النص المفهرس
صفحات 281-300
١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث ٠ وفي ((الشرح الكبير))(١): تكره الزيادة على الصاع، لأنه تحديد من الشارع، فالزيادة عليه بدعة مكروهة، كالزيادة في التسبيح على ثلاث وثلاثين، انتھی . واختلفوا في المراد بالطعام في هذا الحديث، والمعروف أن الطعام على الإطلاق يطلق على الحنطة، وفي ((المجمع)) (٢): قال الخليل: إن العالي في كلام العرب أن الطعام هو البُرُّ، انتهى. وحكى الخطابي(٣): أن المراد بالطعام ههنا الحنطة، وهو اسم خاص له، قال: ويدل على ذلك ذكر الشعير وغيره من الأقوات، والحنطة أعلاها، فلولا أنه أرادها بذلك لكان ذكرها عند التفصيل، كغيرها من الأقوات، ولا سيما حيث عطفت عليها بحرف ((أو)) الفاصلة، وقال هو وغيره: وقد كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق، حتى إذا قيل: إلى سوق الطعام، فهم منه سوق القمح، وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه. ورَدّ ذلك ابن المنذر وقال: ظن أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد: ((صاعاً من طعام)) حجة لمن قال: صاعاً من حنطة، وهذا غلط منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام. ثم فسره فقال: كنا نخرج صاعاً من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر، كما في ((البخاري))، وأخرج الطحاوي نحوه من طريق أخرى عن عياض، وقال فيه: ولا يخرج غيره، قال: وفي قوله: ((فلما جاء معاوية وجاءت السمراء)) دليل على أنها لم تكن قوتاً لهم قبل هذا، فدل على أنها لم تكن كثيرة ولا قوتاً، فكيف يتوهم أنه أخرجوا ما لم يكن موجوداً؟، انتهى. (١) (٥٠٨/١). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤٤٥/٣). (٣) انظر: ((معالم السنن)) (٥٠٤/١). ٢٨١ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث قال الحافظ في ((الفتح))(١): ثم ذكر اختلاف روايات أبي سعيد، ثم قال: وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة، فيحتمل أن تكون الذرة، فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن، وهي قوتٌ غالبٌ لهم، وقد روى الجوزقي من طريق ابن عجلان عن عياض في حديث أبي سعيد ((صاعاً من تمر، صاعاً من سلت أو ذرة)). وقال الكرماني: يحتمل أن يكون قوله: ((صاعاً من شعير)) إلخ .. بعد قوله: ((صاعاً من طعام)) من باب عطف الخاص على العام، لكن محل العطف أن يكون الخاص أشرف، وليس الأمر ههنا كذلك. وتعقب العيني هذا الاستدراك، والجملة أن إرادة الحنطة في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - مشكل، والنظر على طرق الحديث كلها يدل على أنه ما أعطي البرّ في صدقة الفطر في زمانه وَّ، لكنه - رضي الله عنه - لما أعطى من جميع ما أعطى من الشعير والتمر والأقط وغيرها الصاع كاملاً رأى أن المقدار من كل الواجب صاع، ولذا أنكر على معاوية، لو صح، وإلا فقد روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أيضاً مرفوعاً وموقوفاً نصف صاع من بر، كما في ((الزيلعي))(٢) و((الدراية)) عن ((طبقات ابن سعد)). وأخرجه الطحاوي وغيره أيضاً، ولذا حمل الطحاوي رواية الصاع عنه على التبرع، ولا شك في أن مذهب جمهور الصحابة والتابعين أن نصف الصاع من البر يقوم مقام الصاع من التمر. قال العيني(٣): روى الطحاوي أحاديث كثيرة عن النبي بَّ، وعن (١) (فتح الباري)) (٣٧٣/٣). (٢) انظر: ((نصب الراية)) (٤١٧/٢). (٣) ((عمدة القاري)) (٥٨٧/٦). ٢٨٢ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث أصحابه من بعده، وعن تابعيهم في أن صدقة الفطر من الحنطة نصف صاع ومما سوى الحنطة صاع، ثم قال: ما علمنا أحداً من أصحاب النبي وَ لّ ولا من التابعين، روي عنه خلاف ذلك، فلا ينبغي لأحد أن يخالف ذلك إذ كان قد صار إجماعاً في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - إلى زمن من ذكرنا من التابعين، انتهى. وما أورد عليه الحافظ، ردّه العيني فارجع إليهما لو شئت، وقال ابن التركماني: ذكره ابن حزم عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر والخدري وعائشة وأسماء - رضي الله عنهم -، قال: وهو عنهم كلهم صحيح، انتهى. قال الموفق(١): والجملة أن الواجب في صدقة الفطر صاع من جميع أجناس المخرج، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق، وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري والحسن وأبي العالية، وروي عن عثمان بن عفان وابن الزبير ومعاوية: أنه يجزئ نصف صاع من البر خاصة، وهو مذهب سعيد بن المسيب وعطاء وطاووس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي، انتهى. قال العيني(٢): ونصف صاع من بر مذهب أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وابن الزبير، وابن عباس، ومعاوية، وأسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنهم - وسعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، وطاووس، والنخعي، والشعبي، وعلقمة، والأسود، وعروة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي قلابة (١) («المغني)) (٢٨٥/٤). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٨١/٦). ٢٨٣ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث عبد الملك بن محمد، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، وعبد الله بن شدّاد، ومصعب بن سعيد، قال الطحاوي: وهو قول القاسم، وسالم، وعبد الرحمن بن القاسم، والحكم، وحماد، ورواية عن مالك ذكرها في ((الذخيرة»، انتهى. وقال الأبي في ((الإكمال))(١): ذكر ابن يونس عن ابن حبيب كقول أبي حنيفة، انتهى. وسيأتي ما قاله ابن القيم: إن شيخنا يقوّي هذا المذهب، انتھی . وقال ابن المنذر: لا نعلم في القمح خبراً ثابتاً عن النبي مله يعتمد عليه، ولم يكن البر في المدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمة، فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلى قول مثلهم. ثم أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهم - بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح، انتهى. وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفية، كذا في ((الفتح))(٢). قلت: ما قاله ابن المنذر ليس فيه خبر ثابت مشكل بعد التأمل في الروايات المرفوعة التي ذكرها أصحاب المطولات في تصانيفهم، لا يسعها هذا (الأوجز))، ولو سُلِّمَ فالتقدير عن مثل هؤلاء الصحابة الكبار الجماعة الكثيرة يورث الجزمَ بتقديره بنصف صاع على أنه قد روي عن النبي ◌ّ مرفوعاً في عدة روايات، قال ملك العلماء: ذكر إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي: (١) (١١٨/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٣٧٤/٣). ٢٨٤ ۔۔ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث أن عشرة من الصحابة - رضي الله عنهم - منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رووا عن رسول الله 18 في صدقة الفطر نصف صاع من بر. قلت: لكني لقلة ما عندنا من كتب الحديث لم أجد هذه الروايات المرفوعة، نعم، توجد من أكثرها آثار موقوفة (١)، أما الروايات المرفوعة الموجودة في الكتب المتداولة بيننا، فعدة أحاديث: منها: حديث ابن عباس أنه خطب فقال: فرض رسول الله وَل صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو نصف صاع من قمح، فلما قدم علي، قال: قد أوسع الله لكم، فلو جعلتموه صاعاً من كل شيء، أخرجه أبو داود والنسائي، وهو من رواية الحسن عن ابن عباس، قال النسائي: الحسن لم يسمع من ابن عباس، وكذا روى الحاكم عن علي بن المديني، وقال صاحب ((التنقيح)): الحديث رواته ثقات مشهورون، لكن فيه إرسالاً، فإن الحسن لم يسمع عن ابن عباس على ما قيل، وقد جاء في ((مسند أبي يعلى الموصلي)) في حديث عن الحسن، قال: أخبرني ابن عباس، وهذا إن ثبت دل على سماعه، انتهى. كذا في ((الزيلعي))(٢). قلت: ولو سُلِّمَ الإرسال فهو حجة عند الجمهور مطلقاً، وبالمتابعة عند من شرطها، وله متابعات كثيرة. ومنها: حديث ابن عباس أيضاً: أن رسول الله وَ ل بعث صارخاً بمكة أن صدقة الفطر حق واجب، مُدَّان من قمح أو صاع من شعير أو تمر، ورواه البزار بلفظ: أو صاع مما سوى ذلك من الطعام، وصححه الحاكم، وفي سنده يحيى بن عباس السعدي، ضعفه العقيلي والدارقطني وغيرهما . (١) انظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١٧٢/٣)، و((مصنف عبد الرزاق)) (٣١٨/٣)، و(«السنن الكبرى)) للبيهقي (١٦٨/٣)، و((معرفة الآثار والسنن)) (٨٤٧/٦). (٢) ((نصب الراية)) (٤١٩/٢). ٢٨٥ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث قلت: وفي ((شرح الإحياء)) عن الدارقطني: أنه قال: كان يحيى من خيار الناس، انتهى. ومنها: حديث ابن عباس أيضاً: أن رسول الله وَلو أمر بزكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو مدين من قمح، أخرجه الدارقطني، وأعلَّ بالواقدي، قال العيني(١): فما للواقدي وهو إمام مشهور، وأحد مشايخ الشافعي . ومنها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن النبي ◌ُّو بعث منادياً ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم مدان من قمح أو صاع مما سواه من الطعام))، أخرجه الترمذي، وحسنه، وأعلَّه ابنُ الجوزي في ((التحقيق)) بسالم بن نوح، وتعقبه صاحب ((التنقيح)) فقال: هو صدوق روى له مسلم في ((صحيحه))، وقال أبو زرعة: صدوق ثقة، ووثقه ابن حبان. قلت: وحكى الموفق عن الترمذي أنه قال فيه: هذا حديث صحيح حسن غريب، انتهى. والاختلاف في نسخ الترمذي في الحكم على الأحاديث شائع. وله طريق آخر، أخرجه الدارقطني بلفظ: أمر رسول الله ﴿ ﴿ صائحاً، فصاح: إن صدقة الفطر واجب على كل مسلم مدّان من قمح أو صاع من شعير، أو تمر. قال ابن الجوزي: وعلي بن صالح ضعَّفُوه، وقال صاحب (التنقيح)): هذا خطأ منه، ولا نعلم أحداً ضعَّفَه، لكنه غير مشهور الحال، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه مجهول، وقال غير أبي حاتم: إنه مكي معروف، وروى عن جماعة، وروى عنه جماعة، وذكر أسماءهم الزيلعي، وذكر له عدة طرق أخرى، قال ابن الهمام: وذكر غير أبي حاتم أنه مكي، معروف، أحد العباد، وكنيته أبو الحسن. (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٨٢/٦). ٢٨٦ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث وذكر جماعة رووا عنه، منهم الثوري ومعتمر بن سليمان، وذكره ابن حبان في (كتاب الصدقات)) (١)، وقال: يعرف، انتهى. ومنها: حديث أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما -، قالت: كنا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله رَّ مدين من قمح، أخرجه أحمد في (مسنده))، وضعفه ابن الجوزي بابن لهيعة، وقال صاحب ((التنقيح)): حديث ابن لهيعة يصلح للمتابعة، سيما إذا كان من رواية إمام مثل ابن المبارك عنه. قلت: هذا إذا كان مدار الحديث ابن لهيعة، وقد أخرجه الطحاوي بعدة طرق ليس فيها ابن لهيعة. ومنها: حديث علي - رضي الله عنه - عن النبي ◌َّ أنه قال في صدقة الفطر: ((نصف صاع من بر أو صاع من تمر))، والحارث معروف، قال الدارقطني: والصحيح موقوف، وصحح غيره وقفه، كما حكى عنهم الزيلعي. ومنها: حديث ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله وَلل أمر عمرو بن حزم في زكاة الفطر بنصف صاع من حنطة، وفيه سليمان بن موسى وثّقه بعضهم، وتكلم فيه بعضهم، كذا في ((الهدي)) (٢)، وفي ((شرح الإحياء)): أخرجه الحاكم، وقال: على شرط الشيخين. ومنها: حديث جابر بن عبد الله، رواه الطبراني في ((الأوسط)) قال: قال رسول الله وَ﴾: ((صدقة الفطر على كل إنسان، مدان من دقيق أو قمح، ومن الشعير صاع))، الحديث، وفيه الليث بن حماد، وهو ضعيف، قاله العيني. ومنها: حديث مرسل أخرجه أبو داود في ((مراسيله)) عن سعيد بن المسيب قال: فرض رسول الله وَ* زكاة الفطر مدين من حنطة، وذكره الموفق (١) في الأصل: ((الصدقات)) والظاهر: ((الثقات)). (٢) ((زاد المعاد)) (١٩/٢). ٢٨٧ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث بطريقين، فقال: قال سعيد: نا هشيم عن عبد الخالق الشيباني سمعت سعيد بن المسيب يقول: كانت الصدقة على عهد رسول الله وسلم وأبي بكر نصف صاع بر، وقال هشيم: أخبرني سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: خطب رسول الله وَله، ثم ذكر صدقة الفطر، وحض عليها، وقال: ((نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير))، انتهى. قال ابن الجوزي: وهذا مع إرساله، يحتمل أن يكون قوله: ((مُدَّين من حنطة)) تفسيراً من سعيد. قال صاحب ((التنقيح)): قد جاء ما يرد هذا، ثم ذكر عدة طرق ترد هذا الاحتمال الذي أنشأه ابن الجوزي، وأنت تعلم أنه مما لا ينبغي أن يصغى إليه، فضلاً عن رده، وأما كونه مرسلاً، فقال صاحب ((التنقيح)): هذا المرسل إسناده صحيح، كالشمس، وكونه مرسلاً لا يضر، فإنه مرسل سعيد، ومراسيل سعيد حجة، انتهى. قلت: ومع ذلك له متابعات ذكرها الزيلعي. ومنها: حديث ثعلبة بن صعير عن أبيه قال: قال رسول الله التليفون: ((صاع من بر أو قمح على كل اثنين)) الحديث، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وبسط الكلام على رواته العيني في ((شرح البخاري))(١). وقال القاري في ((المرقاة)) (٢): طريق عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة، قال: خطب رسول الله ( الناس قبل يوم الفطر بيوم أو يومين، فقال: ((أدوا صاعاً من بُرِّ أو قمح بين اثنين أو صاعاً من تمر أو شعير عن كل حر وعبد صغير أو كبير)) وهذا سند صحيح، انتهى. وقال الزيلعي: هذا سند صحيح قوي، انتهى. (١) ((عمدة القاري)) (٥٨١/٦، ٥٨٢). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٤/ ١٦٤). ٢٨٨ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرِ، أَوْ صَاعاً مِنْ تَمْرِ، وبسط طرق الحديث في ((نصب الراية)) (١)، وقال الحافظ في ((الدراية)): رواه أبو داود وعبد الرزاق والدارقطني والطبراني والحاكم، ومداره على الزهري عن عبد الله بن ثعلبة، فمن أصحابه من قال: عن أبيه، ومنهم من لم يقله، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الزهري، وحاصله الاختلاف في اسم صحابیه، انتهى. قال الشوكاني(٢): وهذه الأحاديث بمجموعها تنتهض للتخصيص، وقال بحر العلوم في ((رسائل الأركان)): وحكم كون حديث مدين خطأ، لأن تقدير المدين كان بعده #مر فخطأ، لأن الصدقة في زمن النبي ◌َّ ار كان من غير الحنطة، لما لا توجد الحنطة إلا قليلاً، وبعد زمانه الشريف قدروا الحنطة على وفق ما كان منصوصاً، انتهى. وقال الشيخ ابن القيم (٣): وفيه عن النبي ◌َل آثار مرسلة ومسندة، يقوي بعضها بعضاً، ثم ذكر الآثار المذكورة، وقال في آخرها: وكان شيخنا - رحمه الله - يُقَوِّي هذا المذهب، ويقول: هو قياس قول أحمد في الكفارات أن الواجب فيها من البر نصف الواجب من غيره، انتهى. قلت: وبهذا نظر الطحاوي أن الواجب في الكفارات كلها من البر نصفٌ من غيره. (أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر) تقدم ما قال الباجي: إن لفظة أو عندهم للتقسيم لا للتخيير. قال ابن رشد(٤): وأما مماذا تجب؟ فإن قوماً ذهبوا إلى أنها تجب من (١) (٤٠٧/٢). (٢) ((نيل الأوطار)) (٢١٧/٤). (٣) ((زاد المعاد)) (١٨/٢). (٤) ((بداية المجتهد)) (١ / ٢٨١). ٢٨٩ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث هذه الأشياء على التخيير، وقوم ذهبوا إلى أن الواجب عليه هو غالب قوت البلد، أو قوت المكلّف، إذا لم يقدر على قوت البلد، وهو الذي حكاه عبد الوهاب عن المذهب، والسبب في اختلافهم، اختلافهم في مفهوم حديث أبي سعيد الخدري هذا، فمن فهم منه التخيير، قال: أي(١) أخرج من هذا أجزأ عنه، ومن فهم منه أن اختلاف المخرج ليس سببه الإباحة، وإنما سببه اعتبار قوت المخرج، أو قوت غالب البلد، قال: بالقول الثاني، انتهى. وفي (الشرح الكبير)) (٢) للدردير: يجب صاع من أغلب القوت بالبلد من معشّرٍ (٣) أو أقط، ومتى تساوت في الاقتيات خير في الإخراج ومع غلبة واحد منها تعين الإخراج منه، قال الدسوقي: والمنظور له غالب قوت أهل البلد في رمضان لا في العام كله، ولا في يوم الوجوب، واستظهر في المج أن المعتبر الأغلب وقت الإخراج، انتهى. وفي ((شرح الإقناع)) (٤): يزكي صاعاً من غالب قوت بلده، والمعتبر فيه غالب قوت السنة لا غالب قوت وقت الوجوب، خلافاً للغزالي في ((الوسيط))، ويجزئ القوت الأعلى عن الأدنى لا العكس، ثم بسط الترتيب في القوت الأعلى والأدنى، وفي ذلك بيت مشهور في فروع الشافعية، ذكروا فيه ترتيب الأقوات وهي: بالله سل شیخ ذي رمز حکی مثلاً عن فور ترك زكاة الفطر لو جهلا (١) كذا في الأصل. (ز)). (٢) (٥٠٥/١). (٣) هو القمح والشعير والسلت والذرة والدخن والتمر والزبيب والأرز، فهذه ثمانية، فمراده معشر خاص. (٤) (٣٥٤/٢). ٢٩٠ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث وفي ((المرقاة))(١): قال ميرك نقلاً عن ((الأزهار)): اختلف العلماء في أن ((أو)) هذا في الحديث للتخيير، أو لتعيين واحد منها، وهو الغالب، فيه قولان، أحدهما: أنه للتخيير، وبه قال أبو حنيفة(٢)، والثاني: أنه لتعيين أحد هذه الأشياء بالغلبة، وهو غالب قوت البلد، وبه قال الأكثرون، انتهى. قلت: وظاهر ((النيل)) و((الروض)) من فروع الحنابلة التخيير أيضاً، وإليه يظهر ميل البخاري على رأي الحافظ، إذ قال: كأن البخاري أراد بتفريق هذه التراجم الإشارة إلى ترجيح التخيير في هذه الأنواع، وإن كان الأوجه عندي في ميل البخاري الترتيب الخاص، كما حررته فيما ألفت في ((تراجم البخاري)) (٣). وذكر في ((شرح الإحياء)): قالت الحنابلة: يُخَيِّرُ بين هذه المذكورة في الحديث، فيخرج ما شاء منها، وإن لم يكن له قوتاً، قالوا: وأفضلها التمر ثم البر، وقال بعضهم: الزبيب، قالوا: ولا يجوز العدول عن هذه الأجناس مع القدرة على أحدها، ولو كان المعدول إليه قوت بلده، فإن عجز عنهما أجزأه كل مقتات من كل حبة وثمرة، قاله الخرقي. قلت: وتقدم شيء من كلامه، وقال الموفق(٤): من أي الأصناف المنصوص عليها أخرج جاز، وإن لم يكن قوتاً له، وقال مالك: يُخْرج من غالب قوت البلد، وقال الشافعي: من غالب قوت المُخْرِج، ولنا، أن الخبر ورد بحرف التخيير في هذه الأصناف فوجب التخيير، ويدل عليه أنه خُيِّرَ بين التمر والزبيب والأقط، ولم يكن الزبيب والأقط قوتاً لأهل المدينة، انتهى. قال الولي العراقي: من قال بالتخيير، فقد أخذ بظاهر الحديث، ومن قال: (١) (مرقاة المفاتيح)) (١٦٢/٤). (٢) انظر: ((شرح فتح القدير)) (٢٢٥/٢). (٣) انظر ((الأبواب والتراجم)) (١٢٦/٣). (٤) (المغني)) (٢٩٥/٤). ٢٩١ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حدیث أَوْ صَاعاً مِنْ أَقِطِ، بتعيين غالب قوت البلد، فإنه حمل الحديث على ذلك، انتهى. (أو صاعاً من أقط) بفتح الهمزة وكسر القاف، هو لبن فيه زبدة، قال الشيخ في ((البذل)) (١): وضبط بتثليث الهمزة وإسكان القاف، لبن يابس غير منزوع الزبد، وهو الكشك، وفي الهندية: پنير، انتهى. قلت: واختلفت نقلة المذاهب في بيان مسالك الأئمة في إجزاء الأقط، ويجزئ عند المالكية صاع من أقط إذا يكون من أغلب القوت، صرح به الزرقاني، وبه جزم الدردير والباجي وغيرهما، قال الزرقاني(٢): أجاز مالك إخراجها عن الأقط وأباه الحسن، انتهى. وهكذا قال الأبي في ((الإكمال))(٣). وقال الدردير (٤): صاع من أغلب القوت من معشر وهو: القمح والشعير والسلت والذرة والدخن والتمر والزبيب والأرز، فهذه ثمانية، أو أقط، فالتي تخرج منه تسعة، فقط، انتهى. واختلفت الروايات عن الإمام الشافعي في ذلك، وحكى الباجي(٥) عنه القولين، أما الأقط فإن إخراجه جائز، وللشافعي في ذلك قولان، أحدهما مثل قولنا، والثاني لا يجزئ، انتهى. قال الحافظ: وعن الشافعية في ذلك خلاف، وزعم الماوردي أنه يختص بأهل البادية، وأما الحاضرة فلا يجزئ عنهم بلا خلاف، وتعقبه النووي في ((شرح المهذب)) وقال: قطع الجمهور أن الخلاف في الجميع، وكذا حكى (١) ((بذل المجهود)) (١٣٦/٨). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٥٠/٢). (٣) (١١٩/٣). (٤) ((الشرح الكبير)) (٥٠٥/١). (٥) ((المنتقى)) (١٨٨/٢). ٢٩٢ ----- ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث ٠٠٠ الخلاف فيه غير من ذكر، لكن المذكور في فروعهم البيت المشهور في ترتيب الأقوات المتقدم قريباً، وفيه المراد بالألف في لفظ الفطر الأقط، والمشهور في شروح الحديث عن الإمام أحمد عدم جوازه. قال الحافظ (١): لم يذكر البخاري الأقط ــ أي في الترجمة -، وهو ثابت في حديث أبي سعيد، وكأنه لا يراه مجزئاً في حال وجدان غيره، كقول أحمد، وحملوا الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك أو لم يقدر على غيره، وظاهر الحديث يخالفه، انتهى. لكن قال الخرقي: إن أعطى أهل البادية الأقط صاعاً أجزأ إذا كان قوتهم. قال الموفق(٢): يجزئ أهل البادية إخراج الأقط إذا كان قوتهم، وكذلك من لم يجد من الأصناف المنصوص عليها سواه، فأما من وجد سواه فهل يجزئ؟ على روايتين: إحداهما: يجزئ لحديث أبي سعيد الخدري، والمذكور في بعض ألفاظه أو صاعاً من أقط. والثانية: لا يجزئه؛ لأنه جنس لا تجب الزكاة فيه، فلا يجزئ إخراجه لمن يقدر على غيره من الأجناس المنصوص عليها، ويحمل الحديث على من هو قوت له، أو لم يقدر على غيره، انتهى. وأيضاً المذكور في فروع الحنابلة من ((النيل)) و ((الروض)) و ((الأنوار)) جواز إخراج الأقط. ويجزئ إخراجه عندنا الحنفية باعتبار القيمة، كما صرح به ابن عابدين عن ((البحر الرائق)). وفي ((البدائع))(٣): أما الأقط فتعتبر فيه القيمة لا يجزئ إلا (١) ((فتح الباري)) (٣٧٢/٣). (٢) ((المغني)) (٢٩٠/٤). (٣) (٢٠٤/٢). ٢٩٣ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حدیث ضَىالله عليه وسام أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ، وذَلِكَ بِصَاعِ النَّبِيِّ أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٧٣ - باب صدقة الفطر صاع من طعام. ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة، ٤ - باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير، حديث ١٧ . باعتبار القيمة، لأنه غير منصوص عليه من وجه يوثق به، وجواز ما ليس بمنصوص عليه لا يكون إلا بالقيمة، انتهى. (أو صاعاً من زبيب) قال الباجي(١): أما الزبيب فلا خلاف في جواز إخراجه بين فقهاء الأمصار، وحكي عن بعض المتأخرين المنع من ذلك، وهو محجوج بالإجماع قبله، انتھی. وقال العيني في ((البناية)): فيه خلاف الظاهرية كما تقدم، إذ لا يجوز عندهم إلا من التمر والشعير، قلت: ويخرج من الصاع الكامل عند الأئمة الثلاثة، لأن المقدار صاع من كل شيء عندهم، وكذلك صاع كامل في الزبيب عند صاحبي الإمام أبي حنيفة، وهي رواية عن الإمام بنفسه، وعليه الفتوى، وفي رواية أخرى: للإمام نصف صاع من زبيب أيضاً. .--- (وذلك بصاع النبي (18) وهو أربعة أمداد بلا خلاف بين الأئمة، حكى الإجماع على ذلك العيني في ((شرح الهداية)) وغيره في غيره، إلا أنه ذكر ابن رشد في ((مقدماته)) شيئاً من الاختلاف في المقادير كلها، لكن الأئمة بعد اتفاقهم على أن الصاع أربعة أمداد، اختلفوا في مقدار المد، فالمد رطل وثلث، عند مالك والشافعي وأحمد، وهو قول أبي يوسف من الحنفية المرجوع إليه على المشهور. وقيل: لا يصح الرجوع، والمد رطلان عند أبي حنيفة ومحمد، قال العيني في ((البناية)): وقول أبي حنيفة - رضي الله عنه - هو قول (١) ((المنتقى)) (١٨٨/٢). ٢٩٤ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث ٠ جماعة من أهل العراق، وقول إبراهيم النخعي، وزفر فيما قاله أبو بكر الخصاف، انتهى . قال الشيخ في ((البذل)) (١): احتجّ لهم أولاً بما أخرجه الطحاوي بسند صحيح عن موسى الجهني عن مجاهد، قال: دخلنا على عائشة فاستسقى بعضنا فأتي بعس، قالت عائشة: كان النبي ◌ّل يغتسل بمثل هذا، قال مجاهد: فحزرته فيما أحزر ثمانية أرطال، تسعة أرطال، عشرة أرطال، وقالوا: لم يشك مجاهد في الثمانية، وإنما شك فيما فوقها، فثبت الثمانية بهذا الحديث، وانتفى ما فوقها . قلت: أخرجه النسائي بلا شك، فروى بسنده إلى موسى الجهني، قال: أتى مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله ( كان يغتسل بمثل هذا، قال ابن التركماني (٢): إسناده جيد، ثم ذکر توثیق رواته رجلاً رجلاً. وثانياً بما أخرجه الدارقطني بسنده عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن النبي ◌َّ كان يتوضأ برطلين، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال، قال الحافظ في ((الدراية)): هو من رواية ابن أبي ليلى عن عبد الكريم، وإسناده ضعيف، وأخرجه أيضاً من طريق أخرى، وفيه موسى بن نصر، وهو ضعيف جداً، انتھی . قلت: لم يذكر الحافظ ولا الدارقطني وجه الضعف في الطريق الأولى لينظر فيه، وأما موسى بن نصر، فقال الحافظ بنفسه في ((اللسان)) (٣): ذكره ابن حبان في الطبقة الرابعة من الثقات. (١) ((بذل المجهود)) (١٣١/٨). (٢) انظر: ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (١٩٣/١، ١٩٤). (٣) «لسان الميزان)) (١٣٧/٧) رقم الترجمة (٨٧٧٢). ٢٩٥ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث والجملة الأولى أخرجها الطحاوي بطريقين عن أنس، قال: ((كان النبي ◌َ ﴾ يتوضأ برطلين، ويغتسل بالصاع))، وفي رواية له: ((يتوضأ بالمد، وهو رطلان))، قال الطحاوي: فهذا أنس قد أخبر أن مد رسول الله وَل﴾ رطلان، والصاع أربعة أمداد، فإذا ثبت أن المد رطلان ثبت أن الصاع ثمانية أرطال. قلت: الجملة الأولى أخرجها أبو داود في ((سننه))، وسكت عليه هو والمنذري، ويكفي للاحتجاج، وفيه تقوية لرواية الدارقطني، وأخرج الطحاوي حديث شريك بطريقين، ثم قال: ووافقه على ذلك عتبة بن أبي حكيم، انتهى. وثالثاً بما أخرج أبو عبيد بسنده إلى إبراهيم، قال: ((كان صاع النبي ◌ُّ ثمانية أرطال ومده رطلين))، قال الحافظ في ((الدراية)): هذا مرسل، وفيه الحجّاج بن أرطاة . .-- - قلت: المرسل حجة، لا سيما إذا توبع بمسندات، والحجاج بن أرطاة من رواة مسلم والأربعة، وعلّق له البخاري: لا ينزل عن درجة الحسن، قال النووي في ((تهذيبه)) (١): أحد الأئمة في الفقه والحديث، ضعّفه الجمهور، فلم يحتجوا به، ووثقه شعبة وقليلون، وكان بارعاً في الحفظ والعلم. واستدلوا أيضاً بما أخرج الطحاوي، فقال: حدثنا ابن أبي عمران قال: أنا علي بن صالح وبشر بن الوليد جميعاً عن أبي يوسف قال: قدمت المدينة فأخرج إليّ من أثق به، فقال: هذا صاع النبي وَلّ، فقدرته فوجدته خمسة أرطال وثلثاً، وسمعت ابن أبي عمران يقول: يقال: إن الذي أخرج هذا لأبي يوسف هو مالك بن أنس، وسمعت أبا حازم يذكر أن مالكاً سئل عن ذلك، فقال: هو تحري عبد الملك لصاع عمر بن الخطاب، فكان مالكاً لما ثبت عنده أن عبد الملك تحرَّى ذلك من صاع عمر - رضي الله عنه -، وصاع عمر (١) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٥٢/١). ٢٩٦ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث - رضي الله عنه - صاع النبي ◌َّ، وقد قدّر صاع عمر - رضي الله عنه - على خلاف ذلك . ثم ذكر بعدة أسانيد أن صاع عمر - رضي الله عنه - هو الصاع الحجّاجي، وروى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) في كتاب الزكاة: حدثنا يحيى بن آدم سمعت حسن بن صالح يقول: صاع عمر ثمانية أرطال، وقال شريك: أكثر من سبعة أرطال، وأقل من ثمانية. حدثنا وكيع عن علي بن صالح عن أبي إسحاق عن موسى بن طلحة قال: الحجّاجي صاع عمر - رضي الله عنه -، وهذا الثاني أخرجه الطحاوي في کتابه . ثم أخرج عن إبراهيم النخعي قال: عَيَّرنا صاعاً، فوجدناه حجاجياً، والحجاجي عندهم ثمانية أرطال بالبغدادي، وعنه قال: وضع الحجّاج قفيزه على صاع عمر، قال: فما ذكراه عيار حقيقي، فهو أولى مما ذكره مالك من تحري عبد الملك بصاع عمر، لأن التحري لا حقيقة معه، اهـ. وفي ((شرح الإحياء)) عن ((المصنف)): وروي عن جرير عن يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى، قال: عَيَّرْنا صاع المدينة، فوجدناه يزيد مكيالاً على الحجّاجي، وعن جرير عن مغيرة قال: ما كان يُفتي فيه إبراهيم في كفارة يمين، أو في إطعام ستين مسكيناً، وما فيه العشر ونصف العشر، قال: كان يفتي بقفيز الحجاج قال: هو الصاع، اهـ. قلت: ورواية ابن أبي ليلى تدل على أن صاع المدينة كان زائداً على صاع الحجاج، فلا بد أن تكون مختلفة إلى آخر ما قاله. قال بحر العلوم: قال الإمام أبو يوسف والإمام الشافعي: المعتبر الصاع الحجازي وهو خمسة أرطال وثلث رطل؛ لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله ( قيل له: يا رسول الله صاعنا أصغر الصيعان، الحديث. ٢٩٧ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٨٩) حديث وأجاب عنه صاحب ((الهداية)): بأن الصاع العراقي أصغر من الصاع الهاشمي، وهو اثنان وعشرون رطلاً، وكانوا يستعملون الهاشمي، فيصدق على العراقي أصغر الصيعان المستعملة، وقال في ((فتح القدير)): لا حجة في هذه الرواية إلا بسكوته ◌َّ﴾، والسكوت في مثل هذا ليس حجة، لأنه ليس في أمر ديني. واستدل لهما أيضاً بما عن الحسين بن الوليد القرشي، وهو ثقة، قال: قدم علينا أبو يوسف من الحج، فقال: إني أريد أن أفتح لكم باباً من العلم أهَمَّني، فتفحصت عنه، فقدمت المدينة، فسألت عن الصاع، فقالوا: صاعنا هذا صاع رسول الله وسلّر، قلت لهم: ما حجتكم في ذلك؟ فقالوا: نأتيك بالحجة غداً، فلما أصبحتُ أتاني نحو من خمسين شيخاً من أبناء المهاجرين والأنصار، مع كل رجل منهم الصاع تحت ردائه، كل رجل منهم يخبر عن أبيه وأهل بيته أن هذا صاع رسول الله بَّ﴿، فنظرت فإذا هو سواء، قال: فَعَيَّرْتُه، فإذا هو خمسة أرطال وثلث ونقصان يسير، قال: فرأيت أمراً قوياً، فتركت قول أبي حنيفة في الصاع (١). ...-- --- أجاب عنه ابن الهمام(٢): بأن في هذه الرواية مجاهيل فلا تقوم بهم حجة، قلت: أي الأبناء والآباء، وأجاب البعض بأنه لا خلاف لأن أبا يوسف لما عيّر الصاع وجده خمسة وثلث رطل من رطل المدينة، وهو أكبر من رطل بغداد الذي به يكون الصاع العراقي ثمانية أرطال، والرطل البغدادي أصغر من رطل المدينة، لأن رطل بغداد عشرون إستاراً، والرطل المدني ثلاثون، فثمانية الأرطال البغدادية وخمسة الأرطال المدنية وثلث سواء، لأنهما مقدار مائة وستون إستاراً. ...... . . " ......-. (١) أخرجه البيهقي في ((الكبرى)) (١٧١/٤) وعنه الزيلعي (٤٢٨/٢) ورواه الطحاوي مختصراً (٣٢٤/١). (٢) ((فتح القدير)) (٢٣٠/٢). ٢٩٨ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٩٠) حديث ٥٤/٦٩٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لا يُحْرِجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَا التَّمْرَ. وفي (فتح القدير)): الظاهر عدم الخلاف؛ لأن محمداً - رحمه الله - لم یذکره، اهـ. قال القاري: وفي الخبر أن الصاع ثمانية أرطال، وأخذ به أبو حنيفة وأصحابه، ولم يصح رجوع أبي يوسف إلى قول مالك - رضي الله عنه -، وتضعيف البيهقي له على تقدير صحته مبنيٌّ على حدوث الضعف بعد تعلق اجتهاد المجتهد به، وهو غير مضر، انتهى. قلت: فلا شك في أن الروايات في صاع الوضوء والغسل يوافق الحنفية أكثر من غيرهم، ولذا اضطر بعض الشافعية إلى قولهم: إن الصاع الذي لماء الغسل ثمانية أرطال، والذي لزكاة الفطر خمسة أرطال وثلث، وبه جزم ابن تيمية، وأنت خبير بأن مبنى الوضوء والغسل على التقريب، ومبنى الصدقات على التحديد، فالاحتياط فيه أولى(١). ٥٤/٦٩٠ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (كان لا يُخرج في زكاة الفطر إلا التمر) لأنه كان قوته وقوت أهل بلده بالمدينة المنورة، فلذلك كان يرى أن لا يجزيه غير التمر، وكان يقتصر على إخراجه. ويحتمل أنه كان يخرجه مع التمكن من الشعير، ويقوت به، لأنه كان يرى أن التمر أفضل منه، وإن كان الشعير يجزيه. وقد قال أشهب: أحبُّ إليّ أن يخرج بالمدينة التمر، قاله الباجي(٢). قلت: والأوجه الثاني لما روى جعفر الفريابي من طريق أبي مجلز قلت (١) من أراد استيفاء الكلام في المد والصاع، فليرجع إلى ((نصب الراية)) (٤٢٨/٢ - ٤٣١)، و((عمدة القاري)) (١٢/٣)، و((فتح الملهم)) (٤٧١/١، ٤٧٢). (٢) ((المنتقى)) (١٨٩/٢). ٢٩٩ -- -- - - - ١٩ - كتاب الزكاة (٢٨) باب (٦٩٠) حديث إِلا مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ أَخْرَجَ شَعِيراً. أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٧٧ - باب صدقة الفطر على الحرّ والمملوك. قَالَ مَالِكٌ: وَالْكَفَّارَاتُ كُلُّهَا، وَزَكَاةُ الْفِطْرِ، وَزَكَاةُ الْعُشُورِ، كُلُّ ذُلِكَ بِالْمُدِّ الأَصْغَرِ مُدِّ النَّبِيِّ نَّهَ، إلا الظِّهَارَ، فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهِ بِمُدِّ هِشَامٍ، وَهُوَ الْمُدُّ الأَعْظَمُ. لابن عمر: قد أوسع الله، والبُرُّ أفضل من التمر أفلا تعطي البر؟ قال: لا أعطي إلا كما كان يعطي أصحابي، قال الحافظ (١): ويستنبط من ذلك أنهم كانوا يخرجون من أعلى الأصناف التي يقتات بها، لأن التمر أعلى من غيره مما ذكرت في حديث أبي سعيد، وإن كان ابن عمر - رضي الله عنهما - فهم منه خصوصیة التمر بذلك، انتهى. (إلا مرة واحدة فإنه أخرج شعيراً) ولفظ البخاري من رواية أيوب عن نافع فكان ابن عمر يعطي من التمر، فأعوز أهل المدينة من التمر، فأعطى شعيراً، ولابن خزيمة من طريق عبد الوارث عن أيوب: كان ابن عمر إذا أعطى أعطى التمر إلا عاماً واحداً، قاله الحافظ. (قال مالك: والكفارات كلها) ككفارة صيام ويمين وغيرهما (وزكاة الفطر، وزكاة العشور) أي زكاة الحبوب التي فيها العشر أو نصف العشر (كل ذلك) يجب (بالمد الأصغر مد النبي وُ لد) وتقدم بيان ذلك قريباً (إلا الظهار) أي إلا كفارة الظهار (فإن الكفارة فيه) أي في الظهار (بالمد الأعظم مد هشام) هكذا في النسخ الهندية، ((فمُدّ هشام)) بدل من المد الأعظم، وفي سياق المصرية، فإن الكفارة فيه بمد هشام، وهو المد الأعظم، وهشام هذا هو ابن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة عامل المدينة لعبد الملك بن مروان، كذا في الزرقاني. (١) ((فتح الباري)) (٣٧٦/٣). ٣٠٠