النص المفهرس
صفحات 401-420
٢٠ - كتاب الحج
(٦) باب
(٧٠٧) حديث
لبست افتدت، ورخص فيه الثوري وهو مروي عن عائشة - رضي الله عنها -
قلت: واختلف نَقَلَةُ المذاهب في بيان مسالك الأئمة في ذلك، فاحتجنا إلى
مراجعة الفروع، ففي ((الروض المربع)): وتجتنب البرقع والقفازين لرواية
البخاري وغيره، ويفدي الرجل والمرأة بلبسهما .
وفي ((شرح الإقناع)) (١): والثالث ((من المحظورات)): ستر الوجه والكفين
من المرأة بما يعد ساتراً إلا لحاجة فيجوز مع الفدية، ولها لبس المخيط وغيره
في الرأس وغيره إلا القفاز، فليس لها ستر الكعبين ولا أحدهما .
وتقدم ما في ((شرح الإحياء)) عن ((الوجيز)) أصح القولين وأكثرهما .
وفي ((الشرح الكبير)) للدردير: حرم على المرأة بالإحرام لبس محيط
بيديها نحو قُفاز، وكذا ستر إصبع من أصابعها، فإن أدخلت يديها في قميصها
فلا شيء عليها، وإلا ففدية إن طال، اهـ.
قلت: واستدلت الأئمة الثلاثة بحديث الباب، والحديث ذكره مالك في
((الموطأ)»(٢) موقوفاً، وذكر البخاري في ((صحيحه))(٣) الاختلاف في رفعه
ووقفه، فقد أخرجه برواية الليث عن نافع مرفوعاً، ثم قال: تابعه موسى بن
عقبة وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وابن إسحاق في النقاب
والقفازين، وقال عبيد الله: ولا ورس، وكان يقول: ((لا تنتقب المحرمة)).
وقال مالك عن نافع عن ابن عمر: ((لا تنتقب المحرمة)) وتابعه ليث بن
أبي سليم، اهـ.
قال الحافظ(٤): قوله: وكان يقول، يعني عبيد الله المذكور خالف
(١) (٤٥٣/٢).
(٢) ((الموطأ)) (٣٢٨).
(٣) رقم الحديث ١٨٣٨.
(٤) ((فتح الباري)) (٤/ ٥٣).
٤٠١
٢٠ - كتاب الحج
(٦) باب
(٧٠٧) حدیث
المذكورين قبل، فوافقهم على رفعه إلى قوله: ((زعفران ولا ورس)) وفصل بقية
الحديث، فجعله من قول ابن عمر - رضي الله عنه -، وقوله: قال مالك ..
إلخ، الغرض أن مالكاً اقتصر على الموقوف فقط، وفي ذلك تقوية لرواية
عبيد الله، وظهر الإدراج في رواية غيره، اهـ.
قلت: وكذا ذكر الاختلاف في رفعه ووقفه أبو داود في ((سننه)) وغيره من
أئمة الحديث.
قال العيني(١): اختلف في رفعه ووقفه، ونقل الحاكم عن شيخه علي(٢)
النيسابوري أنه من قول ابن عمر أدرج في الحديث، وقال الخطابي في
(المعالم)): عَلَّلُوه بأن ذكر القفازين إنما هو من قول ابن عمر ليس عن
النبي ◌َّ، وعلَّق الشافعي - رضي الله عنه - القول في ذلك، وقال البيهقي في
((المعرفة)): إنه رواه الليث مدرجاً.
وقد استشكل الشيخ تقي الدين في ((الإمام)) الحكم بالإدراج في هذا
الحديث من وجهين: الأول: لورود النهي عن النقاب والقفازين مفرداً مرفوعاً،
فروى أبو داود من رواية إبراهيم بن سعد المدني عن نافع عن ابن عمر عن
النبي ◌ُّ قال: ((المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين)).
والوجه الثاني: أنه جاء النهي عن القفازين مبتدأ به في صدر الحديث
مسنداً إلى النبي وَ﴾ سابقاً على النهي عن غيره، قال: وهذا يمنع الإدراج،
ويخالف الطريق المشهورة، فروى أبو داود أيضاً من حديث ابن إسحاق قال:
فإن نافعاً حدثني عن ابن عمر - رضي الله عنه - ((أنه سمع رسول الله وَّل نهى
النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب)).
(١) ((عمدة القاري)) (٥٢٨/٧).
(٢) كذا في الأصل. ((ش)).
٤٠٢
1 ----------- .-
٢٠ - كتاب الحج
(٦) باب
(٧٠٧) حديث
وقال في ((الاقتراح)): دعوى الإدراج في أول المتن ضعيفة، وأجاب
الحافظ: بأن الذي اقتصر على الموقوف فرفعه فقد شَذّ بذلك فهو ضعيف، قال
العيني: الحديث ضعيف، لأن إبراهيم بن سعيد المدني مجهول، وقد ذكره
ابن عدي مقتصراً على ذكر النقاب، وقال: لا يتابع إبراهيم بن سعيد هذا على
رفعه، قال: ورواه جماعة عن نافع من قول ابن عمر.
وقال الحافظ في ((تهذيبه)) (١): قال أبو داود: شيخ من أهل المدينة، ليس
له كبير حديث، وقال ابن عدي: ليس بالمعروف، وقال ابن عدي: رفع حديثاً
لا يتابع على رفعه، وقال صاحب ((الميزان))(٢): منكر الحديث، انتهى. وقال
في ((التقريب)) (٣): مجهول الحال.
وأجاب الحافظ (٤) عن الثاني بأن الثقات إذا اختلفوا، وكان مع أحدهم
زيادة قُدِّمَتْ، ولا سيما إن كان حافظاً، ولا سيما إن كان أحفظ، والأمر ههنا
كذلك، فإن عبيد الله بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه، وقد فصل
المرفوع من الموقوف، وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف، فإنه من
التصرف في الرواية بالمعنى، وكأنه رأى أشياء متعاطفة، فقدم، وأخر لجواز
ذلك عنده، ومع الذي فصل زيادة علم فهو أولى، اهـ.
قلت: وما قال ابن دقيق العيد: إن الإدراج في أول الحديث يمنع أو
يضعف، يرده كلام أهل الأصول، فإنهم قسموا الإدراج على ثلاثة أنحاء:
الإدراج في الأول، والوسط، والآخر.
(١) (١٢٥/١).
(٢) ((ميزان الاعتدال)) (٣٥/١).
(٣) ((تقريب التهذيب)) (٣٥/١).
(٤) ((فتح الباري)) (٥٣/٤).
٤٠٣
٢٠ - كتاب الحج
(٦) باب
(٧٠٨) حدیث
١٦/٧٠٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ.
وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ.
وقال السيوطي في ((التدريب)) (١): الغالب وقوعه في آخر الحديث،
ووقوعه أوله أكثر من وسطه، وأما عند الحنفية ففي ((البدائع))(٢): أما لبس
القفّازين فلا يكره عندنا، وهو قول علي - رضي الله عنه - وعائشة، وقال
الشافعي - رضي الله عنه -: لا يجوز، لحديث ابن عمر - رضي الله عنه -،
ولنا: ما روي أن سعد بن أبي وقاص ((كان يُلْبِس بناته، وهن محرمات
القفازين))(٣)، ولأن لبس القفازين ليس إلا تغطية يديها بالمخيط، وأنها غير
ممنوعة عن ذلك، فإن لها أن تغطيهما بقميصها وإن كان مخيطاً فكذا بمخيط
آخر بخلاف وجهها .
وقوله: ((لا تلبس القفازين))، نهي ندب حملناه عليه جمعاً بين الدلائل
بقدر الإمكان، اهـ. وفي ((المحلى)): روى الشافعي في ((الأم)) عن سعد بن أبي
وقاص ((أنه كان يأمر بناته بلبس القفازين في الإحرام))، وروى الدارقطني
والبيهقي عن ابن عمر - رضي الله عنه - ليس على المرأة إحرام إلا في
وجهها ، اهـ.
١٦/٧٠٨ - (مالك، عن هشام بن عروة عن) زوجته (فاطمة بنت) عمه
(المنذر) بن الزبير (أنها قالت: كنا نخمر) أي نغطي (وجوههنا ونحن محرمات)
أي نغطيها في حالة الإحرام (ونحن مع) جدتي (أسماء بنت أبي بكر الصديق)
زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (فلا تنكره علينا) وليست هذه الزيادة في النسخ
(١) ((تدريب الراوي)) (١/ ٢٧٠).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٤١٠/٢).
(٣) انظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٩٢/٤).
٤٠٤
٢٠ - كتاب الحج
(٦) باب
(٧٠٨) حديث
٠٠
المصرية، بل عزاها الزرقاني(١) إلى رواية إذ قال: زاد في رواية: ((فلا تنكره
علينا)) .
قال الباجي(٢): وإضافة ذلك إلى كونهن مع أسماء، لأنها من أهل العلم
والدين والفضل، وأنها لا تقرهن إلا على ما تراه جائزاً عندها، ففي ذلك
إخبار بجوازه عندها، وهي ممن يجب لهن الاقتداء بها، اهـ.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف،
وأن لها أن تُغَطّ رأسها إلا وجهها، فتسدل عليه الثوب سدلاً خفيفاً تستتر به
عن نظر الرجال، ولا تُخَمِّر إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر فذكر ما ههنا،
ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلاً، كما جاء عن عائشة - رضي الله
عنها - قالت: كنا مع رسول الله وَ إذ مر بنا (٣) سدلنا الثوب على وجوهنا
ونحن محرمات، فإذا جاوزنا رفعناه، أخرجه أبو داود وابن ماجه، قاله
الزرقاني .
وقريب منه ما قاله ابن رشد(٤)، ونصه: أجمعوا على أن إحرام المرأة في
وجهها، وأن لها أن تُغَطَّ رأسها، وأن لها أن تسدل ثوبها على وجهها فوق
رأسها سدلاً خفيفاً تستتر به من نظر الرجال إليها، كنحو ما روي عن عائشة،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٤/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢٠٠/٢).
(٣) كذا في الأصل، ولفظ أبي داود (١٨٣٣) عن عائشة قالت: ((كان الرُّكبان يمرون بنا
ونحن محرمات مع رسول الله ◌ّر، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على
وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه، ولفظ ابن ماجه (٢٩٣٥) عن عائشة: كنا مع النبي وَل
ونحن محرمون، فإذا لقينا الراكب أسدلنا ثيابنا من فوق رؤوسنا، فإذا جاوزنا
رفعناها، اهـ. فما في الأصل رواية بالمعنى، اهـ (ز)).
(٤) ((بداية المجتهد)) (٣٢٧/١)، وانظر: ((التعليق الممجد)) (٢٩٤/٢).
٤٠٥
٢٠ - كتاب الحج
(٦) باب
(٧٠٨) حديث
فذكر حديثها، ثم قال: ولم يأت تغطية وجوههن، إلا ما رواه مالك عن فاطمة
بنت المنذر، فذكر ما ههنا، وهكذا أكثر شراح الحديث حكوا الإجماع في
ذلك، لكن يظهر بملاحظة فروعهم أن بينهم ههنا اختلافاً دقيقاً، سيأتي التنبيه
عليه، إلا أنهم وغيرهم متفقون على وجوب كشف وجهها، ولم يجئ التخمير
مطلقاً إلا عن فاطمة .
واختلف أهل الدراية في تأويله على أقوالٍ: الأول: ما أشار إليه ابن رشد
من تفرد فاطمة في ذلك، وهذا يُؤمئ إلى الشذوذ، والثاني: ما ذكره ابن المنذر
احتمالاً من تأويله إلى ما ورد عن عائشة - رضي الله عنها - سدلاً عند
الضرورة، والثالث: ما يظهر من كلام الباجي أن الواجب على المرأة إعراء
الوجه عن لباس مخصوص بالوجه وهو النقاب، وأما غير النقاب فلا يجب
إعراء الوجه عنه بل يستحب، فيمكن أن تريد أنهن كن يسترن وجوههن بغير
النقاب على معنى التستر.
هذا، وقد اختلفت الأئمة بعد اتفاقهم على أن إحرام المرأة في وجهها
في أنها لو سدلت للتستر فما حكمه؟ يعني إذا تعارض وجوب الكشف للإحرام
ووجوب الستر للحجاب، فكيف تفعل، وهل يبقى وجوب الكشف حينئذ أم
لا؟ قال القسطلاني: وللمرأة أن تُرْخي على وجهها ثوباً متجافياً عنه بخشبة أو
نحوها، فإن أصاب الثوب وجهها بلا اختيار فرفعته فوراً فلا فدية، وإلا وجبت
مع الإثم، انتهى. وهكذا في فروع الشافعية، ففي ((شرح الإقناع)) (١): وإذا
أرادت ستر وجهها عن الناس أرخت عليه ما يستره بنحو خشبة، بحيث لا يقع
على البشرة، انتهى.
وفي ((حاشيته)): قوله: ((إذا أرادت)) فيه إشارة إلى وجوب كشف وجهها
(١) (٤٥٣/٢).
٤٠٦
٢٠ - كتاب الحج
(٦) باب
(٧٠٨) حديث
ولو بحضرة الأجانب ومع خوف الفتنة، ويجب عليهم غض البصر، وبه قال
بعضهم، والمتّجه في هذه وجوب الستر عليها بما لا يمسُّه، انتهى.
وفي ((نيل المآرب)): ومن محظورات الإحرام: تغطية الوجه من الأنثى
ببُرْقع أو نقاب أو غيره، لكن تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها
للحاجة، ولو مسّ الثوب الوجه، والحاجة كمرور الرجال قريباً منها، فإن غطته
بلا حاجة فدت، انتهى.
وفي ((الشرح الكبير))(١): حرم بالإحرام على المرأة ولو أمة أو صغيرة ستر
وجه، إلا لستر عن أعين الناس فلا يحرم، بل يجب إن ظنت الفتنة بلا غرز
بإبرة ونحوها ولا ربط أي عقد، وإلا أي إن فعلت ما ذكر، بأن سترت وجهها
لغير ستر أو غرزت أو عقدت ما سدلته، فقدية إن طال، انتهى. قال الدسوقي :
قوله: ((إلا لستر)) يعني إذا أرادت بستر وجهها الستر عن أعين الناس، فلا يحرم
ستره حينئذ، إذا كان الستر من غير غرز وربط، انتهى.
وفي (الدر المختار))(٢): والمرأة كالرجل لكنها تكشف وجهها لا رأسها،
ولو سدلت شيئاً عليه وجافته عنه جاز، بل يندب، قال ابن عابدين: قوله:
((جاز)) أي من حيث الإحرام بمعنى أنه لم يكن محظوراً، لأنه ليس بستر،
وقوله: ((بل يندب)) أي خوفاً من رؤية الأجانب، وعبر في ((الفتح))
بالاستحباب، وصرح في ((النهاية)) بالوجوب، ووفق في ((البحر)) بما حاصله:
أن محمل الاستحباب عند عدم الأجانب، وأما عند وجودهم فالإرخاء
واجب، انتھی.
وأخرج الشافعي في ((مسنده)): أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن عطاء عن
ابن عباس قال: تدلي عليها من جلابيبها ولا تضرب به. قلت: وما لا تضرب
(١) (٥٤/٢).
(٢) (٥٨٠/٢).
٤٠٧
.. .
٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧) باب ما جاء في الطيب في الحج
به؟ فأشار لي كما تجلبت المرأة، ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب،
فقال: لا تغطيه فتضرب به على وجهها، فذلك الذي لا يبقى عليها، ولكن
تسدله على وجهها كما هو مسدولاً، ولا تقلبه، ولا تضرب به، ولا تعطفه،
انتهى .
(٧) ما جاء في الطيب في الحج
قال ابن رشد (١): أجمع العلماء على أن الطيب كله يحرم على المحرم
بالحج والعمرة في حال إحرامه، واختلفوا في جوازه للمحرم قبل الإحرام لما
يبقى من أثره عليه بعد الإحرام فكرهه مالك، ورواه عن عمر بن الخطاب،
وهو قول عثمان وابن عمر وجماعة من التابعين، وممن أجازه: أبو حنيفة
والشافعي، والثوري، وأحمد، وداود، والحجة لمالك حديث صفوان بن
يعلى، وعمدة الفريق الثاني حديث عائشة الآتي في أول الباب.
وقال العيني(٢): اختلف العلماء في استعمال الطيب عند الإحرام
واستدامته بعده، فكرهه قوم، ومنعوه، منهم مالك ومحمد بن الحسن، ومنعها
عمر وعثمان وابن عمر وعثمان بن أبي العاص - رضي الله عنهم - وعطاء
والزهري؛ وخالفهم في ذلك آخرون، منهم أبو حنيفة والشافعي، ثم قال بعد
ذكر حديث عائشة - رضي الله عنها - في الوبيص: احتج به أبو حنيفة
وأبو يوسف وزفر في أن المحرم إذا تَطَيَّب قبل إحرامه بما شاء من الطيب
مسكاً كان أو غيره، فإنه لا بأس به، ولا شيء عليه، سواء كان مما يبقى عليه
بعد إحرامه أو لا، ولا يضره بقاؤه عليه، وبه قال الشافعي وأصحابه وأحمد
والثوري والأوزاعي، وهو قول عائشة وسعد بن أبي وقاص وابن عباس
:
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٢٨/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥١/٧).
٤٠٨
٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
وابن الزبير وابن جعفر وأبي سعيد الخدري - رضي الله عنهم - وجماعة من
التابعين بالحجاز والعراق، وذكر أسماء بعضهم.
قلت: هكذا أطلق مسالك الأئمة عامة شراح الحديث ونقلة المذاهب،
والحقيقة أن بينهم تفاصيل في استدامة الطيب بعد إجماعهم على أنه لا يجوز
استعمال الطيب للمحرم بعد الإحرام، ففي ((روضة المحتاجين)) من فروع
الشافعية: يسن أن يتطيَّب بدنه للإحرام قبله ولو بما له جرم، ولا بأس
باستدامته بعده .
لكن لو نزع ثوبه المطيب، وإن كان لا يُسَنّ تطييبه، ثم لبسه، ورائحة
الطيب موجودة فيه، لزمه الفدية في الأصح، كما لو ابتدأ لبس الثوب المطيب،
أو أخذ الطيب من بدنه، ثم ردّه إليه، ولا عبرة بانتقال الطيب بإسالة العرق،
ولو تعطّر ثوبه من بدنه لم يضر جزماً، انتهى.
وذكر في ((شرح الإحياء)) اختلاف الوجوه والأقوال في هذه الفروع عند
الشافعية، وفي ((الروض المربع)) (١) من فروع الحنابلة: وسُنَّ تَطيُّبٌ في بدنه
بمسك أو بخور لحديث عائشة في الوبيص، وكره أن يتطيب في ثوبه، وله
استدامة لبسه ما لم ينزعه، فإن نزعه فليس له أن يلبسه قبل غسل الطيب منه،
ومتى تعمد مس ما على بدنه من الطيب، أو نحّاه عن موضعه، ثم رده إليه، أو
نقله إلى موضع آخر فدى، لا أن سال بعرق أو شمس، انتهى.
وقال الباجي (٢): إن مالكاً - رضي الله عنه ــ لا يجيز لأحد من الأمة
استعمال الطيب عند الإحرام إذا كان طيب تبقى له رائحة بعد الإحرام، ولا
يدّهن بدهن فيه ريح تبقى، وإن تطيب لإحرامه فلا فدية عليه، لأن الفدية
(١) انظر: (٤٦٧/١).
(٢) انظر: ((المنتقى)) (٢٠١/٢).
٤٠٩
٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
بإتلاف الطيب في وقت ممنوع من إتلافه، وهذا أتلفه قبل ذلك، وإنما تبقى منه
بعد الإحرام الرائحة، وليس ذلك بإتلاف فتجب الفدية.
ورأيت لبعض الفقهاء أن من تطيّب قبل الإحرام بما تبقى رائحته، فهو
بمنزلة من تطيّب بعد الإحرام، لأن استدامته كابتداء التطيب، فإن أراد بذلك أنه
ممنوع في الحالتين فهو صحيح، وإن أراد به وجوب الفدية فليس بصحيح،
لأنها إنما تجب بإتلاف الطيب أو لمسه، انتهى.
وفي ((الشرح الكبير))(١) للدردير: وحُرّمَ عليهما تطيّبٌ بكوَرْسٍ إلا طيباً
يسيراً باقياً في ثوبه أو بدنه مما تطيّب به قبل إحرامه، فلا فدية عليه، وإن كره،
قال الدسوقي: أي بشرط أن يكون الباقي أثره أو ريحه مع ذهاب جرمه، هذا
مقتضى كلام سند.
والذي يظهر من كلام الباجي وغيره أنها لا تسقط الفدية إلا في بقاء
ريحه دون الأثر، فقد اتفق الجميع على أنه إذا كان الباقي شيئاً من جرمه،
فالفدية واجبة، وإن كان الباقي رائحته فلا فدية، والخلاف فيما إذا كان الباقي
أثره أي لونه دون جرمه، فقيل: بعدم وجوبها، وقيل: بوجوبها، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٢): وطيب بدنه لا ثوبه بما تبقى عينه هو الأصح،
قال ابن عابدين: قوله: طيب بدنه أي استحباباً عند الإحرام، ولو بما تبقى عينه
كالمسك، والفرق بين الثوب والبدن أنه اعتبر في البدن تابعاً، والمتصل بالثوب
منفصل .
وفي (البحر الرائق)) (٣): يسن له استعمال الطيب في بدنه قبيل الإحرام بما
(١) (٦١/٢).
(٢) (٥٣٠/٢).
(٣) (٥٦٢/٢).
٤١٠
٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧٠٩) حديث
٧٠٩/ ١٧ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْن
وَّ؛ أَنَّها قَالَتْ: كُنْتُ
الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ
أَطَيِّبْ رَسُولَ اللّهِ {ل﴾.
تبقى عينه بعده أو لا تبقى، وكرهه محمد بما تبقى، وقيدنا بالبدن إذ لا يجوز
التطيب في الثوب بما تبقى عينه على قول الكل على إحدى الروايتين عنهما،
قالوا: وبه نأخذ، والفرق لهما بينهما أنه اعتبر في البدن تابعاً على الأصح،
وما بالثوب منفصل عنه فلم يعتبر تابعاً، انتهى.
ومال الطحاوي إلى قول محمد، ورجحه في ((معاني الآثار))، لكنه لم
يُفَرِّق بين الثوب والبدن في قول الشيخين، وكذا لم يفرق بينهما محمد في
((موطئه))(١)، وكذا لا تفريق بينهما في عامة المتون، ولا صاحب ((البرهان))،
ولا صاحب ((البدائع))، ولا القاري في ((شرح المناسك))، ولا السرخسي في
((مبسوطه))، ولا العيني على ((الكنز))، ولا في ((البناية))، و ((الجوهرة))، و ((شرح
الوقاية))، نعم فرق بينهما ابن الهمام، وذكر الفرق الذي تقدم عن صاحب
((البحر))، ثم قال: وقد قيل: يجوز في الثوب أيضاً على قولهما، وكذا فرق
بينهما في ((شرح الشيخ مصطفى للكنز))، والزيلعي عليه، وفي ((شرح الإحياء)):
أما الثوب ففيه روايتان، والمأخوذ به أنه لا يجوز، انتهى.
١٧/٧٠٩ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد (عن أبيه)
القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (عن) عمته (عائشة زوج
النبي (80: أنها قالت: كنت أطيب رسول الله وَلجلد) قال الحافظ(٢): استدل بقولها:
كنت أطيب على أنّ ((كان)) لا تقتضي التكرار، لأنها لم يقع منها ذلك إلا مرة
واحدة، وقد صرحت في رواية عروة عنها بأن ذلك كان في حجة الوداع،
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٧٨/٢).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٣٩٨/٣).
٤١١
٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧٠٩) حدیث
لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ،
كما في البخاري في كتاب اللباس، كذا استدل به النووي في ((شرح مسلم))،
وتُعُقِّبَ بأن المدعى تكراره إنما هو التطيب لا الإحرام، ولا مانع من أن يتكرر
التطيب لأجل الإحرام مع كون الإحرام مرة واحدة، ولا يخفى ما فيه.
وقال النووي في موضع آخر: المختار أنها لا تقتضي تكراراً ولا
استمراراً، وكذا قال الفخر في ((المحصول))، وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه،
قال: ولذا استفدنا من قولهم: كان حاتم يقري الضيف، أن ذلك كان يتكرر
منه، وقال جماعة من المحققين: إنها تقتضي التكرار ظهوراً، وقد تقع قرينة
تدل على عدمه، لكن يستفاد من سياقه لذلك المبالغة في إثبات ذلك، والمعنى
أنها كانت تكرر فعل التطيب، لو تكرر منه فعل الإحرام لما اطلعت من
استحبابه لذلك! على أن هذه اللفظة لم تتفق الرواة عنها عليها، فرواها مالك،
وتابعه منصور عند مسلم، ويحيى بن سعيد عند النسائي كلاهما عن عبد
الرحمن بلفظ: ((كنت))، ورواه سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن عند البخاري
بلفظ: ((طيبت))، وكذا سائر الطرق ليس فيها ((كنت))، انتهى بزيادة.
وتَعَقَّب العينيُّ كلامَ الحافظ أن سائر الطرق ليس فيها لفظ: ((كنت))،
وبسط الكلام على الطرق المتضمنة لذلك، وقال: قال الإمام فخر الدين: إنّ
((كان)) لا يقتضي التكرار، ولا الاستمرار، وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه،
وقال بعض المحققين: تقتضي التكرار، ولكن قد تقع قرينة تدل على عدمه.
قال العيني (١): (كان)) تقتضي الاستمرار بخلاف صار، ولذا لا يجوز أن
يقال في موضع: كان الله، أن يقال: صار، انتهى. (لإحرامه) أي لأجل إحرامه
(قبل أن يحرم) ولمسلم والنسائي: حين أراد أن يحرم، واستدل به الجمهور
على استحباب التطيب عند إرادة الإحرام، وجواز استدامته بعد الإحرام، وأنه
لا يضر بقاء لونه ورائحته خلافاً لمالك كما تقدم.
(١) ((عمدة القاري)) (٥٢/٧).
٤١٢
٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧٠٩) حديث
وأجاب عنه المالكية بأمور(١): منها: أنه وَّ اغتسل بعد أن تطيَّبَ؛ لقوله
في رواية ابن المنتشر عن عائشة عند البخاري: ((ثم طاف بنسائه ثم أصبح
محرماً))، فإن المراد بالطواف الجماع، وكان من عادته أن يغتسل عند كل
واحدة، ومن ضرورة ذلك أن لا يبقى للطيب أثر، ويردُّه قوله في طريق آخر في
هذا الحديث: ((ثم أصبح محرماً ينضح طيباً))، فهو ظاهر في أن نضح الطيب،
وهو ظهور رائحته كان في حال إحرامه.
ودعوى بعضهم أن فيه تقديماً وتأخيراً، والتقدير طاف على نسائه ينضح
طيباً، ثم أصبح محرماً خلاف الظاهر، ويرده قوله في رواية الحسن بن عبيد الله
عن إبراهيم عند مسلم: ((كان إذا أراد أن يحرم يتطيّب بأطيب ما يجد، ثم أراه
في رأسه ولحيته بعد ذلك))، وللنسائي وابن حبان: ((رأيت الطيب في مفرقه بعد
ثلاث وهو محرم))، وقال بعضهم: إن الوبيص كان بقايا الدهن المطيب الذي
تطيّب به، فزال، وبقي أثره من غير رائحة، ويردّه قول عائشة: ((ينضح طيباً))،
وقال بعضهم: بقي أثره لا عينه.
قال ابن العربي (٢): ليس في شيء من طرق حديث عائشة أن عينه بقيت،
وقد روى أبو داود وابن أبي شيبة من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة
- رضي الله عنها - قالت: ((كنا نضمخ وجوهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم،
ثم نحرم، فنعرق فيسيل على وجوهنا ونحن مع رسول الله وَّلل فلا ينهانا))، فهذا
صريح في بقاء عين الطيب .
ولا يقال: إن ذلك خاص بالنساء؛ لأنهم أجمعوا على أن الرجال
والنساء سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين، وقال بعضهم: كان
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٩٨/٣).
(٢) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (٦١/٤).
٤١٣
٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧٠٩) حديث
ذلك طيباً لا رائحة له لرواية الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة:
((بطيب لا يشبه طيبكم)) (١)، قال بعض رواته: يعني لا بقاء له، أخرجه النسائي.
ويرد هذا التأويل ما في الذي قبله، ولمسلم من رواية منصور بن زازان
عن عبد الرحمن بن القاسم: ((بطيب فيه مسك))، وله من طريق الحسن بن
عبيد الله: ((كأني أنظر إلى وبيص المسك))، وللطحاوي والدارقطني من طريق
نافع عن ابن عمر عن عائشة - رضي الله عنها -: بالغالية الجيدة، وللشيخين من
طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: ((بأطيب ما أجد)).
وهذا يدل على أن قولها: ((بطيب لا يشبه طيبكم)) أي أطيب منه، لا كما
فهمه القائل يعني ليس له بقاء، وادّعى بعضهم أن ذلك من خصائصه ومَلال، قاله
المهلب، وأبو الحسن القَصَّار، وأبو الفرج من المالكية. وقال بعضهم: لأن
الطيب من دواعي النكاح، فنهى الناس عنه، وكان هو أملك الناس لإربه
ففعله .
ورجحه ابن العربي بكثرة ما ثبت له من الخصائص في النكاح، وقد ثبت
عنه أنه قال: ((حُبِّبَ إليّ النساء والطيب)) أخرجه النسائي من حديث أنس،
وتُعُقِّبَ بأن الخصائص لا تثبت بالقياس، وقال المهلب: إنما خص بذلك
المباشرته الملائكة لأجل الوحي، وتُعُقِّبَ بأنه فرع ثبوت الخصوصية، وكيف
بها؟ ويردها حديث عائشة بنت طلحة المتقدم، وروى سعيد بن منصور بإسناد
صحيح عن عائشة قالت: طيبت أبي بالمسك لإحرامه حين أحرم.
قلت: ويرد الخصوصية أيضاً أن عائشة - رضي الله عنها - لما بلغها قول
ابن عمر - رضي الله عنه -: ((لأن أطلى بقَظْرانَ أحبُّ إليّ))، فذكرت هذا
الحديث رداً عليه، ولو كانت خصيصة عند أحد منهما لما صح الإنكار على
(١) أخرجه النسائي (٢٦٨٨).
٤١٤
٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧٠٩) حديث
ابن عمر - رضي الله عنه - بهذا الحديث، ولذا أقر الأبي المالكي في ((شرح
مسلم)) بأن استدلال عائشة على ابن عمر - رضي الله عنه - يبعد الجواب بأنه
من خصائصه .
قال الحافظ(١): واعتذر بعض المالكية بأن عمل أهل المدينة على
خلافه، وتعقب بما رواه النسائي من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث: أن سليمان بن عبد الملك لما حج جمع ناساً من أهل العلم منهم
القاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر،
وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: فسألهم عن
التطيب قبل الإفاضة، فكلهم أمره به، فهؤلاء فقهاء أهل المدينة من التابعين قد
اتفقوا على ذلك، فكيف يدعى مع ذلك العمل على خلافه؟ انتهى ما في
((الفتح)) للحافظ .
وقال الباجي(٢) بعد ذكر بعض هذه التأويلات المذكورة: ومعنى تأويلنا
لهذه الأحاديث، وما ورد في معناها: أن مالكاً - رحمه الله - لا يجيز لأحد من
الأمة استعمال الطيب عند الإحرام إذا كان له رائحة تبقى بعد الإحرام، ولنا في
الكلام على الأحاديث الواردة في ذلك طريقان؛ أحدهما: التأويل على ما
قدمناه، والثاني: تسليمها وإجراؤها على ظاهرها، إلا أن ذلك حكم يختص
بالنبي ◌َّ﴾، بدليل أمره وَل لمن أحرم بعمرة وهو لابس جبة مضمخاً بطيب
((اغسل عنك الطيب وانزع الجبة)) الحديث، وسيأتي الجواب عن الجمهور في
محله .
قال الزرقاني(٣): ومنشأ هذا الخلاف اللام في ((لإحرامه)) و(لحله)) هل
(١) (فتح الباري)) (٣٩٨/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٠١/٢).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٥/٢).
٤١٥
٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧٠٩) حدیث
وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ.
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ١٨ - باب الطيب عند الإحرام.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٧ - باب الطيب للمحرم عند الإحرام،
حدیث ٣٣.
هي للتأقيت؟ وبه قال مالك ومن وافقه كقوله تعالى: ﴿أَقِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ
الشَّمْسِ﴾، أو للتعليل؟ وبه قال الجمهور، انتهى.
قلت: وقد روي في جواز الطيب عند الإحرام آثار كثيرة. قال
ابن الهمام(١): ورؤي ابن عباس محرماً، وعلى رأسه مثل الرُّب(٢) من الغالية،
وقال مسلم بن صبيح: رأيت ابن الزبير محرماً وفي رأسه ولحيته من الطيب ما
لو كان لرجل أعد منه رأس مال، قال المنذري: وعليه أكثر الصحابة - رضي الله
عنهم -، انتهى. (ولحله) أي لأجل حلاله من إحرامه (قبل أن يطوف بالبيت)
طواف الإفاضة.
قال الحافظ(٣): وفي اللباس من البخاري من طريق يحيى بن سعيد عن
عبد الرحمن بن القاسم بلفظ: ((قبل أن يُفِيضَ))، وللنسائي من هذا الوجه
((وحين يريد أن يزور البيت))، وله أيضاً من طريق الزهري عن عروة عن عائشة
(ولحله بعدما يرمي جمرة العقبة قبل أن يطوف)).
واستدل به على حِل الطيب وغيره من محرمات الإحرام بعد رمي
الجمرة، ويستمر امتناع الجماع ومتعلقاته على الطواف بالبيت، وهو دالٌ على
أن للحج تحللين، فمن قال: إن الحلق نُسْكٌ كما هو قول الجمهور، وهو
(١) (فتح القدير)) (٣٣٩/٢).
(٢) قوله: الرُّب: هو بالراء المضمومة والموحدة، قال ابن الأثير في ((النهاية)): هو ما يطبخ
من التمر، وهو الدبس أيضاً.
(٣) (فتح الباري)) (٣٩٩/٣).
٤١٦
٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧٠٩) حدیث
الصحيح عند الشافعية، يوقف استعمال الطيب وغيره من المحرمات المذكورة
عليه، ويؤخذ ذلك من كونه وُّل في حجته رمى، ثم حلق، ثم طاف، فلولا أن
الطيب بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: قبل أن يطوف
بالبيت، انتهى .
الحاصل: أن إضافة الحل إلى ما قبل الطواف يُؤمئ إلى أن الحل
الأصغر هو بعد الرمي والحلق وغيرهما ما سوى الطواف، وتقدم الخلاف في
ذلك .
قلت: وفي الحديث حجة أيضاً على أن الطيب يباح بالحل الأصغر، ولا
يتوقف على طواف الزيارة ولا يكره قبله، والمسألة خلافية، قال العيني:
رخص فيه ابن عباس وسعد بن أبي وقاص وابن الزبير وعائشة وابن جبير
والنخعي وخارجة بن زيد، وهو قول الكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق
وأبي ثور، وكرهه سالم ومالك، وقال ابن القاسم: ولا فدية، انتهى.
قال الباجي(١): ومذهب مالك - رضي الله عنه - المنع من ذلك ومن
دواعي النكاح، قال: ومن رمى جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء
والطيب والصيد، فإذا أفاض حل له كل شيء، فمن تطيّب قبل أن يفيض فلا
فدية عليه، لأنه وجد منه أحد التحللين، ووجه آخر أنه محل اختلف في
استباحة استعمال الطيب فيه، فلم يجب له فدية، أصل ذلك التطيب للإحرام،
انتھی .
وقال الأبي(٢): القول بسقوط الفدية هو له في ((المدونة))، وعنه رواية
أخرى بثبوتها، ولا يتحقق لزومها إلا إذا كان المنع على وجه التحريم، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢٠٣/٢).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣٠٦/٣).
٤١٧
٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧٠٩) حدیث
وفي ((الهداية)) بعد ذكر الرمي والذبح والحلق: وقد حل له كل شيء إلا
النساء، وقال مالك - رضي الله عنه -: وإلا الطيب أيضاً، لأنه من دواعي
الجماع، ولنا قوله عليه الصلاة والسلام فيه: ((حل له كل شيء إلا النساء))،
انتهى .
قال ابن الهمام(١): أخرجه ابن أبي شيبة وذكر أيضاً عدة روايات يستدل
بها للجمهور، وكذا ذكرها الزيلعي في ((نصب الراية)»(٢) والحافظ في ((الدراية)»،
وسيأتي شيء من ذلك في باب الإفاضة.
وفي ((المنتقى)): عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَليقول: ((إذا رميتم
الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء)»، فقال رجل: والطيب؟ فقال
ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله وَل# يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب
ذلك أم لا؟ رواه أحمد.
قال الشوكاني(٣): أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث
العرني عنه، قال في ((البدر المنير)): إسناده حسن كما قاله المنذري، إلا أن
يحيى بن معين وغيره قالوا: يقال: إن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس،
وفي الباب عن عائشة عند أحمد وأبي داود والدارقطني والبيهقي مرفوعاً بلفظ:
((إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء))، وفي
إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، وعن أم سلمة عند أبي داود والحاكم
والبيهقي بنحوه، وفي إسناده محمد بن إسحاق، لكنه صرح بالتحديث، انتهى.
قلت: حجاج بن أرطاة من رواة مسلم والأربعة، وأخرج له البخاري في
(١) ((فتح القدير)) (٣٨٧/٢).
(٢) ((نصب الراية)) (٨٠/٣).
(٣) ((نيل الأوطار)) (٨٤/٥/٣) ح (٢٠٢١).
٤١٨
---
-----
٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٠) حديث
١٨/٧١٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ فَيْسٍ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، أَنَّ أَعْرَابِياً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَه
((الأدب المفرد)) وتعليقاً في ((صحيحه)، وهو وإن كان جارحوه أكثر من موثقيه
لكنه لم يرم بالكذب، وفي ((الخلاصة)) (١): قاضي البصرة أحد الأعلام، قال
أبو حاتم: إذا قال: حدثنا فهو صالح لا يرتاب في حفظه وصدقه، وقال
ابن معين: صدوق يدلس، انتهى. ومع ذلك فلروايته متابعات كما ترى.
١٨/٧١٠ - (مالك، عن حميد) مصغراً (ابن قيس) المكي (عن عطاء بن
أبي رباح) المكي التابعي هكذا مرسلاً في ((الموطأ))، ووصله الشيخان(٢)
وأبو داود والنسائي والترمذي من طرق عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية
عن أبيه (أن أعرابياً) أي بدوياً منسوب إلى الأعراب، وهم سُكَّان البادية، لا
واحد له من لفظه (جاء إلى رسول الله (قَالجاه).
قال الحافظ(٣): لم أقف على اسمه، لكن ذكر ابن فتحون في ((الذيل))
عن تفسير الطرطوشي: أن اسمه عطاء بن منية، قال ابن فتحون: إن ثبت ذلك
فهو أخو يعلى بن منية راوي الخبر، ويجوز أن يكون خطأ من اسم الراوي،
فإنه من رواية عطاء عن صفوان بن يعلى بن منية عن أبيه، ومنهم من لم يذكر
بين عطاء ويعلى أحداً .
ووقع في شرح شيخنا سراج الدين بن الملقن ما نصه: هذا الرجل يجوز
أن يكون عمرو بن سواد، إذ في ((كتاب الشفاء)) للقاضي عياض عنه قال: أتيت
النبيِ وَل﴾ وأنا متخلِّق، فقال: ((ورس ورس حط حط، وغَشِيَنِي بقضيب بيده في
بطني، فأوجعني))، الحديث، فقال شيخنا: لكن عمرو هذا لا يدرك ذا، فإنه
صاحب ابن وهب، انتهى .
(١) (ص٧٢).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الحج، ح (١٥٣٦)، ومسلم في الحج ح (٢٧٥٢).
(٣) (فتح الباري)) (٣٩٤/٣).
٤١٩
٢٠ - كتاب الحج
(٧) باب
(٧١٠) حدیث
وَهُوَ بِحُنَيْنِ،
وهو معترض بوجهين: أما أولاً، فليست هذه القصة شبيهة بهذه القصة
حتى يفسر صاحبها بها. وأما ثانياً: ففي الاستدراك غفلة عظيمة، لأن من
يقول: أتيت النبي وَلَّ لا يُتَخَيَّل فيه أنه صاحب ابن وهب، صاحب مالك، بل
إن ثبت فهو آخر وافق اسمه اسمه، واسم أبيه اسم أبيه، والفرض أنه لم يثبت،
لأنه انقلب على شيخنا، وإنما الذي في ((الشفاء)) سواد بن عمرو، وقيل:
سوادة بن عمرو. أخرج حديثه المذكور عبد الرزاق في ((مصنفه))، والبغوي في
((معجم الصحابة))، وروى الطحاوي من طريق أبي الحفص بن عمرو عن يعلى:
أنه مر على النبي وَّ وهو متخلِّقٌ. فقال: «ألك امرأة؟ قال: لا، قال: فاذهب
فاغسله)) .
فقد يتوهم من لا خبرة له أن يعلى بن أمية هو صاحب القصة وليس
كذلك، فإن راوي هذا الحديث يعلى بن مرة الثقفي، وهي قصة أخرى غير
قصة صاحب الإحرام، نعم روى الطحاوي في موضع آخر أن يعلى بن أمية
صاحب القصة، فقال: بسنده إلى شعبة عن قتادة عن عطاء بن أبي رباح أن
رجلاً يقال له: يعلى بن أمية أحرم وعليه جبة، فأمره النبي وَليل أن ينزعها، قال
قتادة: قلت لعطاء: إنما كنا نرى أن نَشُقّها، فقال عطاء: إن الله لا يحب
الفساد، انتهى كلام الحافظ .
وقال أيضاً في ((الإصابة)) في ترجمة عطاء بن منية: قيل: هو الأعرابي
:
الذي أحرم في الجبة، وأظنه تصحيفاً، وجزم في مقدمة ((الفتح)) أن الصواب في
اسمه يعلى(١) بن أمية راوي الحديث كما أخرجه الطحاوي. (وهو بحنين) بضم
الحاء المهملة والنونين مصغراً، كذا في ((المحلى)).
قال ياقوت الحموي: يجوز أن يكون تصغيراً لحنان، وهو الرحمة تصغير
(١) وبه جزم ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٢٢/١١)، و((الاستيعاب)) (١٥٨٥/٤) رقم
الترجمة (٢٨١٥).
٤٢٠