النص المفهرس

صفحات 261-280

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٦٨٧) حديث
وَالرَّجُلُ يُؤَدِّي عَنْ مُكَانَبِهِ،
......
فيها النفقة على الرجل، ولا تجب الفطرة عليه، فإلحاقها بالنفقة مشكل،
وحكى العيني في ((شرح البخاري)) (١) رواية لمالك - رضي الله عنه - موافقة
للحنفية في أصل المسألة، وقال في ((شرح الهداية))(٢): وبه قال الثوري
والظاهرية، وابن المنذر وابن سيرين من المالكية، وخالفا مالكاً فيه، وقال
ابن المنذر: أجمع أهل العلم قاطبة على أن المرأة يجب فطرتها على نفسها
قبل أن تنكح، وقال ◌َله: ((صدقة الفطر على كل ذكر وأنثى))، ولم يصح عن
رسول الله * ما يخالف هذا الخبر، وليس فيه إجماع يتبع، فلا يجوز إسقاطها
عنها وإثباتها على غيرها .
(والرجل يؤدي) صدقة الفطر (عن مكانبه) لأنه عبد ما بقي عليه
درهم، وبهذا قال عطاء وأبو ثور، وقال الأئمة الثلاثة، وهي رواية عن
مالك - رضي الله عنه - أيضاً: لا زكاة عليه في مكاتبه، لأنه لا يمونه،
وجائز له أخذ الصدقة وإن كان مولاه غنياً، وروي عن ابن عمر - رضي الله
عنهما - قاله الزرقاني.
وذكر في ((شرح الإحياء)): أما المكاتب ففيه ثلاثة أقوال في مذهب
الشافعي، أصحها: أنها لا تجب عليه ولا على سيده، وبه قال أبو حنيفة،
والثاني: تجب على سيده، وهو المشهور في مذهب مالك. والثالث: تجب
عليه في كسبه كنفقته، وبه قال أحمد بن حنبل، وفي المسألة قول رابع: إنه
يعطي عنه إن كان في عياله وإلا فلا، حكاه ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه،
وقول خامس: إن السيد يخرجها عنه إن لم يؤد شيئاً من كتابته، وإن أدى شيئاً
وإن قلّ فهي عليه، قاله ابن حزم الظاهري، انتهى.
(١) ((عمدة القاري)) (٥٧٦/٦).
(٢) ((البناية)) (٢٣٨/٣).
٢٦١

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٦٨٧) حديث
وقال الموفق(١): على المكاتب أن يخرج عن نفسه زكاة الفطر، وممن
قال: لا تجب فطرة المكاتب على السيد أبو سلمة بن عبد الرحمن والثوري
والشافعي وأصحاب الرأي، وأوجبها على السيد عطاء ومالك وابن المنذر،
لأنه عبد فأشبه سائر عبيده، ولنا قوله بَلّ: ((ممن تمونون))، وهذا لا يمونه،
لأنه لا تلزمه مؤنته فلا تلزمه فطرته، انتهى.
قال الباجي(٢): وأما الكتابة فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أن
:
الزكاة على السيد، والثانية: لا زكاة عليه، وجه الرواية الأولى أن ملكه ثابت
عليه، وإنما تزول يده بالكتابة، وذلك لا يسقط عنه زكاة الفطر. ووجه الرواية
الثانية: أن هذا عقد يسقط النفقة عن السيد، فوجب أن تسقط زكاة الفطر عنه،
انتھی .
وقال ابن رشد(٣): إن مالكاً وأبا ثور قالا: يؤدي عنه سيده زكاة الفطر،
وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد: لا زكاة عليه فيه، والسبب في اختلافهم
تردد المكاتب بين الحر والعبد، انتهى.
قال الحافظ (٤): وقد روى البيهقي عن نافع أن ابن عمر - رضي الله عنه -
كان يؤدي زكاة الفطر عن كل مملوك له في أرضه وغير أرضه، وكان له
مكاتب، فكان لا يؤدي عنه، انتهى مختصراً.
زاد العيني(٥): قال البيهقي: وفي رواية: كان لابن عمر مكاتبان فلا
يعطي عنهما الزكاة يوم الفطر، ورواه ابن أبي شيبة، انتهى.
(١) ((المغني)) (٣١١/٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٨٤/٢).
(٣) (بداية المجتهد)) (٢٨٠/١).
(٤) ((فتح الباري)) (٣٧٦/٣).
(٥) ((عمدة القاري)) (٥٧٦/٦).
٢٦٢
-------

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٦٨٧) حديث
وَمُدَبَّرِهِ، وَرَقِيقِهِ، كُلَّهِمْ غَائِهِمْ وَسَاهِدِهِمْ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُسْلِماً،
وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ لِتِجَارَةِ أَوْ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ .
(ومدبره) قال الزرقاني: لا خلاف في أنه كالقِنِّ (ورقيقه) من عطف العام
على الخاص تعميماً لجميع أنواعه (كلهم) تأكيد للتعميم (غائبهم وشاهدهم) كما
تقدم في الأثر السابق لابن عمر - رضي الله عنهما - (من كان منهم مسلماً)
شرط عند المصنف، وسيأتي الخلاف فيمن لم يكن مسلماً (ومن كان منهم
لتجارة أو لغير تجارة) أي سواء في وجوب صدقة الفطر على السيد، وبهذا قال
الشافعي وأحمد والليث وإسحاق، وقال أبو حنيفة والثوري وغيرهما: لا زكاة
فطر في رقيق التجارة، لأن عليه فيهم الزكاة، ولا تجب في مال واحد زكاتان،
قاله الزرقاني تبعاً للحافظ، زاد: وبقول الحنفية قال النخعي، انتهى، وزاد
العينى عطاء .
وقال الموفق(١): أما العبيد فإن كانوا لغير التجارة فعلى سيدهم فطرتهم،
لا نعلم فيه خلافاً، وإن كانوا للتجارة فعليه أيضاً فطرتهم، وبهذا قال مالك
والليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن المنذر، وقال عطاء والنخعي
والثوري وأصحاب الرأي: لا تلزمه فطرتهم لأنها زكاة، ولا تجب في مال
واحد زكاتان، وقد وجبت فيهم زكاة التجارة، فيمتنع وجوب الزكاة الأخرى،
ولنا عموم الأحاديث، ولأن نفقتهم واجبة، فوجبت فطرتهم، انتهى.
وقال ابن رشد: ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن على السيد في عبيد
التجارة زكاة الفطر، وقال أبو حنيفة وغيره: ليس في عبيد التجارة صدقة،
وسبب الخلاف معارضة القياس للعموم، وذلك أن عموم اسم العبد يقتضي
وجوب الزكاة في عبيد التجارة وغيرهم، وعند أبي حنيفة أن هذا العموم
مخصص بالقياس، وذلك هو اجتماع زكاتين في مال واحد، انتهى.
(١) (المغني)) (٣٠٣/٤).
٢٦٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٦٨٧) حديث
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مُسْلِماً، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ.
قلت: وليس فيه معارضة القياس فقط بل فيه معارضة الأثر أيضاً، قال
القاري في ((شرح النقاية)): فلو وجب الفطرة فيه لأدى إلى الثني في الزكاة أي
التكرار، وقال وَلّ: ((لا ثني في الصدقة)). قلت: أخرج ابن أبي شيبة عن
سفيان بن عيينة عن الوليد بن كثير عن حسن بن حسن - رضي الله عنه - عن أمه
فاطمة - رضي الله عنها - أن النبي ◌َّ قال: ((لا ثناء في الصدقة)).
(ومن لم يكن منهم) أي من العبيد وهكذا غيرهم (مسلماً، فلا زكاة عليه
فيه) وهذا مختلف عند الأئمة. قال ابن رشد (١): قال مالك، والشافعي،
وأحمد: ليس على السيد في العبد الكافر زكاة، وقال الكوفيون: عليه الزكاة،
والسبب في اختلافهم، اختلافهم في الزيادة الواردة في ذلك في حديث ابن عمر
وهو قوله: ((من المسلمين))، فإنه قد خولف فيها نافع، فكون ابن عمر - رضي الله
عنه - أيضاً الذي هو راوي الحديث من مذهبه إخراج الزكاة عن العبيد الكفار.
وللخلاف أيضاً سبب آخر، وهو كون الزكاة الواجبة على السيد في
العبد، هل هي لمكان أن العبد مكلف أو أنه مال؟، فمن قال: لمكان أنه
مكلف اشترط الإسلام، ومن قال: لمكان أنه مال لم يشترطه، قالوا: ويدل
على ذلك إجماع العلماء على أن العبد إذا أعتق، ولم يخرج عنه مولاه زكاة
الفطر أنه لا يلزمه إخراجها عن نفسه بخلاف الكفارات، انتهى.
قال الموفق (٢): لا تجب على كافر حراً كان أو عبداً، ولا نعلم بينهم
خلافاً في الحُرِّ البالغ: وقال إمامنا ومالك والشافعي وأبو ثور: لا تجب على
العبد أيضاً ولا على الصغير، ويروى عن عمر بن عبد العزيز وعطاء ومجاهد
وسعيد بن جبير والنخعي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي أن على المسلم
(١) ((بداية المجتهد)) (١/ ٢٨٠).
(٢) ((المغني)) (٤/ ٢٨٣).
٢٦٤

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٦٨٧) حديث
السيد أن يخرج الفطرة عن عبده الذمي، وروي أن النبي بَّ قال: ((أدوا عن
كل حر وعبد صغير أو كبير يهودي أو نصراني أو مجوسي نصف صاع من بر))،
الحديث. ولأن كل زكاة وجبت بسبب عبده المسلم، وجبت بسبب عبده الكافر
كزكاة التجارة، ولنا قول النبي ◌ّ﴾ل في حديث ابن عمر: ((من المسلمين))،
انتھی .
قلت: وسيأتي الكلام على هذه الزيادة في الباب الآتي، ومع التسليم
فلما كان مذهب ابن عمر - رضي الله عنهما - التعميم عُلِمَ قطعاً أنه ليس
باحتراز، قال القاري في ((شرح النقاية)): والتقييد بقوله: ((من المسلمين)) لا
يعارض المطلق عندنا لما عُرف من عدم حمل المطلق على المقيد في
الأسباب، لأنه لا تزاحم فيها، فيمكن العمل بهما، فيكون كلٌّ من المطلق
والمقيد سبباً، بخلاف ما إذا وردا في حكم واحد، انتهى.
قال العيني(١): قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: عليه أن يؤدي صدقة
الفطر عن عبده الكافر، وهو قول عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعمر بن عبد
العزيز والنخعي، وروي ذلك عن أبي هريرة وابن عمر - رضي الله عنهما -،
انتهى وهكذا حكاه ابن التركماني (٢) عن ((الاستذكار))، زاد: وذكر ابن رشد
وغيره أن مذهب ابن عمر وجوب الفطرة على العبد الكافر، وهو راوي الخبر،
انتهى. وهكذا في ((شرح الإحياء)).
وزاد إسحاق: وفي ((الاستذكار))(٣): قال الثوري وسائر الكوفيين: يؤدي
الفطرة عن عبده الكافر، ثم قال: وروي عن أبي هريرة، وابن عمر - رضي الله
(١) (عمدة القاري)) (٥٧٧/٦).
(٢) ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (١٦٣/٤).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٣٣٣/٩).
٢٦٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٦٨٧) حديث
عنهم -، ثم بسط الآثار في ذلك، قال الترمذي: وهو قول الثوري وابن المبارك
وإسحاق، انتهى.
قلت: وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز
قال: سمعته يقول: يؤدي الرجل المسلم عن مملوكه النصراني صدقة الفطر،
وعن الأوزاعي قال: بلغني عن ابن عمر أنه كان يعطي عن مملوكه النصراني
صدقة الفطر، وعن نافع: أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - كان يخرج
صدقة الفطر عن أهل بيته كلهم، حرهم، وعبدهم، وصغيرهم، وكبيرهم،
ومسلمهم، وكافرهم من الرقيق.
قال العيني(١): واحتجوا في ذلك بما رواه الدارقطني من حديث
ابن عباس مرفوعاً: ((أدوا صدقة الفطر عن كل صغير وكبير وذكر أو أنثى،
يهودي أو نصراني)) الحديث. فإن قلت: قال الدارقطني: لم يسند هذا الحديث
غير سلام الطويل، وهو متروك، ورواه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) وقال:
زيادة اليهودي والنصراني فيه موضوعة، انفرد بها سلّام، وكأنه تعمدها، وأغلظ
فيه القول عن النسائي وابن حبان، قلت: جازف ابن الجوزي في مقالته من غير
دلیل.
وقد أخرج الطحاوي في ((مشكله))(٢) ما يؤيد ذلك: عن ابن المبارك عن
ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عن أبي هريرة قال: كان
يخرج صدقة الفطر عن كل إنسان يعول من صغير وكبير، حر أو عبد، ولو كان
نصرانياً، وحديث ابن لهيعة يصلح للمتابعة سيما رواية ابن المبارك عنه، ولم
يتركه أحد.
(١) ((عمدة القاري)) (٦/ ٥٧٧).
(٢) ((مشكل الآثار)) (٩/ ٤٧).
٢٦٦

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٦٨٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْعَبْدِ الآَبِقِ: إِنَّ سَيِّدَهُ، إنْ عَلِمَ مَكَانَهُ، أَوْ لَمْ
يَعْلَمْ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً، وَهُوَ يَرْجُو حَيَانَهُ وَرَجْعَتَهُ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُزَكِّيَ
عَنْهُ. وَإِنْ كَانَ إِبَاقُهُ قَدْ طَالَ، وبَيْسَ مِنْهُ، فَلا أَرَى أَنْ يُزَكِّيَ عَنْهُ.
ثم ذكر العيني الآثار عن ابن عمر وابن عباس وعن عمر بن عبد العزيز
وإبراهيم، ثم قال: والجواب عن قوله: ((من المسلمين)) أن معناه من يلزمه
إخراج الزكاة عن نفسه وعن غيره لا يكون إلا مسلماً، وأما العبد فلا يلزمه في
نفسه زكاة الفطر، وإنما يلزم مولاه المسلم عنه، وجواب آخر ما قاله ابن بزيرة:
إن قوله: ((من المسلمين)) زيادة مضطربة من غير شك من جهة الإسناد والمعنى،
لأن ابن عمر راويه كان من مذهبه إخراج الزكاة عن العبد الكافر، والراوي إذا
خالف ما رواه كان تضعيفاً لروايته، انتهى.
قلت: وما قيل: إنها وجبت طُهْرة للصائم، والكافر ليس بأهل متعقب
بقولهم أيضاً في الصبي: إن التعليل بالوصف لا يضره تخلف الحكمة في بعض
الصور كالمشقة في السفر، كما قال به الأبي في ((الإكمال)) (١)، على أنهم
أوجبوا على الكافر المولى عن عبده المسلم كما سيأتي.
(قال يحيى: قال مالك في العبد الآبق: إن سيده إن عَلِمَ مكانَه، أَو لم يَعْلَمْ)
أي سواء علم مكانه أو لم يعلم، يعني العلم بمكانه ليس بشرط في إيجاب
الصدقة عند المصنف، ولذا لم يذكره أحد من أصحاب فروع المالكية (وكانت
غيبته) الواو حالية، وهذا شرط للإيجاب (قريبة، وهو ترجى حياته) هكذا في
النسخ الهندية، فالمعنى أن العبد ترجى حياته، وفي النسخ المصرية: وهو يرجو
حياته أي المالك يرجو حياة العبد (ورجعته) أي ترجى رجعة العبد أو يرجو
المالك رجوع العبد، وأوبته (فإني أرى أن يزكي عنه) وجوباً (وإن كان إباقه) أي
إباق العبد (قد طال ويئس منه) الأوبة والرجوع (فلا أرى أن يزكيَ عنه)
(١) (١/ ١١٧).
٢٦٧

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٦٨٧) حديث
ولفظ ((المدونة)) (١): قال مالك في العبد الآبق: إذا كان قريباً يرجو حياته
ورجعته فليؤد عنه زكاة الفطر، وإن كان قد طال ذلك ويئس منه فلا أرى أن
يؤدي عنه، وفي ((الشرح الكبير))(٢): ولو آبقاً رجي عوده، ومغصوباً كذلك،
وإلا لم تلزمه، قال الدسوقي: قوله: ((كذلك)) أي مرجو عوده، وقوله: (وإلا))
وإلا يكن واحد منهما مرجواً لم تلزمه زكاته.
قال الباجي(٣): وهذا كما قال: إن العبد الآبق على ضربين: منهم من
ترجى أوبته، ومنهم من لا ترجى، فمن رجيت أوبته فعليه أن يزكي عنه، ومن
يئس من أوبته فلا شيء عليه، لأنه لا فائدة في علمه بحياته، وبه قال عطاء
والثوري وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، انتهى.
قلت: ما حكي من وفاق الأئمة ليس بصواب، واختلفت نقلة المذاهب
في ذلك جداً، وأكثر فروع الأئمة ساكتة عن ذلك، وتقدم كلام الموفق في ذلك
في بيان العبد الغائب.
قال الزرقاني(٤): قال أبو حنيفة: لا زكاة على سيده فيهما أي في من
ترجى أوبته، ومن لا ترجى، والشافعي يزكي إن علم حياته، وإن لم يرج
رجعته، وأحمد إن علم مكانه، انتهى.
وفي ((شرح الإحياء)): أما العبد الغائب، فمذهب الشافعي وجوب فطرته،
وإن لم يعلم حياته بل انقطع خبره، وكذا الضالُّ، وكذلك مذهب أحمد إلا في
منقطع الخبر، فإنه لم يوجب فطرته، لكنه قال: لو علم بعد ذلك حياته لزمه
(١) (٢٩٠/١).
(٢) (١/ ٥٠٧).
(٣) ((المنتقى)) (١٨٥/٢).
(٤) (١٤٧/٢).
٢٦٨
------- -
--

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٦٨٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ: تَجِبُّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ، كَمَا تَجِبُ
عَلَى أَهْلِ الْقُرَى. وَذُلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴾، فَرَضَ زَكَّاءُ الْفِطْرِ مِنْ
رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ،
الإخراج لما مضى، ولم يوجب أبو حنيفة زكاة الأسير، كالمغصوب المجحود،
انتهى .
وأما العبد الآبق، فحكى ابن المنذر عن الشافعي وأبي ثور وجوب
الإخراج عنه، وعن الزهري وأحمد وإسحاق وجوبها، إذا علم مكانه، وعن
الأوزاعي وجوبها إذا كان الآبق في دار الإسلام، وعن عطاء والثوري
وأصحاب أبي حنيفة عدم وجوبها، وعن مالك وجوبها إذا كانت غيبته قريبة
ترجى رجعته، فهذه خمسة أقوال، وعن أبي حنيفة رواية بالوجوب، انتهى.
قال العيني (١): وإن كان عبده آبقاً أو مأسوراً لا تجب، هكذا في
((البدائع)) و(الينابيع))، وبه قال أبو ثور والشافعي وابن المنذر، وعن أبي حنيفة:
تجب في الآبق، وبه قال عطاء والثوري، وقال الزهري وأحمد وإسحاق:
تجب إن كان في دار الإسلام، انتهى.
وفي ((شرح النقاية)): لا لعبد له أبق لعدم الولاية، وكذا إذا أُسر أو
غُصِب إلا بعد عوده لوجود الولاية والمؤن، وفي ((شرح المولوي إلياس)): يعني
إذا كان العبد آبقاً وقت وجوب الفطرة لا يجب الأداء ما دام آبقاً، فإذا عاد من
الإباق يؤدي لما مضى، انتهى.
وهكذا في ((الدر المختار)) وغيره، أنه لا يجب على الآبق إلا بعد أوبته
فتجب لما مضى.
(قال مالك: تجب زكاة الفطر على أهل البادية، كما تجب على أهل القرى
وذلك) أي دليل عموم الوجوب على أهل البادية وأهل القرى (أن رسول الله وَالأول
فرض زكاة الفطر من رمضان) كما سيأتي في الباب الآتي (على الناس) هكذا
(١) ((عمدة القاري)) (٥٨٩/٦).
٢٦٩

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٨) باب
(٦٨٧) حديث
عَلَى كُلِّ حُرِّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
(٢٨) باب مكيلة زكاة الفطر
في النسخ الهندية، وليس لفظ: ((على الناس)) في النسخ المصرية، والمعنى
فرضها على سائر الناس، ثم أكد العموم بقوله: (على كل حر أو عبد، ذكر أو
أنثى، من المسلمين) فعمومه شامل لأهل البادية والحاضرة، وبهذا قال
الجمهور، وقال الليث والزهري وربيعة: ليس على أهل البادية زكاة فطر، وإنما
هي على أهل القرى.
قال ابن رشد(١): أجمعوا على أن المسلمين مخاطبون بهذا، ذُكراناً كانوا
أو إناثاً، لحديث ابن عمر الآتي: إلا ما شذّ فيه الليث(٢)، فقال: ليس على
أهل العمود زكاة الفطر، وإنما هي على أهل القرى ولا حجة له، انتهى.
وحكى القاري عن ابن المسيب والحسن البصري: أنها لا تجب إلا على
من صلى وصام، وعن علي - رضي الله عنه -: أنها لا تجب إلا على من أطاق
الصوم والصلاة .
وقال الموفق(٣): أكثر أهل العلم يوجبون صدقة الفطر على أهل البادية،
روي ذلك عن ابن الزبير، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن ومالك والشافعي
وابن المنذر وأصحاب الرأي، وقال عطاء والزهري وربيعة: أن لا صدقة
عليهم، ولنا عموم الحديث، ولأنها زكاة فوجبت عليهم، كزكاة المال، انتهى.
:
(٢٨) مكيلة زكاة الفطر
بفتح الميم وكسر الكاف وإسكان التحتية، ما كيل به، وكذا المكيال،
(١) (بداية المجتهد)) (٢٧٩/١).
(٢) قال أبو عمر: قول الليث ضعيف، ((الاستذكار)) (٣٤٤/٩).
(٣) ((المغني)) (٢٨٩/٤).
٢٧٠

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٨) باب
(٦٨٨) حديث
٥٢/٦٨٨ _ حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَه فَرَضَ
والمكيل، أي بيان مقدار صدقة الفطر، قال ابن رشد (١): وأما كَمْ يجب؟ فإن
العلماء اتفقوا على أنه لا يؤدى من التمر والشعير أقل من صاع، واختلفوا في
قدر ما يؤدى من القمح، فقال مالك والشافعي: لا يجزئ منه أقل من صاع،
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجزئ من البر نصف صاع، والسبب في اختلافهم
تعارض الآثار، ثم ذكر الآثار في ذلك.
وقال الترمذي في ((جامعه))(٢) بعد ذكر حديث أبي سعيد الخدري الآتي
قريباً، بلفظ: (٣) ((كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام))، الحديث: والعمل
على هذا عند بعض أهل العلم يرون كل شيء صاعاً، وهو قول الشافعي
وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌ُّر وغيرهم: من
كل شيء صاع إلا من البر، فإنه يجزئ منه نصف صاع، وهو قول الثوري
وابن المبارك، وأهل الكوفة يرون نصف صاع من بر.
قلت: والجملة أن الأئمة الثلاثة مع الاختلاف فيما بينهم في بيان ما
يخرج في صدقة الفطر اتفقوا على أنها تكون صاعاً كاملاً من كل ما يخرج،
وقالت الحنفية ومن وافقهم في ذلك: أنها تجب في البر، وما في معناه نصف
صاع، واختلفوا في بيان ما يدخل في حكم البر.
٥٢/٦٨٨ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله
فرض) (٤) أي ألزم وأوجب عند الجمهور، وتقدم في بيان حكمها أن من يقول
(١) (بداية المجتهد)) (١ / ١٨١).
(٢) (٥٩/٣).
(٣) رقم الحديث (٦٧٣).
(٤) (فرض) قال ابن عبد البر: فمعناه عند أكثر أهل العلم، أوجب رسول الله وَل، وما
أوجبه رسول الله وَلّ فبأمر الله أوجبه. ((الاستذكار)) (٣٤٨/٨).
٢٧١

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٨) باب
(٦٨٨) حديث
زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ
بالسنية يؤول هذا اللفظ بمعنى قدر، قال الباجي(١): إن فرض في هذا
الحديث، لا يصح أن يراد به إلا أوجب، لأن ((على)) يقتضي الإيجاب واللزوم
على أنه قد ورد من طريق صحيح: أمر رسول الله و ◌َح18، وهذا يدل على أنه لا
يراد به قدر، انتهى.
ولا يذهب عليك أن اللفظ بكلا المعنيين بمعنى أوجب وبمعنى قدر، لا
يخالف الحنفية، وما يوهمه كلام بعض الشراح، فهو لعدم الاطلاع على مسلكهم.
(زكاة الفطر من رمضان) فتجب بغروب شمس ليلة العيد، أو طلوع فجر
يومه، قولان للعلماء، كما تقدم (على الناس) سواء كانوا أهل بادية، أو أهل
القرى كما تقدم.
واستدل بعمومه على أنها لا تحتاج لها إلى النصاب، وبهذا قالت الأئمة
الثلاثة كما في فروعهم، إلا أنهم قيدوا عمومه بالفضل عن قوته وقوت عياله،
قال الولي العراقي: إنا اعتبرنا القدرة على الصاع؛ لما علم من القواعد العامة،
فأخرجنا عن ذلك العاجز عنه، انتهى. كذا في ((الإتحاف)).
وفي ((البداية))(٢): قال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجب على من تجوز له
الصدقة، لأنه لا يجتمع أن تجوز له وأن تجب عليه وذلك بَيِّنٌّ، انتهى.
وقال الموفق(٣): صدقة الفطر واجبة على من قدر عليها، ولا يعتبر في
وجوبها نصاب، وبهذا قال أبو هريرة، وأبو العالية، والشعبي، وعطاء،
وابن سيرين، والزهري، ومالك، وابن المبارك، والشافعي، وأبو ثور. وقال
أصحاب الرأي: لا تجب إلا على من يملك مائتي درهم، أو ما قيمته نصاب
فاضل عن مسكنه، لقوله ◌َله: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى)).
(١) ((المنتقى)) (١٨٥/٢).
(٢) (٢٧٩/١).
(٣) ((المغني)) (٣٠٧/٤).
٢٧٢
-----

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٨) باب
(٦٨٨) حديث
صَاعاً مِنْ تَمْرِ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرِ،
٠٠
ولنا حديث ثعلبة مرفوعاً، وفيه: ((على كل غني أو فقير، أما فقيركم
فيرد الله عليه أكثر مما أعطى))، انتهى. وذكر في ((الإتحاف)): مال القاضي
أبو بكر بن العربي(١) إلى مقالة أبي حنيفة، فقال: المسألة له قوية، فإن الفقير
لا زكاة عليه، ولا أمر النبي وَل﴾ بأخذها منه، وإنما أمر بإعطائها له، وحديث
ثعلبة: ((أما غنيكم فيزكيه))، الحديث، لا يعارض الأحاديث الصحاح، ولا
الأصول القطعية، وقد قال النبي ◌َلو: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى))، انتهى.
وقال الأبي في ((الإكمال))(٢): اختلف قول مالك: هل تلزم من يحل له
أخذها؟ ونقل ابن شاس وابن الحاجب قولاً بسقوطها، عمن يحل له أخذها،
وهو يقتضي أن شرط وجوبها ملك النصاب، انتهى.
(صاعاً) نصب تمييزاً أو مفعولاً ثانياً (من تمر) هكذا في جميع النسخ
الهندية، والنسخ المصرية كلها أو أكثرها متظافرة على ترك ذكر التمر، واقتصر
فيها على ذكر الشعير فقط، وهو سقوط من الكاتب الأول لا وجه له (أو صاعاً
من شعير).
قال الباجي(٣): لفظة ((أو)) ههنا على قول جماعة أصحابنا لا يصح أن
تكون للتخيير، وإنما هي للتقسيم، ولو كانت للتخيير لاقتضى أن يخرج الشعير
من قوته غيره من التمر مع وجوده، ولا يقول هذا أحد منهم، فتقديره صاعاً من
تمر على من كان ذلك قوته، أو صاعاً من شعير على من كان ذلك قوته،
انتهى .
قال الحافظ (٤): لم تختلف الطرق عن ابن عمر في الاقتصار على هذين
(١) ((عارضة الأحوذي)) (٣/ ١٨٣).
(٢) (١١٨/٣).
(٣) ((المنتقى)) (١٨٦/٢).
(٤) (فتح الباري)) (٣٧٢/٣).
٢٧٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٨) باب
(٦٨٨) حديث
الشيئين، إلا ما أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما من طريق عبد العزيز بن أبي
روّاد عن نافع، فزاد فيه: ((السلت والزبيب))، وحكم مسلم في كتاب (التمييز))
على عبد العزيز فيه بالوهم، قال أبو عمر: أجمع العلماء على أن الشعير والتمر
لا يجزئ من أحدهما إلا صاع كامل أربعة أمداد.
قال العيني (١): ومذهب داود ومن تبعه؛ أنه لا يجوز إلا من التمر
والشعير، ولا يجزئ عنده قمح ولا دقيقه، ولا دقيق شعير، ولا سويق، ولا
زبيب، ولا غير ذلك، محتجاً بهذه الرواية؛ لأن ابن عمر - رضي الله عنهما -
لم یذکر غیرهما .
وقال ابن رشد في ((مقدماته)) (٢): اختلف أهل العلم فيما تجوز إخراج
زكاة الفطر منه بعد إجماعهم، على أنه يجوز إخراجها من الشعير والتمر على
ستة أقوال.
أحدها: قول ابن القاسم، وروايته عن مالك: أنها تخرج من غالب عيش
البلد من تسعة أشياء، وهي: القمح، والشعير، والسلت، والأرز، والذرة،
والدخن، والتمر، والأقط، والزبيب.
والثاني: رواية يحيى عن ابن القاسم: أنها تخرج من خمسة أشياء:
القمح، والشعير، والتمر، والزبيب والأقط.
والثالث: قول ابن الماجشون تخرج من خمسة أشياء: القمح، والشعير،
والسلت، والتمر، والأقط.
والرابع: قول أشهب: أنها تخرج من ستة أشياء: القمح، والشعير،
والسلت، والتمر، والأقط، والزبيب.
(١) ((عمدة القاري)) (٥٧٥/٦).
(٢) (٣٤٦/١ - ٣٥٨).
٢٧٤

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٨) باب
(٦٨٨) حديث
والخامس: قول ابن حبيب: أنها تخرج من عشرة أشياء، فزاد العلس.
والسادس: قول أهل الظاهر: أنها لا تؤدى إلا من التمر والشعير اتباعاً
لحديث ابن عمر، انتهى مختصراً.
وقال الخرقي: اختيار أبي عبد الله إخراج التمر، وبهذا قال مالك، قال
ابن المنذر: واستحب مالك إخراج العجوة، واختار الشافعي وأبو عبيد إخراج
البر، وإنما اختار أحمد إخراج التمر، اقتداءً بأصحاب رسول الله وَّر، فروى
بإسناده عن أبي مجلز، قلت لابن عمر: إن رسول الله وَّ قال: ((إن الله قد
أوسع، والبر أفضل من التمر))، قال: ((إن أصحابي سلكوا طريقاً، وأنا أحب
أن أسلكه))، فظاهر هذا أن جماعة الصحابة كانوا يخرجون التمر، فأحب
ابن عمر موافقتهم، وأحب أحمد الاقتداء بهم، والأفضل بعد التمر البر، وقال
بعض أصحابنا: الأفضل بعده الزبيب؛ لأنه أقرب تناولاً، فأشبه التمر، ولنا أن
البر أنفع في الاقتيات.
ثم قال الخرقي: من قدر على التمر أو الزبيب أو البر أو الشعير أو
الأقط، فأخرج غيره لم يجز.
قال الموفق(١): ظاهر المذهب أنه لا يجوز العدول عن هذه الأصناف،
مع القدرة عليها، سواء كان المعدول إليه قوت بلده أو لم يكن، وقال مالك:
يخرج من غالب قوت البلد، وقال الشافعي: من غالب قوت المخرج، ثم إن
عدل عن الواجب إلى أعلى منه جاز، وإن عدل إلى أدنى، ففيه قولان، ((أي
للشافعي))، أحدهما يجوز، لقوله وَل#: ((أغنوهم عن الطلب))، والغنى يحصل
بالقوت، والثاني: لا يجوز، لأنه عدول عن الواجب إلى أدنى.
ولنا، أن النبي ◌َّلّ فرض صدقة الفطر أجناساً معدودة، فلا يجوز العدول
(١) ((المغني)) (٢٩٢/٤).
٢٧٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٨) باب
(٦٨٨) حديث
عَلَى كُلِّ حُرِّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى
عنها، والسلت نوع من الشعير، فيجوز إخراجه، ويجوز الدقيق والسويق، نص
عليهما أحمد، وقال مالك والشافعي: لا يجوز عنهما، انتهى.
(على كل حر أو عبد) أخذ بظاهره داود، فأوجب على العبد، كما تقدم،
وقالت الجمهور: إن ((على)) بمعنى عن، وقال الباجي(١): أو هي على بابها،
لكن يحملها السيد عنه، وقيل: إنها تجب على السيد، كما يقال: على كل دابة
من دوابك درهم، وقال البيضاوي: العبد ليس بأهل لأن يكلف بالواجبات
المالية فجعلها عليه مجاز.
(ذكر أو أنثى) ظاهر في وجوبها على المرأة ولو كان لها زوج، وزِيْدَ في
بعض الطرق عن ابن عمر: ((والصغير والكبير)). قال الحافظ (٢): ظاهره وجوبها
على الصغير، لكن المخاطب عنه وليُّه، فوجوبها على هذا في مال الصغير،
وإلا فعلى من تلزمه نفقته، وهذا قول الجمهور، وقال محمد بن الحسن: هي
على الأب مطلقاً، فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه، وعن سعيد بن المسيب
والحسن البصري: لا تجب إلا على من صام، انتهى.
قال ابن بزيزة: قال محمد بن الحسن وزفر: لا يجب على اليتيم زكاة
الفطر، كان له مال أو لم يكن، فإن أخرجها عنه وصيّه ضمن، وأصل مذهب
مالك وجوب الزكاة على اليتيم مطلقاً، وفي ((الهداية)): يخرج عن أولاده، فإن
كان لهم مال أدّى من مالهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً لمحمد، كذا
في ((العيني))(٣).
وذكر في ((شرح الإحياء)): قوله: على الصغير والكبير يقتضي إخراج
(١) انظر: ((المنتقى)) (١٨٦/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٦٩/٣).
(٣) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٧٦/٦).
٢٧٦

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٨) باب
(٦٨٨) حديث
مِنَ الْمُسْلِمِينَ .
أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٧٠ - باب فرض صدقة الفطر.
ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة، ٤ - باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر
والشعير، حديث ١٢.
صدقة الفطر عن الصغير، وهو كذلك، قال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف
والجمهور: هي في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال، فعلى من عليه
نفقته من أب وغيره، وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقاً، ولو كان
للصغير مال لم تخرج منه، وقال ابن حزم الظاهري: هي في مال الصغير إن
كان له مال، وإلا سقطت عنه، وحكى ابن المنذر الإجماع على خلافه،
انتھی .
(من المسلمين) تكلم العلماء على هذه الزيادة، وتقدم ما قال ابن بزيرة:
إنها زيادة مضطربة من غير شك من جهة الإسناد والمعنى، وفي ((شرح الإحياء))
عن ((علل الترمذي))(١): رب حديث يستغرب لزيادةٍ تكون في الحديث، وإنما
يصح إذا كانت الزيادة ممن يُعْتَمَدُ على حفظه، مثل ما روى مالك عن نافع فزاد
فيه لفظ: ((من المسلمين))، وقد رواه غير واحد من الأئمة عن نافع لم يذكروا
فيه ((من المسلمين))، وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد
على حفظه، انتهى. وتبعه على ذلك ابن الصلاح في ((علوم الحديث))، انتهى.
ثم ذكر من تعقبه .
والجملة أن الزيادة مختلف فيها عند أهل الفن، وقال ابن عبد البر: لم
تختلف الرواة عن مالك في هذه الزيادة، إلا أن قتيبة بن سعيد رواه عن مالك
بدونها، وأطلق أبو قلابة الرقاشي، ومحمد بن وضّاح، وابن الصلاح، ومن
تبعه أن مالكاً تفرد بها دون أصحاب نافع، وهو متعقب برواية عمر بن نافع عن
(١) انظر: ((شرح علل الترمذي)) (ص ٢٤٠)، وانظر: ((التمهيد)) (٣٦٢/٩).
٢٧٧

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٨) باب
(٦٨٨) حديث
أبيه عند البخاري، وكذا أخرجه مسلم من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع،
وقال أبو عوانة في ((صحيحه)): لم يقل فيه ((من المسلمين)) غير مالك
والضحاك، ورواية عمر بن نافع ترد عليه، وقال الترمذي في ((الجامع)) بعد
رواية مالك: رواه غير واحد عن نافع ولم يذكر فيه ((من المسلمين)).
وقال في ((العلل)) التي في آخر الجامع(١): روى أيوب وعبيد الله بن عمر
وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع ولم يذكروا فيه ((من المسلمين))،
وروى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه.
وبسط الحافظ (٢) الكلام على هذه الزيادة، وذكر من روى الزيادة ومن لم
يروها، وقال بعد ذلك: وفي الجملة ليس في من روى هذه الزيادة أحد مثل
مالك، لأنه لم يتفق على أيوب وعبيد الله في زيادتها، وليس في الباقين مثل
يونس، لكن في الراوي عنه وهو يحيى بن أيوب مقال.
واستدل بهذه الزيادة على اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفطر،
ومقتضاه أنها لا تجب على الكافر عن نفسه، وهو أمر متفق عليه، وهل
يخرجها عن غيره كالعبد الكافر؟، مختلف فيه كما تقدم، وعلى تقدير ثبوتها
أجاب عنهما الطحاوي بأن قوله: ((من المسلمين)) صفة للمخرجين لا للمخرج
عنهم، وقال القرطبي: ظاهر الحديث أنه قصد بيان مقدار الصدقة ومن تجب
عليه، ولم يقصد فيه بيان من يخرجها عن نفسه ممن يخرجها عن غيره، بل
شمل الجميع .
وقال الطيبي: قوله: ((من المسلمين)) حال من العبد وما عطف عليه،
وتنزيلها على المعاني المذكورة أنها جاءت مزدوجة على التضاد للاستيعاب لا
(١) انظر: ((سنن الترمذي)) (٧٥٩/٥).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٣٧٠/٣).
٢٧٨

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٨) باب
(٦٨٨) حديث
+
للتخصيص، فيكون المعنى فرض على جميع الناس من المسلمين، وأما كونها
فيم وجبت؟ وعلى من وجبت؟ فيعلم من نصوص أخر، انتهى.
قلت: وحديث الباب مُؤوَّل عند الشافعية أيضاً، لما في ((شرح الإحياء))
عن ((الروضة)): لا فطرة على كافر عن نفسه، ولا عن غيره، إلا إذا كان له عبد
مسلم أو قريب مسلم أو مستولدة مسلمة، ففي وجوب الفطرة عليه وجهان، قال
النووي: أصحهما الوجوب، وصححه الرافعي في ((المحرر)) وغيره، انتهى.
وقال في محل آخر: وهو المحكي عن أحمد بن حنبل، واختاره القاضي
من الحنابلة، وقال ابن عقيل منهم: يحتمل أن لا تجب وهو قول أكثرهم، وبه
قال أصحابنا الحنفية، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع))(١): تلزم الكافر الأصلي فطرة رقيقه المسلم وقريبه
المسلم، كالنفقة عليهما، انتهى.
قال الموفق(٢): إن كان لكافر عبد مسلم، فحكي عن أحمد أن على
الكافر إخراج صدقة الفطر عنه، واختاره القاضي، وقال ابن عقيل: يحتمل أن
لا يجب، وهذا قول أكثرهم، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من
أهل العلم أن لا صدقة على الذمي في عبده المسلم، لقوله وَله: ((من
المسلمين)) ولأنه كافر، فلا تجب عليه الفطرة كسائر الكفار؛ لأن الفطرة زكاة،
فلا تجب على الكافر، كزكاة المال.
ولنا، أن العبد من أهل الطهرة، فوجب أن تؤدى عنه الفطرة كما لو كان
سيده مسلماً، وقوله: ((من المسلمين)) يحتمل أن يراد به المؤدى عنه، بدليل أنه
لو كان للمسلم عبد كافر لم يجب عليه فطرته، انتهى. وقد عرفت أن الدليل
مختلف فيه أيضاً .
(١) (٣٥٠/٢).
(٢) انظر: ((المغني)) (٢٨٤/٤).
٢٧٩

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٨) باب
(٦٨٩) حدیث
٥٣/٦٨٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عِيَاضٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحِ الْعَامِرِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا
.....
سَعِيدِ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعاً مِنْ طَعَامِ،
٥٣/٦٨٩ - (مالك، عن زيد بن أسلم عن عياض) بكسر العين المهملة
وتخفيف التحتانية آخره معجمة (ابن عبد الله بن سعد) بإسكان العين المهملة
(ابن أبي سَرْح) بفتح المهملة وسكون الراء بعدها مهملة القرشي (العامري)
المكي، ثقة من الثالثة، مات على رأس المائة، من رواة الستة (أنه سمع أبا
سعيد الخدري) - رضي الله عنه - (يقول: كنا نخرج زكاة الفطر).
اختلفوا في قول الصحابي(١): كنا نفعل كذا، هل هو موقوف أو مرفوع،
كما تقدم في ((المقدمة))، والجمهور على أنه إن لم يُضِفْ إلى زمن النبي
فهو موقوف، ولفظ البخاري: كنا نعطيها في زمان النبي صَلّ، قال الحافظ:
هذا حكمه الرفع، لإضافته إلى زمن النبي ◌َّل، ففيه إشعار بإطلاعه وَل وتقريره
له، لا سيما في هذه الصورة التي كانت توضع عنده، وتجمع بأمره، وهو الأمر
بقبضها وتفرقتها (صاعاً من طعام) سيأتي الكلام على الصاع.
وذكر القفال الشاشي في ((محاسن الشريعة)) معنى لطيفاً في إيجاب
الصاع، وهو أن الناس يمتنعون غالباً من الكد في العيد وثلاثة أيام بعده، ولا
يجد الفقير من يستعمله فيها، لأنها أيام سرور وراحة عقب الصوم، والذي
يتحصل من الصاع عنه جعله خبزاً ثمانية أرطال من الخبز، فإن الصاع خمسة
أرطال وثلث، ويضاف إليه المال نحو ثلاثة أرطال، فيأتي منه ذلك وهو كفاية
النفقة أربعة أيام، لكل يوم رطلان، كذا في ((شرح الإحياء)) و((شرح
الإقناع)»(٢).
(١) انظر: ((التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح)) (ص ٥١، ٥٢).
(٢) (٣٥٧/٢).
٢٨٠
--