النص المفهرس

صفحات 461-480

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٩) حديث
فقضى عمرته، ثم خرج من ليلته، فأصبح بالجعرانة كبائتٍ، فلما زالت الشمس
من الغد خرج في بطن سرف حتى جامع الطريق طريق جَمْع ببطن سرف، فمن
أجل ذلك خفيت عمرته على الناس))، قال الترمذي: حسن غريب، ولا يعرف
لمحرش عن النبي ◌َ * غير هذا الحديث، وقال ابن عبد البر: حديث صحيح،
انتهى. قاله الزرقاني(١).
ثم إحرامه # هذا من الجعرانة يحتمل وجوهاً: أحدها: أنه عليه
الصلاة والسلام أراد العمرة مقصودة إذ كان يخرج إذ ذاك من تلك النواحي
إلى المدينة، فأراد أن يكون آخر أعماله إذاً العمرة. فعلى هذا في فعله اَل
حجة على أن من كان داخل الميقات، وأراد الحج أو العمرة فلا يحتاج
الخروج إلى المواقيت بل يُهِلُّ من موضعه، ويكون فعله ◌َّ تفسيراً لما ورد
في روايات المواقيت بعد المواقيت المذكورة ((ومن كان دون ذلك فمن حيث
أنشأ)».
قال العيني: الفاء جواب الشرط أي: فمُهَلُّه من حيث قصد الذهاب إلى
مكة، يعني يُهِلُّ من ذلك الموضع، قال ابن رشد(٢): جمهور العلماء على أن
من كان منزله دونهن فميقات إحرامه من منزله.
وقال الحافظ: هذا متفق عليه إلا ما روي عن مجاهد، أنه قال: ميقات
هؤلاء نفس مكة، وثاني الوجوه في إحرامه و ليول أنه أراد دخول مكة، لاختبار
حالهم بعد الفتح، إذ كان هذا أوان الرجوع إلى المدينة، وعلى هذا فكان له وَله
أن يدخل بدون إحرام أيضاً، لكنه أحرم لإحراز فضيلة العمرة، ولم تكن العمرة
مقصودة، ويحتمل وجوهاً أخر.
(١) (٢٤٢/٢).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٢٤/١).
٤٦١

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٩) باب العمل في الإهلال
(٩) التلبية والعمل في الإهلال
هكذا في النسخ الهندية بذكرهما معاً، وليست التلبية في النسخ
المصرية (١) ولا الزرقاني والباجي، بل اكتفى على ذكر المعطوف فقط، فإن
صح ذكرها فذكرها للاهتمام بشأنها، وإلا فعموم العمل يتناول القول والفعل
معاً، والمعنى بيان ما يفعل عند الإحرام، والتلبية مصدر لَبَّى أي قال: لبيك.
قال العيني(٢): هي مصدر من لبَّى يُلَبِّي، وأصله لبَّب على وزن فعلل لا
فعل، فقلبت الباء الثالثة ياءً استثقالاً لثلاث باءات، ثم قلبت ألفاً لتحركها
وانفتاح ما قبلها، وما قال صاحب ((التلويح)): قولهم: لَبَّى مشتق من لفظ
لبيك، كما قالوا: حمدل وحوقل ليس بصحيح، ثم بسط في التعقيب عليه.
قال ابن رشد(٣): اتفقوا على أن الإحرام لا يكون إلا بنية، واختلفوا هل
تجزئ النية فيه من غير التلبية، فقال مالك والشافعي: تجزئ النية من غير
التلبية. وقال أبو حنيفة: التلبية في الحج كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة، إلا أنه
يجزئ عنده كل لفظ يقوم مقام التلبية، كما في افتتاح الصلاة عنده، انتهى.
وقال ابن قدامة(٤): يستحب للإنسان النطق بما أحرم به ليزول الالتباس،
فإن لم ينطق بشيء واقتصر على مجرد النية كفاه في قول إمامنا ومالك
والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بمجرد النية حتى تنضاف إليها التلبية أو
سوق الهدي، لما روى خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه مرفوعاً: ((جاءني
جبرئيل فقال: يا محمد مُر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية)). قال
(١) ولا في نسخة ((الاستذكار)) (٨٨/١١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٧٢/٧).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٣٣/١).
(٤) انظر: ((المغني)) (٩١/٥).
٤٦٢

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
الترمذي(١): هو حديث حسن صحيح.
ولأنها عبادة ذات تحريم وتحليل، فكان لها نطق واجب كالصلاة، ولأن
الهدي والأضحية لا يجبان بمجرد النية كذلك النسك، انتهى. ثم ذكر دلائل
الجمهور، وحديث خلاد الذي ذكره سيأتي عند المصنف في الباب الآتي.
وقال الحافظ (٢): في التلبية أربعة مذاهب يمكن توصيلها إلى عشرة.
الأول: أنها سنة لا يجب بتركها شيء. وهو قول الشافعي وأحمد.
ثانيها: واجبة، ويجب بتركها دم، حكاه الماوردي عن بعض الشافعية،
وقال: إنه وجد للشافعي نصاً يدل عليه، والخطابي عن مالك وأبي حنيفة.
قلت: هو مختار الباجي في ((شرح الموطأ)) وكذا أصحاب الفروع، قال
الدسوقي: والحاصل أن التلبية في ذاتها واجبة، وعدم الفصل بينها وبين
الإحرام بكثير واجب أيضاً، ومقارنتها للإحرام سُنَّة، وتجديدها مستحب،
انتهى. وحكى ابن العربي: أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم، وهذا قدر زائد
على أصل الوجوب .
ثالثها: واجبة، لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج، كالتوجه بالطريق،
وبهذا صدر ابنُ شاش من المالكية كلامه. وحكى صاحب ((الهداية)) من الحنفية
مثله، لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر كما في مذهبهم.
رابعها: أنه ركن في الإحرام، حكاه ابن عبد البر عن الثوري وأبي حنيفة
وابن حبيب من المالكية والزبيري من الشافعية وأهل الظاهر، انتهى مختصراً.
والمسألة خلافية عند المالكية أيضاً، ففي ((الشرح الكبير))(٣) للدردير: وركن
(١) (سنن الترمذي)) (١٩١/٣) رقم الحديث (٨٢٩).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٤١١/٣).
(٣) (٢١/٢).
٤٦٣

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
الحج والعمرة ثلاثة: الأول الإحرام، وهو نية أحد النُّسُكين، مع قول أو فعل
متعلقين به، كالتلبية والتجرد من المخيط، والراجح أنه النية فقط، قال
الدسوقي: قوله: ((الراجح النية)) أي: نية الدخول في حرمات الحج أو العمرة،
وأما التلبية والتجرد فكل منهما واجب على حدته يجبر بالدم، انتهى.
وقال ابن العربي في ((العارضة)) (١): ينعقد الحج بمجرد النية عندنا، وإن
لم ينطق به، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا ينعقد إلا بالنية والتلبية أو سوق
الهدي، وقال أبو عبد الله الزبيري من أصحاب الشافعي: لا ينعقد إلا بالنية
التلبية خاصة، انتهى . .
وفي (البذل))(٢): مذهب الحنفية في ذلك ما في ((شرح اللباب)): أن التلبية
مرة فرض، وهو عند الشروع، وتكرارها سنة، أي: في المجلس الأول، وكذا
سائر المجالس، والإكثار منه مندوب، إلى آخر ما بسطه .
وفي (الهداية)): ولا يصير شارعاً في الإحرام بمجرد النية ما لم يأت
بالتلبية، خلافاً للشافعي - رحمه الله -، لأنه عقد على الأداء فلا بد من ذكر،
كما في تحريمة الصلاة، ويصير شارعاً بذكر يقصد به التعظيم سوى التلبية،
فارسية كانت أو عربية، هذا هو المشهور عن أصحابنا، والفرق بينه وبين
الصلاة على أصلهما أن باب الحج أوسع من باب الصلاة، حتى يقام غير
الذكر مقام الذكر، كتقليد البدن، فكذا غير التلبية وغير العربية.
قال ابن الهمام(٣): قوله: خلافاً للشافعي - رحمه الله - في أحد قوليه،
وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - كقوله قياساً على الصوم بجامع أنها عبادة
(١) ((عارضة الأحوذي)) (٤٢/٤).
(٢) ((بذل المجهود)) (٣١/٩).
(٣) ((فتح القدير)) (٣٤٤/٢).
٤٦٤

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
كف عن المحظورات، فتكفي النية لالتزامها، وقسنا نحن على الصلاة، لأنه
التزام أفعال لا مجرد كف، بل التزام الكف شرط، فكان بالصلاة أشبه، فلا بد
من ذكر يفتتح به أو بما يقوم مقامه مما هو من خصوصياته.
وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -، في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ
فِيهِنَ الْحَجَّ﴾(١)، قال: فرض الحج الإهلال، وقال ابن عمر - رضي الله عنه -:
التلبية، وقول ابن مسعود - رضي الله عنه -: الإحرام، لا ينافي قولهما، كيف
وقد ثبت عنه أنه التلبية كقول ابن عمر - رضي الله عنه -، رواه ابن أبي شيبة،
وعن عائشة: لا إحرام إلا لمن أهلَّ أو لَبَّى، إلا أن مقتضى بعض هذه الأدلة
تعيين التلبية، حتى لا يصير محرماً بتقليد الهدي، وهو القول الأخير للشافعي
- رحمه الله - لكن ثمة آثار أخر تدل على أن به مع النية يصير محرماً،
فالاستدلال بهذه على عدم صحة الاكتفاء بالنية صحيح، انتهى.
وقال ابن رشد(٢): كان مالك لا يرى التلبية من أركان الحج، ويرى على
تاركها دماً، وكان غيره يراها من أركانه، وحجة من رآها واجبة أن أفعاله وَالخير،
إذا أتت بياناً لواجب، أنها محمولة على الوجوب، حتى يدل الدليل على غير
ذلك، لقوله {وَل﴾: ((خذوا عني مناسككم))، انتهى.
وقال القاري في ((شرح النقاية)): فرض الحج الإحرام بإجماع الأمة،
ولأن كل عبادة لها تحليل فلها إحرام كالصلاة، وهو عندنا شرط الأداء، لا
ركن، كما قال الشافعي ومالك، لأنه يدوم إلى الحلق، ولا ينتقل عنه إلى
غيره، ويجامع كل ركن في الجملة، ولو كان ركناً لما كان كذلك، انتهى.
وعُلِمَ مما سبق أن ههنا عدة مسائل، الأولى: أن الإحرام فرض، وهي
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٧.
(٢) (بداية المجتهد)) (١/ ٣٣٧).
٤٦٥

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٧٢٠) حديث
٢٨/٧٢٠ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهُ: ((لَبَّيْكَ
إجماعية، والثانية: هل هو شرط أو ركن؟ خلافية، والثالثة: لا بد له من النية،
وهي إجماعية، والرابعة: هل يفرض له التلبية أو لا؟ خلافية. وههنا خلافيات
أخر، منها اختلافهم في النقص والزيادة من ألفاظ التلبية، سيأتي بيانها قريباً،
وهي الخامسة، وهل يقوم الهدي مقام التلبية أم لا؟ ويأتي بيانها في ((باب ما لا
يوجب الإحرام من تقليد الهدي)) وهي السادسة.
٢٨/٧٢٠ - (مالك، عن نافع عن عبيد الله(١) بن عمر أن تلبية
رسول الله وَل#) ولمسلم من رواية موسى بن عقبة عن نافع، وللبخاري من طريق
الزهري عن سالم عن أبيه بمعنى حديث الباب، قلت: وأخرج مسلم حديث
الباب برواية يحيى بن يحيى التميمى عن مالك بهذا اللفظ (لبيك) لفظ مثنى
عند سيبويه ومن تبعه، وقيل: اسم مفرد، وألفه انقلبت ياء لاتصالها بالضمير
كما في لديك وإليك، ورُدَّ بأنها قلبت ياء مع المظهر، وعن الفراء نصب على
المصدر، وأصله لَبّاً لك، فثني على التأكيد أي: إلباباً بعد إلبابٍ، وهذه التثنية
ليست حقيقية، بل للتكثير أو للمبالغة، ومعناه إجابة بعد إجابة.
قال الدسوقي(٢): أي أجبتك للحج حين أَذَّن إبراهيمُ في الناس، كما
أجبتك أولاً حين خاطبت الأرواح بألست بربكم، كذا قيل، والأحسن أن معناه
امتثالاً لك بعد امتثال في كل ما أمرتني به، انتهى.
وقيل: معنى لبيك اتجاهي وقصدي إليك، من قولهم: داري تلب دارك،
أي تواجهها، وقيل: محبتي لك، من قولهم: (امرأة لبة)) أي مُحِبَّة، وقيل:
إخلاصي لك، من قولهم: ((حبُّ لباب)) أي خالص، ومنه لب الطعام ولبابه،
(١) هكذا في الأصل، والصواب عبد الله.
(٢) ((حاشية الدسوقي)) (٤٢/٢).
٤٦٦

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٧٢٠) حديث
اللَّهُمَّ لَبَيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ،
وقيل: أنا مقيم على طاعتك من لَبَّ الرجل بالمكان أقام، وقيل: قرباً منك من
الإلباب، وهو القرب، وقيل: خاضعاً لك، قال الحافظان ابن حجر والعيني:
الأول أظهر وأشهر؛ لأن المحرم مجيب لدعائه تعالى إياه في حج بيته .
وقال ابن عبد البر (١): قال جماعة: معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم،
حين أذن في الناس بالحج، قال الحافظ: وهذا أخرجه عبد بن حميد وابن جرير
وابن أبي حاتم في تفاسيرهم بأسانيد قوية عن ابن عباس ومجاهد وعطاء
وعكرمة وقتادة وغير واحد.
وحكى القاري (٢) عن غيره: لا خلاف في أن التلبية جواب الدعاء، وإنما
الخلاف في الداعي من هو؟ فقيل: هو الله تعالى، وقيل: هو رسول الله وَلَه،
وقيل: هو الخليل عليه الصلاة والسلام، وهو الأظهر، والصواب أن خطاب
الجواب لله تعالى، فإنه الداعي إما حقيقة وإما حكماً، انتهى.
وفي ((الهداية)): هو إجابة لدعاء الخليل صلوات الله عليه على ما هو
المعروف في القصة، انتهى.
(اللَّهم لبيك) أي: يا الله أجبناك فيما دعوتنا، وفي ((التعليق الممجد))(٣)
عن القاري: كرره للتأكيد أو أحدهما في الدنيا، والآخر في الأخرى. أو كرره
باعتبار الحالين المختلفين من الغنى والفقر والنفع والضرر والخير والشر، أو
إشارة إلى وقوع أحدهما في الأرواح والآخر في عالم الأشباح، انتهى.
(لبيك لا شريك لك لبيك) قال القاري: فالتلبية الأولى المؤكدة بالثانية
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١١ /٩٢).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٣/٥).
(٣) (٢٤١/٢).
٤٦٧

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٧٢٠) حديث
إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ،
لإثبات الألوهية، وهذه بطرفيها لنفي الشركة الندِّية والمثلية في الذات
والصفات .
(إن الحمد والنعمة لك) قال الحافظ (١): روي بكسر الهمزة على
الاستئناف وبفتحها على التعليل، والكسر أجود عند الجمهور، قال ثعلب: لأن
من كسر جعل معناه أن الحمد لك على كل حال، ومن فتح قال: معناه لبيك
لهذا السبب، ونقل الزمخشري: أن الشافعي اختار الفتح، وأن أبا حنيفة اختار
الكسر، وقال الطيبي: الفتح رواية العامة، وهما مشهوران، وقال القاري:
الكسر، هو المختار رواية ودراية.
قلت: ورجح النووي وابن دقيق العيد الكسر، كما في ((الفتح))، وفي
((الهداية)): بكسر الألف لا بفتحها ليكون ابتداء لا بناء، قال ابن الهمام(٢):
يعني في الوجه الأوجه، وأما في الجواز فيجوز، والكسر على استئناف الثناء،
وتكون التلبية للذات، والفتح على أنه تعليل للتلبية، أي لبيك لأن الحمد
والنعمة لك، انتهى.
ومال الباجي إلى أن لا مزية لأحد اللفظين على الآخر، والنعمة بكسر
النون الإحسان والمنة مطلقاً، وبالفتح التنعم، قال تعالى: ﴿وَذَرْنِ وَالْمُكَذِّبِينَ أُوْلِى
النَّعْمَةِ﴾ (٣) الآية، وهي بالنصب على المشهور، وقال عياض: يجوز الرفع على
الابتداء، والخبر محذوف، أي مستقرة لك، وجَوَّزَ ابنُ الأنباري أن الموجود
خبر المبتدأ وخبر إن هو المحذوف، قلت: وعلى هذا لا يرد ما أورد القاري
على الرفع أنه لا يجوز العطف على محل اسم إن إلا بعد مضي الخبر.
(١) ((فتح الباري)) (٤٠٩/٣).
(٢) (فتح القدير)) (٣٤١/٢).
(٣) سورة المزمل: الآية ١١.
٤٦٨

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٧٢٠) حديث
وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ)).
قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ
(والملك) بالنصب أيضاً على المشهور، ويجوز الرفع، وتقديره الملك
كذلك قاله الحافظ، وقال القاري: بالنصب عطف على الحمد، ولذا يستحب
الوقف، عند قوله: ((والملك))، قال ابن المنير: قرن الحمد والنعمة، وأفرد
الملك، لأن الحمد متعلق النعمة، ولذا يقال: الحمد لله على نعمه، فجمع
بينهما، وأما الملك فهو معنى مستقل.
قال القاري (١): وفي تقديم الحمد على النعمة إيماء إلى عموم معنى
الحمد، وإشارة إلى أنه بذاته يستحق الحمد، سواء أنعم أو لم ينعم، ولا مانع
من أن يكون الملك مرفوعاً، وخبره قوله: (لا شريك لك)، وعلل ابن حجر
الوقفة اللطيفة بعد الملك، بأن إيصالها بلا التي بعدها ربما يتوهم أنها نفي لما
قبلها وذلك كفر، وتعقبه القاري بأنه ذهول عما قبلها وما بعدها .
(قال) نافع: (وكان عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - هذا نص على أن
الزيادة من ابن عمر - رضي الله عنه -، وهكذا في رواية يحيى التميمي عند
مسلم، وأوضح منه ما في اللباس من البخاري بعدما ذكر تلبية رسول الله وَليه
المذكورة من زيادة قوله: ((ولا يزيد على هذه الكلمات)) وما يوهم رواية الفصل
الثاني من باب التلبية (للمشكاة)) عن المتفق عليه، واللفظ لمسلم، أن هذه
الزيادة أيضاً مرفوعة وهم أو سهو من الناسخ.
(يزيد فيها) فيقول: (لبيك لبيك لبيك) ثلاث مرات، وهكذا رواية محمد،
وفيه إشارة إلى أن التأكيد اللفظي لا يزاد فيه على ثلاث مرات، واتفق عليه البلغاء،
١﴾(٢) فليس من التأكيد، قاله الزرقاني.
وأما تكرير ﴿فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٣/٥).
(٢) سورة الرحمن: الآية ١٣.
٤٦٩

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٧٢٠) حدیث
وَسَعْدَيْكَ. وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ لَبَيْكَ. وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ.
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٢٦ - باب التلبية.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٣ - باب التلبية وصفتها ووقتها، حديث ١٩.
(وسعديك) قال عياض: إفرادها وتثنيتها كلبيك، ومعناه ساعدت طاعتك
مساعدة بعد مساعدة وإسعاداً بعد إسعادٍ، ولذا أثنى وهو من المصادر المنصوبة
بفعل لا يظهر في الاستعمال، قال القاري: وفي ((النهاية)): لم يسمع سعديك
مفرداً عن لبيك (والخير بيديك) هكذا لفظ مسلم، وفي ((المشكاة)) برواية
مسلم: ((والخير في يديك))، قال الباجي: الألف واللام لاستغراق الجنس،
فكأن الملبي يلبي ربه، ويعتقد أن جميع الخير بيديه.
قال القاري: أي منحصر في قبضتك من صفتي القدرة والإرادة، أو من
نعمتي الجمال والجلال، فيكون إشارة إلى أنه تعالى محمود في كل الفعال، أو
هو من باب الاكتفاء، وإلا فالأمر كله لله، والخير والشر كله بقدره وقضائه، أو
من باب حسن الأدب في الإضافة والنسب، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ
®﴾(١)، ومن ههنا ورد: ((والشر ليس إليك)) أي: لا ينسب إليك
فَهُوَ يَشْفِينِ
أدباً، انتهى.
(لبيك والرغباء إليك) هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية، إلا نسخة
الزرقاني، ففيها الرغبى بالقصر، قال المازري: يروى بفتح الراء والمد وبضم
الراء مع القصر، وقال القاري: يروى بفتح الراء والمد، وهو المشهور، ويضم
الراء مع القصر، ونظيره العلياء والعليى والنعماء والنعمى، وحكى أبو علي فيه
الفتح مع القصر أيضاً، ومعناه الطلب والمسألة والرغبة، قال الباجي(٢): كأنه
قال: إن المرغوب إليه هو الله تعالى (والعمل). قال الطيبي: أي كذلك العمل
منتهِ إليه، إذ هو المقصود منه.
(١) سورة الشعراء: الآية ٨٠.
(٢) ((المنتقى)) (٢٠٧/٢).
٤٧٠
--

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٧٢٠) حديث
وقال القاري: الأظهر أن التقدير والعمل لك، أي: لوجهك ورضاك، أو
العمل بك، أي: بأمرك وتوفيقك، أو المعنى أمر العمل راجع إليك في الرد
والقبول.
فإن قيل: كيف زاد ابن عمر - رضي الله عنه - في التلبية ما ليس منها؟
مع أنه كان شديد التحري لاتباعه ◌َ ◌ّ﴾، وقد تقدم من رواية مسلم عن سالم عنه
أن النبي وَ﴾ لا يزيد على هذه الكلمات المذكورة، أولاً أجاب الأبي بأنه رأى
أن الزيادة على النص ليست نسخاً، وأن الشيء وحده كذلك هو مع غيره، أو
فهم عدم القصر على هذه الكلمات، وأن الثواب يتضاعف بكثرة العمل،
واقتصار النبي وّل بيان لأقل ما يكفي.
وأجاب الولي العراقي: بأنه ليس فيه خلط السنة بغيرها، بل لما أتى بما
سمعه ضم إليه آخر، وباب الأذكار لا تحجير فيه، إذا لم يؤد إلى تحريف ما
قاله النبي ◌َّ، فإن الذكر خير موضوع، والاستكثار منه حسن، على أن أكثر
هذا الذي زاده، كان # يقول في دعاء استفتاح الصلاة وهو: (لبيك وسعديك
والخير في يديك والشر ليس إليك))، وفي مسلم عن ابن عمر - رضي الله عنه -،
كان عمر - رضي الله عنه - يُهِلُّ بإهلال رسول الله وَل# من هؤلاء الكلمات،
ويقول: ((لبيك اللهم لبيك وسعديك)) إلى آخر ما زاده ههنا .
قال الحافظ: فعرف أنه اقتدى بأبيه، وأخرج ابن أبي شيبة عن المسور بن
مخرمة، قال: كانت تلبية عمر - رضي الله عنه -، فذكر مثل المرفوع، وزاد:
((لبيك مرغوباً ومرهوباً إليك ذا النعماء والفضل الحسن))، قاله الزرقاني (١).
ثم قال العيني (٢): قال أبو عمر: أجمع العلماء على القول بهذه التلبية
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٣/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٧٤/٧).
٤٧١

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٧٢٠) حديث
المروية عن رسول الله وَّل، واختلفوا في الزيادة، فقال مالك: أكره الزيادة فيها
على تلبية رسول الله وَّةٍ، وروي عنه: أنه لا بأس أن يزاد فيها ما كان ابن عمر
- رضي الله عنه - يزيده، وقال الثوري والأوزاعي ومحمد بن الحسن: له أن
يزيد فيها ما شاء وأحَبَّ.
وقال أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور: لا بأس بالزيادة، وقال الترمذي: قال
الشافعي: إن زاد شيئاً في التلبية من تعظيم الله تعالى، فلا بأس إن شاء الله،
وأحب إليّ أن يقتصر، وقال أبو يوسف والشافعي في قول: لا ينبغي أن يزاد
فيها على تلبية النبي ◌ّلل المذكورة، وإليه ذهب الطحاوي واختاره، انتهى.
وقال محمد (١) بعد حديث الباب: وبهذا نأخذ التلبية، هي التلبية الأولى
التي رُويت عن النبيِ مَّ، وما زدتَ فحسنٌ، وهو قول أبي حنيفة والعامة من
فقهائنا، انتهى.
قلت: وبسط الطحاوي الكلام كدأبه على دلائل الفريقين القائلين بالإباحة
والكراهة، وعزا الأول إلى محمد، واختار هو من عند نفسه الثاني، لحديث
سعد بن أبي وقاص أنه سمع رجلاً يقول: ((لبيك ذا المعارج))، فقال: إنه لذو
المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله ﴾﴾، انتهى.
قال الدردير (٢): ندب الاقتصار على تلبية رسول الله وَ ل، وكره مالك
الزيادة عليها، انتهى. وكذا حكى الكراهة عنه الزرقاني، قال القاري(٣): أغرب
الطحاوي حيث ذكر كراهة الزيادة على التلبية المشهورة عن سعد، ثم قال:
وبهذا نأخذ، قال في ((البحر)): هذا اختيار الطحاوي، ولعل مراده من الكراهة
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٤٣/٢).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤٢/٢).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٨/٥).
٤٧٢

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٧٢٠) حديث
٠٠.
أن يزيد الرجل من عند نفسه على التلبية المأثورة بقرينة ذكره قبل هذا القول.
ولا بأس للرجل أن يزيد فيها من ذكر الله تعالى ما أحب، وهو قول
محمد، أو أراد الزيادة في خلال التلبية المسنونة، فإن أصحابنا قالوا: إن زاد
عليها فهو مستحب. قال صاحب ((السراج الوهاج)): هذا بعد الإتيان بها، أما
في خلالها فلا، انتهى.
واستدل من قال: بجواز الزيادة بفعل عمر - رضي الله عنه - وابنه،
وللنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة كان من تلبية النبي وَلّم:
(لبيك إلّه الحق))، وللحاكم عن ابن عباس: أنه لنَّ وقف بعرفات، فلما قال:
((لبيك اللَّهم لبيك)) قال: ((إنما الخير خير الآخرة))، وللدارقطني في (العلل)) عن
أنس: أنه وُّ قال: (لبيك حجاً حقاً، تعبداً ورِقّاً))، ولمسلم في الحديث
الطويل عن جابر: ((وأهلَّ الناس بهذا الذي يُهِلُّون به، فلم يردّ عليهم شيئاً منه،
ولزم تلبيته)).
وفي أبي داود عن جابر: والناس يزيدون (ذا المعارج)) ونحوه من
الكلام، والنبي بَّر يسمع، فلا يقول لهم شيئاً، ولابن ماجه عن علي نحوه،
وللبيهقي: ((ذا المعارج)) و((ذا الفواضل)). وأخرج ابن أبي شيبة من طريق
المسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر - رضي الله عنه -، فذكر مثل المرفوع،
وزاد: ((لبيك مرغوباً ومرهوباً إليك ذا النعماء والفضل الحسن))، وروى سعيد بن
منصور من طريق الأسود بن يزيد أنه كان يقول: ((لبيك غفار الذنوب)).
قال الحافظ (١) بعدما ذكر حديث جابر المذكور من طريق مسلم
وأبي داود: وهذا يدل على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل
لمداومته وَ ◌ّ عليها، وأنه لا بأس بالزيادة، لكونه لم يردّها عليهم، وأقرهم
عليها، وهو قول الجمهور، وبه صرح أشهب، انتهى.
(١) (فتح الباري)) (٤١٠/٣).
٤٧٣

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٧٢١) حديث
٢٩/٧٢١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ ذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ،
٢٩/٧٢١ - (مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه) مرسلاً، وصله الشيخان
وغيرهما من حديث أنس وابن عمر - رضي الله عنه - (أن رسول الله وَلل كان
يصلي في مسجد ذي الحليفة ركعتين) قال الباجي(١): هذا اللفظ إذا أطلق في
الشرع اقتضى ظاهره في عرف الاستعمال النافلة، وهو المفهوم من قولهم:
((صلى فلان ركعتين))، وإن كان روي أن صلاة النبي 8ّول بذي الحليفة كانت
صلاة الفجر، وقد اختار مالك أن يكون إحرامه بإثر نافلة، لأنه زيادة خير،
انتھی .
قال النووي: في الحديث استحباب صلاة الركعتين عند الإحرام،
ويصليهما قبل الإحرام، ويكونان نافلة، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا
ما حكاه القاضي وغيره عن الحسن البصري أنه استحب كونه بعد صلاة فرض،
لأنه روي أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح، والصواب ما قاله الجمهور،
وهو ظاهر الحديث، انتهى.
وفي ((المحلى)): قلت: فيه ندب كون الإحرام بعد الصلاة، ويكون نافلة
عند أبي حنيفة والشافعي والجمهور، ولو صلى المكتوبة أجزأته كما يجزئه عن
تحية المسجد، كذا ذكره فقهاء الفريقين، وعند مالك: يحرم الحاج والمعتمر
بإثر فريضة أو نافلة كما في ((الرسالة))، وبه قال أحمد غير أن ظاهر مذهبه كونه
بعد الفرض أولی للاتباع، انتھی.
وقال الموفق(٢): المستحب أن يحرم عَقِيب الصلاة، فإن حضرت مكتوبة
أحرم عقيبها وإلا صلى ركعتين تطوعاً، وقد روي عن أحمد: أن الإحرام عقيب
الصلاة، وإذا استوت به راحلته، وإذا بدأ بالسير، سواءٌ، لأن الجميع قد روى
(١) ((المنتقى)) (٢٠٧/٢).
(٢) («المغني)) (٨١/٥).
٤٧٤
.------

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٧٢١) حديث
فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتْهُ أَهَلَّ.
أخرجه البخاريّ موصولاً في: ٢٥ - كتاب الحج، ٢ - باب قوله تعالى:
﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَّ عَمِيقٍ﴾ .
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٥ - باب الإهلال من حيث تنبعث الراحلة، حديث ٢٩.
عنه ◌َّ بطرق صحيحة، فوسع في ذلك كله، وهذا كله على الاستحباب،
وكيف ما أحرم جاز، لا نعلم أحداً خالف في ذلك، انتهى.
وقال الدردير(١): ثم رابع السنن ركعتان، والفرض مجزئ عنهما، وفاته
الأفضل، قال الدسوقي: والفرض مجزئ أي: في حصول السنة، والحاصل أن
السنة تحصل بإيقاع الإحرام عقب صلاة ولو فرضاً، لكن إن كانت نفلاً أتى
بسنة ومندوب، وإن أتى بعد فرض أتى بسنة فقط، انتهى. قلت: وفي فروع
الحنفية: ندب الركعتين نفلاً وتجزئ المكتوبة.
وفي ((الروض المربع))(٢): وسُنَّ إحرامٌ عقب ركعتين نفلاً أو عقب فريضة،
انتهى. ومال ابن القيم في ((الهدي)) إلى أنه وَّرَ أحرم في مصلاه بعدما صلى الظهر
ركعتين، قال: ولم ينقل عنه أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، انتهى.
قلت: وظاهر النصوص أن هاتين الركعتين كانتا تحية الإحرام لا للظهر
ولا للفجر، كما قال به الحسن البصري، وقد تقدم في كلام الباجي والنووي،
ويؤيده ما في ((شرح الإحياء)) برواية أحمد وأبي داود والحاكم من حديث
ابن عباس: ((أن رسول الله وَلّ خرج حاجاً، فلما صلى في مسجده بذي
الحليفة ركعتيه أوجب))، الحديث(٣).
(فإذا استوت به راحلته) ولمسلم في حديث ابن عمر - رضي الله عنه -:
(استوت به الناقة قائمة)) (أهلَّ) أي: رفع صوته بالتلبية، اختلفت الروايات في
(١) (٣٩/٢).
(٢) (٤٦٨/١).
(٣) أخرجه أبو داود (١٧٧٠).
٤٧٥

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٧٢١) حديث
موضع إحرامه ومدير، فروي ((أنه أحرم في مصلاه بعد الصلاة))، وروي ((حين
استوت به الراحلة))، كما في حديث الباب، وروي ((أنه أحرم لما علا شرف
البيداء))، وجمع بين هذا الاختلاف ابن عباس.
قال الحافظ (١): وقد أزال الإشكال ما رواه أبو داود والحاكم من طريق
سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله وَّ في
إحرامه، فذكر الحديث، وأخرجه الحاكم من وجه آخر من طريق عطاء عن
ابن عباس، وقد اتفق فقهاء الأمصار على جميع ذلك، وإنما الخلاف في
الأفضل، انتهى مختصراً .
وقال الزرقاني(٢): في حديث الباب حجة للشافعي ومالك أن الأفضل أن
يهل إذا انبعثت به راحلته وتوجه لطريقه ماشياً، انتهى. وكذا جمع بين مذهبيهما
غيره، وفرق الباجي(٣) بينهما، فقال: ذهب مالك وأكثر الفقهاء إلى أن
المستحب أن يُهِلَّ الراكب إذا استوت به راحلته قائمة على لفظ الحديث، وقال
الشافعي: يهل إذا أخذت ناقته في المشي، وقال أبو حنيفة: يهل عقيب
الصلاة، والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك حديث ابن عمر - رضي الله
عنه -، انتهى مختصراً .
وحكى العيني عن الأوزاعي وعطاء وقتادة: أن المستحب الإحرام من
البيداء، انتهى.
وما حكوا من مذهب مالك يأبى عنه كلام الدردير، إذ صرح بأولوية
الإحرام في أول المواقيت إلا في ذي الحليفة ففي مسجدها، قال الدسوقي:
(١) ((فتح الباري)) (٤٠٠/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٤/٢).
(٣) «المنتقى)) (٢٠٨/٢).
٤٧٦

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٧٢١) حدیث
٠
أي لأنه محل إحرامه ◌َّ، وقال النووي في (مناسكه)): في الأفضل من وقت
الإحرام قولان للشافعي، أحدهما: الأفضل أن يحرم عقب الصلاة وهو
جالس، والثاني: أن يحرم إذا ابتدأ السير، راكباً كان أو ماشياً، وهذا هو
الصحيح، فقد ثبت فيه أحاديث متفق على صحتها، والحديث الوارد بالأول فيه
ضعف ، انتهى.
قلت: وقد أخرج أبو داود(١) من طريق خصيف بن عبد الرحمن عن
سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا العباس عجبت لاختلاف
أصحاب رسول الله ◌َ في إهلال رسول الله وَّلل حين أوجب، فقال: إني
لأعلم الناس بذلك، فذكر الحديث، وفيه: فلما صلى في مسجده بذي الحليفة
ركعتيه أوجب في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه؛ فسمع ذلك منه
أقوام فحفظته عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهَلّ، وأدرك ذلك منه أقوام.
وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالاً، فسمعوه حين استقلّت به ناقته
يُهِلُ، فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله وَّر، فلما
علا على شرف البيداء أَهَلَّ، وأدرك ذلك منه أقوام؛ فقالوا: إنما أهَلَّ حين علا
على شرف البيداء، وأيم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به
ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء، الحديث حسنه الترمذي، وصححه
الحاكم، وضعفه البيهقي، قاله ابن حجر.
قلت: وإليه مال ابن القيم في ((الهدي)) إذ قال: ثم لبس إزاره ورداءه،
ثم صلى الظهر ركعتين، ثم أهل بالحج والعمرة في مصلاه، انتهى.
وقال ابن قدامة(٢): قد روي عن أحمد أن الإحرام عقيب الصلاة، وإذا
(١) أخرجه أبو داود في الحج باب ((في وقت الإحرام)) (١٥٠/٢).
(٢) ((المغني)) (٨١/٥).
٤٧٧

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٧٢٢) حديث
٣٠/٧٢٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ
سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ:
استوت به راحلته، وإذا بدأ بالسير سواء، لأن الجميع قد روى عن النبي
من طرق صحيحة، قال الأثرم: سألت أبا عبد الله أيما أحب إليك؟ فقال: كل
ذلك قد جاء في دبر الصلاة، وإذا علا البيداء، وإذا استوت به ناقته، فَوَسَّعَ في
ذلك كله .
والأولى الإحرام عقيب الصلاة، لما روى سعيد بن جبير، وفيه بيان
وزيادة علم فيتعين حمل الأمر عليه، ولو لم يقله ابن عباس لتَعَيَّن حمل الأمر
عليه جمعاً بين الأخبار المختلفة، وهذا على سبيل الاستحباب، فكيفما أحرم
جاز. لا نعلم أحداً خالف في ذلك، انتهى مختصراً.
قلت: وحديث ابن عباس، وإن ضعفه النووي وغيره، لكن حسّنه
الترمذي، وسكت عليه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم مُفَسَّر
في الباب، وأقره عليه الذهبي، وقال ابن الهمام(١) بعدما بسط الكلام: الحق
أن الحديث حسن، فزال الإشكال.
قلت: وخصيف بن عبد الرحمن الذين ضعفوا الحديث لأجله، وثّقه
ابن معين، وأبو زرعة، كما في الزرقاني(٢)، وابن سعد كما في ((التهذيب))(٣)،
وتقدم ما قال ابن قدامة: من أنه لو لم يقله ابن عباس لتعيّن حمل الأمر عليه
جمعاً بين الأخبار الصحيحة.
٣٠/٧٢٢ - (مالك، عن موسى بن عقبة) بضم العين وسكون القاف
فموحدة (عن سالم بن عبد الله) بن عمر (أنه سمع أباه) أي عبد الله بن عمر
- رضي الله عنه - (يقول) قال الحافظ: أخرجه مسلم من طريق حاتم بن
(١) ((فتح القدير)) (٣٤٠/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٥/٢).
(٣) ((تهذيب التهذيب)) (١٤٤/٣).
٤٧٨

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٧٢٢) حديث
بَيْدَاؤُكُمْ هُذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ لَيهِ فِيهَا
إسماعيل عن موسى بن عقبة بلفظ: ((كان ابن عمر إذا قيل له: الإحرام من
البيداء، قال: البيداء التي تكذبون فيها))، إلخ. إلا أنه قال: من عند الشجرة
حين قام به بعيره (بيداءكم) بالمد (هذه) قال الزرقاني: البيداء هذه فوق عَلَمَيْ
ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، قاله أبو عبيد البكري وغيره، انتهى.
وأضافهم إليهم لكونهم كذبوا بسببهما، وفي ((المحلى)): سميت البيداء، لأنه
ليس فيها أثر ولا بناء، وكل مفازة يسمى بيداء، قاله النووي، وهي الشرف
الذي قدام ذي الحليفة إلى مكة، انتهى.
(التي تكذبون على رسول الله وَّل فيها). أي بسببها، ففي للتعليل أي
تقولون: إنه ◌َّ أحرم منها. قال الباجي(١): يعني، والله أعلم، أنهم يقولون:
إن النبي ◌َّ أخَّر الإحرام والإهلال حتى أشرف عليها، وذلك مروي عن أنس
أيضاً قال: صلى النبي ( 8# بالمدينة الظهر، وصلى بذي الحليفة ركعتين، ثم
بات فيها، حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به ناقته على البيداء حمد الله
وسبَّح وكبَّر، ثم أهلَّ بحج وعمرة، فأنكر عبد الله بن عمر هذه الرواية،
ووصفها بالكذب، لأن الكذب: الإخبار بالشيء على ما ليس به، قصد بذلك
المخبر أو لم يقصد، وفي ((المدنية)) عن ابن نافع: أنكر مالك الإحرام من
البيداء، انتهى .
وقال الأبي(٢): ليس من شرط الكذب العمد، فهو محمول على أنه أراد
أن ذلك وقع منهم سهواً، إذ لا يظن بأنه نسب الصحابة إلى الكذب الذي لا
يحل، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢٠٨/٢).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣٠٣/٣).
٤٧٩

٢٠ - كتاب الحج
(٩) باب
(٧٢٣) حديث
مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهِ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ، يَعْنِي مَسْجِدَ ذِي
الْحُلَيْفَةِ .
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٢٠ - باب الإهلال عند مسجد ذي
الحليفة.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٤ - باب أمر أهل المدينة بالإحرام من عند
مسجد ذي الحليفة، حديث ٢٣.
٣١/٧٢٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ
الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ؛
(ما أهل رسول الله ◌َّ إلا من عند المسجد، يعني مسجد ذي الحليفة)
قال ابن حيي: هذا يقتضي أنه أفضل مواضع ذي الحليفة للاقتداء بالنبي وَل
والتبرك بموضع إحرامه، ومن أحرم من غير ذلك الموضع من ذي الحليفة
أجزأه، لأنه لا يمكن كل واحد من الناس أن يحرم من ذلك الموضع من عظم
الرفاق، وكثرة البشر، وتزاحم الناس، انتهى.
٣١/٧٢٣ - (مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري) قال الحافظ في
((الفتح)) (١): الحديث من رواية الأقران لأن سعيداً وعبيداً تابعيان من طبقة
واحدة، انتهى. قلت: وعدَّهما في ((التقريب))(٢) كليهما من الطبقة الثالثة (عن
عبيد بن جريج) بتصغيرهم التيمي مولاهم المدني ثقة، قال الحافظ في
(التهذيب))(٣): له عندهم حديث واحد عن ابن عمر في لبس النعال السبتية وغير
ذلك، وقال أيضاً في ((شرح البخاري))، وكذا العيني: ليس بينه وبين عبد
الملك بن عبد العزيز بن جريج الفقيه نسب، وقد يظن أنه عمه، وليس كذلك.
(١) ((فتح الباري)) (٢٦٧/١).
(٢) ((تقريب التهذيب)) (٢٩٧/١).
(٣) ((تهذيب التهذيب)) (٦٢/٧).
٤٨٠