلاثاً، وكذا قال
ابن القيم في ((الهدي)): إنه وهمٌّ من ابن عمر - رضي الله عنهما -.
قال العيني(٣): فإن قلتَ نفت عائشة وأثبت ابن عمر - رضي الله عنهم -،
والقاعدة تقديم الإثبات على النفي، فهل لا حكم لابن عمر على عائشة؟ قلت:
إثبات ابن عمر كونها في رجب، يعارضه إثبات آخر، وهو كونها في ذي
القعدة، فكلاهما نافٍ لوقت ومثبتٌ لوقت آخر، فعائشة وإن نفت رجب فقد
أثبتت كونها في ذي القعدة، وقد اتفقت عائشة وابن عمر وابن عباس على نفي
الزيادة في عدد عمره وي لر على أربع، وأثبتت عائشة كون الثلاثة في ذي القعدة
خلا التي في حجته، فترجح إثبات عائشة لذلك، فإن إثبات ابن عباس أيضاً
كذلك، وانفرد ابن عمر - رضي الله عنهما - بإثبات رجب، فكان إثبات عائشة
مع ابن عباس أقوى من إثبات ابن عمر وحده، وانضم لذلك كون عائشة
أنكرت ما أثبته من الاعتمار في رجب فسكت، فوجب المصير إلى قول عائشة
- رضي الله عنها -، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (٦٠١/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٠٦/٧).
(٣) (٤٠٨/٧).
٥٩٨

٢٠ - كتاب الحج
(١٧) باب
(٧٤٨) حديث
وقال النووي: سكوت ابن عمر - رضي الله عنهما - على إنكار عائشة
يدل على أنه كان اشتبه عليه أو نسي أو شك، انتهى، وبهذا يجاب عما
استشكل من تقديم قول عائشة النافي على قول ابن عمر المثبت، قاله
القسطلاني (١).
وقال القرطبي: عدم إنكاره على عائشة يدل على أنه كان على وهم، وأنه
رجع لقولها، وقد تعسَّفَ من قال: إن ابن عمر - رضي الله عنهما - أراد بقوله:
((اعتمر في رجب)) عمرة قبل هجرته، لأنه وإن كان محتملاً، لكن قول عائشة:
ما اعتمر في رجب يلزم منه عدم مطابقة ردها عليه لكلامه، ولا سيما وقد بينت
الأربع، وأنها لو كانت قبل الهجرة فما الذي كان يمنعه أن يفصح بمراده فيرتفع
الإشكال.
وأيضاً فإن قول هذا القائل: لأن قريشاً كانوا يعتمرون في رجب يحتاج
إلى نقل، وعلى تقديره، فمن أين له أنه وَّ وافقهم؟ وَهَبْ أنه وافقهم، فكيف
اقتصر على مرة؟ انتهى. كذا في ((الفتح))(٢).
والثانية: عمرة رمضان فقد روي عن عائشة قالت: خرجت مع
رسول الله وَل﴿ في عمرة رمضان فأفطر وصمت، وقصر وأتممت، الحديث
أخرجه الدارقطني من طريق العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه
عنها، وقال: إسناده حسن، كذا في ((الفتح)). وقال في ((التلخيص)): اختلف
قول الدارقطني، فقال في ((السنن)): إسناده حسن، وقال في ((العلل)): المرسل
أشبه بالصواب، وقال أبو بكر النيسابوري من قال فيه: عن أبيه، فقد أخطأ،
انتھی .
وقال ابن القيم: هذا الحديث غلط، فإن رسول الله وَّر لم يعتمر في
(١) ((إرشاد الساري)) (٣٣٩/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٦٠٢/٣).
٥٩٩

٢٠ - كتاب الحج
(١٧) باب
(٧٤٩) حديث
٥٧/٧٤٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ حَرْمَلَةَ
الأَسْلَمِيّ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّب، فَقَالَ: أَعْتَمِرُ قَبْلَ أَنْ
أَحُجَّ؟
رمضان قط، وعمره مضبوطة العدد والزمان، ونحن نقول: يرحم الله أم المؤمنين
ما اعتمر # في رمضان قط، وقد قالت عائشة: لم يعتمر رسول الله وَله إلا
في ذي القعدة، رواه ابن ماجه وغيره، ولا خلاف أن عمره لم تزد على أربع،
فلو كان قد اعتمر في رجب لكانت خمساً، ولو كان قد اعتمر في رمضان
لكانت ستاً، انتهى.
وقال ابن الهمام، وتبعه القسطلاني في ((شرح البخاري)): إن الحفاظ
حكموا بغلط هذا الحديث، وقال الحافظ(١): ويمكن حمله على أن قولها:
((في رمضان)) متعلق بقولها: ((خرجت))، ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان
في رمضان واعتمر النبي ◌َّ في تلك السنة من الجعرانة، لكن في ذي القعدة،
وقد رواه الدارقطني بإسناد آخر عن العلاء بن زهير، فلم يقل في الإسناد ((عن
أبيه))، ولا قال فيه: ((في رمضان))، انتهى.
قلت: وهكذا أخرجه النسائي بدون واسطة أبيه وبدون زيادة لفظ :
رمضان .
قلت: وتقدم في عمرة القضاء أن ابن حبان جعلها في رمضان، خلافاً
للجمهور.
٥٧/٧٤٩ - (مالك، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي) المدني (أن
رجلاً سأل سعيد بن المسيب فقال: أعتمر) بتقدير همزة الاستفهام (قبل أن
أحج؟) ولعل منشأ السؤال ما في أبي داود بسنده إلى سعيد بن المسيب أن
رجلاً من أصحاب النبي و # أتى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فشهد
(١) ((فتح الباري)) (٦٠٣/٣).
٦٠٠