النص المفهرس

صفحات 441-460

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٤) حديث
ويُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ)).
يحرمون من رابغ براء وموحدة وغين معجمة قرب الجحفة لكثرة حماها، فلا
ينزلها أحد إلا حم.
قال الحافظ: بين الجحفة وبين مكة خمس مراحل أو ستة، وفي قول
النووي في ((شرح المهذب)): ثلاث مراحل، نظر. وقال النووي في ((تهذيب
اللغات)): قريبة من البحر بينها وبينه نحو ستة أميال، وفي ((المحلى)): قرية
جامعة على اثنين وثمانين ميلاً من مكة، والموضع الذي يحرم منه المصريون
الآن، يسمى رابغ قريب من الجحفة، انتهى.
(ويهل أهل نجد) أما نجد فهو كل مكان مرتفع وهو اسم لعشرة مواضع،
والمراد منها ههنا التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها الشام والعراق (من قرن)
يفتح القاف وسكون الراء فنون بلا إضافة على مرحلة من مكة، وهو أقرب
المواقيت، كذا في ((المحلى على الموطأ)). وفي حديث ابن عباس عند
البخاري وغيره، ولأهل نجد: قرن المنازل، قال الحافظ بلفظ جمع المنزل،
والمركب الإضافي في اسم المكان، ويقال له: قرن أيضاً بلا إضافة وهو
بسكون الراء، وضبطه صاحب ((الصحاح)) بفتحها وغلطوه.
وبالغ النووي فحكى الاتفاق على تخطئته في ذلك. لكن حكى عياض
عن ((تعليق القابسي)): أن من قاله بالإسكان أراد الجبل، ومن قال بالفتح أراد
الطريق، وقال النووي في ((لغاته))(١): اتفقوا على تغليط الجوهري في فتح الراء
منه وفي قوله أن أويس القرني - رحمه الله - منسوب إليه، انتهى. بل هو
منسوب إلى قبيلة بني قرن بطن من مراد، قال النووي: قرن على مرحلتين من
مكة، وقال الأبي(٢): جبل مدوّر أملس مشرف على جبل عرفة.
(١) ((الأسماء واللغات)) (٩١/٢).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٩٧/٣).
٤٤١

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٥) حدیث
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((ويُهِلُّ أَهْلُ
الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ)» .
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٨ - باب ميقات أهل المدينة.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٢ - باب مواقيت الحج والعمرة، حديث ١٣.
٢٣/٧١٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛
(قال عبد الله بن عمر) بن الخطاب - رضي الله عنهما -: (وبلغني أن
رسول الله (َ﴿ قال) وفي (الصحيحين)) عن سالم عن أبيه، وزعموا أن النبي
صَلىله
وسلم
قال: ولم أسمعه، وهذا غاية في التحري والتوقي والتميز، لما سمعه من
النبي ◌َّ مشافهة مما لم يسمعه منه.
(ويهل أهل اليمن من يلملم) بفتح التحتية ولامين مفتوحتين بينهما ميم
ساكنة، مكان على مرحلتين من مكة بينهما ثلاثون ميلاً، ويقال لها: ألملم
بالهمزة وهو الأصل والياء لتسهيل لها، وحكى ابن السيد فيه يرمرم برائين بدل
اللامين لم ينصرف للعلمية والتأنيث.
قال ابن عبد البر(١): اتفقوا على أن ابن عمر - رضي الله عنهما - لم
يسمع ذلك من النبي ◌َلّر، ولا خلاف بين العلماء أن مرسل الصحابي صحيح
حجة، وكأنه لم يعتبر قول أبي إسحاق الإسفرائيني: إنه ليس بحجة، وقول
ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((زعموا)) مُشْعِرٌ إلى أن بلغ ذلك إلى ابن عمر
- رضي الله عنهما - عن جماعة، وقد روي ذلك عن ابن عباس في الصحيحين
وغيرهما، وجابر عند مسلم، إلا أنه قال: أحسبه رفعه، وعائشة عند النسائي،
والحارث بن عمرو السهمي عند أحمد وأبي داود والنسائي.
٢٣/٧١٥ - (مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر) - رضي الله
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٣٩/٢).
٤٤٢
--

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٦) حديث
أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ فِل﴾ِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ،
وَأَهْلَ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ.
٧١٦/ ٢٤ - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا هَؤُلاءِ الثَّلاثُ
فَسَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فِ﴾. وَأُخْبِرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ:
((وَيُهِلُّ أَهْلُّ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمْ)).
عَلىالله
أخرجهما البخاريّ في: ٩٦ - كتاب الاعتصام. ١٦ - باب ما ذكر النبي
وحض على اتفاق أهل العلم.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٢ - باب مواقيت الحج والعمرة، حديث ١٥.
عنهما -، (أنه قال: أمر رسول الله والغ) وأصل الأمر الوجوب، فاستدل به من
قال: إن تقديم الإحرام عن المواقيت وتأخيره عنها لا يجوز، والمسألة خلافية
كما سيأتي، والتقريب لا يتم إلا بإثبات أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن
خلافه، وهي أيضاً خلافية كما بسطت في الأصول، ولعل الإمام مالكاً
- رضي الله عنه - ذكر هذا الحديث تلو الحديث المتقدم إشارة إلى أن الخبر في
الحديث المتقدم بمعنى الأمر.
(أهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة) متعلق بـ ((يهلوا))، وكلمة من
ابتدائية أي ابتداء إهلالهم من ذي الحليفة، قاله العيني. (وأهل الشام من
الجحفة وأهل نجد من قرن) أي قرن المنازل والقرن قرنان: أحدهما هذا وهو
الميقات، والثاني قرن الثعالب، وليس بميقات على الظاهر، قاله الحافظ وتبعه
الزرقاني وغيره، لكن جمعاً كثيراً من فقهاء الشافعية وغيرهم صرحوا في الفروع
بأنهما واحد.
٢٤/٧١٦ - (قال عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه -: (أما هؤلاء الثلاث
فسمعتهن من رسول الله ◌َ﴾ وأخبرت) ببناء المجهول (أن رسول الله وَل قال:
ويُهِلُّ أهل اليمن من يلملم) والحديث أخرجه البخاري بطرق منها في
٤٤٣

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٦) حديث
الاعتصام(١) برواية سفيان عن عبد الله بن دينار، زاد وذكر العراق، فقال: لم
يكن عراق يومئذ، وأخرج البخاري أيضاً في المناسك(٢) برواية عبيد الله عن
نافع عن ابن عمر قال: لما فُتِح هذان المصران ((البصرة والكوفة)) أتوا عمر
- رضي الله عنه -، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله مح لول حَدَّ لأهل نجد
قرناً، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرناً شق علينا، قال: فانظروا
حذوها من طريقتكم، فحد لهم ذات عرق.
قال الحافظ: (٣) ظاهره أن عمر - رضي الله عنه - حَدَّ لهم ذات عرق
باجتهاد منه، وقد روى الشافعي من طريق أبي الشعثاء قال: لم يوقت
رسول الله ◌َ لأهل المشرق شيئاً، فاتخذ الناس بحيال قرن ذات عرق، وروى
أحمد عن يحيى بن سعيد وغيره عن نافع عن ابن عمر فذكر حديث المواقيت
زاد فيه، قال ابن عمر: فآثر الناس ذات عرق على قرن، وله عن صدقة عن
ابن عمر - رضي الله عنه - فذكر حديث المواقيت. قال: فقال له قائل: فأين
العراق، فقال ابن عمر: لم يكن يومئذ عراق.
ووقع في ((غرائب مالك)) للدارقطني من طريق عبد الرزاق عن مالك عن
نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: وَقَّت رسولُ اللهِ وَّ لأهل العراق
قرناً، قال عبد الرزاق: قال لي بعضهم: إن مالكاً محاه من كتابه، قال
الدارقطني: تفرد به عبد الرزاق، قال الحافظ: والإسناد إليه ثقات أثبات،
وأخرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) عنه وهو غريب جداً، وحديث الباب
يرده، وروى الشافعي من طريق طاووس قال: لم يوقت رسول الله وَ لّ ذات
عرق، ولم يكن حينئذ أهل المشرق.
(١) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب ١٦ ح (٧٣٤٤)، ((فتح الباري)) (٣٠٥/١٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب المناسك ح (١٥٣١)، ((فتح الباري)) (٣٨٩/٣).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٨٩/٣).
٤٤٤
----- -----

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٦) حديث
٠٠
وقال في ((الأم)): لم يثبت عن النبي ◌َّ﴾ أنه حَدَّ ذات عرق، وإنما أجمع
عليه الناس، وهذا كله يدل على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصاً، وبه قطع
الغزالي، والرافعي في ((شرح المسند))، والنووي في ((شرح مسلم))، وكذا وقع
في ((المدونة)) لمالك.
قال الأبي: أصح الوجهين عندنا؛ أن الذي وَقَّتها عمر - رضي الله عنه -،
وقال ابن رشد(١) بعد ما حكى الإجماع على المواقيت الأربعة ذي الحليفة
والجحفة وقرن ويلملم: اختلفوا في ميقات أهل العراق، فقال جمهور فقهاء
الأمصار: ميقاتهم من ذات عرق، وقال الشافعي والثوري: إن أهلُّوا من العقيق
كان أحبَّ، واختلفوا فيمن أَقَّتَه لهم، فقالت طائفة: عمر - رضي الله عنه -،
وقالت طائفة: بل رسول الله مَلل، انتهى.
وقال النووي(٢): ذات عرق بكسر العين ميقات أهل العراق، واختلف
العلماء هل بتوقيته وَل# أم باجتهاد عمر؟ وجهان لأصحاب الشافعي، أصحهما
وهو نص الشافعي في ((الأم))، بتوقيت عمر - رضي الله عنه -، وذلك صريح في
((البخاري))، ودليل من قال: بتوقيته مَ﴿ل حديث جابر، لكنه غير ثابت بعدم
جزمه برفعه، وأما قول الدارقطني: حديث ضعيف، لأن العراق لم تكن فُتِحَتْ
في زمن النبي ◌َلّ، فكلامه في تضعيفه صحيح، ودليله ما ذكرته، واستدلاله
لضعفه بعدم فتح العراق ففاسد، لأنه لا يمتنع أن يخبر به النبي صَلّ لعلمه بأنه
سيفتح، كما أنه وقلّ وقت لأهل الشام الجحفة في جميع الأحاديث الصحيحة،
ومعلوم أن الشام لم يُفْتَح حينئذ إلى آخر ما بسطه .
وقال ابن العربي في ((العارضة))(٣): أهل العلم متفقون على هذه المواقيت
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٢٤/١).
(٢) (شرح صحيح مسلم)) للنووي (٨/ ٨١).
(٣) ((عارضة الأحوذي)) (٥٠/٤).
٤٤٥

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٦) حديث
((أي الأربعة المشهورة)) وقد روي عن جابر وعمرو بن شعيب والحارث بن
عمرو وعائشة: أن النبي ◌َّ وقَّتَ لأهل العراق ذات عرق، وكان الشافعي
يستحب أن يُهِلَّ من العقيق من جاء من العراق، ولا يُحْرِمُ من العقيق إلا رجلٌ
غافل عن النظر، فإن الرواية فيه عن النبي وَ﴿ اختلف على حالها، والذين
رووا ذات عرق أكثرُ، فإن كان ترجيحُ بالرواية فذاتُ عرق، وإن كان ترجيحٌ
آخرُ، ففعلُ عمر أولى، انتهى.
قال الحافظ (١): وصحّح الحنفيةُ والحنابلةُ وجمهور الشافعية والرافعي في
((الشرح الصغير))، والنووي في ((شرح المهذب)) أنه منصوص، وقد وقع ذلك
في حديث جابر عند مسلم إلا أنه مشكوكٌ في رفعه، أخرجه عن ابن جريج،
أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابراً يسأل عن المهل؟ فقال: سمعت أحسبه رفع
◌َّ فذكره.
وستِے
إلى النبي
وأخرجه أبو عوانة في ((مستخرجه)) بلفظ فقال: ((سمعت أحسبه)) يريد
النبي 18، قال ابن العراقي: قوله: أحسبه أي أظنه، والظن في باب الرواية
يتنزل منزلة اليقين، فليس ذلك قادحاً في رفعه، وأيضاً فلو لم يصرح برفعه لا
يقيناً ولا ظناً فهو مُنَزَّلٌ منزلةَ المرفوع، لأنه لا يقال من قِبَل الرأي، وإنما يؤخذ
توقيفاً من الشارع لا سيما وقد ضَمَّه جابرٌ إلى المواقيت المنصوص عليها .
قال الحافظ: وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لهيعة، وابن ماجه من
رواية إبراهيم بن يزيد كلاهما عن أبي الزبير فلم يشكا في رفعه، ووقع في
حديث عائشة وفي حديث الحارث بن عمرو السهمي كلاهما عند أحمد وأبي
داود والنسائي، وهذا يدل على أن للحديث أصلاً، فلعل من قال: إنه غيرُ
منصوص، لم يبلغه، أو رأى ضعفَ الحديث باعتبار أن كل طريق منها لا يخلو
(١) ((فتح الباري)) (٣٩٠/٣).
٤٤٦
mm .

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٦) حديث
عن مقال، ولذا قال ابن خزيمة: رُوِيَتْ في ذات عرق أخبارٌ لا يثبت شيءٌ منها
عند أهل الحديث .
وقال ابن المنذر: لم نجد في ذات عرق حديثاً ثابتاً، لكن الحديث
بمجموع الطرق يقوى، وأما إعلال من أعلَّه بأن العراق لم تكن فُتِحَتْ يومئذ،
فقال ابن عبد البر: هي غفلة، لأن النبي وََّ وقَّت المواقيت لأهل النواحي قبل
الفتوح، لكنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق، وبهذا
أجاب الماوردي وآخرون، لكن يظهر أن مراد من قال: لم يكن العراق يومئذ،
أي لم يكن في تلك الجهة مسلمون. وذلك لأنه روي الحديث بلفظ: أن رجلاً
قال: ((يا رسول الله من أين تأمرنا أن نُهِلَّ؟)) فأجابه، وكلُّ جهة عينها كان من
قبلها ناسٌ مسلمون بخلاف المشرق .
قال الحافظ في ((التلخيص)) (١): حديث عائشة أن النبي ◌َّ وَقَّتَ لأهل
المشرق ذات عرق، أبو داود(٢)، والنسائي(٣) بلفظ: العراق بدل المشرق، تفرد
به المعافى عن أفلح عنه، والمعافى ثقة، وفي الباب عن جابر عند مسلم (٤)
لكنه لم يصرح برفعه، وعن الحارث بن عمرو السهمي عند أبي داود(٥) وأنس
عند الطحاوي في ((أحكام القرآن))، وابن عباس عند ابن عبد البر في
((التمهيد))(٦)، وعبد الله بن عمرو عند أحمد، وفيه حجاج بن أرطاة، انتهى.
وأما ما أخرجه أبو داود والترمذي من وجه آخر عن ابن عباس: أن
(١) انظر: ((تلخيص الحبير)) (٨٤٥/٣).
(٢) رواه أبو داود (١٧٣٩).
(٣) رواه النسائي (٢٦٥٦).
(٤) رواه مسلم (١١٨٣).
(٥) رواه أبو داود (١٧٤٢).
(٦) (١٥/ ١٤٢).
٤٤٧

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٧) حديث
٧١٧/ ٢٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ أَهَلَّ مِنَ الْفُرْعِ.
النبي ◌َّ﴾ وقَّتَ لأهل المشرق العقيق، فقد تفرد به يزيد وهو ضعيف، وإن كان
حفظه، فقد جمع بينه وبين حديث جابر وغيره بأجوبة.
منها: أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب، لأنه
أبعد من ذات عرق.
ومنها: أن العقيق ميقات لبعض العراقيين، وهم أهل المدائن، والآخر
ميقات لأهل البصرة، وقع ذلك في حديث لأنس عند الطبراني، وإسناده ضعيف.
ومنها: أن ذات عرق كانت أولاً في موضع العقيق الآن، ثم حُوِّلَت
وقُرِّبَتْ إلى مكة، فعلى هذا فذات عرق والعقيق شيء واحد، ويتعين الإحرام
من العقيق، ولم يقل به أحد، وإنما قالوا: يستحب احتياطاً، وحكى ابن المنذر
عن الحسن بن صالح: أنه كان يحرم من الربذة، وهو قول القاسم بن
عبد الرحمن وخصيف الجزري، قال ابن المنذر: وهو أشبه في النظر إن كان
ذات عرق غير منصوصة، وذلك أنها تُحاذي ذا الحليفة، وذات عرق بعدها،
والحكم فيمن ليس له ميقات أن يُحْرِم من أول ميقات يحاذيه، لكن لما سنَّ
عمرُ - رضي الله عنه - ذات عرق، وتبعه عليه الصحابة واستمر عليه العمل كان
أولى بالاتباع(١).
٢٥/٧١٧ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(أهل) أي: أحرم (من الفرع) بضم أوله وسكون ثانيه، وقيل: بضمتين آخره
عين مهملة موضع بناحية المدينة، وهو دون ذي الحليفة إلى مكة، وفي
((المعجم)): قرية من نواحي الربذة عن يسار السقيا، وبينها وبين المدينة ثمانية
برد على طريق مكة، وقيل: أربع ليال بها منبر ونخل ومياه كثيرة.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٩٠/٣)، و((شرح الزرقاني)) (٢٤١/٢).
٤٤٨

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٧) حديث
واختلفت العلماء في توجيه الأثر لاختلافهم في مدني تجاوز عن ذي
الحليفة إلى الجحفة مثلاً .
قال ابن رشد (١): اختلفوا فيمن ترك الإحرام من ميقاته، وأحرم من
ميقات آخر غير ميقاته، مثل أن يترك أهل المدينة الإحرام من ذي الحليفة،
ويحرموا من الجحفة، فقال قوم: عليه دم، وممن قال به مالك وبعض
أصحابه، وقال أبو حنيفة: ليس عليه شيء، انتهى.
وفي ((المدونة))(٢): قال مالك: من مر من أهل الشام أو أهل مصر، ومن
ورائهم بذي الحليفة، فأُحِبّ أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة فذلك له واسع،
ولكن الفضل له في أن يهل من ميقات النبي ( 8* إذا مر به، فقلنا لمالك: لو
أن رجلاً من أهل العراق مرَّ بالمدينة، فأراد أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة قال:
ليس له ذلك، إنما الجحفة ميقات أهل مصر وأهل الشام ومن ورائهم، وليست
الجحفة للعراقي ميقاتاً، فإذا مر بذي الحليفة فليحرم منها .
قال ابن القاسم: قال لي مالك: وكل من مر بميقات ليس هو له
بميقات، فليحرم منه مثل أن يمر أهل الشام قادمين من العراق، فعليهم أن
يحرموا من ذات عرق، وإن قدموا من اليمن، فمن يلملم، وكذلك جميع أهل
الآفاق من مر منهم بميقات ليس له، فليهل من ميقات أهل ذلك البلد، إلا أن
مالكاً قال غير مرة في أهل الشام وأهل مصر: إذا مروا بالمدينة فأرادوا أن
يؤخروا إحرامهم إلى الجحفة فذلك لهم، ولكن الفضل في أن يحرموا من
ميقات المدينة. قال ابن القاسم: لأنها طريقهم، انتهى، يعني أن المدينة
طريقهم المعتاد، ومع ذلك وَقَّتَ لهم النبيَّ الجحفة، فيجوز لهم التأخير
إلى ميقاتهم، إلا أن الفضل في ميقاته ◌َل .
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٢٥/١).
(٢) (٣٠٢/١، ٣٠٣).
٤٤٩

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٧) حديث
وقال القاري في ((شرح اللباب)): المدني إن جاوز وقتَه المعروف بذي
الحليفة غيرُ مُحْرِم إلى الجحفة كُرِهَ وفاقاً بين علمائنا، خلافاً لابن أمير الحاج
حيث قال: هو الأفضل في هذا الزمان، وفي لزوم الدم خلاف، وصَحَّحَ
سقوطه، والأظهر أن يقال: صَحَّحَ عدمَ وجوبه؛ لأنه إذا كان في طريقه
ميقاتان، فالسالك مُخَيَّرٌ في أن يُحْرِمَ من الأول، وهو الأفضل عند الجمهور
خروجاً عن الخلاف، فإنه مُتَعَيَّنٌ عند الشافعي، أو يُحْرِم من الثاني فإنه رخصة،
وقيل: بل إنه أفضل بالنسبة إلى أكثر أرباب النسك، فإنهم إذا أحرموا من
الميقات الأول ارتكبوا كثيراً من المحظورات.
وفي ((البدائع)) (١): عن أبي حنيفة أنه قال في غير أهل المدينة: إذا مروا
على المدينة، فجاوزوها إلى الجحفة فلا بأس بذلك، وأحبُّ إليّ أن يُحْرِمُوا
من ذي الحليفة؛ لأنهم لما وصلوا إلى الميقات الأول لزمهم محافظة حرمته،
فیکره لهم ترکها، انتهى.
ومثله ذكر القدوري في ((شرحه))، وبه قال عطاء وبعض المالكية
والحنابلة، وفي قول الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - في غير أهل المدينة
إشارة إلى أن أهل المدينة ليس لهم أن يتجاوزوا عن ميقاتهم المعين على لسان
الشارع، وبه يجمع بين الروايتين المختلفتين عن أبي حنيفة، فعنه: أنه لو لم
يحرم من ذي الحليفة، وأحرم من الجحفة أن عليه دماً، وبه قال مالك
والشافعي وأحمد، وعنه ما سبق من قوله: لا بأس، فيحمل رواية وجوب الدم
على المدنیین وعدمه علی غیرهم، انتهى.
وفي (الدر المختار))(٢): وقالوا - أي علماؤنا الحنفية -: ولو مر بميقاتين
(١) (بدائع الصنائع)) (٣٧٢/٢).
(٢) (٥٢٣/٢).
٤٥٠

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٧) حديث
فإحرامه من الأبعد أفضل، ولو أخَّرَه إلى الثاني لا شيء عليه على المذهب،
وعبارة (اللباب)): سقط عنه الدم، انتهى. قال ابن عابدين: قوله بميقاتين أي:
كالمدني يمر بذي الحليفة ثم بالجحفة فإحرامه من الأبعد أفضل، ثم قال بعد
ذكر عبارة ((اللباب)) و((شرحه): لكن في ((الفتح))(١) عن ((الكافي)) الذي هو
جمع كلام محمد في كتب ظاهر الرواية: ومن جاوز وقته غير محرم، ثم أتى
وقتاً آخر فأحرم منه أجزأه، ولو كان أحرم من وقته كان أحبّ إليّ، انتهى.
فعلم منه أن قول أبي حنيفة المار في غير أهل المدينة اتفاقي لا
احترازي، وأنه لا فرق في ظاهر الرواية بين المدني وغيره، انتهى. وقال
ابن نجيم: قوله - أي الماتن -: إن هذه المواقيت لأهلها ولمن مر بها، قد أفاد
أنه لا يجوز مجاوزة الجميع إلا محرماً، فلا يجب على المدني أن يحرم من
ميقاته، وإن كان هو الأفضل، وإنما يجب عليه أن يحرم من آخرها عندنا،
ويعلم منه أن الشامي إذا مر على ذي الحليفة في ذهابه لا يلزم الإحرام منه
بالطريق الأولى، وإنما يجب عليه أن يحرم من الجحفة كالمصري، انتهى.
وقال القاري في ((شرح النقاية)): ولو لم يحرم المدني ومن بمعناه من ذي
الحليفة، وأحرم من الجحفة، فلا شيء عليه وكره وفاقاً، وعن أبي حنيفة:
يلزمه دم، وبه قال الشافعي، لكن الظاهر هو الأول، لما روي في الحديث من
قوله وَلخير: ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، فمن جاوز إلى الميقات
الثاني صار ميقاتاً له)). انتهى. وسيأتي في كلام محمد - رحمه الله - في
((موطئه))(٢) أنه قال: رُخِّصَ لأهل المدينة أن يحرموا من الجحفة؛ لأنها وقت
من المواقيت، بلغنا عن النبي وَلّر أنه قال: ((من أحب منكم أن يستمتع بثيابه
إلى الجحفة فليفعل)) .
(١) انظر: ((فتح القدير)) (٣٣٤/٢).
(٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٣٧/٢).
٤٥١

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٧) حديث
وقال ابن الهمام(١): المدني إذا جاوز إلى الجحفة فأحرم بها فلا بأس،
والأفضل أن يحرم من ذي الحليفة، ومقتضى كون فائدة التوقيت المنعُ من
التأخير أن لا يجوز التأخير عن ذي الحليفة، ولذا روي عن أبي حنيفة: أن
عليه دماً، لكن الظاهر عنه هو الأول، لما روي من تمام الحديث من قوله وَله :
((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، فمن جاوز إلى الميقات الثاني صار
من أهله))، وروي عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها كانت إذا أرادت أن تحج
أحرمت من ذي الحليفة، وإنما أرادت أن تعتمر أحرمت من الجحفة، ومعلوم
أن لا فرق في الميقات بين الحج والعمرة، فلو لم تكن الجحفة ميقاتاً لهما لما
أحرمت بالعمرة منها، فبفعلها يُعْلَمُ أن المنع من التأخير مقيد بالميقات الأخير،
انتھی .
٠٠
وقال الحافظ في ((الفتح)) (٢): قوله ◌َّ: ((هن لهم)) أي: المواقيت
المذكورة لأهل البلاد المذكورة، وقوله: ((لمن أتى عليهن)) أي: على المواقيت
من غير أهل البلاد المذكورة، فالشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة، فميقاته
ذو الحليفة لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته
الأصلي، فإن أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور.
وأطلق النووي الاتفاق ونفى الخلاف في شرحيه لـ ((مسلم)) و ((المهذب)).
فلعله أراد في مذهب الشافعي، وإلا فالمعروف عند المالكية أن للشامي مثلاً
إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلي، وهو الجحفة جاز له ذلك،
وإن كان الأفضل خلافه، وبه قال الحنفية وأبو ثور وابن المنذر.
وقال ابن دقيق العيد: قوله: ((ولأهل الشام الجحفة)) يشمل من مَرَّ من
(١) ((فتح القدير)) (٣٣٤/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٨٦/٣).
٤٥٢
----

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٧) حديث
أهل الشام بذي الحليفة ومن لم يمر، وقوله: ((لمن أتى عليهن من غير
أهلهن))، يشمل الشامي إذا مر بذي الحليفة وغيره، فههنا عمومان تعارضا،
انتهى. وهكذا حكى المذاهب القسطلاني والزرقاني(١) وغيرهما.
وقال الأبي المالكي (٢) بعد ذكر قول النووي الشافعي: وهذا لا خلاف
فيه لعله يعني عندهم، وأما عندنا فإنما ذلك لمن ليس ميقاته بين يديه كاليمني
والعراقي والنجدي، يمر أحدهم بذي الحليفة فإنه يحرم منها، ولا يؤخره، لأن
ميقاته ليس بين يديه، وأما الشامي يمر بها فإنه يؤخر إلى الجحفة، لأنها ميقاته
وهي بين يديه، نعم الأفضل له ذو الحليفة، انتهى.
وقال ابن حجر في قوله عليه الصلاة والسلام: ((ولأهل الشام الجحفة)):
أي إذا لم يمروا بطريق المدينة وإلا لزمهم الإحرام من الحليفة إجماعاً على ما
قاله النووي، قال القاري(٣): وهذا غريب منه، وعجيب، فإن المالكية وأبا ثور
يقولون: بأن له التأخير إلى الجحفة (٤)، وعندنا معشر الحنفية يجوز للمدني
أيضاً تأخيره إلى الجحفة، فدعوى الإجماع باطلة، انتهى.
وقد علم من هذه العبارات كلها أن لههنا مسألتين خلافيتين بين الأئمة،
إحداهما: أن الشامي إذا مر على ذي الحليفة، فهل يجب عليه الإحرام أو
يجوز له المجاوزة إلى ميقاته؟، وبالأول قالت الشافعية؛ لا خلاف في ذلك
بينهم كما تقدم عن النووي وغيره، والثاني: هو المعروف عند المالكية
وغيرهم، وبه قالت الحنفية.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٠/٢).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٩٨/٣).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٩/٣).
(٤) هكذا في الأصل، والصواب ((ذي الحليفة)).
٤٥٣

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٧) حديث
والمسألة الثانية: أن المدني إذا جاوز عن ميقاته إلى الجحفة، فهل يجوز
له ذلك أم لا؟ وبالأول قالت الحنفية في المرجح عندهم كما تقدم البسط عن
فروعهم، وبالثاني قال الجمهور كما عرفت مسالكهم.
وإذا تحققت ذلك فقد عرفت أن لا حاجة لتوجيه أثر ابن عمر - رضي الله
عنهما - على مسلك الحنفية، ولذا قال محمد - رضي الله عنه - في ((موطئه))(١)
بعد أثر الباب: فأما إحرام ابن عمر - رضي الله عنه - من الفرع، وهو دون ذي
الحليفة إلى مكة، فإن أمامها وقت آخر وهو الجحفة، وقد رُخِّصَ لأهل المدينة
أن يحرموا من الجحفة لأنها وقت من المواقيت، بلغنا عن النبي ◌َّ أنه قال:
((من أحب منكم أن يستمتع بثيابه إلى الجحفة فليفعل))، أخبرنا بذلك أبو يوسف
عن إسحاق بن راشد عن محمد بن علي عن النبي ◌َّ، انتهى. قلت: ويؤيده
ما تقدم في حديث المواقيت ((هن لهن ولمن أتى عليهن)) كما لا يخفى.
وأما غير الحنفية فاحتاجوا إلى تأويله، ولذا قال ابن عبد البر(٢): محمله
عند العلماء أنه مر بميقات لا يريد إحراماً ثم بدا له فأهلَّ منه، أو جاء إلى
الفرع من مكة أو غيرها، ثم بدا له في الإحرام كما قاله الشافعي وغيره، وقد
روى حديث المواقيت، ومحال أن يتعداه مع علمه به فيوجب على نفسه دماً،
وهذا لا يظنه عالم، اهـ.
وأنت خبير بأن المحال يلزم إذا ثبت أن مسلك ابن عمر - رضي الله عنه -
موافق لمسلكهم، وإلا فظاهر صنيعه أنه وافق الحنفية في ذلك، وأوله الباجي
بجواز أن يكون عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - ترك ظاهره، أي: الأمر
بالمواقيت لرأي رآه وتأويل تأوّله. قلت: وهذا موقوف على ثبوت تركه
المواقيت .
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٣٦/٢).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٤١/٢).
٤٥٤

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٨) حديث
٢٦/٧١٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ؛ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَهَلَّ مِنْ إِلْيَاءَ.
قال الباجي(١): وفي ((كتاب محمد)): قال مالك: كان خروج عبد الله بن
عمر إلى الفرع لحاجة، ثم بدا له فأحرم منها، اهـ، وهكذا حكى الشيخ في
((المسوى))(٢) فقال: ومعنى إهلال ابن عمر - رضي الله عنهما - من الفرع عند
الحنفية أن لأهل المدينة ميقاتين: ذا الحليفة والجحفة، ولا إثم عليهم إذا
أخَّرُوا الإحرام إلى الميقات الثاني، ذكر ذلك محمد في ((الموطأ))، ويحتمل
أيضاً أنه بدا له أن يدخل مكة لما وصل إلى الفرع، ومعناه عند الشافعية أنه بدا
له أن ينسك بعدما وصل إلى الفرع، اهـ.
وبذلك أوله ابن العربي في ((العارضة))(٣) إذ قال: وقد خرج ابن عمر من المدينة
إلى مكة فأحرم من الفرع، وقالوا: إنه خرج لا يريد الحج، ثم بدا له من الفرع، وهذا
محتمل، ولعل ابن عمر أخَّر، ليبين الجواز، كما قدم الإحرام من بيت المقدس،
ليبين الجواز، وكذلك قال إبراهيم وعطاء: لا دم عليه في مجاوزته، انتهى.
٢٦/٧١٨ - (مالك، عن الثقة عنده) قيل: هو نافع، قاله الزرقاني(٤) (إن
عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أهلّ من إيلياء) قال النووي: بهمزة
مكسورة، ثم مثناة من تحت ساكنة، ثم لام مكسورة، ثم ياء أخرى، ثم ألف
ممدودة هذا هو الأشهر، وحكي فيها القصر، ولغة ثالثة إلياء بحذف الياء
الأولى وسكون اللام والمد، وورد الإيلاء بألف ولام وهو غريب، قيل: معناه
بيت الله، والمراد البيت المقدس، ولم يذكر في رواية ((الموطأ)) الإهلال كان
بحجة أو عمرة، وكذا لم يذكره في رواية محمد.
(١) ((المنتقى)) (٢٠٦/٢).
(٢) (٣٢٤/١).
(٣) ((عارضة الأحوذي)) (٥٣/٤).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (١٤١/٢).
٤٥٥

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٨) حديث
لكن ذكر في ((جمع الفوائد)) برواية مالك: أن ابن عمر أهَلَّ بحجة من
إيلياء، قال الزرقاني: أي عام الحكمين لما افترق أبو موسى وعمرو بن العاص
عن غير اتفاق بدومة الجندل، فنهض ابن عمر - رضي الله عنه - إلى بيت
المقدس فأحرم منه، كما رواه البيهقي وابن عبد البر مع كونه روى حديث
المواقيت، فدل على أنه فهم أن المراد منع مجاوزتها حلالاً لا منع الإحرام
قبلها، انتهى.
قلت: واختلفت فقهاء الأمصار في تقديم الإحرام على الميقات
المكاني، قال العيني في ((شرح الهداية)): تقديم الإحرام على هذه المواقيت
جائز بالإجماع، وقال داود الظاهري: إذا أحرم قبل هذه المواقيت فلا حج له
ولا عمرة، وقال في ((شرح البخاري)): قال ابن حزم: لا يحل لأحد أن يحرم
بالحج أو العمرة قبل المواقيت، فإن أحرم أحد قبلها وهو يمر عليها فلا إحرام
له ولا حج ولا عمرة له، إلا أن ينوي - إذا صار في الميقات - تجديد الإحرام
فذاك جائز.
وقال العيني(١): إن ابن المنذر نقل الإجماع على الجواز في التقدم
عليها، ثم قال: فإن قلت: نقل عن إسحاق وداود عدم الجواز، قلت:
مخالفتهما للجمهور لا تعتبر .
وقال أيضاً(٢): اختلفوا هل الأفضل التزام الحج منهن أو من منزله؟ فقال
مالك وأحمد وإسحاق: إحرامه من المواقيت أفضل، وقال الثوري وأبو حنيفة
والشافعي وآخرون: الإحرام من المواقيت رخصة، واعتمدوا في ذلك على فعل
الصحابة، فإنهم أحرموا من قبل المواقيت، وهم ابن عباس وابن مسعود
(١) ((عمدة القاري)) (٢٣/٧).
(٢) (٣٠/٧).
٤٥٦

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٨) حديث
وابن عمر وغيرهم قالوا: وهم أعرف بالسنة وهم فقهاء الصحابة، وشهدوا
إحرام رسول الله وَل﴾، وعلموا أن إحرامه وَل﴿ من الميقات كان تيسيراً على
أصحابه ورخصة لهم، وابن عمر - رضي الله عنهما - كان أشد الناس اتباعاً
لرسول الله مَلآ، انتهى.
وقال أبو عمر (١): كره مالك أن يحرم أحد قبل الميقات، وروي عن
عمر بن الخطاب أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وأنكر
عثمان - رضي الله عنه - على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات.
وفي ((تعليق البخاري)): كره عثمان أن يحرم من خراسان وكرمان، وكره
الحسن وعطاء بن أبي رباح الإحرام من الموضع البعيد. وقال ابن بزيزة: في
هذا ثلاثة أقوال: منهم من جَوَّزه مطلقاً، ومنهم من كرهه مطلقاً، ومنهم من
أجازه في البعيد دون القريب. قلت: وتقدم أيضاً من قال بالكراهة من البعيد،
فهو قول رابع في المسألة، والقول الثالث من الثلاثة التي حكاها ابن بزيزة
رواية للمالكية .
قال الباجي(٢): في أثر ابن عمر - رضي الله عنه - المذكور في الباب
تقديم للإحرام قبل الميقات، وقد روى ابن المواز عن مالك جواز ذلك،
وكراهيته فيما قرب من الميقات، وروى العراقيون كراهيته على الإطلاق، وإذا
قلنا برواية ابن المواز، فالفرق بين القريب والبعيد أن من أحرم بقرب الميقات،
فإنه لا يقصد إلا مخالفة التوقيت؛ لأنه لم يستدم إحراماً، وأما من أحرم على
البعد منه، فإن له غرضاً في استدامة الإحرام، كما قلنا: إن من كان في شعبان
لم يجز له أن يتقدم صيام رمضان بصيام يوم أو يومين، ومن استدام الصوم من
أول شعبان، جاز له استدامة ذلك حتى يصله برمضان، انتهى.
(١) ((الاستذكار)) (٨٠/١١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٠٦/٢).
٤٥٧

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٨) حديث
وقال الأبي(١): إن أحرم قبلها بيسير كره، وإن أحرم قبلها بكثير، فظاهر
((المدونة)) الكراهة، وظاهر ((المختصر)) الجواز، ونقل اللخمي قولاً بعدم كراهة
القريب، انتهى.
قال العيني(٢): وقال الشافعي وأبو حنيفة: الإحرام من قبل هذه المواقيت
أفضل لمن قوي على ذلك، وقد صح أن علي بن أبي طالب، وابن مسعود،
وعمران بن حصين، وابن عباس، وابن عمر: أحرموا من المواضع البعيدة.
وعند ابن أبي شيبة: أن عثمان بن العاص أحرم من المنجشانية، وهي قريبة من
البصرة.
وعن ابن سيرين: أنه أحرم هو وحميد بن عبد الرحمن ومسلم بن يسار
من الدارات، وأحرم أبو مسعود من السيلحين، وقال أبو داود: يرحم الله
وكيعاً أحرم من بيت المقدس، وأحرم ابن سيرين مع أنس من العقيق، ومعاذ
من الشام، ومعه كعب الحبر، وفي ((البناية)): قال إبراهيم النخعي: كانوا
يستحبون لمن لم يحج أن يحرم من بيته، ونقل القرطبي عن علي - رضي الله
عنه - أنه قال: إتمام الحج والعمرة أن يحرم بها من دويرة أهله، وعن عمر
- رضي الله عنه - مثله، أخرجه البيهقي، وحديث علي أخرجه الحاكم في
((المستدرك)) وقال: على شرط الشيخين، وقال القاضي إسماعيل: والذين
أحرموا قبل الميقات من الصحابة والتابعين كثير، انتهى.
وعن أم سلمة - رضي الله عنها - سمعت رسول الله وسلم يقول: ((من أهل
بعمرة من بيت المقدس غفر له))، وفي رواية أبي داود: ((من أهلَّ بحجة أو
عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ... )) الحديث، رواه أحمد
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٩٧/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٠/٧).
٤٥٨

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٩) حديث
٢٧/٧١٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه
أَهَلَّ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ بِعُمْرَةٍ .
أخرجه أبو داود في: ١١ - كتاب الحج، ٨٠ - باب المهلّة بالعمرة تحيض
فيدركها الحج فتنقض عمرتها .
والترمذيّ في: ٧ - كتاب الحج، ٩٢ - باب ما جاء في العمرة من
الجعرانة .
والنسائيّ في: ٢٤ - كتاب مناسك الحج، ١٠٤ - باب دخول مكة ليلاً.
وأبو داود، ولم يتكلم على رجاله فكان حجة، ورواه ابن ماجه والدارقطني
وابن حبان في ((صحيحه)) .
٢٧/٧١٩ - (مالك، أنه بلغه أن رسول الله بَلال أهل) أي: أحرم بعد قسمه
غنائم حنين في عام الفتح سنة ثمان (من الجعرانة) قال ياقوت الحموي: بكسر
أوله إجماعاً، ثم إن أصحاب الحديث يكسرون عينه ويشددون راءه، وأهل
الإتقان والأدب يخطئونهم ويسكنون العين ويخففون الراء، وحكي عن الشافعي
- رضي الله عنه - أنه قال: المحدثون يُخْطِئون في تشديد الجعرانة وتخفيف
الحديبية. قال الحموي: والذي عندنا أنهما روايتان جيدتان، حكى إسماعيل
عن ابن المديني أنه قال: أهل المدينة يُثَقِّلُونهما، وأهل العراق يُخَفِّفُونَهما،
وبالتخفيف قَيَّدَها الخطابي.
قال القسطلاني: بإسكان العين وتخفيف الراء، ضبطه جماعة من اللغويين
ومحققي المحدثين، ومنهم من ضبطه بكسر العين وتشديد الراء، وعليه أكثر
المحدثين، وقال صاحب ((المطالع)): كلاهما صواب، انتهى.
قال الحموي: هي ماء بين مكة والطائف، وهي إلى مكة أقرب نزلها
النبي ◌ُّ﴾ لما قسم غنائم هوازن مرجعه من غزاة حنين، وأحرم منه وَّ، وله
فيها مسجد وبها بئار متقاربة، وقال أبو العباس: هي من مكة على بريد من
طريق العراق، انتهى.
٤٥٩

٢٠ - كتاب الحج
(٨) باب
(٧١٩) حديث
وفي ((المحلى)): موضع بطرف الطائف بينه وبين مكة بريد، كما قاله
الفاكهي، وثمانية عشرة ميلاً، كما قاله الباجي بعمرة، ذكر الواقدي أن
إحرامه 85* من الجعرانة كان ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي
القعدة، كذا في ((التلخيص)) (١)، وقال ابن القيم: وعمرة الجعرانة كانت في أول
ذي القعدة، انتهى.
قال العيني (٢): العمرة الثالثة هي في ذي القعدة أيضاً سنة ثمان وهي
عمرة الجعرانة، قال ذلك عروة بن الزبير وموسى بن عقبة وغيرهما وهو
كذلك، وفي ((الصحيح)) من حديث أنس: أنها كانت في ذي القعدة، وقال
ابن حبان في (صحيحه)): إن عمرة الجعرانة كانت في شوال، قال المحب
الطبري: ولم ينقل ذلك أحد غيره فيما علمت، والمشهور أنها كانت في ذي
القعدة، انتهى. قلت: ووُجِّهَ بأن الخروج لها كانت في شوال، كما سيأتي في
العمرة في أشهر الحج.
وقال القاري في ((المرقاة))(٣): أما ما ذكره محمد بن سعد كاتب الواقدي
عن ابن عباس: لما قدم عليه الصلاة والسلام من الطائف نزل الجعرانة، وقسم
فيها الغنائم، ثم اعتمر منها، وذلك لليلتين بقيتا فهو ضعيف، والمعروف عند
أهل السير والمحدثين ما تقدم، انتهى. يعني كونها في ذي القعدة، وعلم منه
أن ابن حبان لم ينفرد فيه، كما قاله المحب الطبري.
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي من حديث محرش الكعبي، واللفظ
للترمذي(٤): ((أن رسول الله وَ ﴾ خرج من الجعرانة ليلاً معتمراً، فدخل مكة ليلاً
(١) ((تلخيص الحبير)) (٨٤٨/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٠٧/٧).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٧٢/٥).
(٤) أخرجه الترمذي (٩٣٥) وأبو داود (١٩٩٦) والنسائي (٢٨٦٤).
٤٦٠