النص المفهرس

صفحات 541-560

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
(١٣) باب قطع التلبية
الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منها جميعاً، انتهى.
وترجم الشيخ ابن تيمية في ((المنتقى)) ((باب النهي عن التحلل بعد السعي
إلا للمتمتع، إذا لم يسق هدياً))، وأخرج فيه حديث عائشة: ((منا من أهل
بعمرة ... ))، الحديث. وحديث جابر: أنه حج مع النبي ◌ُّل يوم ساق البدن
معه، وفيه قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج، فقال: افعلوا ما أمرتكم
لكن لا يحل مِنِّي حرام حتى يبلغ الهدي محله، متفق عليهما. قال
الشوكاني(١): ومثله حديث عائشة عند البخاري بلفظ: ((من أحرم بعمرة فأهدى
فلا يحل حتى ينحر))، انتهى.
(١٣) قطع التلبية
يعني متى يقطع المحرم بالحج التلبية؟ وتخصيص المحرم بالحج لما أن
المصنف - رحمه الله - سيذكر قطع المعتمر التلبية عن قريب، والمسألة خلافية
عند أهل العلم، قال الحافظ (٢) تحت حديث البخاري عن ابن عباس: ((أن
أسامة بن زيد كان رِدْف النبي 18ّ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل بن
عباس، قال: فكلاهما قالا: لم يزل النبي ◌َّه يلبي حتى رمى جمرة العقبة)):
في هذا الحديث أن التلبية تستمر إلى رمي الجمرة يوم النحر وبعدها يشرع
الحاج في التحلل .
وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس: أنه كان يقول: التلبية
شعار الحج، فإن كنت حاجاً فَلَبِّ حتى بدء حلك، وبدءُ حلك أن ترمي جمرة
العقبة، وروى سعيد بن منصور من طريق ابن عباس قال: حججت مع عمر
- رضي الله عنه - إحدى عشرة حجة، وكان يلبي حتى يرمي الجمرة،
(١) ((نيل الأوطار)) ط. (٤٠٥/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٣٣/٣).
٥٤١

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
وباستمرارها قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأتباعهم.
وقالت طائفة: يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم، هو مذهب ابن عمر،
لكن كان يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة، وقالت طائفة: يقطعها إذا
راح إلى الموقف، رواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن
عائشة وسعد بن أبي وقاص وعلي - رضي الله عنهم -، وبه قال مالك، وقيده
بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعي والليث، وأشار الطحاوي إلى أن
كل من روي عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها للاشتغال بغيرها من الذكر،
لا على أنها لا تشرع، وجمع بذلك بين ما اختلف من الآثار.
واختلفوا أيضاً، هل يقطع التلبية مع رمي أول حصاة أو عند تمام الرمي؟
فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني أحمد وبعض أصحاب الشافعي، ويدل
لهم ما روى ابن خزيمة عن الفضل بن عباس قال: ((أفضت مع النبي ◌َّ من
عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة، ثم قطع
التلبية مع آخر حصاة))، قال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح مفسر لما أبهم في
الروايات الأخرى، وأن المراد بقوله: ((حتى رمى جمرة العقبة)) أي أتم رميها،
انتهى مختصراً.
قلت: وهكذا حكى عن الإمام أحمد غير الحافظ، لكن عامة فروعه
مصرحة بقطعها مع أول حصاة بوفق الجمهور، ففي ((المغني))(١) و((الشرح
الكبير)) لابني قدامة: يقطع التلبية عند ابتداء الرمي، وممن قال بذلك ابن مسعود
وابن عباس وميمونة وعطاء وطاووس وسعيد بن جبير والنخعي والثوري
والشافعي وأصحاب الرأي لرواية الفضل بن عباس: أن النبي ◌ّ لم يزل يلبي
حتى رمى جمرة العقبة، وكان رديفه يومئذ وهو أعلم بحاله من غيره، وفعل
النبي ◌َّيل يقدم على ما خالفه.
(١) (المغني مع الشرح الكبير)) (٤٥١/٣).
٥٤٢

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
ويستحب قطع التلبية عند أول حصاة للخبر، وفي بعض ألفاظه: حتى
رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة، رواه حنبل في ((المناسك))، وهذا بيان
يتعين الأخذ به، وفي رواية من روى ((أن النبي ◌ّ﴾ كان يكبر مع كل حصاة))
دليل على أنه لم يكن يلبي، انتهى مختصراً منهما، وهذا النص منهما على أنه
يقطع المحرم التلبية عند أول الرمي، وبذلك جزم في ((نيل المآرب)) ولفظه:
وتسن التلبية من حين الإحرام إلى أول الرمي أي: رمي جمرة العقبة، انتهى.
وقريب منه ما في ((الروض المربع))، فما تقدم عن الإمام أحمد يكون رواية عنه
مرجوحة .
ورجّح الباجي(١) قول الجمهور إذ قال: وقد اختلف قول مالك فيما
يستحب من ذلك، فروى عنه ابن المواز: يقطع التلبية إذا زاغت الشمس،
وروى عنه ابن القاسم: يقطع إذا راح إلى المصلى، وروى عنه أشهب: يقطع
إذا راح إلى الموقف، وروى عنه ابن المواز (٢): يقطع إذا وقف بعرفة، وقال
أبو حنيفة والشافعي: لا يقطع حتى يرمي أول جمرة من جمرات العقبة يوم
النحر، والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك مما تعلق به أصحابنا، أن التلبية
إجابة الداعي بالحج، فإذا انتهى إلى الموضع الذي دعا إليه فقد أكمل التلبية،
فلا معنى لاستدامتها بعد ذلك.
ووجه القول الأول ما روي عن النبي رغم أنه لم يزل يلبي حتى رمى
جمرة العقبة، ومن جهة المعنى: أن التلبية إجابة من دعا إلى الحج، فلو أراد
به الإجابة إلى أول العمل لانقطعت بالإحرام أو بأول الطواف أو بآخر العمل،
وهو أول التحلل برمي جمرة العقبة، ولو أراد به الإجابة إلى أول مواضع الحج
عملاً، فإنه يجب أن يقصر على موضع الإحرام أو مكة، فإن أراد به آخر
(١) ((المنتقى)) (٢١٦/٢).
(٢) كذا في الأصل ولعل لابن المواز روايتان عنه، انتهى (ز)).
٥٤٣

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
مواضع الحج عملاً فهو منى، وأما عرفة فليست أول ذلك ولا آخره، فلا تعلق
لقطع التلبية بها. وأكثر ما رأيت قطع الناس بعرفة، وما تضمَّنه الحديث أظهر
عندي وأقوى في النظر، انتهى.
قلت: وهو نص الروايات الصحيحة المرفوعة، منها ما تقدم من حديث
الفضل وغيره، وسيأتي قريباً من حديث ابن مسعود عند أحمد وابن أبي شيبة
والطحاوي: خرجت مع رسول الله ◌ّله فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة،
إلا أن يخلطها بالتكبير، وبسط الروايات في ذلك صاحب ((البداية والنهاية))(١).
وقال الطحاوي: قد جاءت عن رسول الله وَل# آثار متواترة بتلبيته بعد
عرفة إلى أن رمى جمرة العقبة، ثم بسط الروايات في ذلك عن علي،
وابن عباس، والفضل، وأسامة، وابن مسعود وغيرهم، فارجع إليه .
وقال صاحب ((الهداية)): يقطع التلبية مع أول حصاةٍ لما روينا عن
ابن مسعود، وروى جابر: أن النبي ◌َّ قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها
جمرة العقبة، قال الزيلعي: كأن المصنف ذهل فإنه لم يذكره عن ابن مسعود.
وإنما ذكر عنه التكبير مع كل حصاة إلا أن يكون بمفهومه، فإن قوله: ((يكبر مع
كل حصاة)) يدل على أنه قطع التلبية من أول حصاة، وصرح به البيهقي في
(المعرفة))(٢) فقال بعد أن ذكره: فيه دلالة على أنه قطع التلبية بأول حصاة ثم
يكبر مع كل حصاة.
وفي ((السنن))، أي أبي داود، من حديث ابن مسعود قال: رمقت
النبي ◌َّ فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة، وهو مفهوم حديث
(١) هكذا في الأصل وهو سبق قلم، والظاهر ((صاحب البداية)) أي ((بداية المجتهد)). انظر:
(٣٣٨/١).
(٢) ((معرفة الآثار والسنن)) (١٠٦٦/٧).
٥٤٤

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
(٧٣٥) حديث
٧٣٥ / ٤٣ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ
النَّقَفِيِّ؛ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنَّى إِلَى عَرَفَةَ :
كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هُذَا الْيَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ؟ قَالَ: كَانَ يُهِلُّ
الْمُهِلُّ مِنَّا، فَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبَّرُ الْمُكَبِّرُ، فَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِ.
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٨٦ - باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى
إلى عرفة. وفي: ١٣ - كتاب العيدين، ١٢ - باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ١٦ - باب التلبية والتكبير في الذهاب من
منى إلى عرفات في يوم عرفة، حديث ٢٧٤.
جابر الطويل: حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات يكبر
مع كل حصاة(١)، انتهى.
وأيضاً قوله: لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة بأول حصاة كالنص على
انتهائه به، وأَوَّلَ المالكيةُ رواياتِ التلبية حتى الرمي على محرم خاص، وهو
من أحرم بعرفة كما سيأتي في كلام الباجي.
٤٣/٧٣٥ - (مالك، عن محمد بن أبي بكر) بن عوف بن رباح (الثقفي)
الحجازي، قال الزرقاني: ليس له إلا هذا الحديث الواحد ثقة (أنه سأل أنس بن
مالك، وهما غاديان) جملة اسمية حالية أي: ذاهبان غدوة (من منى إلى عرفة، كيف
كنتم تصنعون) أي من الذكر وغيره في الطريق (في مثل هذا اليوم مع رسول الله وَلام؟)
ولمسلم من طريق موسى بن عقبة عن محمد بن أبي بكر قلت لأنس غداة عرفة: ما
تقول في التلبية في هذا اليوم؟ كذا في ((الفتح))(٢) (فقال) أنس: (كان يهل المهل منا،
فلا ينكر عليه) وفي مسلم وأبي داود عن ابن عمر - رضي الله عنه -: غدونا مع
رسول الله وَّ من منى إلى عرفات، منا المُلِّي ومنا المُكَبِّر.
(ويكبر المكبر: فلا ينكر عليه) قال العيني (٣): قوله: لا ينكر، على صيغة
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٧٨/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٥١٠/٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (١٨٩/٥).
٥٤٥

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
(٧٣٥) حدیث
المعلوم في الموضعين، والضمير المرفوع فيه إلى النبي ◌َّل، انتهى. وضبطه
الحافظ في ((الفتح)) على البناء للمجهول، قال: وفي رواية موسى بن عقبة: لا
يعيب أحدنا على صاحبه، قال الطيبي: هذا رخصة، ولا حرج في التكبير، بل
يجوز كسائر الأذكار، وليس التكبير في عرفة من سنة الحاج، بل السنة لهم
التلبية إلى رمي جمرة العقبة، انتهى.
وقال الشيخ ولي الدين(١): ظاهر كلام الخطابي أن العلماء أجمعوا على
ترك العمل بهذا الحديث، وأن السنة في الغدو من منى إلى عرفات التلبية فقط،
وحكى المنذري أن بعض العلماء أخذ بظاهره، لكنه لا يدل على فضل التكبير
على التلبية، بل على جوازه فقط، لأن غاية ما فيه تقريره وَ لّ على التكبير،
وذلك لا يدل على استحبابه، فقد قام الدليل الصريح على أن التلبية حينئذ
أفضل لمداومته وَّ عليها .
وقال العيني: التكبير المذكور نوع من الذكر أدخله الملبي في خلال
التلبية من غير ترك للتلبية؛ لأن المروي عن الشارع أنه لم يقطع التلبية حتى
رمى جمرة العقبة، وقال الخطابي: السنة المشهورة فيه أن لا يقطع التلبية حتى
يرمي أول حصاة من جمرة العقبة يوم النحر وعليها العمل، وأما قول أنس هذا
فقد يحتمل أن يكون تكبير المكبر منهم شيئاً من الذكر يدخلونه في خلال التلبية
الثابتة في السنة من غير ترك التلبية، انتهى.
قلت: وهذا هو الأوجه، وقول العلامة الزرقاني: فيه بُعد، ليس بوجيه
لما قال الحافظ (٢) تحت ترجمة البخاري ((باب التلبية والتكبير غداة النحر حتى
يرمي)): المعتمد أنه أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كما جرت به
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٥٧/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٣٣/٣).
٥٤٦
--- ---

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
(٧٣٦) حديث
٤٤/٧٣٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ
أَبِهِ؛ أَنَّ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يُلَبِّ فِي الْحَجِّ، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ
الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ.
فَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ الأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ
الْعِلْمِ بِبَلَذِنَا .
عادته، فعند أحمد وابن أبي شيبة والطحاوي من طريق مجاهد عن أبي معمر
عن عبد الله قال: خرجت مع رسول الله وَّ فما ترك التلبية حتى رمى جمرة
العقبة إلا أن يخلطها بالتكبير، انتهى. فهذا نص فيما اختاره العيني والخطابي.
٤٤/٧٣٦ - (مالك، عن جعفر) الصادق (بن محمد، عن أبيه) الباقر
محمد بن علي بن الحسين (أن علي بن أبي طالب) وفيه انقطاع؛ لأن محمداً
الباقر لم يدرك علياً - رضي الله عنه ــ (كان يلبي في الحج) إلى يوم عرفة (حتى
إذا زاغت الشمس) أي زالت (من يوم عرفة قطع التلبية) وبه قال الأوزاعي
والليث وهو المروي عن سعد بن أبي وقاص وابن المسيب وعروة والقاسم،
كذا في ((المحلى))، وتقدم في بيان المذاهب ما قال الحافظ(١): وقالت طائفة:
يقطعها إذا راح إلى الموقف، رواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد
صحيحة عن عائشة وسعد وعلي - رضي الله عنهم - فإن لم يكن لعلي روايتان
في المسألة يقيد أثر الباب بالرواح إلى الموقف بعد الزوال.
(قال يحيى: قال مالك: وذلك) أي فعل علي - رضي الله عنه - (الأمر
الذي لم يزل) أي استمر (عليه أهل العلم ببلدنا) المدينة المنورة، وتقدم في
المذاهب أنها إحدى روايات الإمام مالك رواها ابن المواز عنه.
قال الباجي(٢): قال أبو القاسم بأثر قول مالك في التلبية، إلا أن يكون
(١) (فتح الباري)) (٥٣٣/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢١٦/٢).
٥٤٧

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
(٧٣٧ - ٧٣٨) حديث
٤٥/٧٣٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َ ل﴾؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَتْرُكُ
التَّلْبِيَةَ إِذَا رَجَعَتْ إِلَى الْمَوْقِفِ.
٤٦/٧٣٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ
كَانَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي الْحَجِّ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْحَرَمِ، حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ،
أحرم بالحج من عرفة، فيلبي حتى يرمي جمرة العقبة، فحمل الحديث على مَنْ
هذا حكمه، ولعل تأول قول الراوي: إن النبي ◌ُّ لم يزل يلبي حتى رمى
جمرة العقبة أنه أمر بذلك، انتهى. وأنت خبير بأن التوجيه فيه بُعْدٌ لا يخفى.
٤٥/٧٣٧ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) القاسم بن
محمد بن أبي بكر (عن عائشة) عمة القاسم (زوج النبي ولو أنها كانت تترك
التلبية إذا راحت) أي من المصلى (إلى الموقف) هكذا في جميع النسخ الهندية
والمصرية إلا الزرقاني(١) ففيها: إذا رجعت إلى الموقف، والمعنى واحد،
وتقدم أن ذلك رواية أشهب عن مالك.
وغرض المصنف بذكر هذه الآثار المختلفة الإشارة إلى الاعتذار عن
العمل برواية الفضل، ومكانةُ عليٍّ وعائشة - رضي الله عنهما - عن النبي وَلاو لا
تخفى، وللمخالف أن الفضل كان إذ ذاك رديف النبي ◌َّر بخلافهما.
وقال الطحاوي: إن القاسم لم يخبر في حديثه عن عائشة أنها قالت: إن
التلبية تنقطع قبل الوقوف بعرفة، وإنما أخبر عن فعلها، فقد يجوز أن تفعل
ذلك لا على أن وقت التلبية قد انقطع، ولكن لأنها تأخذ فيما سواها من الذكر
من التكبير والتهليل، ولا يكون ذلك دليلاً على انقطاع التلبية وخروج وقتها،
انتھی .
٤٦/٧٣٨ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان
يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم) ويستديم الترك (حتى يطوف بالبيت
(١) وفي نسخة ((الاستذكار)) (١٥٦/١١) أيضاً رجعت.
٥٤٨

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
(٧٣٩) حدیث
وبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. ثُمَّ يُلَبِّ حَتَّى بَعْدُوَ مِنْ مِنَّى إِلَى عَرَفَة، فَإِذَا
◌َذَا تَرَكَ التَّلْبِيَةَ. وَكَانَ يَتْرُكُ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ، إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ .
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٣٨ - باب الاغتسال عند دخول
مكة .
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٣٨ - باب استحباب المبيت بذي طوى،
حديث ٢٢٧.
٤٧/١٣٩ - وحدّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ؛ أَنَّهُ كَانَ
يَقُولُ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يُلَبِّي ...
(١) يسعى (بين الصفا والمروة، ثم) بعدما أتم الطواف والسعي (يلبي حتى يغدو
من منى إلى عرفة، فإذا غدا) أي شرع في الذهاب من منى (ترك التلبية) أي في
الطريق .
هذا هو مفهوم الأثر عند عامة شُرَّاح ((الموطأ)) من الزرقاني والباجي
والمصفَّى، وعلى هذا فالأثر مخالف لما تقدم في بيان المذاهب من كلام
الحافظ (١)، إذ قال: قالت طائفة: يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم، وهو
مذهب ابن عمر، لكن كان يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة، انتهى.
ويمكن تأويل أثر الباب إلى كلام الحافظ لو صح أنه هو مذهب ابن عمر
أن يقال: إن معنى قوله: ((ثم يلبي حتى يغدو)) أي: حين يغدو من منى إلى
عرفة، فإذا أتم الذهاب ترك، فتأمل (وكان) ابن عمر - رضي الله عنهما - (يترك
التلبية في العمرة إذا دخل الحرم) وسيأتي قطع التلبية في العمرة قريباً)).
٤٧/٧٣٩ - (مالك، عن ابن شهاب أنه كان يقول: كان عبد الله بن عمر)
- رضي الله عنهما - (لا يلبي) قال الحافظ في ((التلخيص))(٢): هكذا أخرجه
(١) ((فتح الباري)) (٥٣٣/٣).
(٢) ((تلخيص الحبير)) (٢٤١/٢).
٥٤٩

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
(٧٣٩) حدیث
وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ.
البيهقي عن مالك عن الزهري، وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - خلاف
ذلك أيضاً أخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن سيرين قال: كان ابن عمر إذا
طاف بالبيت لَبَّى (وهو يطوف بالبيت).
قال الزرقاني(١): لعدم مشروعيتها في الطواف، ولذا كرهها ابنه سالم
ومالك، وقال ابن عيينة: ما رأيت أحداً يقتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن
السائب، وأجازه الشافعي سراً وأحمد، وكان ربيعة يلبي إذا طاف، وقال
إسماعيل القاضي: لا يزال الرجل ملبياً حتى يبلغ الغاية التي يكون إليها
استجابته، وهي الوقوف بعرفة، قاله أبو عمر، انتهى.
وفي ((الشرح الكبير)) (٢) للدردير: وهل يستمر المحرم بحج يلبي لدخول
مكة فيقطع حتى يطوف ويسعى، فيعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة
ويروح إلى مصلاها(٣)، أو للطواف أي ابتدائه، والشروع فيه خلاف (٤)، قال
الدسوقي: الأول مذهب ((الرسالة)) وشهَّرَه ابن بشير، والثاني مذهب
(المدونة))(٥)، انتهى. ثم قال الدردير: وعاودها بعد سعي، وإنْ بالمسجد
الحرام، لرواحٍ مُصَلَّى عرفة بعد الزوال، فإن وصل قبل الزوال لَبَّى إليه، قال
الدسوقي: فإنَ زالت قبل الوصول لَبَّى لوصوله فيعتبر الأقصى منهما، انتهى.
وفي ((المدونة)): أن مالكاً - رضي الله عنه - يكره ذلك من غير ضيق عليه، يعني
لو لَبَّى إذ ذاك فهو في سعة.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٧/٢).
(٢) (٣٩/٢).
(٣) أي مسجد عرفة. انظر: ((الشرح الصغير)) (٣٢/٢).
(٤) في العبارة إجمال والتفصيل في ((المدونة)) (٢٩٧/١)، فانظر إليه.
(٥) (١٩٧/١).
٥٥٠
-----

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
(٧٣٩) حديث
٠٠
وقال الباجي(١): أما الحاج فقد اختلف قول مالك فيه، فروى ابن المواز
عنه: أنه إن كان من أهل الميقات، فإنه يقطع التلبية في أول الحرم، وروي عن
مالك: يقطعها إذا دخل مكة، وروى أشهب: لا يقطعها وإن دخل الحرم،
ولكن يقطعها في الطواف.
ثم ذكر وجوه هذه الروايات، ثم قال: وقد اختلفت الرواية عن مالك في
وقت معاودة التلبية، فروى ابن المواز: يعاودها بعد السعي، وروى أشهب عن
مالك: يعاودها بعد الطواف، وجه رواية أشهب: أن الطواف عبادة متعلقة
بالبيت، فلذلك استحب فيها ترك التلبية، وأما السعي فلا تعلق له بالبيت،
ووجه رواية ابن المواز: أن السعي ركن من أركان أفعال الحج، فشرع فيه ترك
التلبية، كالطواف والوقوف بعرفة، انتهى.
وقال ابن قدامة(٢): لا بأس بالتلبية في طواف القدوم، وبه يقول
ابن عباس وعطاء بن السائب وربيعة وابن أبي ليلى وداود والشافعي. وروي
عن سالم بن عبد الله أنه قال: لا يلبي حول البيت، وذكر أبو الخطاب: لا
يلبي، وهو قول للشافعي، لأنه مشتغل بذكر يخصه، فكان أولى، ولنا: أنه
أزمن التلبية فلم يكره له، كما لو لم يكن حول البيت، ويمكن الجمع بين
التلبية والذكر المشروع في الطواف، انتهى.
وفي ((شرح المنهاج)): ولا تستحب في طوافَي القدوم والسعي بعده، لأن
لكل منهما أذكاراً مخصوصة فيه كطوافي الإفاضة والوداع، وفي القديم:
تستحب فيه بلا جهرَ، لإطلاق الأدلة، وألحق به السعي بعده، لا في الآخرين
جزماً، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢١٦/٢).
(٢) («المغني)) (١٠٧/٥).
٥٥١

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
(٧٤٠) حدیث
٤٨/٧٤٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَة، عَنْ
أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَنْزِلُ مِنْ عَرَفَةَ بِنَمِرَةٍ،
وفي ((شرح اللباب)): لا يلبي حال طوافه مطلقاً، لأن اشتغاله حينئذ
بالأدعية المأثورة أفضل، وهذا إذا أريد به طواف القدوم أو طواف الفرض على
فرض تقديمه على الرمي، وإلا فلا تلبية في طواف العمرة ولا في طواف
الفرض بعد الرمي، ولا في سعي العمرة، فإن التلبية تقطع بأول شروعه في
طوافها، وأما ما أطلق بعضهم من أنه لا يلبي حالة السعي، فمتعين حمله على
سعي العمرة أو سعي الحج إذا أخّره، وأما ما صرح في الأصل من أنه يلبي
في السعي، فيحمل على سعي الحج إذا قدمه، انتهى.
٤٨/٧٤٠ - (مالك، عن علقمة بن أبي علقمة) بلال المدني (عن أمه)
مرجانة مولاة عائشة تكنى أم علقمة (عن عائشة) - رضي الله عنها - (أم المؤمنين
أنها كانت تنزل من عرفة) ولفظ محمد في ((موطئه)): تنزل بعرفة (بنمرة) بفتح
النون وكسر الميم على ما ضبطه عامة شراح الحديث، قال ابن حجر في ((شرح
مناسك النووي)): يجوز إسكان الميم مع فتح النون وكسرها، انتهى. موضع
قيل: من عرفات، وقيل: بقربها خارج عنها، قالهما الزرقاني(١).
وظاهر أكثر فروع الأئمة الثلاثة الثاني، وبه جزم الزرقاني في ((شرح
المواهب))، والطيبي في ((شرح المشكاة))(٢)، إذ قال: وليست من عرفة، وكذا
قال النووي في ((شرح مسلم)).
وقال الحافظ في ((الفتح))(٣): موضع بقرب عرفات خارج الحرم بين
طرف الحرم وطرف عرفات، وإليه يشير تبويب شيخنا في ((المصفى)) إذ قال:
(١) (٢٥٧/٢).
(٢) (٢٥١/٥).
(٣) ((فتح الباري)) (٥١١/٣).
٥٥٢

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
(٧٤٠) حديث
((باب يستحب تقصير الخطبة بنمرة، وتعجيل الرواح إلى عرفة)) فهذا ظاهره أن
عرفة غير نمرة، وفي ((الحاشية)) عن ((المحلى)): بفتح النون وكسر الميم،
ويجوز إسكانها، موضع بجنب عرفات، وليس منها، وهو منتهى الحرم، وكأنه
برزخ بين الحل والحرم، انتهى.
وبذلك جزم النووي في ((مناسكه))، إذ قال: ليس من عرفات وادي عرنة،
ولا نمرة، ولا المسجد الذي يصلي فيه الإمام، بل هذه المواضع خارج عن
عرفات على طرفها الغربي، انتهى.
وظاهر فروع الحنفية الأول، بل هو نص الزيلعي على ((الكنز))، إذ قال:
ينزل مع الناس حيث شاء، وقرب الجبل أفضل، وعند الشافعي بطن نمرة
أفضل لنزوله 0 8# فيه، قلنا: نمرة من عرفة، وقد قال عليه السلام: ((عرفات
كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة))، ونزوله وَ﴾ لم يكن عن قصد، انتهى.
وكذا حكاه ابن عابدين(١) عن ((المعراج)) إذ قال: ينزل بعرفات في أي
موضع شاء، وقرب جبل الرحمة أفضل، وقال الأئمة الثلاثة: في نمرة أفضل
النزوله عليه السلام فيه، قلنا: نمرة من عرفة، ونزوله عليه الصلاة والسلام فيه
لم یکن عن قصد، انتهى.
قلت: ويؤيده حديث أبي داود عن ابن عمر بلفظ: ((حتى أتى عرفة فنزل
بنمرة، وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة))، الحديث نص في كونها بعرفة،
ويؤيده أيضاً أثر الباب وكلام الباجي الآتي قريباً. وبه جزم الدردير، إذ قال:
وندب نزوله بنمرة موضع بعرفة، وإليه ميل أكثر أهل اللغة، قال المجد: اسم
موضع بعرفات، أو جبل هناك، وفي ((المجمع)): هو جبل عليه أنصاب الحرم
بعرفات، وفي ((معجم البلدان)): ناحية بعرفة.
(١) ((رد المحتار مع الدر المختار)) (٥٥٤/٢).
٥٥٣

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
(٧٤٠) حدیث
ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إِلَى الأَرَاكِ.
(ثم تحولت) عائشة - رضي الله عنها - من نمرة (إلى الأراك) بالفتح آخره
كاف، قال الزرقاني: موضع بعرفة من ناحية الشام، وقال ياقوت الحموي:
وادي الأراك قرب مكة يتصل بغيقة، وقال الأصمعي: جبل لهذيل، وقيل: هو
موضع من نمرة في موضع من عرفة، وقيل: هو من مواقف عرفة بعضه من
جهة الشام، وبعضه من جهة اليمن، وهو في الأصل شجر معروف، وهو أيضاً
شجر مجتمع یستظل به، انتهى.
وقال الباجي(١): قولها: كانت تنزل من عرفة .. إلخ، يقتضي أن نمرة
من عرفة، والأراك موضع غيره، وذكر جماعة من أصحابنا أن نمرة والأراك
شيء واحد، وإنما نمرة موضع الأراك بعرفة، فإن لم يكن ما قالوه مخالفاً
للحديث، فإن معنى الحديث: أنها كانت تنزل في موضع من نمرة، ثم تحولت
من موضعها ذلك إلى منبت الأراك بنمرة، وهذا على معنى أنه أرفق في النزول
والتصرف، وكل ذلك واسع أن ينزل الإنسان من عرفة حيث شاء، وجرى
العمل بنزول الإمام بنمرة، انتهى.
والظاهر في معنى الأثر أنها كانت تنزل أولاً بنمرة إلى زوال الشمس
اتباعاً لفعله بَله، ثم تخرج من نمرة إلى الأراك، وإليه ميل أكثر الشراح،
وظاهر تبويب شيخنا الدهلوي في ((المصفى)) إذ قال: ((باب نزول نمرة وجواز
ترك نزولها))، يدل على أن المعنى أنها كانت تنزل أولاً بنمرة، ثم تركت النزول
في هذا الموضع للزحمة وغيرها. واختارت النزول في الأراك، وبه جزم
صاحب ((المحلى))، إذ قال: ثم تحولت لأجل المزاحمة إلى الأراك موضع
قريب من نمرة، انتهى. وعرفات كلها موضع الوقوف إلا بطن عرنة كما سيأتي
في محله.
(١) ((المنتقى)) (٢١٧/٢).
٥٥٤
..-

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
(٧٤٠) حديث
قَالَتْ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُهِلُّ مَا كَانَتْ فِي مَنْزِلِهَا، وَمَنْ كَانَ
مَعَهَا، فَإِذَا رَكِبَتْ، فَتَوَجَّهَتْ إِلَى الْمَوْقِفِ، تَرَكَتِ الإِهْلَالَ.
قَالَتْ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَعْتَمِرُ بَعْدَ الْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فِي ذِي
الْحِجَّةِ، ثُمَّ تَرَكَتْ ذُلِكَ فَكَانَتْ تَخْرُجُ قَبْلَ هِلالِ الْمُحَرَّم، حَتَّى تَأْتِيَ
الْجُحْفَةَ فَتُقِيمَ بِهَا حَتَّى تَرَى الْهِلالَ، فَإِذَا رَأَتِ الْهَلَالَ، أَهَلَّتْ
بِعُمْرَةٍ .
(قالت) أم علقمة: (وكانت عائشة) - رضي الله عنها - (تُهِلَّ) أي تلبي (ما
"كانت) بمعنى ما دام (في منزلها) أي: الموضع الذي نزلت فيه (و) يهل كذلك
(من كان معها) اتباعاً لأم المؤمنين (فإذا ركبت فتوجهت إلى الموقف) بعرفة
(تركت الإهلال) أي التلبية.
قال الباجي: تريد أنها كانت تلبي إلى أن تركب متوجهة إلى الموقف،
ويحتمل أن تريد إلى الصلاة، ووصفته بأنه رواح إلى الموقف، لأن المقصود
بذلك الرواح إلى الموقف، والمصلى بقرب الموقف والرواح إليهما واحد
(قالت: وكانت عائشة) - رضي الله عنها - (تعتمر بعد الحج من مكة في ذي
الحجة) كما فعلته في حجة الوداع مع النبي ◌َ﴾ (ثم تركت ذلك) أي
الاعتمار بعد الحج متصلاً (فكانت تخرج قبل هلال المحرم، حتى تأتي
الجحفة) الميقات المعروف لأهل الشام (فتقيم بها حتى ترى الهلال) أي هلال
محرم .
(فإذا رأت الهلال أهلت) أي أحرمت (بعمرة) فتأتي مكة وتفعل أفعال
العمرة ثم تعود إلى المدينة. ولعل ذلك لتحصيل الفصل بين الحج والعمرة
امتثالاً لأمر أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - كما عنه سيأتي قريباً في باب
العمرة أنه قال: ((افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإن ذلك أتم لحج أحدكم وأتم
لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج))، انتهى.
٥٥٥

٢٠ - كتاب الحج
(١٣) باب
(٧٤٠م) حديث
٧٤٠م/ ٤٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ
عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ غَدَا يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْ مِنَّى، فَسَمِعَ التَّكْبِيرَ عَالِياً،
فَبَعَثَ الْحَرَسَ
وقد ذكر الحافظان ابن حجر (١) والعيني(٢) تحت قول البخاري(٣) ((باب
العمرة ليلة الحصبة وغيرها))، واختلف السلف في العمرة أيام الحج، فروى
عبد الرزاق بإسناده عن مجاهد قال: سُئل عمر وعلي وعائشة عن العمرة ليلة
الحصبة، فقال عمر - رضي الله عنه -: هي خير من لا شيء، وقال علي نحوه،
وقالت عائشة: العمرة على قدر النفقة، انتهى.
وأشارت بذلك إلى أن الخروج لقصد العمرة من البلد إلى مكة أفضل من
الخروج من مكة إلى أدنى الحل، انتهى.
قلت: وبوب البخاري(٤) في ((صحيحه)) ((باب أجر العمرة على قدر
النفقة))، وذكر فيه حديث اعتمار عائشة من التنعيم، وقوله وَير: ((لكنها على قدر
نفقتك أو نصبك)). قال الحافظ(٥): وأخرجه الدارقطني والحاكم بلفظ: إن لك
من الأجر على قدر نصبك ونفقتك بواو العطف، انتهى. فالظاهر لهذا الحديث
المرفوع والموقوف أن إهلالها من الجحفة لزيادة الأجر بزيادة النفقة والنصب.
٧٤٠م/ ٤٨ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن عمر بن عبد
العزيز) الإمام العادل (غدا يوم عرفة من منى) إلى عرفات (فسمع التكبير عالياً)
أي: سمع الناس يجهرون بالتكبير (فبعث الحرس) بفتحتين جمع حارس على ما
(١) (فتح الباري)) (٦٠٥/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤١٥/٧).
(٣) ((صحيح البخاري (٢٠٠/٢/١) من كتاب العمرة.
(٤) ((صحيح البخاري)) (٢٠١/٢/١).
(٥) ((المنتقى)) (٢١٩/٢).
٥٥٦

٢٠ - كتاب الحج
(١٤) باب
(٧٤١) حديث
بَصِيحُونَ فِي النَّاسِ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهَا النَّلْبِيَةُ.
(١٤) باب إهلال أهل مكة ومن بها من غيرهم
٤٩/٧٤١ - حَدّثني بَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْفَاسِم، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، مَا
شَأْنُ النَّاسِ يَأْتُونَ شُعْتاً .....
٠
ضبط الزرقاني(١)، وبضم الحاء المهملة وتشديد الراء على ما ضبطه صاحب
((المحلى))، والأوجه الأول، وهم خدم السلطان المرتبون لحفظه (يصيحون) أي
ينادون (في الناس: أيها الناس إنها) أي وظيفة اليوم (التلبية) وما تقدم من
حديث أنس: ((يُكَبِّر المكَبِّرُ فلا يُنكَرُ عليه)) محمولٌ على الجواز.
وقال الباجي(٢): فأنكر عمر بن عبد العزيز ترك التلبية وقطعها جملة في
وقت هي فيه مشروعة، فخاف إطراحها ودروسها حتى ينقطع حكمها، انتهى،
يعني أنكر إفراد التكبير، أما خلطه بالتلبية فلا بأس به كما تقدم.
(١٤) إهلال أهل مكة ومن بها من غيرهم
يعني أحكام المكيين والنازلين بمكة في الإحرام وغيره متى يحرمون،
وكيف يفعلون في الطواف وغيره.
٤٩/٧٤١ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) القاسم بن
محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (أن عمر بن الخطاب) - رضي الله
عنه -، وسيأتي في كلام الحافظ أنه منقطع في ((الموطأ)) ووصله ابن المنذر
(قال: يا أهل مكة) خطاب إلى من بمكة سواء كان مكياً أو آفاقياً (ما شأن
الناس) الآفاقيين (يأتون) أي يدخلون مكة (شعثاً) بالضم فسكون جمع أشعث
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٧/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٦١٠/٣).
٥٥٧

٢٠ - كتاب الحج
(١٤) باب
(٧٤١) حديث
وَأَنْتُمْ مُدَّهِنُونَ؟ أَهِلَّوا، إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلالَ.
وهو مغبَرُّ الرأس، متفرق الشعر، متشتت الحال، يعني يدخلون مكة كذلك لبعد
عهدهم بالدهن وغيره لأجل إحرامهم (وأنتم مدّهنون) بتشديد الدال من الإدهان
أي: مستعملون الدهن في الشعر، وإذا كان بعيد الدار أشعث لأجل القدوم
على بيت الله، فأهلُه أولى بذلك (أهلُوا) أي: أحرموا بالحج، أمر ندب (إذا
رأيتم الهلال) أي هلال ذي الحجة ليبعد عهدكم بالترجل والادّهان. وتأخذوا
من الشعث بحظ وافر، وهو الذي اختاره مالك - رحمه الله - لمن أحرم
بالحج؛ قاله الباجي(١).
وفي ((المحلى)): به قال مالك، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وجماعة: إن
الأفضل للمكي أن يحرم من أول ذي الحجة، ونقله عياض عن كثير من
الصحابة، وقال الشافعي وبعض المالكية وكثير: إن الأفضل للمكي أن يحرم يوم
التروية، انتهى. قلت: وتقدم في حديث عبيد بن جريج أنه قال لابن عمر:
((رأيتك تصنع أربعاً لم أر أحداً من أصحابك يصنعها ... )) الحديث، أن الأفضل
عند أحمد والشافعي الإحرام يوم التروية، وقال مالك والحنفية: التقدم أفضل،
وفي ((موطأ محمد)) بعدما ذكر أثر الباب: قال محمد: تعجيل الإهلال أفضل من
تأخيره إذا ملكت نفسك، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)) (٢): روى مالك وغيره بإسناد منقطع وابن المنذر
بإسناد متصل عن عمر أنه قال لأهل مكة: ما لكم يقدم الناسُ عليكم شُعْئاً
وأنتم تنضحون طيباً مدَّهنين، إذا رأيتم الهلال فأهلُّوا بالحج، وهو قول
ابن الزبير وممن أشار إليهم عبيد بن جريج بقوله: أهَلّ الناس إذا رأوا الهلال،
وقيل: إن ذلك محمول على الاستحباب، وبه قال مالك وأبو ثور، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢١٩/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٠٦/٣).
٥٥٨

٢٠ - كتاب الحج
(١٤) باب
(٧٤٢) حديث
٥٠/٧٤٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْن عُرْوَةَ، أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَقَامَ بِمَكَّةَ تِسْعَ سِنِينَ يُهِلَّ بِالْحَجِّ لِهِلالِ ذِي
الْحِجَّةِ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ مَعَهُ يَفْعَلُ ذُلِكَ.
قلت: وهو مختار عامة الصحابة والتابعين، كما أشار إليه عبيد بن جريج
بقوله: لم أر أحداً يفعله.
٥٠/٧٤٢ - (مالك، عن هشام بن عروة) زادت في النسخ الهندية بعد
ذلك ((عن أبيه)) وليست هذه الزيادة في النسخ المصرية لا المتون ولا الشروح
(أن) أمير المؤمنين (عبد الله بن الزبير) بن العوام القرشي الأسدي أبو بكر وأبو
خبيب بالمعجمة مصغراً، كان أول مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين،
وولي الخلافة تسع سنين، وقتل في ذي الحجة سنة ٤٣ هجرية، كذا في
((التقريب))(١) (أقام بمكة) في زمان خلافته (تسع سنين) فإنه - رضي الله عنه -
بويع له بعد موت يزيد بن معاوية سنة ٦٤هـ واستشهد سنة ٧٣هـ كما في ((تاريخ
الخلفاء)) (يهل) أي يحرم (بالحج لهلال ذي الحجة و) شقيقه (عروة بن الزبير
معه يفعل ذلك) وعامتهم يفعلون كذلك كما تقدم قريباً.
قال الباجي (٢): تعلق مالك - رحمه الله - في هذه المسألة مع ما تقدم
بفعل عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - مدة تسعة أعوام بحضرة الصحابة
والتابعين، وهو الأمير الذي يشهر فعله، ولا يخفى أمره، ولا ينكر عليه أحد،
ولا يثابر مع دينه وفضله وورعه إلا على ما هو الأفضل عنده، ووافقه على
ذلك أخوه عروة مع علمه ودينه، وعلى هذا كان أمر جمهور الصحابة، ولذلك
قال عبيد بن جريج لابن عمر: ((رأيتك تفعل أربعاً لم أر أحداً من أصحابك
يفعلها)»، انتهى.
(١) ((تقريب التهذيب)) (٤١٥/١).
(٢) ((المنتقى)) (٢١٩/٢).
٥٥٩

٢٠ - كتاب الحج
(١٤) باب
(٧٤٢) حدیث
قَالَ يَحْيَى: قَال مَالِكٌ: وَإِنَّمَا يُهِلُّ أَهْلُ مَكَّةَ وغَيْرُهُمْ بِالْحَجِّ
إِذَا كَانُوا بِهَا، وَمَنْ كَانَ مُقِيماً بِمَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ لا
يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ.
(قال يحيى: قال مالك: وإنما يهل) أي يحرم (أهل مكة وغيرهم)، هكذا
في جميع النسخ المصرية والزرقاني والباجي والتنوير بزيادة غيرهم، وليست
الزيادة في النسخ الهندية ولا ((المصفَّى)) والأولى حذفه لما سيأتي من ذكر الغير
(بالحج إذا كانوا بها) أي بمكة، فإذا كانوا بغيرها أحرموا من الميقات الذي
يمرون به إن كان وإلا فمن المحل الذي هم فيه (ومن كان مقيماً بمكة من غير
أهلها) توضيح لقوله المتقدم: ((وغيرهم)) على صحة وجوده، والمعنى أن أهل
مكة إذا كانوا بمكة وغيرهم من الآفاقيين إذا نزلوا بمكة يهلون (من جوف مكة)
متعلق بقوله: يهل.
والمعنى: أن من أهل بالحج من مكة، سواء كان من أهلها أو ممن نزل
بها، إنما يهل من جوف مكة، قال الباجي(١): ومن أين يحرم؟ روى أشهب
عن مالك: يحرم من داخل المسجد، وروى ابن حبيب عنه: يحرم من باب
المسجد .
(لا يخرج من الحرم) إلى الحل للإحرام، قال الباجي: هذا يقتضي أن
إحرامه من جميع الحرم مباح، وإن اختير الإحرام من داخل المسجد أو باب
المسجد، فمن أحرم من الحرم فلا شيء عليه، انتهى.
قلت: واختلفت نقلة المذاهب في بيان ميقات المكي، حتى قال ابن رشد
في ((البداية))(٢): لا خلاف عندهم أن المكي لا يهل إلا من جوف مكة إذا كان
حاجاً، انتهى. مع أن الخلاف بينهم شهير، حكاه القسطلاني والحافظان ابن
حجر والعيني مع اختلافهم في حكاية الاختلاف.
(١) ((المنتقى)) (٢٢٠/٢).
(٢) (بداية المجتهد)) (٣٣٨/١).
٥٦٠
---