النص المفهرس

صفحات 501-520

٢٠ - كتاب الحج
(١٠) باب
(٧٢٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّ النَّلْبِيَةَ دُبُرَ كُلِّ
صَلاةٍ، وَعَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ.
وقال ابن قدامة(١): لا يستحب رفع الصوت بالتلبية في الأمصار ولا في
مساجدها إلا مكة ومسجد الحرام، وهو قول مالك، وقال الشافعي: يلبي في
المساجد كلها، ولنا ما روي عن ابن عباس: أنه سمع رجلاً يلبي بالمدينة،
فقال: إنه لمجنون إنما التلبية إذا برزت، ولأن المساجد إنما بُنِيَتْ للصلاة،
وجاءت الكراهة لرفع الصوت فيها عاماً، فوجب إبقاؤها على عمومها، فأما
مكة فتستحب التلبية فيها، لأنها محل النسك، وكذا المسجد الحرام وسائر
مساجد الحرم، كمسجد منى، وفي عرفات أيضاً، انتهى.
(قال يحيى: قال مالك: سمعت بعض أهل العلم يستحب التلبية دبر كل
صلاة) مفروضة كانت أو نافلة (وعلى كل شرف) أي مكان مرتفع (من الأرض)
قال في ((الواضحة)): وفي بطن كل وادٍ، وعند لقي الناس، وعند انضمام
الرفاق، وعند الانتباه من النوم، وإنما يريد بذلك أن هذه هي الأحوال التي
تقصد بالتلبية؛ لأن التلبية شعار الحج، فشرع الإتيان بها عند التنقل من حال
إلى حال، قاله الباجي (٢).
وفي ((الحاشية)) عن ((المحلى)): روى ابن أبي شيبة عن جهيم كانوا
يستحبون التلبية عند ست: دبر الصلاة، وإذا استقلت بالرجل راحلته، وإذا
صعد شرفاً، أو هبط وادياً، وإذا لقي بعضهم بعضاً، وبالأسحار، انتهى.
قال الدردير (٣): جدّدت ندباً لتغيير حال كقيام وقعود وصعود وهبوط،
وركوب وملاقاة، وخلف صلاة ولو نافلة، انتهى.
(١) ((المغني)) (٢٩٢/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢١١/٢).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٣٩/٢).
٥٠١

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
(١١) باب إفراد الحج
وفي ((المسوى))(١) عن ((المنهاج)): يستحب إكثار التلبية ورفع صوته في
دوام إحرامه خاصة عند تغاير الأحوال، كركوب ونزول وصعود وهبوط
واختلاط رفقة، وفي ((العالمگيرية)) مثل ذلك، انتهى.
وفي ((المغني))(٢): يستحب استدامة التلبية والإكثار منها على كل حالٍ،
وهي أشد استحباباً، إذا علا نشزاً، أو هبط وادياً، وإذا التقَتِ الرِّفَاقُ، وإذا
غطّ رأسه ناسياً، وفي دبر الصلاة المكتوبة، انتهى مختصراً.
وفي ((شرح اللباب)) للقاري: يستحب إكثارها عند تغيير الأحوال
والأزمان، وكلما علا شرفاً، أو هبط وادياً، وبعد الصلوات فرضاً أداءً وقضاءً،
وكذا الوتر، ونفلاً، أي: ما ليس بفرض فيشمل السنة والتطوع، وهذا الإطلاق
هو الصحيح المعتمد المطابق لظاهر الرواية، وأما ما خصه الطحاوي
بالمكتوبات دون النوافل والفوائت فهو رواية شاذة، كما قاله الإسبيجابي،
اللَّهم إلا أن يقال: أراد زيادة الاستحباب بعد الفرائض الوقتية، انتهى
مختصراً.
(١١) إفراد الحج
قال الحافظ(٣): هو الإهلال بالحج وحده في أشهره عند الجميع، وفي
غير أشهره أيضاً عند مجيزيه، ولا ينافيه الاعتماد بعد الفراغ من أعمال الحج
في هذه السنة أو قبل دخول أشهره، قلت: ومعنى قوله: عند مجيزيه: أن
الإحرام بالحج قبل أشهره مختلف فيه.
(١) (٣٢٦/١).
(٢) (١٠٥/٥).
(٣) ((فتح الباري)) (٤٢٣/٣).
٥٠٢

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
قال ابن قدامة(١): الإحرام بالحج قبل أشهره مكروه، فإن أحرم به صَحَّ،
وإذا بقي على إحرامه إلى وقت الحج جاز، نص عليه أحمد، وهو قول مالك
والثوري وأبي حنيفة وإسحاق، وقال عطاء وطاووس والشافعي: يجعله عمرة،
لقوله تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾(٢)، ولنا قوله تعالى: ﴿يَسْلُوَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ
قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجْ﴾(٣) الآية، فدل على أن جميع الأشهر ميقات،
انتهى مختصراً، وسيأتي بيان أشهر الحج في باب التمتع.
قال ابن قدامة: الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة: تمتّع، وإفراد،
وقران، وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء،
واختلفوا في أفضلها، فاختار إمامنا التمتع، ثم الإفراد، ثم القران، وروى
المروزي عن أحمد: إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسق فالتمتع
أفضل، انتھی.
قال ابن القيم في ((الهدي)): فمن أصحابه من جعل هذه رواية ثانية،
ومنهم من جعل المسألة رواية واحدة، وأنه إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن
لم يسق فالتمتع أفضل، وهذه طريقة شيخنا وهي التي تليق بأصول أحمد،
انتھی .
قلت: واختلفت نقلة المذاهب في بيان الأفضل عند الأئمة الأربعة،
وذلك لاختلاف رواياتهم، فقد عرفت أن للإمام أحمد في ذلك روايتين، لكن
المرجح في فروعه الأول، وكذلك اختلفت الروايات عن الإمام الشافعي،
وحكى النووي ثلاثة أقوال له، ثم قال: والصحيح تفضيل الإفراد ثم التمتع ثم
(١) ((المغني)) (٧٤/٥).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٩٧.
(٣) سورة البقرة: الآية ١٨٩.
٥٠٣

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
القران، وهكذا في عامة فروعه، لكن أفضلية الإفراد عندهم مشروطة بأن يعتمر
في هذه السنة، وإلا فهما أفضل منه، كما صرح بذلك شارح ((الإقناع)) وشارح
((المنهاج)) وغيرهما .
وقال النووي في ((مناسكه)): القران أفضل من إفراد الحج بغير أن يعتمر
بعده، انتهى.
ومختار فروع المالكية أفضلية الإفراد ثم القران ثم التمتع، واشتراط
العمرة في أفضلية الإفراد قول ضعيف، والمعتمد أن الإفراد أفضل ولو لم
يعتمر بعده، صرح به الدسوقي، ومختار الحنفية أفضلية القران، ثم التمتع، ثم
الإفراد، هكذا في هامش (الكوكب الدري))(١)، وممن قال بأفضلية القران
أشهب من المالكية، كما جزم به الدسوقي.
ثم المشهور على ألسنة المشايخ، بل في تصانيف كثير من محققي الفقهاء
وشراح الحديث أن هذا الاختلاف مبنيٌّ على اختلافهم في إحرامه ◌َّةِ، وقيل:
بعكس ذلك بأن ترجيحهم في إحرامه ◌َّ مبني على ما تحقق عندهم من
أفضليته، لكن الصواب أنه ليس بمطرد عند الكل.
قال النووي(٢): أما حجة النبي ◌َّ فاختلفوا فيها، هل كان مفرداً أو
متمتعاً أو قارناً؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة، وكلُّ
رجحت نوعاً، وادّعت أن حجة النبي و ﴿ كانت كذلك، والصحيح أنه وَلّ كان
أولاً مفرداً، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، وأدخلها على الحج فصار قارناً،
انتهى. فهذا النووي صحَّح في بيان المذاهب أفضلية الإفراد، وصحح ههنا
كونه ێ﴾ قارناً، انتهى.
(١) (٩٣/٣).
(٢) ((شرح مسلم)) (١٣٥/٨/٤).
٥٠٤

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
واختار الخطابي في ((المعالم)) عكسه، فقال بعد ذكر الروايات المختلفة:
فثبت أنه كان هناك عمرة، إلا أنه عليه الصلاة والسلام أدخل عليها الحج قبل
أن يقضي شيئاً من العمرة، فصار في حكم القارن، انتهى. وسيأتي قريباً في
بيان الأقوال في إحرامه و18 مختار القاضي عياض والحافظ ابن حجر
وغيرهما، أنه وَ لَّ أفرد أولاً، ثم أدخل العمرة فصار قارناً.
وفي ((الروض المربع)) (١): قال أحمد: لا أشك أنه وَّ كان قارناً والمتعة
أحبُّ إليّ، انتهى. وهكذا حكى عن الإمام أحمد غير واحد من أهل العلم.
وقال القسطلاني في ((المواهب))(٢): قد اختلفت روايات الصحابة في
حجه وَ ل حجة الوداع، هل كان مفرداً أو قارناً أو متمتعاً؟ وروي كل منها في
البخاري ومسلم وغيرهما، قلت: وسيأتي شيء من ذلك في مستدلات الأئمة
في آخر الباب، واختلف الناس في ذلك على ستة أقوال:
أحدها: أنه حج مفرداً لم يعتمر معه، وحكي هذا عن الإمام الشافعي
وغيره، قال القسطلاني في ((المواهب)): والذي ذهب إليه الشافعي في جماعة:
أنه وَلقر حج حجاً مفرداً لم يعتمر معه، انتهى. وحكاه الزرقاني في ((شرح
المواهب)) عن الإمام مالك، ورجحه هو بنفسه، وحكي عن الشافعي وغيره:
أن نسبة القران والتمتع إليه وي ثير على سبيل الاتساع لكونه أمر بهما، انتهى. وبه
جزم الخطابي، قال الحافظ في ((الفتح))(٣): هذا هو المشهور عند الشافعية
والمالكية .
الثاني: حَجَّ متمتعاً، حلّ من إحرام العمرة، ثم أحرم بعده بالحج، كما
قاله القاضي أبو يعلى وغيره.
(١) (١/ ٤٦٩) .
(٢) ((المواهب اللدنية)) (٤٠٦/٤).
(٣) (٤٢٨/٣).
٥٠٥

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
الثالث: أنه حجَّ متمتّعاً لم يحل فيه لأجل سوق الهدي، ولم يكن قارناً،
حكاه ابن القيم (١) عن أبي محمد صاحب ((المغني)) وغيره.
الرابع: أنه حَجَّ قارناً وطاف له طوافين، وسعى سعيين، قال ابن الهمام:
هذا مذهب علمائنا، انتهى.
الخامس: أنه حَجَّ مفرداً واعتمر بعده من التنعيم، وزعم ابن تيمية هذا
غلط، لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة الأربعة ولا أحد من
أهل الحديث، انتهى كذا في ((المواهب))(٢).
وقال ابن القيم(٣): الذين قالوا ذلك لا يعلم لهم عذر، إلا أنهم سمعوا
أنه أفرد الحج، وأن عادة المفردين أن يعتمروا من التنعيم، فتوهموا أنه فعل
كذلك، انتھی.
السادس: أنه حج قارناً وطاف بهما طوافاً واحداً وسعياً واحداً. وبه جزم
الإمام أحمد، كما تقدم النص عنه أنه قال: لا أشك فيه، وبسط ابن القيم في
((الهدي)) في إثبات هذا القول أكثر البسط، وأجاب عمن خالفه.
واختلفوا أيضاً في إحرامه على ستة أقوال، والفرق بين هذا الاختلاف
وبين ما سبق أن الأول اختلاف في صفة ما فعله إلى التحلل، وهذا الاختلاف
في صفة الإحرام وحده، واختلفوا فيه أيضاً على ستة أقوال:
أحدها: أنه لبى بالعمرة وحدها، واستمر عليها حتى فرغ منها، ثم حج
فهو متمتع .
(١) (١١٦/٢).
(٢) (٤١٣/٤).
(٣) ((زاد المعاد)) (١٤١/٢).
٥٠٦

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
٠ ٠ ٠
الثاني: أنه لبى بالحج وحده واستمر عليه، وهذا مقتضى من قال: إنه
حج مفرداً، وتقدم من قال به في القول الأول من الاختلاف الأول.
الثالث: أنه لبى بالحج مفرداً ثم أدخل عليه العمرة، وبه جزم عامة
محققي الشافعية وبعض المالكية، قال ابن نجيم: قال النووي في ((شرح
المهذب)): والصواب الذي نعتقده أنه ◌ّل﴿ أحرم بالحج أولاً مفرداً، ثم أدخل
عليه العمرة فصار قارناً، وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين
عندنا، وعلى الأصح لا يجوز لنا، وجاز للنبي ◌ّل تلك السنة للحاجة، انتهى،
وبهذا جزم القسطلاني في ((المواهب)).
واختاره القاضي عياض إذ قال: أما إحرامه هو فقد تضافرت الروايات
الصحيحة بأنه كان مفرداً، وأما رواية من روى متمتعاً، فمعناه أمر به، وأما
رواية القران فهو إخبار عن آخر أحواله، لأنه أدخل العمرة على الحج، قال
الحافظ: هذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه قديماً ابن المنذر، وبينه
ابن حزم في ((حجة الوداع))، ومَهَّده المحب الطبري تمهيداً بالغاً، انتهى.
قلت: كذا قال الحافظ (١)، لكن حكى النووي عن ابن حزم أنه رجح
القران أي: من أول الأمر، فتأمل. ويشكل على هؤلاء المحققين أن إدخال
العمرة على الحج لا يجوز عندهم، كما سيأتي في آخر الباب.
الرابع: أنه لبى بالعمرة وحدها، ثم أدخل عليها الحج، حكاه الحافظ
عن الطحاوي وابن حبان.
الخامس: أنه أحرم إحراماً مطلقاً لم يعين فيه نسكاً ثم عينه بعد، رجحه
الشافعي في اختلاف الحديث وغيره، كما قاله الحافظ في ((الفتح))، وفي
((مختصر المزني)): ثبت أنه وَّل خرج ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو فيما
بين الصفا والمروة، ثم رجح رواية القضاء على غيرها .
(١) ((فتح الباري)) (٤٢٩/٣).
٥٠٧

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
السادس: أنه لبى بالحج والعمرة معاً، وحققه ابن القيم في ((الهدي)) (١)،
وأجاب عن كل ما خالفه، وقال: والصواب أنه أحرم بالحج والعمرة معاً من
حيث أنشأ الإحرام، ولم يحل حتى حل منهما جميعاً، كما دلت عليه النصوص
المستفيضة التي تواترت تواتراً يعلمه أهل الحديث، انتهى. وإليه مال ابن حزم
الظاهري في كتابه ((حجة الوداع»، وتأول باقي الأحاديث إليه، كما حكاه
النووي .
قال السيوطي في ((التنوير))(٢): قال القاضي عياض: قد أكثر الناس
الكلام على هذه الأحاديث، فمن مجيد منصف، ومن مقصِّر متكلف، ومن
مُطيل مُكثر، ومن مقتصر مختصر، وأوسعهم في ذلك نفساً أبو جعفر الطحاوي
الحنفي، فإنه تكلم في ذلك في زيادة على ألف ورقة، وتكلم معه في ذلك
أبو جعفر الطبري، ثم أبو عبد الله بن أبي صفرة، ثم المهلب، والقاضي أبو
عبد الله بن المرابط، والقاضي أبو الحسن بن القصار، والحافظ بن عبد البر
وغيرهم.
قال عياض: وأولى ما يقال في هذا على ما لخصناه من كلامهم واخترناه
من اختياراتهم، مما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الأحاديث: إن النبي وقَال
أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة ليدل على جواز جميعها، فأضيف الجميع
إليه، وأخبر كلُّ واحدٍ بما أمر به وأباحه، ونسبه إلى النبي ◌َّ إما لأمره به،
وإما لتأويله علیه، انتهى.
وهكذا حكي الجمع بينهما عن الخطابي(٣)، وزاد: قال ويحتمل أن
(١) ((زاد المعاد)) (١١٨/٢).
(٢) (تنوير الحوالك)) (٣١١/١).
(٣) انظر: «معالم السنن)) (٢/٢).
٥٠٨

٢٠ - كتاب الحج
......
(١١) باب
بعضهم سمعه يقول: لبيك بحجة، فحكى أنه أفرد، وخفي عليه قوله:
((وعمرة))، فلم يحك إلا ما سمع، وسمع أنس وغيره الزيادة، وهي لبيك بحجة
وعمرة، ولا ينكر قبول الزيادة، وإنما يحصل التناقض ولو كان الزائد نافياً
لقول صاحبه، وأما إذا كان مثبتاً له وزائداً عليه، فليس فيه تناقض، انتهى.
وقال ابن نجيم في ((البحر)) (١): جمع أئمتنا بين الروايات بأن سبب رواية
الإفراد سماع من رأى تلبيته بالحج وحده، ورواية التمتع سماع من سمعه يلبي
بالعمرة وحدها، ورواية القران سماع من سمعه يلبي بهما، وهذا؛ لأنه لا مانع
من إفراد ذكر النسك في التلبية وعدم ذكر شيء أصلاً، وجمعه أخرى بنية
القران، انتهى. وبهذا جمع ابن الهمام(٢)، وأنت خبير بأن هذا أولى وجوه
الجمع إذ لا يحتاج عليه إلى طرح حديث.
وقال الأبي في ((الإكمال))(٣): اختلفت الرواة في صفة حجه ◌َّل، وطعن
بعض الملحدة بذلك في الوثوق بنقل الصحابة، قال: لأن القضية واحدة،
واختلفوا في نقلها اختلافاً متضاداً، وذلك يؤدي إلى الخلف في خيرهم وعدم
الوثوق بنقلهم، وقد أكثر الناس من الكلام على هذه الأحاديث، وأوسعهم في
ذلك نفساً الطحاوي.
والمتحصل من جواباتهم ثلاثة: الأول: أن الكذب إنما يدخل فيما طريقه
النقل، لا فيما طريقه النظر والاستدلال، وإنما استدلوا بما ظهر من فعله.
الثاني: يصح أن يكون أمر بعض أصحابه بالإفراد، وبعضهم بالقران،
وبعضهم بالتمتع، ليدل على جواز الجميع، فأضاف النقلة ذلك إلى فعله، كما
يقال: ((قطع الأمير اللص)).
(١) ((البحر الرائق)) (٣٨٤/٢).
(٢) ((فتح القدير)) (٤١٢/٢).
(٣) (٣٢٣/٣).
٥٠٩

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
(٧٢٨) حديث
٣٦/٧٢٨ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ
النَّبِيِّ وَلِّ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَه
الثالث: يصح أن يكون قارناً، إلا أنه فرق بين زمن إحرامه بالعمرة، وبين
زمانه بالحج، فسمعت طائفة قوله الأول، وطائفة الثاني، وطائفة القولين،
فروت كل واحدة بما سمعت، انتهى مختصراً.
٣٦/٧٢٨ - (مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن) بن نوفل
بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي المدني، يتيم عروة؛ لأن أباه
كان أوصى إليه، ثقة من رواة الستة، مات سنة بضع وثلاثين ومائة، (وكان
يتيماً في حجر عروة بن الزبير). هكذا في النسخ الهندية وليست هذه الزيادة في
النسخ المصرية (١) (عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي قلير أنها قالت:
خرجنا) واختلف في عددهم، فقيل: في تسعين ألفاً، ويقال: مائة ألف وأربعة
عشر ألفاً، ويقال: أكثر من ذلك، حكاه البيهقي، قال الزرقاني: هذا في عدة
الذين خرجوا معه، وأما الذين حجوا معه فأكثر المقيمين بمكة والذين أتوا من
اليمن مع علي وأبي موسى - رضي الله عنهما -، انتهى.
وقال القاري(٢): بلغ جملة من معه وَ لّ تسعين ألفاً، وقيل: مائة وثلاثين
ألفاً، انتهى. وفي هامش أبي داود عن ((اللمعات)): ورد في بعض الروايات
أنهم لم يعينوا عددهم، وقد بلغوا في غزوة تبوك التي هي آخر غزواته مَ له مائة
ألف، وحجة الوداع كانت بعد ذلك، ولا بد أن يزدادوا فيها، ويروى مائة
وأربعة عشر ألفاً، وفي رواية: مائة وأربعة وعشرون ألفاً، انتهى. (مع
رسول الله وَجَ﴾ زادت عَمْرَةُ: ((لخمس بقين من ذي القعدة))، كما يأتي في ((ما
جاء في النحر في الحج))، وسيأتي الكلام عليه هناك.
(١) ولا توجد هذه العبارة في ((الاستذكار)) (١٢٤/١١).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٩٠/٥).
٥١٠

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
(٧٢٨) حديث
عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ
وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ بِالْحَجِّ.
. . . ..
(عام حجة الوداع) سنة عشر من الهجرة، ولم يحج ◌ّ بعد الهجرة
غيرها، سميت بذلك؛ لأنه وَّ# ودع الناس فيها، وقال لعلي - رضي الله عنه -:
((لا أحج بعد عامي هذا)) فلم يحج، وفيه دليل على أنه لا بأس بالتسمية بذلك،
خلافاً لمن كرهه، كما سيأتي في ((باب السير في الدفعة)).
(فمنا من أهل بعمرة) فقط، فقد كان النبي ◌َ ◌ّ أذن بذي الحليفة من شاء
أن يهل بحج فليهل، ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل (ومنا من أهل بحجة وعمرة)
أي: جمع بينهما فكان قارناً (ومنا من أهل بالحج) زاد في النسخ المصرية:
((وحده) ولا يخالف هذا روايتها من طريق عمرة عن عائشة الآتية في ((ما جاء
في النحر في الحج)) بلفظ: ((خرجنا مع رسول الله (وَلّ لا نرى إلا الحج)) كما
سيأتي في محله توجيه ذلك، وكذا لا يخالف ما يأتي في ((باب دخول الحائض
مكة)) من طريق القاسم عن عائشة بلفظ: خرجنا مع رسول الله وَّ عام حجة
الوداع فأهللنا بعمرة، كما يأتي توجيه ذلك في بابه.
زاد البخاري من رواية هشام وابن شهاب عن عروة عنها: وكنت ممن
أهلّ بعمرة، وهي نص في كونها معتمرة، واختلف أهل العلم في إحرامها
- رضي الله عنها - ابتداء وانتهاء، هل كانت مفردة أو معتمرة؟ وعلى الثاني،
هل فسخت العمرة أو قرنتها مع الحج؟ ويأتي الكلام على ذلك في ((باب دخول
الحائض مكة)).
(وأهل رسول الله ﴾( بالحج) أي: وحده، كما يدل عليه التقسيم، وهذا
من مستدلات عامة الشافعية والمالكية في أنه وَ # كان مفرداً، وحمله
محققوهم، كالنووي والحافظ والقاضي عياض وغيرهم، ممن تقدم ذكرهم في
القول الثالث من الاختلاف في إحرامه ور، على أنه بيان ابتداء الحال، ثم
صار قارناً، وحمله الحنفية والحنابلة القائلون بالقران ابتداء على أنها سمعت
٥١١

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
(٧٢٨) حديث
فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ، أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ
وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يُحِلُّوا، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ.
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٣٤ - باب التمتع والإقران والإفراد
بالحج.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ١٧ - باب بيان وجوه الإحرام، حديث ١١٨.
تلبيته بالحج فقط، وللقارن أن يلبي بأيهما شاء جمعاً بين ذاك وبين ما ورد من
الروايات الصريحة الصحيحة في قرانه وقل، كما يأتي بيانها .
(فأما من أهل بعمرة فحل) لما وصل مكة، وأتى بأعمالها، وهي الطواف
والسعي والحلق أو التقصير، وهذا مجمع عليه في حق من لم يسق معه هدياً،
وأما من أحرم بعمرة وساق معه الهدي، فقال مالك والشافعي: هو كذلك، قال
النووي في ((مناسكه)): المتمتع هو الذي يحرم بالعمرة من ميقات بلده، ويفرغ
منها، ثم ينشئ الحج من مكة، سمي متمتعاً لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بين
الحج والعمرة، فإنه يحل له جميع المحظورات إذا فرغ من العمرة، سواء كان
ساق هدياً أو لم يسق، انتهى.
وكذا قال الأبي في ((الإكمال))(١): إن المعتمر إذا فرغ من عمرته حل، ثم
ينشئ الحج من عامه، وإن كان معه الهدي فكذلك عند مالك والشافعي قياساً
على من ليس معه هدي، انتهى. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يحل من عمرته
حتى ينحر هديه يوم النحر، كما سيأتي في آخر القران.
(وأما من أهل بالحج) مفرداً وأهدى (أو جمع الحج والعمرة) وصار قارناً
(فلم يحلّوا) بفتح الياء وضمها وكسر الحاء، يقال: حلّ المحرم وأحلّ بمعنى
واحد (حتى كان يوم النحر) فحلوا، وهذا محمول على من أهلّ بالحج
(١) (٣٢٤/٣).
٥١٢

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
(٧٢٩) حديث
٣٧/٧٢٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْقَاسِم، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ أَفْرَدَ
الْحَجََّ
أخرجه مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ١٧ - باب بيان وجوه الإحرام،
حديث ١٢٢.
وأهدى، وإلا فمن كان أهل بالحج ولم يهد، أمره رسول الله وَلّر بفسخه إلى
العمرة، كذا في ((البذل))(١).
قلت: وهو نص رواية الأسود عن عائشة عند البخاري، ولفظها: خرجنا
مع النبي ◌َّه ولا نرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت، فأمر النبي وَل
من لم يكن ساق الهدي أن يحلّ، فحلّ من لم يكن ساق الهدي، الحديث.
قال الحافظ (٢): قوله: ((أن يحل)) أي: من الحج بعمل العمرة، وهذا هو
فسخ الحج، انتهى. وسيأتي الكلام عليه في ((النحر في الحج)) وأيضاً يأتي في
(الموطأ)) في ((باب دخول الحائض مكة))، برواية القاسم عن عائشة، بلفظ:
فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله وَالر: ((من كان معه هدي فليهلل بالحج مع
العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما)) الحديث، وهو حجة لمن قال: إن سائق
الهدي لا يجوز له أن يحل حتى يحل منهما جميعاً، وعلى ما أفاده الشيخ لا
يحتاج إلى إسقاط الرواية كما ذهب إليه غير واحد، وحكاه الجصاص في
((أحكام القرآن))، لأن ظاهر الحديث يخالف جميع أحاديث فسخ الحج إلى
العمرة .
٣٧/٧٢٩ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) القاسم بن
محمد بن أبي بكر الصديق (عن) عمته (عائشة أم المؤمنين أن رسول الله وَج.
أفرد الحج) وهذا كالنص في مستدل من قال بأفضلية الإفراد، خلافاً لمن حمله
(١) ((بذل المجهود)) (٣٨٤/٨).
(٢) ((فتح الباري)) (٤٢٤/٣).
٥١٣

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
(٧٣٠) حدیث
٣٨/٧٣٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْن
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ أَفْرَدَ الْحَجَّ.
انظر الحديث رقم ٣٦.
على الابتداء أو على التلبية، كما تقدم من المسالك الثلاثة في الحديث
السابق.
وقال ابن القيم(١): لا ريب أن قول عائشة وابن عمر: ((أفرد الحج))
محتمل لثلاثة معان، أحدها: الإهلال به مفرداً؛ الثاني: إفراد أعماله؛ الثالث:
أنه حج حجة واحدة، لم يحج معها غيرها، بخلاف العمرة، فإنها كانت أربع
مرات .
قلت: والمعنى الثاني يخالفهم ويوافق مسلك الحنفية، وهو أنه أفرد
أعمال الحج، ولم يجمعها مع أفعال العمرة، فهو من مؤيدات، أن القارن
يطوف طوافين ويسعى سعيين ويفرد أعمال الحج.
٣٨/٧٣٠ - (مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل) قال
مالك: وكان أبو الأسود يتيماً في حِجْر عروة بن الزبير كما تقدم قريباً، ليس
هذا القول في النسخ الهندية (عن عروة بن الزبير عن) خالته (عائشة أم المؤمنين
أن رسول الله وَ ﴿ أفرد الحج) أي: واستمر عليه إلى أن تحلل منه بمنى، ولم
يعتمر تلك السنة، وهو مقتضى مختار الإمام مالك، وقد عرفت مسالك
الفقهاء، وأعاد الإمام مالك هذا الحديث مختصراً كأنه لأنه سمعه من أبي
الأسود بالوجهين، وأخرجه النسائي عن قتيبة وابن ماجه عن أبي مصعب عن
مالك به مختصراً .
وغرض الإمام مالك بإيراد هذه الروايات تأييداً لما اختاره من ترجيح
(١) ((زاد المعاد)) (١٢٤/٢).
٥١٤

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
(٧٣٠) حديث
الإفراد، وقد أجاد ابن(١) الهمام في إجمال مستدلات الأئمة في هذا الباب،
فقال: وجه الأول، أي: الإفراد ما في ((الصحيحين)) من حديث عائشة: ((منا
من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج)) الحديث المتقدم. ولمسلم عنها: ((أنه لاَل
أهل بالحج مفرداً))، وللبخاري عن ابن عمر - رضي الله عنه -: ((أنه عليه السلام
أهل بالحج وحده))، وفي ((سنن ابن ماجه)) عن جابر - رضي الله عنه -: ((أنه وَل
أفرد الحج))، وللبخاري عن عروة بن الزبير قال: ((حج رسول اللّه يَّير فأخبرتني
عائشة أنه أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة))، الحديث
الطويل، فهذه كلها تدل على أنه وَلّ أفرد، انتهى.
قال الزرقاني(٢) تبعاً للنووي: ورجح الإفراد بأنه صح عن جابر وابن عمر
وابن عباس وعائشة، وهؤلاء لهم مزية في حجة الوداع على غيرهم، فأما جابر
فهو أحسن الصحابة سياقاً لحديث حجة الوداع، فإنه ذكرها من حين خروج
النبي ◌ُّ من المدينة إلى آخرها، فهو أضبط لها من غيره.
وأما ابن عمر - رضي الله عنهما - فصح عنه أنه كان آخذاً بخطام ناقة
النبي ◌َّ في حجة الوداع، وأنكر على من رَجَّح قول أنس على قوله، وقال:
((كان أنس يدخل على النساء وهن مكشفات الرؤوس، وإني كنت تحت ناقة
النبي ◌َّر يمسّني لعابُها أسمعه يلبي بالحج))، وأما عائشة فقربها من رسول الله وَال
معروف، وكذلك اطلاعها على باطن أمره وظاهره مع كثرة فقهها وعظيم
فطنتها، وأما ابن عباس فمحله من العلم والفقه في الدين والفهم الثاقب
معروف مع كثرة بحثه.
وبأن الخلفاء الراشدين واظبوا على الإفراد بعد النبي وَلّر: أبو بكر وعمر
(١) ((فتح القدير)) (٤٠٩/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٥١/٢).
٥١٥

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
(٧٣٠) حدیث
وعثمان، واختلف عن علي، فلو لم يكن أفضل وعلموا أنه وَلقر حج مفرداً لم
يواظبوا عليه، مع أنهم الأئمة المقتدى بهم، فكيف يظن بهم المواظبة على
خلاف فعله وَّر، وروي عن مالك أنه قال: إذا جاء عن النبي وَّر حديثان
مختلفان وعمل أبو بكر وعمر بأحدهما، وتركا الآخر دلّ ذلك أن الحق فيما
عملا به، وبأنه لم ينقل عن أحد منهم كراهة الإفراد.
وكره عمر وعثمان - رضي الله عنهما - وغيرهما التمتع حتى فعله عليٌّ
لبيان الجواز، وبأن الإفراد لا يجب فيه دم بإجماع، بخلاف التمتع والقران،
ففيهما الدم لجبران النقصان بلا شكٍ، لأن الصيام يقوم مقامه، ولو كان دم
نسك لم يقم مقامه كالأضحية، انتهى.
قلت: كونه دمَ جبر مختلفٌ عند الأئمة، وهو كذلك يعني دم الجبر عند
الشافعية والمالكية، ولذا جَزَم به النووي وتبعه الزرقاني خلافاً للحنفية
والحنابلة، ولذا عدّ ابن قدامة وغيره من فقهاء الحنابلة في وجوه ترجيح التمتع
أن فيه زيادة نسك وهو الدم، وبه جزم أصحاب فروع الحنفية. وقال صاحب
((الروض المربع)) (١): يجب على الآفاقي إن أحرم متمتعاً أو قارناً دم نسكٍ لا
جبران، بخلاف أهل الحرم، ومن هو منه دون مسافة القصر، فلا شيء عليه
لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُمُ﴾ الآية.
ثم قال ابن الهمام(٢): وجه القائلين إنه كان متمتعاً ما في ((الصحيحين))
عن ابن عمر: ((تمتّع رسول الله وَّ ر، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي
الحليفة))، الحديث، وعن عائشة - رضي الله عنها -: ((تمتّع رسول الله وَلخير
وتمتّعنا معه)) بمثل حديث ابن عمر - رضي الله عنه - متفق عليه، وعن عمران بن
(١) (١/ ٤٧٠).
(٢) ((فتح القدير)) (٤١٠/٢).
٥١٦

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
(٧٣٠) حديث
حصين: ((تمتّع رسول الله وَّه وتمتعنا معه))، رواه مسلم، والبخاري بمعناه.
وفي رواية لمسلم والنسائي: ((أن أبا موسى كان يفتي بالمتعة، فقال له
عمر: قد علمت أن النبي ◌َّ قد فعله وأصحابه، لكني كرهت أن يظلُّوا مُعَرِّسين
بهن في الإراك، ثم يروحون في الحج، تقطر رؤوسهم))، فهذا اتفاق منهما على
أنه ◌َّ كان متمتعاً، وعلم من هذا أن الذين رووا عنه الإفراد عائشة وابن عمر
رووا عنه أنه كان متمتعاً، ولا شك أن تترجح رواية التمتع لتعارض الرواية عمن
روى عنه الإفراد وسلامة رواية غيره ممن روى التمتع دون الإفراد.
ولكن التمتع بلغة القران وعرف الصحابة أعمُّ من القِران، كما ذكره غير
واحد، وإذا كان أعمَّ يحتمل أن يراد به الفرد المسمى بالقِران في الاصطلاح
الحادث، وهو مُدَّعانا، وإن يراد به الفرد المخصوص باسم التمتع في ذلك
الاصطلاح، فعلينا أن ننظر أولاً في أنه أعم في عرف الصحابة أولاً، وثانياً في
ترجيح أي الفردين بالدليل، والأول يبين في ضمن الترجيح، وثم دلالات
أخرى على الترجيح مجردة عن بيان عمومه عرفاً، أما الأول فما في
((الصحيحين)) عن سعيد بن المسيب، واللفظ للبخاري(١) قال: اختلف علي
وعثمان بعسفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله
رسول الله ﴿ ﴿، فلما رأى ذلك علي أهَلَّ بهما جميعاً، فهذا يبين أن
رسول الله وَّمَ كان مُهِلاً بهما، وسيأتيك عن علي التصريح به.
ويفيد أيضاً أن الجمع بينهما تمتع، فإن عثمان كان ينهى عن المتعة،
وقصد علي إظهار مخالفته تقريراً لما فعله، وإنه لم ينسخ، فقرن، وإنما تكون
مخالفة إذا كانت المتعة التي نهى عنها عثمان هي القِران، فدل على الأمرين
اللذين عَيَّنَاهما. وتضمّن اتفاق علي وعثمان - رضي الله عنهما - على أن القِران
(١) أخرجه البخاري ح (١٥٦٣) باب التمتع والقران والإفراد بالحج إلخ، ((فتح الباري))
(٣/ ٤٢١).
٥١٧

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
(٧٣٠) حدیث
من مسمى التمتع، وحينئذ يجب حمل قول ابن عمر: ((تمتَّعَ رسول الله
على التمتّع الذي نسمّيه قِراناً .
عَلَّهِ))
وعَليلة
لو لم يكن عنه ما يخالف ذلك اللفظ، فکیف وقد وجد عنه ما یفید ما
قلنا، وهو ما في ((صحيح مسلم)) عن ابن عمر: ((أنه قرن الحج والعمرة وطاف
لهما طوافاً واحداً، ثم قال: هكذا فعل رسول الله (وَل9))، فظهر أن مراده بلفظ
المتعة في ذلك الحديث الفردُ المُسمَّى بالقران، وكذا يلزم مثل هذا في قول
عمران: ((تمتَّعَ رسول الله وَله وتمتَعنَا)). لو لم يوجد عنه غير ذلك، فكيف وقد
وجد عنه ما في ((صحيح مسلم)) عن عمران بن حصين قال لمطرف: أُحَدِّثُك
حديثاً عسى الله أن ينفعك به: ((إن رسول الله وقليل جمع بين الحج والعمرة، ثم
لم ینه عنه حتى مات)).
وكذا يجب مثل ما قلنا في حديث عائشة: تمتع رسول الله صل﴾، لو لم
يوجد عنها ما يخالفه، فكيف وقد وجد عنها ما هو ظاهر فيه، وهو ما في
(سنن أبي داود)) سُئِل ابن عمر - رضي الله عنهما -: كم اعتمر رسول الله وَله؟
فقال: مرتين، فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله وَ ليل اعتمر ثلاثاً
سوى التي قرن بحجته، وكذا ما في ((مسلم)) من أن أبا موسى كان يُفْتي
بالمتعة، وقول عمر - رضي الله عنه -: لقد علمت أنه ◌ّر فعله فهو عليه السلام
فعل النوع المسمى بالقران، يدل عليه ما في البخاري عن عمر قال: سمعت
رسول الله وَله بوادي العقيق، يقول: ((أتاني الليلة آتٍ من ربي عز وجل، فقال:
صَلِّ في هذا الوادي المبارك ركعتين، وقُلْ: عمرةً في حجة)) ولا بدَّ له من
امتثال ما أمر به.
وما في أبي داود والنسائي(١) عن منصور وابن ماجه عن الأعمش كلاهما
(١) أخرجه أبو داود في المناسك (١٧٩٩) باب الإقران، والنسائي (١٤٦/٥ - ١٤٨)، وابن
ماجه (٢٩٧٠).
٥١٨

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
(٧٣٠) حدیث
عن أبي وائل عن الصُّبَيِّ بن مَعْبَدٍ قال: أهللتُ بهما معاً، فقال عمر - رضي الله
عنه -: ((هُدِيْتَ لسنة نبيك وَلّ)) وروي من طرق أخرى، وصححه الدارقطني
قال: وأصحه إسناداً حديث منصور والأعمش عن أبي وائل عن الصُّبَيِّ عن
عمر - رضي الله عنه -.
وأما الثاني ففي ((الصحيحين)) عن بكر المزني عن أنس - رضي الله عنه -
قال: ((سمعت رسول الله صل# يلبي بالحج والعمرة جميعاً، قال بكر: فحدثت
ابن عمر، فقال: لبَّى بالحج وحده، فلقيت أنساً فحدثته بقول ابن عمر، فقال
أنس: ما تعُدُّونا إلاّ صبياناً، سمعت النبي ◌َّ يقول: (لبيك حجاً وعمرة)).
وقول ابن الجوزي: أن أنساً - رضي الله عنه - كان إذ ذاك صبياً لقصد
تقديم رواية ابن عمر - رضي الله عنه - عليه غلط، بل كان سن أنس في حجة
الوداع عشرين سنة وأكثر، فكيف يسوغ عليه بسن الصبا إذ ذاك؟ مع أنه إنما
بين ابن عمر وأنس سنة واحدة أو سنة وبعض، ثم رواية ابن عمر - رضي الله
عنهما - الإفراد معارضة بروايته عنه التمتع، وقد علمت أن مراده بالتمتع
القِرَان، وثبت عن ابن عمر - رضي الله عنهما - فعله ونسبته إلى رسول الله و ◌َلل
كما ذكرناه.
ولم يختلف على أنس أحد من الرواة في أنه و # كان قارناً، قالوا: اتفق
عن أنس ستة عشر راوياً أنه وَّر قرن مع زيادة ملازمته لرسول الله وَالخير، لأنه
كان خادمه لا يفارقه، حتى إن في بعض طرقه «كنت آخذ بزمام ناقة
رسول الله ◌َ﴾، وهي تقصعُ (١) بجرتها ولعابها يسيل على يدي، وهو يقول:
لبيك بحجة وعمر)) ثم بسط طرق حديث أنس، ثم قال: فهؤلاء جماعة
(١) (تقصع بجرتها) الجرة بالكسر وتشديد الراء، اسم من اجترار البعير، وهي اللقمة التي
يتعلل بها البعير، (وقصعها) إخراجها. قيل: تفعل الناقة إذا كانت مطمئنة، وإذا خافت
شيئاً لم تخرجها .
٥١٩

٢٠ - كتاب الحج
(١١) باب
(٧٣٠) حدیث
ممن ذكرنا فلم تبق شبهة من جهة النظر في تقديم القران.
وفي أبي داود والنسائي(١) عن البراء قال: ((كنت مع علي - رضي الله
عنه - حين أَمرَّهَ رسول الله وَّر على اليمن))، الحديث، إلى أن قال فيه: ((فقال
لي: كيف صنعت؟ قلت: أهللتُ بإهلال النبيِ وَلَّ، قال: فإني سقت الهدي
وقرنت))، وروى الإمام أحمد من حديث سراقة بإسناد كله ثقات قال: سمعت
رسول الله ﴾ يقول: ((دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة))، قال: وقرن
رسول الله ◌َ في حجة الوداع، وكذا قال ابن القيم: إسناده ثقات.
وروى النسائي عن مروان بن الحكم: ((كنت جالساً عند عثمان فسمع
علياً يلبي بحج وعمرة، فقال: ألم تكن تنهى عن هذا؟ فقال: بلى، ولكني
سمعت رسول الله وَلّ يلبي بهما جميعاً، فلم أدع فعل رسول الله (صل﴾ لقولك))،
وهذا ما وعدناك من الصريح عن علي.
وروى أحمد من حديث أبي طلحة الأنصاري: ((أن رسول الله وَيقر جمع
بين الحج والعمرة))، ورواه ابن ماجه بسند فيه الحجاج بن أرطاة، وفيه مقال،
ولا ينزل حديثه عن الحسن ما لم يخالف أو ينفرد، قلت: ولفظ ابن ماجه:
((أن رسول الله (وَل﴿ل قرن الحج والعمرة))، وروى أحمد من حديث الهرماس بن
زياد الباهلي (أن رسول الله وَّل قرن في حجة الوداع بين الحج والعمرة))،
وروى البزار بإسناد صحيح إلى ابن أبي أوفى قال: ((إنما جمع رسول الله وَال
بين الحج والعمرة))، لأنه علم أن لا يحج بعد عامه ذلك.
وقال ابن القيم: رواه البزار بإسناد صحيح، وقد قيل: إن زيد بن عطاء
أخطأ في إسناده، وقال آخرون: لا سبيل إلى تخطئته بغير دليل، انتهى.
وروى أحمد من حديث جابر: ((أن رسول الله وَّر قرن الحج والعمرة
(١) أخرجه النسائي ح (٢٧٢٥) باب القرآن (١٤٨/٥، ١٤٩).
٥٢٠