النص المفهرس

صفحات 321-340

٢٠ - كتاب الحج
الإشكال، ثم إن القائل بالفور لا يجزم بالمعيارية، والقائل بالتراخي لم يجزم
بالظرفية، بل كلٌّ منهما يُجوِّزُ الجهتين.
لكن القائل بالفور يُرَجِّحُ جهة المعيارية، ويوجب أداءه في العام الأول،
حتى لو أخّره عنه بلا عذر أثم لتركه الواجب، لكن لو أداه في العام الثاني كان
أداء لا قضاء، والقائل بالتراخي يُرَجِّح جهة الظرفية، فلو أداه بعد العام الأول
لا يأثم بالتأخير، لكن لو أخره فمات ولم يحج أثم في آخر عمره.
وقال بعض أصحابنا المتأخرين: المعتمد أن الخلاف في هذه المسألة
ابتدائي، فأبو يوسف عمل بالاحتياط؛ لأن الموت في سنة غير نادر فيأثم،
ومحمد حكم بالتوسع لظاهر الحال في بقاء الإنسان، انتهى.
وفي ((الروض المربع)) (١): واجبٌ على الفور، ويأثم إن أخره بلا عذر،
انتهى. وقريب منه ما في ((نيل المآرب))، وبسط ابن قدامة في ((المغني))(٢) في
دلائل الفور، وفي ((الشرح الكبير)) للدردير: وفي فوريته وتراخيه خلاف، قال
الدسوقي بعدما ذكر اختلاف أصحابهم: والقول بالفورية نقله العراقيون عن
مالك، والقول بالتراخي إنما أخذ من مسائل، وليس الأخذ منها بقوي، وإذا
علمت ذلك فقد ظهر لك أن القول بالفورية أرجح، انتهى.
وذكر الأبي في ((الإكمال))(٣) المسائل التي أخذ منها التراخي، وقال:
الذي يحكيه البغداديون من المذهب أنه على الفور، وقال ابن خويز منداد: إنه
على التراخي. وصرح في ((فروع الشافعية)): بأنه على التراخي، ففي ((روضة
المحتاجين)): وجوبه على التراخي بشرطه عندنا، وأما عند الإمامين مالك
وأحمد: فعلى الفور.
(١) (١/ ٤٥٤).
(٢) (٣٦/٥).
(٣) (٢٩١/٣).
٣٢١

٢٠ - كتاب الحج
وليس لأبي حنيفة نصٌّ في المسألة، وقد اختلف صاحباه، فقال محمد:
على التراخي، وقال أبو يوسف: على الفور، وشرط التراخي أن يعزم على
الفعل بعد، وأن لا يتضيق بنذر، كأن كان عليه حجة الإسلام، ثم نذر الحج
في سنة معينة فيصح، ويحمل منه على التعيين، فقد ضيقه على نفسه بتعيين
السنة المذكورة في نذره، انتهى. وقريب منه ما في ((حاشية شرح الإقناع)).
وقال النووي في ((مناسكه)): إذا وجدت شرائط الوجوب وجب على
التراخي، فله تأخيره ما لم يخش العطب(١)، فإن خشيه حرم عليه التأخير على
الأصح، هذا مذهبنا، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والمزني: يجب على
الفور، ثم عندنا إذا أخر، فمات تبين أنه مات عاصياً على الأصح لتفريطه،
انتھی .
الخامس: اختلفوا في مبدأ فرضه على أقوال، قال القاري: تحصل أحد
عشر قولاً. قلت: منها: أنه فرض قبل الهجرة، قال الحافظ في ((الفتح))(٢):
هو شاذٌّ، وفي ((شرح الإقناع)): قيل: قبل الهجرة حكاه في ((النهاية))، والمشهور
أنه بعدها، قال البجيرمي: هو المعتمد؛ لأن سائر العبادات فرضت بعد الهجرة
إلا الصلاة، انتهى.
ومنها: سنة خمس، وجزم به الرافعي في ((كتاب الحج))، وكذا في
((المنتقى))(٣)، ورجحه صاحب ((الخميس)) فقال: فيها نزلت على القول
الصحيح.
ومنها : سنة ست، جزم به الرافعي في السير، وكذا النووي، وحكاه في
(١) في الأصل: العضب وهو تحريف.
(٢) (فتح الباري)) (٣٧٨/٣).
(٣) (٣٦٨/٢).
٣٢٢

٢٠ - كتاب الحج
(شرح المهذب)) عن الأصحاب، وقال ابن حجر في ((شرح مناسك النووي)):
صححه الشيخان في السِيَرْ، ونقله في ((المجموع)) عن الأصحاب، وعزاه
الحافظ والقسطلاني وغيرهما إلى الجمهور لنزول قوله تعالى: ﴿وَأَنِمُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ
لِلّهِ﴾(١) الآية فيها، وتعقبه ابن القيم بأنها وإن نزلت عام الحديبية، لكن ليس
فيها فريضة الحج، وإنما الأمر فيها بإتمامه وإتمام العمرة، انتهى.
وقال الطحطاوي على ((المراقي)): وفي ((حاشية العلامة نوح)): المشهور
سنة ست وهو الصحيح، انتهى. وقال القسطلاني في ((المواهب))(٢): الجمهور
على أنها سنة ست لنزول الآية، ويؤيده قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم بلفظ :
((وأقيموا الحج)) رواه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم، وقيل: الإتمام الإكمال
بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدم فرضه، انتهى.
ومنها: سنة سبع، ومنها: سنة ثمان. قال صاحب ((الخميس)): كذا في
((مناسك الكرماني))، ورجحه جماعة من العلماء.
وقال ابن حجر في ((شرح مناسك النووي)): أو سنة ثمان، كما قاله
الماوردي .
ومنها: سنة تسع، صححه عياض كما في ((الخميس))، والقرطبي كما في.
(العيني))، وبه جزم صاحب ((الدر المختار))، وحكى ابن عابدين(٣) عن غيره،
ليس بيد من ادعى التقدم بدليل، وبه جزم صاحب ((الروض المربع)).
ومنها : سنة تسع أو عشر، حكاه العيني عن إمام الحرمين، وبه جزم
ابن القيم في ((الهدي))، وعزاه إلى غير واحد من السلف.
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
(٢) ((المواهب اللدنية)) (٤٠٠/٤ - ٤٠١).
(٣) ((رد المحتار)) (٥٠٠/٢).
٣٢٣

٢٠ - كتاب الحج
•
ومنها: سنة عشر، قال الطحطاوي على ((المراقي)): قيل: فرض قبل
الهجرة وهو بعيد، وأبعد منه قول بعضهم: إنه فرض سنة عشر، انتهى.
والسادس: في سبب تأخيره وَّ﴾ الحج بعد نزوله على قول من قال:
بالتأخير بعد الفرضية، فحكى القاري عن ابن الهمام أن تأخيره عليه الصلاة
والسلام ليس يتحقق فيه تعريض الفوات، وهو الموجب للفور، لأنه كان يعلم
أنه يعيش حتى يحج، ويُعَلِّم الناس مناسكهم تكميلاً للتبليغ .
قال القاري: والأظهر أنه عليه الصلاة والسلام أخّره عن سنة خمس أو
ست لعدم فتح مكة، وأما تأخيره عن سنة ثمان فلأجل النسيء، وأما تأخيره
عن سنة تسع، فلما ذكرنا في رسالة مسماة بـ((التحقيق في موقف الصديق))،
انتھی .
قال ابن رشد في ((مقدماته)) (١): أما قول من قال: إن حجة أبي بكر
- رضي الله عنه - كانت تطوعاً، لأنه حج في ذي القعدة قبل وقت الحج على
النسيء، وأنه ◌َّ إنما أخّر إلى عام عشر ليوقعه في وقته، فليس ذلك عندي
بصحيح، بل حجُّ أبي بكر في ذي القعدة هو وقته حينئذ شرعاً وديناً قبل أن
ينسخ النسيء، ثم حج ◌َ في ذي الحجة من العام المقبل وأنزل الله: ﴿إِنَّمَا
الَُِّّ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾(٢) فنسخ ذلك النسيء.
:
ولو كان الحج فُرِض في ذي الحجة ونُسِخ النسيء عند فرض الحج قبل
حج أبي بكر - رضي الله عنه - لما حج أبو بكر في ذلك العام إلا في ذي
الحجة، ولأمكن رسول الله 18 في ذلك العام لو شاء فيه، فالصحيح أنه إنما
أخَّر الحج في ذلك العام للعُراة الذين كانوا يطوفون بالبيت من المشركين، حتى
(١) (٤٠٤/١).
(٢) سورة التوبة: الآية ٣٧.
٣٢٤

٢٠ - كتاب الحج
يعهد إليهم في ذلك ما جاء في الحديث، لا ليوقعه في ذي الحجة، إذ كان
قادراً على أن يوقعه في ذلك العام في ذي الحجة، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(١): فرض سنة تسع، وإنما أخّره عليه الصلاة
والسلام لعشر لعذر مع علمه ببقاء حياته ليكمل التبليغ، قال ابن عابدين: قوله:
(لعذر)) إما لأن الآية نزلت بعد فوات الحج، أو الخوف من المشركين على أهل
المدينة، أو خوفه على نفسه وَّ﴾، أو كره مخالطة المشركين، إذ كان لهم عهد
في ذلك الوقت، انتهى.
قلت: أو لأجل النسيء كما تقدم، أو لأن المشركين كانوا يطوفون عُراة
فَكَرِه مخالطتهم.
والسابع: اختلفوا هل كان واجباً على الأمم السابقة أم لا؟ ففي ((شرح
الإقناع))(٢): هو من الشرائع القديمة، روي أن آدم عليه السلام لما حج قال له
جبريل: ((إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت بسبعة آلاف سنة))، وقال
صاحب ((التعجيز)): إن أول من حج آدم عليه السلام، وإنه حج أربعين سنة من
الهند ماشياً، وقيل: ما من نبي إلا حجه، وقال أبو إسحاق: لم يبعث الله نبياً
بعد إبراهيم إلا وقد حَجَّ البيت، وادّعى بعض من ألف في المناسك أن
الصحيح أنه لم يجب إلا على هذه الأمة، انتهى.
وقال ابن حجر في شرح قول النووي في ((المناسك)): ((هو شعار
الأنبياء)): ظاهره أن سائر الأنبياء حجوا. وقول عروة بن الزبير: بلغني أن آدم
ونوحاً حَجًّا دون هود وصالح، لاشتغالهما بأمر قومهما، ثم بعث الله إبراهيم
فحجَّه وعَلَّم مناسكه، ثم لم يبعث الله نبياً بعده إلا حجَّه. معترض بأنه جاء في
(١) ((الدر المختار مع رد المحتار)) (٥٠٠/٢).
(٢) (٣٢٠/١).
٣٢٥

٢٠ - كتاب الحج
أحاديث كثيرة أن هوداً وصالحاً حجّا، ويقول جماعة: إن جميع الأنبياء
حجّوا، ومشى عليه صاحب ((البيان)) وابن الرفعة والدميري حيث قالوا: لم
يبعث الله نبياً إلا حج البيت، انتهى.
وفي ((روضة المحتاجين)): هو من الشرائع القديمة بمعنى بعض الأعمال
المطلوبة، أما جميعها بالهيئة المخصوصة فمن خصوصيات هذه الأمة، وقيل:
ما من نبي إلا حَجَّه، وذكر في ((هامشه)) قوله: ((ما من نبي حتى هود وصالح))
على المعتمد، وحتى عيسى عليه السلام فقد أخرج ابن عساكر عن أنس: ((كنت
أطوف مع رسول الله وَسير إذا رأيته صافح شيئاً ولا نراه، فقلت: يا رسول الله!
رأيتك صافحت شيئاً ولا نراه، فقال: ذاك أخي عيسى ابن مريم انتظرته حتى
فرغ من طوافه فسلمت عليه)، انتهى.
وقال القاري (١): اختلف في أن الحج كان واجباً على الأمم قبلنا أم
وجوبه مختصّ بنا لكمالنا، الأظهر الثاني، واختار ابن حجر الأول مستدلاً
بقوله: ((ما من نبي إلا وحج)) فهو من الشرائع القديمة، وجاء: ((أن آدم عليه
السلام حج أربعين سنة من الهند ماشياً)) وهذا كما ترى لا دلالة فيه على إثباته
ولا على نفيه، وإنما يدل على أنه مشروع فيما بين الأنبياء، ولا يلزم من كونه
مشروعاً أن يكون واجباً مع أن الكلام إنما هو في الأمم قبلنا .
ولا يبعد أن يكون واجباً على الأنبياء دون أممهم، وقد صح أنه عليه
الصلاة والسلام لما بلغ عسفان في حجة الوداع، قال: ((لقد مر به هود وصالح
على بكرين أحمرين خطمهما الليف، وأُزُرُهم العباء، وأرديتهم النمارُ، يُلَبُّون
يحجون البيت العتيق)) رواه أحمد (٢)، انتهى.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٣/٥).
(٢) ((مسند أحمد)) (٢٣٢/١).
٣٢٦

٢٠ - كتاب الحج
الثامن: في حكم الحج، قال النووي في ((مناسكه)): إن أصل العبادة
الطاعة، والعبادات كلها لها معانٍ قطعاً، فالشرع لا يأمر بالعبث، ثم معنى
العبادات قد يفهمه المكلف، وقد لا يفهمه، فالحكمة في الصلاة التواضع
والخشوع وإظهار الافتقار إلى الله عز وجل، والحكمة في الصوم كسر النفس،
وفي الزكاة مواساة المحتاج، وفي الحج: إقبال العبد أشعث أغبر من مسافة
بعيدة إلى بيتٍ فَضَّله الله تعالى وشَرَّفَه، كإقبال العبد إلى مولاه ذليلاً، ومن
العبادات التي لا تفهم معانيها السعي والرمي، فكلف العبد بها ليتم انقياده،
فإن هذا النوع لا حظّ للنفس فيه، ولا أنس للعقل به، فلا يحمل عليه إلا مجرد
امتثاله الأمر وكمال الانقياد، فهذا إشارة مختصرة يعرف بها الحكمة في جميع
العبادات، انتهى.
وقال شيخنا الدهلوي في ((حجة الله))(١): اعلم أن حقيقة الحج اجتماع
جماعة عظيمة من الصالحين في زمان يذكر حال المنعم عليهم من الأنبياء
والصديقين والشهداء والصالحين، ومكانٍ فيه آيات بيناتٌ، قد قصده جماعات
من أئمة الدين معظّمين لشعائر الله، متضرِّعين، راغبين، وراجين من الله الخيرَ،
وتكفيرَ الخطايا، فإن الهِمَمَ إذا اجتمعت بهذه الكيفية لا يتخلف عنها نزول
الرحمة والمغفرة، وقوله ◌َ﴾: ((ما رُؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدخر
ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة)) الحديث.
وأصل الحج موجود في كل أمة لا بد لهم من موضع يتبرَّكون به لما رأوا
من ظهور آيات الله فيه، ومن قرابين وهيئات مأثورة عن أسلافهم، يلتزمونها،
لأنها تُذَكِّرُ المقرَّبين، وما كانوا فيه، وأحق ما يُحَجُّ إليه بيتُ الله، فيه آياتٌ
بيناتٌ، بناه إبراهيم صلوات الله عليه، المشهود له بالخير على ألسنة أكثر الأمم
بأمر الله ووحيه، بعد أن كانت الأرض قفراً وعراً، إذ ليس غيره محجوج إلا
(١) (حجة الله البالغة)) (١ /٧٥).
٣٢٧

٢٠ - كتاب الحج
وفيه إشراك أو اختراع ما لا أصل له، ومن باب الطهارة النفسانية الحلول
بموضع لم يزل الصالحون يُعَظِّمونه ويحِلُّون فيه ويعمرونه بذكر الله، فإن ذلك
يجلب تعلق همم الملائكة السِّفلية، ويعطف عليه دعوة الملأ الأعلى الكلية
لأهل الخير، فإذا حلّ به غلب ألوانهم على نفسه، وقد شاهدت ذلك رأيَ
عین.
ومن باب ذكر الله تعالى رؤيةُ شعائر الله وتعظيمُها، فإنها إذا رُؤيت
ذُكر الله كما يُذَكِّرُ الملزومُ اللازمَ، لا سيما عند التزام هيئات تعظيمية وقيود
وحدود تُنَبِّهُ النفس تنبيهاً عظيماً، وربما يشتاق الإنسان إلى ربه أشدَّ شوقٍ،
فيحتاج إلى شيءٍ يقضي به شوقه فلا يجده إلا الحج، وكما أن الأدلة تحتاج
إلى عرضة بعد كل مدة ليتميز الناصح من الفاشل، والمنقاد من المتمرد،
وليرتفع الصيت، وتعلوا الكلمة، ويتعارف أهلها فيما بينهم، فكذلك الملة
تحتاج إلى حج ليتميز الموفق من المنافق، وليظهر دخول الناس في دين الله
أفواجاً، وليرى بعضهم بعضاً فيستفيد كل واحد ما ليس عنده، إذ الرغائب إنما
تكتسب بالمصاحبة والترائي، انتهى.
وقال أيضاً في موضع آخر (١): المصالح المرعية في الحج أمورٌ: منها:
تعظيم بيت الله، فإنه من شعائر الله، وتعظيمه هو تعظيم الله، ومنها: تحقيق
معنى العرضة، فإن لكل دولة أو ملة اجتماعاً يتوارده الأقاصي والأداني ليعرف
بعضهم بعضاً، ويستفيدوا أحكام الملة، ويعظموا شعائرها، والحج عرضة
المسلمين. وظهور شوكتهم، واجتماع جنودهم، وتنويه ملتهم، وهو قوله
تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلِنَّاسِ وَأَمْنَا﴾(٢).
(١) (٥٦/٢).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٢٥.
٣٢٨

٢٠ - كتاب الحج
٠
ومنها: موافقة ما توارث الناس عن سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما
السلام، فإنهما إماما الملة الحنيفية، وتعلو به كلمتها، وهو قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ
أَبِيكُمْ إِنَزَهِيمٌ﴾ فمن الواجب المحافظة على ما استفاض عن إماميها، كخصال
الفطرة ومناسك الحج، وهو قوله وَل﴾: ((قفوا على مشاعركم، فإنكم على إرث
من إرث أبيكم إبراهيم)).
ومنها: الاصطلاح على حال يتحقق بها الرفق لعامتهم وخاصتهم، كنزول
منى والمبيت بمزدلفة، فإنه لو لم يصطلح على مثل هذا لشق عليهم، ولو لم
يسجل عليه لم تجتمع كلمتهم عليه مع كثرتهم وانتشارهم.
ومنها : الأعمال التي تُعلن بأن صاحبها موحِّد تابعٌ للحق، متديَّنٌ بالملة
الحنيفية، شاكرٌ لله على ما أنعم على أوائل هذه الملة، كالسعي بين الصفا والمروة.
ومنها: أن أهل الجاهلية كانوا يحجون، وكان الحج أصل دينهم،
ولكنهم خلطوا أعمالاً ما هي مأثورة(١) عن إبراهيم عليه السلام، وإنما هي
اختلاقٌ منهم، وفيها إشراك بالله كتعظيم إساف ونائلة(٢)، وكالإهلال لمناة
الطاغية، وكقولهم في التلبية: لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، ومن حق هذه
الأعمال أن ينهى عنها ويؤكد في ذلك، وأعمالاً انتحلوها فخراً وعجباً كقول
حمس: نحن قطان الله، فلا نخرج من حرم الله، وغير ذلك من مزخرفاتها،
ذكرها الشيخ، وذكر أيضاً ما ورد في إبطالها .
قلت: ومناسك الحج كلها مبنية على أربعة أمورٍ: الأول: إظهار العبودية
لجنابه تعالى .
والثاني: إظهار العشق إلى حضرته، فإنه تعالى وتقدس كما أنه معبود
(١) أي في الحج.
(٢) إساف - بكسر الهمزة - ونائلة، صنمان زعموا أنهما زنيا في الكعبة فمسخا .
٣٢٩

٢٠ - كتاب الحج
ومسجود لعبيده، كذلك محبوب ومقصود لعشاقه، كما لا يخفى على من
أذاقه الله تعالى جرعة من شراب حبه - رزقني الله تعالى شيئاً منه بلطفه -.
والثالث: فيه تنبيه إلى الرحيل من دار الفناء إلى دار البقاء، ففي كل شيء
من أعمال الحج وأحواله تلميح إلى ذلك.
والرابع: اجتماعهم على حالة واحدة يستوي فيها الأمراء والفقراء، فإنه
موجب للاتحاد والأخوة بينهم، فللّه در الملة الحنيفية البيضاء، أما الأول
والرابع فظاهران في كل أمر من أمور الحج، وأما الثاني والثالث فيحتاجان إلى
مراقبة أحوال الأموات والعُشَّاق، فليس أمر من أمور الحج إلا وله شبه خاصٌ
بهما، لا يسع تفصيله الكتاب، ومؤلفه أحقر من أن يتكلم في الأسرار.
والتاسع: في فضل البيت وشرافته وتخصيصه، ومعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ
أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ الآية. وحكى القاري(١) عن ((معالم التنزيل)): اختلف العلماء في قوله
تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ فقال بعضهم: هو أول بيت ظهر على وجه
الماء عند خلق السماء والأرض، خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام،
وكانت زبدةً بيضاءَ على الماء، فدُحِيَتِ الأرض من تحتها، هذا قول عبد الله بن
عمر ومجاهد وقتادة والسدي، وهو المشهور، وقال بعضهم: هو أول بيت بُنِي
في الأرض، روي عن علي بن الحسين: أن الله تعالى وضع تحت العرش بيتاً،
وهو البيت المعمور، وأمر الملائكة أن يطوفوا به، ثم أمر الملائكة الذين هم
سُّانُ الأرض أن يبنوا بيتاً في الأرض على مثاله وقدره، فبنوا، واسمه
الضراح، وأمر من في الأرض أن يطوفوا به، كما يطوف أهل السماء بالبيت
المعمور.
وروي أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام، فكانوا يحجونه، فلما
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٢/٥).
٣٣٠
.---
-----

٢٠ - كتاب الحج
حجه آدم قالت الملائكة: برّ حجك، حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام،
انتھی .
وقد بسط الرازي في ((تفسيره)) ما يتعلق بالآية الشريفة: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ
لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِّكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَى لِلْعَلَمِينَ ﴿٨ فِيهِ ◌َايَتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ إِنْزَهِيمٌ وَمَن دَخَلَهُ
كَانَ ءَامِنَا﴾(١). وقال: إنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة: ﴿فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبَهِيَمَ
حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الُْثْرِكِينَ﴾(٢) وكان من أعظم شعائر ملة إبراهيم ذُكِرَ في هذه
الآية فضيلة البيت ليفرع عليه إيجاب الحج.
واختلف في أن البيت أول في الوضع والبناء، أو أول في كونه مباركاً
وهدى، وذهب إلى كل من القولين جماعة من المفسرين، ذكرهم الرازي، ثم
قال: وإذا ثبت أن المراد من هذه الأولية زيادة الفضيلة والمنقبة، فلنذكر ههنا
وجوه فضيلة البيت .
فالأول: اتفقت الأمم على أن باني البيت هو الخليل عليه السلام، وباني
بيت المقدس سليمان عليه السلام، ولا شك أن الخليل أعظم درجة منه، فمن
هذا الوجه يجب أن يكون البيت أشرفَ من بيت المقدس، وقد أمر الله عز
اسمه الخليل بعمارته، فقال: ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْرَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَّا تُشْرِكْ
بِ شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَمِينَ وَالرُّكَعِ السُّجُودِ ﴾﴾(٣)، والمبلِّغ لهذا
التكليف جبرئيل عليه السلام، ولذا قيل: ليس في العالم بناء أشرف من
الكعبة، فالآمر هو الملك الجليل، والمهندس جبرئيل، والباني الخليل،
والتلميذ إسماعيل.
(١) سورة آل عمران: الآية ٩٧.
(٢) سورة آل عمران: الآية ٩٥.
(٣) سورة الحج: الآية ٢٦.
٣٣١

٢٠ - كتاب الحج
ومن الفضائل فيه مقام إبراهيم، وهو الحجر الذي وضع إبراهيم قدمه
عليه، فجعله الله كالطين حتى غاص فيه قدمُ إبراهيم عليه السلام، وهذا مما لا
يقدر عليه إلا الله سبحانه، ولا يظهره إلا على الأنبياء، ثم لما رفع إبراهيم
قدميه، خلق فيه الصلابة الحجرية مرة أخرى، ثم إنه تعالى أبقى ذلك الحجر
على وجه الاستمرار والدوام، فهذه آيات عجيبة ومعجزات باهرة، أظهرها الله
سبحانه في هذا الحجر.
ومن الفضائل أيضاً: قلة ما يجتمع فيه من حصى الجمار، فإنه منذ آلاف
السنين، وقد يبلغ من يرمي الجمار في كل سنة ستمائة ألف إنسان، كل واحد
منهم سبعين حصاة، ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير
كثير، وليس الموضع مسيل ماء ولا مهب رياح كثيرة، وقد جاء في الآثار أن
من كانت حجته مقبولة رفعت حجارة جمراته إلى السماء.
ومنها: أن الطيور تترك المرور فوق الكعبة عند طيرانها في الهواء، بل
تنحرف عنها إذا وصلت إلى ما فوقها .
ومنها: أن عنده يجتمع الوحوش، لا يُؤذي بعضُهم بعضاً كالكلاب
والظباء، ولا يصطاد فيه الكلاب والوحوش، وتلك خاصية عجيبة، وأيضاً من
سكن مكة أمن من النهب والغارة، وهو بركة دعاء إبراهيم حيث قال: ﴿رَبِّ
اجْعَلْ هَذَا بَدًا ءَإِنَّا﴾(١)، وقال تعالى في صفة أمنه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنا
وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ أَفَبِالْبَطِلِ﴾(٢)، وقال عز اسمه: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا
اُلَّذِىّ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾﴾(٣)، ولم ينقل أن
الْبَيْتِ
(١) سورة البقرة: الآية ١٢٦.
(٢) سورة العنكبوت: الآية ٦٧.
(٣) سورة قريش: الآيتان ٣، ٤.
٣٣٢

٢٠ - كتاب الحج
ظالماً هدم الكعبة وخرب مكة بالكلية، وأما بيت المقدس فقد هدمه بخت نصر
بالكلية .
ومن الفضائل أيضاً: أن صاحب الفيل وهو أبرهة الأشرم لما قاد
الجيوش لتخريب الكعبة وعجزت قريش عن مقاومته، أرسل الله عليهم طير
الأبابيل تحمل أحجاراً ترميهم، وكانت في غاية الصغر، فهذه آية باهرة دالة
على شرف الكعبة، فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون كل ذلك لطلسم موضوع
هناك بحيث لا يعرفه أحد، فإن الأمر في تركيب الطلسمات مشهور، ويقال:
لكان طلسماً مخالفاً لسائر الطلسمات، فإنه لم يحصل لشيء سوى الكعبة مثل
هذا البقاء الطويل في هذه المدة العظيمة، ومثل هذا يكون من المعجزات، فلا
يتمكن منها سوى الأنبياء.
ومن الفضائل: أنه عزّ اسمه وضعها بوادٍ غير ذي زرع، والحكمة فيه
بوجوه: الأول: قطع بذلك رجاء أهل حرمه عمن سواه فلا يتكلوا إلا عليه.
الثاني: لا يسكنها أحد من الجبابرة والأكاسرة، فإنهم يريدون طيبات
الدنيا، فالمقصود تنزيه هذا الموضع عن لوث أهل الدنيا .
والثالث: لئلا يقصدها أحد للتجارة، بل يكون ذلك لمحض العبادة.
والرابع: أظهر تعالى بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيوت في أقل
المواضع نصيباً من الدنيا .
والخامس: كأنه قال: لما لم أجعل الكعبة إلا في موضع خالٍ عن جميع
نعم الدنيا، كذلك لا أجعل كعبة المعرفة إلا في كل قلب خالٍ عن محبة
الدنيا، وهذا ما يتعلق بفضائل الكعبة.
وظهر منها أنها أول بيتٍ وضع للناس في أنواع الفضائل والمناقب،
وبطل قول يهود: إن بيت المقدس أفضل وأشرف من الكعبة، وقال تعالى:
٣٣٣

٢٠ - كتاب الحج
﴿لَلَّذِى بِّكَّةَ﴾ ولا شك أن المراد منه مكة، فقيل: إن الباء والميم حرفان
متقاربا المخرج، يقام كل واحد منهما مقام الآخر، يقال: ضربة لازم، وضربة
لازب، ويقال: دائم ودائب، وراتم وراتب.
وفي اشتقاق بكة وجهان: الأول: أنه من البك الذي هو عبارة عن دفع
البعض بعضاً، ولذا قال سعيد بن جبير: سُمِِّت بذلك؛ لأنهم يزدحمون في
الطواف، والثاني: سُمِّيت بها، لأنها تبكُّ أعناق الجبابرة لا يريدها جبار بسوء
إلا اندقت عنقه.
وفي اشتقاق مكة وجوه؛ الأول: أنها من تمكُّ الذنوب أي تُزيلها،
والثاني: لاجتلابها الناس من كل جانب، يقال: امتَكَّ الفصيلُ إذا استقصى ما
في ضرع أمه، والثالث: سميت لقلة مائها، كأن أرضها امتَكَّتْ مائها، والرابع:
أنها في وسط الأرض، والعيون والمياه كلها تنبع من تحت مكة، فالأرض كلها
تمكُّ من مائها، ومنهم من فرق بين مكة وبكة، فقال بعضهم: بكة اسم
للمسجد، ومكة اسم للبلد، والأكثرون مكة اسم للمسجد، وبكة اسم البلد إلى
آخر ما بسط الرازي من تفسير الآية.
وقد وصفه عز اسمه بنفسه قوله: ﴿مُبَارَكًا﴾، فيا لها من البركات التي لا
تنقضي عجائبها، ولا شك أن من دخله تقرباً إلى الله كان آمناً من النار، وقد قال
النبي ◌َّهُ: ((من مات في أحد الحرمين بُعِث يوم القيامة آمناً))، وقد سماه عزَّ وجلَّ
بالبيت العتيق، إما بمعنى القديم، فيرجع إلى قوله: أول بيت وضع، قاله
الحسن، أو لأنه أُعْتِقَ من الجبابرة، فكم من جَبَّارٍ سار إليه لهدمه فمنعه الله
عز وجل، وهو قول ابن عباس وابن الزبير، وروي مرفوعاً، وتسلط الحجاج لم
يكن لقصد البيت، أو لأنه لم يملك قط، قاله ابن عيينة، أو لأنه أعتق من الغرق،
قاله مجاهد، أو لأنه بيت كريم، من قولهم: عتاق الطير والخيل، انتهى.
والعاشر: في تكفير الحج للخطايا، والمسألة شهيرة، والبحث فيها طويل
٣٣٤

٢٠ - كتاب الحج
لا يسعه هذا ((الأوجز))، وأجاد شيخي ووالدي البحث في ذلك فيما حكاه عن
شيخه وقطب وقته الحافظ الحجة مولانا رشيد أحمد الجنجوهي - قدس سره -
فيما قرره على الجزء الثاني من الترمذي الموسوم ((بالكوكب الدري)) (١) في
((باب ما جاء في مثل الصلوات الخمس))، فارجع إليه لو شئت التفصيل.
والجملة أن الروايات في تكفير الذنوب وتعميم المعاصي مما لا يحصى
كثرة، كأحاديث الوضوء وخروج الخطايا من غسل الأعضاء، وأحاديث المشي
إلى المساجد، وأحاديث الصلاة التي لا يحدث فيها نفسه، وأحاديث الركعتين
بعد الوضوء، وأحاديث التأمين إذا وافق قوله قول الملائكة، وأحاديث التحميد
إذا وافق قوله قول الإمام، وأحاديث إجابة الأذان، وسبحة الضحى، وأحاديث
الحُمَّى والأمراض والبلايا، والحج والعمرة، والفتن وغير ذلك.
ومع ذلك حكى جمع من المحققين كالقاضي عياض وابن عبد البر وابن
حجر المكي وغيرهم الإجماع على أن الكبائر لا تُكَفَّرُ إلا بالتوبة، فمن ذاهبٍ
إلى أن الروايات بأسرها مؤوَّلةٌ بالصغائر، ومن ذاهبٍ إلى أن بعض الأعمال
يمحو الكبائر أيضاً لا سيما الحج لكثرة ما ورد فيه من الروايات.
ففي ((الدر المختار)) (٢): هل الحج يكفر الكبائر؟ قيل: نعم كحربي
أسلم، وقيل: غير المتعلقة بالآدمي كذمي أسلم، وقال عياض: أجمع أهل
السنة أن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة، ولا قائل بسقوط الذَّيْن، ولو حقاً لله
كدين صلاة وزكاة، نعم إثمُ المطلِ وتأخير الصلاة ونحوها يسقط، وهذا معنى
التكفير على القول به، وحديث ابن ماجه: ((أنه وَ ◌ّر استجيب له حتى في الدماء
والمظالم))، ضعيف، انتهى.
(١) (٢٣٨/١).
(٢) ((الدر المختار مع رد المحتار)) (٦٨٤/٢ - ٦٨٦).
٣٣٥

٢٠ - كتاب الحج
ويؤيد التعميم ما سيأتي في ((جامع الحج)) من حديث طلحة بن عبيد الله
مرفوعاً ((من تجاوز الله عز وجل عن الذنوب العظام))، وما في مسلم والنسائي
وابن ماجه عن عائشة مرفوعاً: ((ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيداً من النار
من يوم عرفة))، الحديث، وما في ابن خزيمة وابن حبان والبزار وأبي يعلى
والبيهقي عن جابر رفعه: ((ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة)) الحديث،
وفيه: ((فلم ير يوم أكثر عتقاً من النار من يوم عرفة))، زاد البيهقي: فتقول
الملائكة: ((إن فلاناً فيهم وهو مرهق، فيقول الله عز وجل: قد غفرت له)).
قال الزرقاني(١): وفي ((المحلى)): قال الترمذي في حديث: ((من حج فلم
يرفث، رجع كيوم ولدته أمه)): وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوقه تعالى
خاصة دون العباد، ولا يسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو صيام
أو كفارة من حقوق الله تعالى لا يسقطه عنه؛ لأنها حقوق لا ذنوب، وإنما
الذنب تأخيرها فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي نفسها .
قال ابن تيمية: من اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الحقوق
يستتاب وإلا قتل، ولا يسقط حق الآدمي بحج إجماعاً، انتهى. وحديث
عباس بن مرداس عند ابن ماجه ضعيف، كذا قاله جماعة، لكن رواه أبو داود
من الوجه الذي رواه ابن ماجه ولم يضعفه، وقد أخرجه الضياء المقدسي في
((مختاره) وصحَّحه، وأثبت الحافظ أنه حسن بتعدد طرقه، وقد أخرج ابن منيع
عن أنس: ((وقف النبي وَ ل فقال: معاشر الناس! أتاني آنفاً جبرائيل فأقرأني من
ربي السلام، وقال: إن الله قد غفر أهل عرفات وأهل المشعر، وضمن عنهم
التبعات، فقال عمر - رضي الله عنه -: هذا لنا خاصة؟ فقال: هذا لكم إلى يوم
القيامة، فقال عمر - رضي الله عنه -: كثُر خير الله وطاب)).
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٩٧/٢).
٣٣٦
------ --

٢٠ - كتاب الحج
وقال الطبري: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من مات وعجز عن
وفائها، ورواه البيهقي بنحو رواية ابن ماجه ثم قال: وله شواهد، فإن صح
بشواهده ففيه الحجة، وإن لم يصح فقد قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
يَشَآءٍ﴾(١)، وظلم بعضهم بعضاً دون الشرك، انتهى ما في ((المحلى)).
قلت: ولحديث عباس بن مرداس شاهد من حديث ابن عمر أخرجه
السيوطي في ((اللآلئ)) بطرق، وذكر له شواهد، وقال: تعقب الحافظ ابن حجر
على ابن الجوزي في هذه الأحاديث في ((القول المسدد))(٢)، وألف في الرد عليه
مؤلفاً سماه ((قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج))، وذكر أبو الفداء في
((البداية والنهاية)) طرق حديث عباس هذا، وبسط ابن عابدين الكلام في
شرحه(٣)، وحكى الأقوال المختلفة في ذلك، وقال الأبي في ((الإكمال)): قال
ابن العربي: هذه الطاعة لا تكفر الكبائر، وإنما يكفرها الموازنة أو التوبة،
والصلاة لا تكفرها، فكيف تكفرها العمرة أو الحج؟، ولكن هذه الطاعات ربما
أثرت في القلب، فحمله على التوبة، واختار ابن بزيزة أن هذه الطاعات تُكَفّر
الكبائر، قال: ويدل على ذلك حديث مباهاة الملائكة عليهم السلام بالحاج،
لأن الملائكة مطهرون مطلقاً، ولا يباهى المطهر مطلقاً إلا بمطهر مطلقاً،
ويعضده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾، هذا ظاهر اللفظ لا يخاطب الله
سبحانه الخلق إلا بظاهر من الأمر، فلا يعطل ظاهر بباطن، انتهى.
ومال الشيخ محمد حسن المكي في ((غنية المناسك)) إلى التعميم ما خلا
الحقوق، ورجح ابن حجر في ((شرح مناسك النووي)) التخصيص بالصغائر،
(١) سورة النساء: الآية ٤٨.
(٢) انظر: ((القول المسدد)) (ص ٤٤ - ٤٥).
(٣) ((رد المحتار)) (٦٨٥/٢).
٣٣٧

٢٠ - كتاب الحج
(١) باب
(١) باب الغسل للإهلال
وكذا ابن العربي في ((العارضة))(١)، كما سيأتي في حديث الحج المبرور، وقال
القاري في ((شرح اللباب)): الحج يهدم ما كان قبله من الصغائر قطعاً إذا كان
من حقوق الله، وقال العلماء: لا يكفر شيئاً من المظالم بل تبقى على ذمته.
واختلف في الكبائر المتعلقة بحقه تعالى، والمعتمد أن الكبائر تحت
المشيئة عند جميع أهل السنة كما ذكره التوربشتي وغيره من الأئمة، ومشى
الطيبي على أن الحج يهدم المظالم والكبائر، ووقع منازعة غريبة في هذه
المسألة بين أمير باشا من الحنفية إذ مال إلى قول الطيبي، وبين الشيخ ابن حجر
المكي من الشافعية وقد مال إلى قول الجمهور، انتهى.
(١) الغسل للإهلال
قال الراغب: الإهلال رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل لكل
صوت، وبه شبّه إهلال الصبي، وقيل: الإهلال والتهلل أن يقول: لا إلّه
إلا الله، ومن هذه الجملة رُكِّبَتْ هذه اللفظة كقولهم: التبسمل والبسملة
والتحولق(٢) والحوقلة ومنه الإهلال بالحج، انتهى.
وقال البخاري في ((صحيحه)): أَهَلَّ تكلم به، واستهللنا وأهللنا الهلال
كله من الظهور، واستهلّ المطر خرج من السحاب، ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اُللَّهِ بِهِ،﴾،
وهو من استهلال الصبي، انتهى.
قلت: ويستعمل كثيراً في الروايات بمعنى الإحرام، وهو المراد ههنا،
لأن الإحرام سبب التلبية، وقال الحافظ(٣): أصله رفع الصوت، لأنهم كانوا
(١) ((عارضة الأحوذي)) (٢٦/٤).
(٢) كذا في الأصل، والصواب: التحوقل.
(٣) (فتح الباري)) (٣/ ٣٨٤).
٣٣٨

٢٠ - كتاب الحج
(١) باب
يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام، ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعاً،
انتھی .
قال الأبي في ((الإكمال)) (١): في الحج ثلاث اغتسالات للإحرام،
ولدخول مكة، وللوقوف بعرفة، وأطلق مالك على جميعها الاستحباب، وهي
عندنا سنة مؤكدة، وآكدها عندنا، وعند الشافعي ما للإحرام لأمره ◌َ ﴾ به،
انتهى .
قلت: وسيأتي ذكر الثلاثة في أثر عمر - رضي الله عنه - في آخر الباب،
وهذا الغسل الذي بوّب به المصنف سنة مؤكدة عند مالك وأصحابه، لا يرخص
في تركه إلا لعذر، وهو آكد اغتسالات الحج، وقال ابن خويز منداد: إنه آكد
من غسل الجمعة، وأوجبه أهل الظاهر والحسن وعطاء في أحد قوليه على مريد
الإحرام طاهراً أم لا، قاله الزرقاني(٢).
وقال ابن العربي في ((العارضة))(٣): غسله ◌َّ للإحرام غريب، وأمره به
لغيره فصحيح، فكان ذلك من أفعال الحج التي لا يمنع منها الحيض، وصار
عندي مشبهاً لوضوء الجنب قبل أن ينام، وهو لا يرفع حدثاً، وما يظن من
التعليل في وضوء الجنب لا يتصور في غسل النفساء للإحرام، إنما هو عبادة
محضة الذي يظهر فيه من الحكمة أنه لإزالة التفث الذي يكون على الإنسان،
حتى يأتي تفل الحاج مفرداً عما كان قبله، فتفل الحاج كخلوف فم الصائم،
انتھی .
وقال ابن قدامة (٤): من أراد الإحرام استحب له أن يغتسل قبله في قول
(١) (٣٢٢/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٣/٢).
(٣) ((عارضة الأحوذي)) (٤٧/٤).
(٤) ((المغني)) (٧٥/٥).
٣٣٩

٢٠ - كتاب الحج
(١) باب
أكثر أهل العلم، منهم: مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي؛ لما روى
خارجة بن زيد عن أبيه أنه رأى النبي ◌َّير تجرد لإهلاله واغتسل، رواه الترمذي
وقال حسن غريب وثبت أنه ول# أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل
عند الإحرام، وأمر عائشة أن تغتسل عند الإهلال بالحج وهي حائض، ولأن
هذه العبادة يجتمع لها الناس، فسن لها الاغتسال كالجمعة، وليس ذلك واجباً
في قول عامة أهل العلم.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإحرام جائز بغير اغتسال،
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله قيل له عن بعض أهل المدينة: من ترك الغسل
عند الإحرام فعليه دم، لقوله نير لأسماء وهي نفساء: اغتسلي فكيف الطاهر؟،
فأظهر التعجب من هذا القول، وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يغتسل أحياناً
ويتوضأ أحياناً، انتهى.
وفي ((الروض المربع)) (١): سُنّ لمريده غسل ولو حائضاً ونفساء، أو تيمم
لعدم الماء أو لنحو مرض، انتهى. وهكذا في ((شرح الإقناع))، وفي ((الشرح
الكبير))(٢) للدردير: السنة لمريد الإحرام ولو صبياً أو حائضاً أو نفساء غسل
متصل بالإحرام، فلو اغتسل غدوة وأحرم وقت الظهر لم يجزه، ولا يضر
الفصل بشدِّ رحاله وإصلاح جهازه، ولا دم في تركه عمداً، وقد أساء أي
ارتكب مكروهاً، ثم ذكر ما هو كالاستثناء من قوله: متصل بقوله: وندب
الغسل بالمدينة لمريد الإحرام من ذي الحليفة، انتهى.
قلت: إلا أن الاستثناء لا يظهر من ((المدونة))، بل لفظه: إن من اغتسل
بالمدينة ثم مضى من فوره أرى غسله مجزئاً عنه، وفي ((شرح المناسك))
(١) (١/ ٤٦٧) .
(٢) (٣٨/٢).
٣٤٠