النص المفهرس

صفحات 241-260

١٩ - كتاب الزكاة
(٦٨٥) حديث
وَكَانَ الرَّجُلُ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ قَدْ أَضَاعَهُ.
(٢٦) باب
وقال الزرقاني(١): ((في سبيل الله)) الجهاد، لا الوقف فلا حجة فيه لمن
أجاز بيع الموقوف إذا بلغ غاية لا يتصور الانتفاع به فيما وقف له، انتهى.
وقال الحافظ(٢): والمعنى: أنه ملكه، ولذلك ساغ له بيعه، ومنهم من
قال: كان عمر - رضي الله عنه - قد حبسه، وإنما ساغ للرجل بيعه، لأنه حصل
فيه هُزَالٌ عجز لأجله عن اللحاق بالخيل، وضعُفَ عن ذلك، وانتهى إلى حالة
عدم الانتفاع به، وأجاز ذلك ابن القاسم له، ويدل على أنه حمل تمليك،
قوله: ((ولا تعد في صدقتك))، ولو كان حبساً لعلله به. وذكر الاحتمالين
العيني(٣)، وحكي عن ابن عبد البر(٤) أنه قال: أي حمله على فرس حمل
تمليك، فله أن يفعل فيه ما شاء في سائر أمواله، انتهى.
(وكان الرجل الذي هو عنده) أي الذي حمله عليه، وتقدم ما قاله
الحافظ: إني لم أقف على اسمه (قد أضاعه) قال الباجي(٥): يحتمل أمرين؛
أحدهما: أنه أضاعه من الإضاعة بأن لم يحسن القيام عليه، ويبعد مثل هذا في
أصحاب النبي ◌َ # إلا أن يوجب هذا عذراً، ويحتمل أن يريد به صيره ضائعاً
من الهزال لفرط مباشرة الجهاد، ولإتعابه له في سبيل الله تعالى.
وزاد الزرقاني: وقيل: لم يعرف مقداره، فأراد بيعه بدون قيمته، وقيل:
معناه: استعمله في غير ما جعل له، والأول أظهر لرواية مسلم، فوجده قد
أضاعه، وكان قليل المال، فأشار إلى علة ذلك وإلى عذره في إرادة بيعه،
انتھی .
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٤٤/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٥٣/٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (٥٤٢/٦).
(٤) ((الاستذكار)) (٣٢٦/٩).
(٥) ((المنتقى)) (١٧٩/٢).
٢٤١

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٦) باب
(٦٨٥) حدیث
فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ. وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصِ. فَسَأَلْتُ عَنْ ذُلِكَ
رَسُولَ اللَّهِ وَه فَقَالَ: ((لا تَشْتَرِهِ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَم وَاحِدٍ.
(فأردت أن أشتريه منه) قال الباجي: يحتمل ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه كان
وهبه إياه، فأراد أن يشتريه منه وأن يسترخصه لضياعه، ويحتمل أيضاً أن يكون
حبساً، فظن أن شراءَهُ جائز، وبيع الذي كان في يده له مباح حتى منعه من
ذلك النبي ◌ّية، ويحتمل أنه بلغ من الضياع مبلغاً يعدم الانتفاع به في الوجه
الذي حبسه فيه، فرأى أن ذلك يبيح له شراءه.
(وظننت أنه بائعه برخص) بضم الراء وسكون الخاء مصدر رخص السعر
وأرخصه الله فهو رخيص، وهذا يحتمل ثلاثة أوجه، إما لتغير الفرس وضياعه،
أو لأنه حان الرخص في السوق، أو لكونه منعماً ومتصدقاً .
.---
(قال: فسألت عن ذلك) أي عن اشترائه (رسول الله (ص ) فقال) مَليّة: (لا
تشتره) بلا ياء قبل الهاء، جَزْمٌ على النهي، ولابن مهدي: لا تبتعه، قال
القاري: بهاء الضمير أو السكت (وإن أعطاكه بدرهم واحد) هو مبالغة في
رخصه، وهو الحامل له على شرائه، قال ابن الملك: ذهب بعض العلماء إلى
أن شراء المتصدق صدقته حرام لظاهر الحديث، والأكثرون على أنها كراهة
تنزيه لكون القبح فيه لغيره، وهو أن المتصدق عليه ربما ليسامح المتصدق في
الثمن بسبب تقدم إحسانه، فيكون كالعائد في صدقته في ذلك المقدار الذي
سومح فيه، كذا في ((المرقاة))(١).
وقال النووي(٢): نهي تنزيه لا تحريم، فيكره لمن تصدق بشيء أن يشتريه
ممن دفعه هو إليه، أما إذا ورثه فلا كراهة فيه، وكذا لو انتقل إلى ثالث، ثم
اشتراه منه المتصدق فلا كراهة فيه، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال
جماعة من العلماء: النهي عن شراء صدقته للتحريم.
(١) (٢٢٨/٤).
(٢) ((شرح صحيح مسلم للنووي)) (١١/ ٦٢).
٢٤٢

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٦) باب
(٦٨٥) حديث
قال الموفق(١): ليس لمُخْرِج الزكاة شراؤها ممن صارت إليه، روي ذلك
عن الحسن، وهو قول قتادة ومالك، وقال أصحاب مالك: إن اشتراها لم
يُنْقض البيعُ، وقال الشافعي وغيره: يجوز لقول النبي ◌َّ: ((لا تحلّ الصدقة
لغني إلا لخمسة: رجل ابتاعها بماله)) الحديث، تقدم في محله، وروى سعيد
في ((سننه)): أن رجلاً تصدق على أمه بصدقة فماتت فسأل النبي وَ لّ فقال: ((قد
قبل الله صدقتك وردّها إليك الميراث)) وهذا في معنى شرائها .
ولأن ما صح أن يملك إرثاً صح أن يملك ابتياعاً كسائر الأموال، ولنا،
ما روى عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ((حملت على فرس)) الحديث، فإن
قيل: يحتمل أنها كانت حبساً في سبيل الله فمنعه لذلك، قلنا: لو كان حبساً
لما باعها الذي هي في يده ولا هَمَّ عمر بشرائها، ولأن النبي ◌َّر ما أنكر
بيعها، إنما أنكر على عمر الشراء معللاً بكونه عائداً في الصدقة.
والثاني: إنا نحتج بعموم اللفظ من غير نظر إلى خصوص السبب،
والأخذ بعموم اللفظ أولى، فإن قيل: إن اللفظ لا يتناول الشراء، فإن العود في
الصدقة استرجاع بغير عوض، قلنا: إن النبي وَ لّ ذكره جواباً لعمر - رضي الله
عنه - حين سأله عن شراء الفرس، انتهى.
وكتب والدي المرحوم - نوّر الله مرقده، وبرَّد مضجعه - بين سطور
مسلم: وإنما نهاه ليحصل فيه انقطاع بالكلية، ولا تبقى النفس مُشْرفة إليها بعد
التصدق بها، وقال ابن بطال: كره أكثر العلماء شراء الرجل صدقته، وهو قول
مالك والكوفيين والشافعي سواء كانت الصدقة فرضاً أو تطوعاً، فإن اشترى
أحد صدقته لم يفسخ بيعه، وأولى به التنزه عنها، وقال ابن المنذر: رخص في
شراء الصدقة الحسن وعكرمة وربيعة والأوزاعي، وقال ابن القصار: قال قوم:
(١) ((المغني)) (١٠٢/٤).
٢٤٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٦) باب
(٦٨٥) حديث
فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ)).
لا يجوز لأحد أن يشتري صدقته، ويفسخ البيع، ولم يذكر قائل ذلك، وكأنه
يريد به أهل الظاهر، وأجمعوا أن من تصدق بصدقة ثم ورثها أنها حلال.
قال ابن التين: وشَذَّت فرقة من أهل الظاهر، فكرهت أخذها بالميراث.
ورأوه من باب الرجوع في الصدقة، وهو سهو، لأنها تدخل قهراً، وإنما كره
شراؤها، لئلا يحابيه المصدق بها عليه فيصير عائداً في بعض صدقته، كذا في
((العيني))(١) .
قال الباجي: أجاز بعض العلماء شراء الرجل صدقته، وكرهه بعضهم،
فإن نزل عندهم لم نفسخه، وبهذا قال القاضي أبو محمد، وهو قول أبي حنيفة
والشافعي، وقال الشيخ أبو إسحاق: يفسخ الشراء لنهي النبي ◌ُّ، والقولان
يتخرجان من المذهب، انتهى.
(فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه) الفاء للتعليل أي كما يقبح
أن يقيء ثم يأكل، كذلك يقبح أن يتصدق بشيء، ثم يجره إلى نفسه، فشبّه
بأخس الحيوان في أخس أحواله تصويراً للتهجين وتنفيراً منه.
قال الباجي(٢): وفي هذا خمسة أبواب: الباب الأول: في وجه العطية،
والثاني: في صفة العطية في نفسها، والثالث: في صفة المعطي، والرابع: في
صفة الارتجاع، والخامس: في حكم الارتجاع، ثم بسط الكلام على هذه
الأبواب.
قال الحافظ(٣): اتفقوا على أنه لا يجوز الرجوع في الصدقة بعد القبض،
انتھی .
(١) (عمدة القاري)) (٥٤٣/٦).
(٢) ((المنتقى)) (١٧٩/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٥٣/٣).
٢٤٤

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٦) باب
(٦٨٦) حديث
٥٠/٦٨٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن
عُمَرَ ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمَلَ عَلَى فَرَسِ فِيَّ سَبِيلِ اللَّهِ. فَأَرَادَ
أَنْ يَبْتَاعَهُ، فَسَأَلَ عَنْ ذُلِكَ رَسُولَ اللَّهِ إِ لهَ فَقَالَ: ((لا تَبْتَعْهُ وَلا تَعُدْ
فِي صَدَقَتِكَ)) .
أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٥٩ - باب هل يشتري صدقته.
ومسلم في: ٢٤ - كتاب الهبات، ١ - باب كراهة شراء الإنسان ما تصدّق به
ممن تصدّق عليه، حديث ٣.
وفي ((الهداية)): لا رجوع في الصدقة، لأن المقصود هو الثواب، وقد
حصل، وكذا إذا تصدق على غني استحساناً، لأنه قد يقصد بالصدقة على
الغني الثواب، وقد حصل، انتهى.
٥٠/٦٨٦ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب)
- رضي الله عنه - هكذا في رواية للبخاري، وروي عن ابن عمر عن عمر
- رضي الله عنه -، قال الدارقطني: الأشبه بالصواب قول من قال: عن ابن
عمر - رضي الله عنه - أن عمر - رضي الله عنه - كذا في ((العيني)) (١).
(حمل) بتخفيف الميم (على فرس) أي جعله حمولة لرجل مجاهد (في
سبيل الله) أي الجهاد (فأراد أن يبتاعه) أي يشتريه (فسأل عن ذلك رسول الله ﴾
صَالله
فقال: لا تبتعه) بالجزم أي لا تشتره (ولا تعد في صدقتك) أي صورة وباعتبار
الظاهر أيضاً، ويحتمل أنه وَّ ل سمى الشراء عوداً في الصدقة، لأن العادة جرت
بالمسامحة من البائع في مثل ذلك للمشتري، فأطلق على القدر الذي يسامح به
رجوعاً .
وقال ابن العربي في ((العارضة))(٢) تحت حديث ابن عمر - رضي الله عنه -:
(١) ((عمدة القاري)) (٦/ ٥٤٢).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١٧٤/٣، ١٧٥).
٢٤٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٦) باب
(٦٨٦) حديث
الأحكام في مسائل، الأولى: قوله: حمل على فرس، الحمل على ثلاثة أنواع:
أن تحبس عليه فرساً لا تُباع ولا تُوهَب، وأن يتصدَّق به على غيره
لوجه الله تعالى، وأن يهبه، فأما إن حمله عليه على أنه حبس، فذلك لا يشترى
أبداً، وإن كان صدقة، ففي ((كتاب ابن عبد الحكم)): لا يشترى أبداً، وقال
بعده: تركه أفضل، وهذا صريح مذهب مالك والشافعي والليث، وكذلك لم
يفسخوا البيع، وقال في ((كتاب محمد)): إذا حمل على فرس لا للسبيل ولا
للمسكنة فلا بأس أن يشتريه.
الثانية: إذا ثبت هذا التقسيم، فقوله: ((حمل على فرس)) لا يدرى أيها هو
من هذه الوجوه، ويختلف الحكم باختلاف الوجوه، فأما إذا قال: هو حبس،
فلا سبيل إليه ببيع لأحد، وأما إذا قال: هو لك في سبيل الله، فقال مالك
- رحمه الله -: لم يبعه، ولو أسقط كلمة لك لركبه وردّه، وقال الشافعي
وأبو حنيفة: هو ملك له، ولم يعلم كيفية فعل عمر - رضي الله عنه -، فلا يعلم
على أي شيء يرجع جوابه.
فمن الناس - وهي المسألة الثالثة - من قال: إذا حمله عليه في سبيل الله
فلا يباع أبداً، وهذا خطأ، مخالف للحديث، فإن النبي صَ لّ منع منه عمر
- رضي الله عنه - خاصة، ولعله لعلة تختصّ به دون سائر الناس، ومنهم من
قال: إن كان الحمل صدقة لم يجز؛ لقول النبي وَلّ: ((لا تشتره، فإن العائد
في صدقته ... ))، الحديث. وإن كان هبة جاز كما في ((كتاب محمد))، وأما
رواية من روى على الكراهة، فهو أن تعليل النبي وَل بقوله: ((كالكلب يعود في
قيئه)) يبين أنه قبيح ينزه عنه، لا أنه حرام.
:
الرابعة: فلو كان حبساً لجاز بيعه إذا ضاع كما قال عبد الملك. وقال
ابن القاسم: لا يباع.
الخامسة: اختلف الناس في قوله: ((لا تشتره)) ولو أعطاك بدرهم، هل هو
٢٤٦

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٦) باب
(٦٨٦) حديث
قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلِ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَوَجَدَهَا مَعَ
غَيْرِ الَّذِي تَصَدَّشَ بِهَا عَلَيْهِ تُبَاعُ، أَيَشْتَرِبِهَا؟ فَقَالَ: تَرْكُهَا أَحَبُّ إِلَيَّ.
ضربُ مثل أو حقيقة؟، فالبغداديون من علمائنا جعلوا ضربَ مَثَلٍ، وقالوا: إن
صاحب السلعة لو باع سلعته بغير ظاهر ينتهي الثلث أنه يرجع فيه، ومن قال:
لا يرجع، وهم جمهور العلماء تعلق بهذا الحديث.
السادسة: جاء هذا الحديث: ((لا تشتره))، وجاء قوله: ((لا تحل الصدقة
إلا)) وذكر رجلاً اشتراها بماله، فاقتضى هذا بعموم جواز شرائها له، فلما جاء
قوله ههنا: ((لا تشتره))، فحمله قوم على النسخ، وحمله آخرون على الكراهية،
وعندي أنه جائز كالمسألة من أصول الفقه، وهي أن العموم إذا عارضه
الخصوص في عين نازلة، فالصحيح أنه يختص بتلك النازلة، وما جاء بعد هذا
من قوله: ((فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه)) يقتضي التنزُّه، والله
أعلم.
(قال يحيى: وسئل) ببناء المجهول (مالك) - رضي الله عنه - (عن رجل
نصدق) بفتحات (بصدقة، فوجدها) المتصدق (مع غير الذي تصدق) ببناء
المعلوم أو المجهول (بها عليه تباع، أيشتريها؟ فقال: تركها أحب إليّ) إذ لا
فرق بين اشترائها من نفس من تصدق بها عليه، أو من غيره في المعنى لرجوعه
فيما تركه للَّه تعالى، كما حرم على المهاجرين سكنى مكة بعد هجرتهم منها للَّه
عز وجل، قاله الزرقاني(١).
وتقدم ما أفاده الشيخ والدي المرحوم - نوّر الله مرقده -: إنما نهاه
ليحصل فيه انقطاع بالكلية، ولا تبقى النفس مشرفة إليها بعد التصدق بها،
انتهى. وهذا المعنى موجود في الشراء من الغير.
(١) (١٤٥/٢).
٢٤٧

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٢٧) باب من تجب عليه زكاة الفطر
(٢٧) من تجب عليه زكاة الفطر
وفيه ثمانية أبحاث مفيدة :
الأول: في لغتها، قال الحافظ في ((الفتح)) (١): أضيفت الصدقة للفطر
لوجوبها بالفطر من رمضان، وقال ابن قتيبة: المراد بزكاة الفطر زكاة النفوس،
مأخوذة من الفطرة التي هي أصل الخلقة، والأول أظهر، ويؤيده الحديث الآتي
بلفظ: ((فرض زكاة الفطر من رمضان ... )) الحديث، انتهى.
قال العيني(٢): من إضافة الشيء إلى شرطه لحجة الإسلام، وفي ((الدر
المختار)): من إضافة الحكم الشرطه، والفطر لفظ إسلامي، قال ابن عابدين:
والمراد بالفطر يومه لا الفطر اللغوي، لأنه يكون في كل ليلة من رمضان، ثم
بسط الكلام في اشتقاقه من الفطرة بمعنى الخلقة، قال: ولذا نقل بعضهم أنها
تسمى صدقة الرأس، وزكاة البدن، انتهى.
وقال النووي: هي لفظة مولّدة لا عربية ولا معربة بل هي اصطلاحية
للفقهاء. كأنها من الفطرة التي هي النفوس والخلقة أي زكاة الخلقة ذكرها
صاحب الحاوي والمنذري، قال العيني: ولو قيل: لفظة إسلامية لكان أولى،
لأنها ما عرفت إلا في الإسلام، ويؤيده ما ذكره ابن العربي هو اسمها على
لسان الشرع، ويقال لها: صدقة الفطر، وزكاة الفطر، وزكاة رمضان، وزكاة
الصوم. وفي حديث ابن عباس: ((صدقة الصوم))، وفي حديث أبي هريرة:
(صدقة رمضان)) وتسمى أيضاً: صدقة الرؤوس وزكاة الأبدان، انتهى.
وقال الموفق: (٣) أضيفت هذه الزكاة إلى الفطر، لأنها تجب بالفطر من
(١) ((فتح الباري)) (٣/ ٣٦٧).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٧٣/٦).
(٣) («المغني)) (٤/ ٢٨٢).
٢٤٨
----

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
۔۔
رمضان، وقال ابن قتيبة: وقيل لها: فطر، لأن الفطرة الخِلْقَةُ، قال تعالى:
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾(١) الآية، أي: جبلته التي جبل الناس
عليها، انتهى.
الثاني: في حكمها، قال الزرقاني: عَبَّر في الترجمة بالوجوب إشارة إلى
حمل الفرض في الحديث عليه، وقد حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك،
وكذا ابن عبد البر مُضَعِّفاً قول من قال بالسُّنِّيَّة، يعني فلا يقدح في حكاية
الإجماع، انتهى. وفي ((المغني))(٢): قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه
من أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض، وقال إسحاق: هو كالإجماع من
أهل العلم، وزعم ابن عبد البر أن بعض المتأخرين من أصحاب مالك وداود
يقولون: هي سنة مؤكدة، وسائر العلماء على أنها واجبة، انتهى.
وقال البخاري في ((صحيحه))(٣): رأى أبو العالية وعطاء وابن سيرين
صدقة الفطر فريضة، قال الحافظ: اقتصر على ذكر هؤلاء الثلاثة لكونهم
صرحوا بفرضيتها، وإلا فقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، لكن
الحنفية يقولون بالوجوب دون الفرض على قاعدتهم في التفرقة، وفي نقل
الإجماع مع ذلك نظر، لأن إبراهيم بن علية وأبا بكر بن كيسان قالا: إن
وجوبها نُسِخ، ونقل المالكية عن أشهب أنها سنة مؤكدة، وهو قول بعض أهل
الظاهر، وابن اللبان من الشافعية، وأوّلوا قوله: ((فرض)) في الحديث بمعنى
قدر .
قال ابن دقيق العيد: هو أصله في اللغة، لكن نُقِل في عرف الشرع إلى
(١) سورة الروم: الآية ٣٠.
(٢) ((المغني)) (٤/ ١٨١).
(٣) باب (٧٠) و((فتح الباري)) (٣٦٧/٣).
٢٤٩

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
الوجوب فالحمل عليه أولى، انتهى. ويؤيده تسميتها زكاة، وقوله في الحديث:
((على كل حر وعبد)) والتصريح بالأمر بها في حديث قيس بن سعد وغيره،
انتھی .
قال العيني(١): اختلفت العلماء هل هي فرض أو واجبة أو سنة أو فعل
خير مندوب إليه؟ فقالت طائفة: هي فرض، وهم الشافعي ومالك وأحمد، وقال
أصحابنا: واجبة، وقالت طائفة: سنة، وهو قول مالك في رواية، ذكرها صاحب
(الذخيرة))، وقالت طائفة: هي فعل خير، كانت واجبة ثم نسخت، انتهى.
وقال أيضاً في ((البناية)): عند الشافعي فريضة على أصله، وهو أنه لا
فرق بين الواجب والفرض، والنزاع لفظيٍّ، لأن الفرض عنده نوعان: مقطوع
حتى يُكَفَّر جاحدُه، وغير مقطوع حتى لا يُكَفَّر جاحده، ومن جحد صدقة الفطر
لا يُكَفَّر بالإجماع، ولذا لا يكفر من قال: إنها مستحبة، انتهى.
وقال الموفق(٢): قال بعض أصحابنا: هل تسمى فرضاً مع القول بوجوبها
على روايتين، الصحيح أنها فرض لقول ابن عمر: فرض، لأن الفرض إن كان
الواجب فهي واجبة، وإن كان الواجب المتأكد فهي متأكدة مجمع عليها،
انتھی .
وفي ((الدر المختار))(٣): وحديث فرض رسول الله وي ليه زكاة الفطر معناه
قدر، للإجماع على أن منكرها لا يكفر، قال ابن عابدين: جواب عما استدل
به الشافعي - رحمه الله - على فرضيتها، وهذا الجواب ذكره في ((البدائع)).
وأجاب في ((الفتح)) (٤): بأن الثابت بظنيّ يفيد الوجوب، وأنه لا خلاف
(١) ((عمدة القاري)) (٦/ ٥٧٤).
(٢) ((المغني)) (٢٨٣/٤).
(٣) (٣٦٢/٣).
(٤) ((فتح القدير)) (٢١٩/٢).
٢٥٠
-- .
-------

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
.
في المعنى، لأن الافتراض الذي يثبته الشافعية ليس على وجه يُكَفَّرُ جاحده،
فهو معنى الوجوب عندنا، وقد يجاب بأن قول الصحابي فرض، يراد به المعنى
المصطلح عندنا للقطع به بالنسبة إلى من سمعه من النبي ◌ّلم بخلاف غيره ما
لم يصل إليه بطريق قطعي، فيكون مثله، ولذا فالراجح أن الواجب لم يكن في
عصره وَليل .
والثالث: ما قاله الزرقاني: الكافة على أن وجوبها لم ينسخ خلافاً
لإبراهيم بن علية وأبي بكر بن كيسان الأصم في قولهما: إنه نسخ لما رواه
النسائي وغيره عن قيس بن سعد بن عبادة قال: أمرنا رسول الله وَ ل* بصدقة
الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهانا ونحن نفعله،
وتُعُقّب بأن في إسناده راوياً مجهولاً، وعلى تقدير الصحة، فلا دليل فيه على
النسخ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول، لأن سقوط فرض لا يدل على سقوط
فرض آخر، انتهى.
قلت: إلا أن حديث قيس أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط
الشيخين، وذكر العيني طرق الحديث ومن خرجه.
والرابع: بيان من تجب عليه صدقة الفطر، وسيأتي الكلام عليه.
والخامس: متى نزلت صدقة الفطر؟ قال القاري: فرضت هي وصوم شهر
رمضان في السنة الثانية من الهجرة، أما رمضان ففي شعبان، وأما هي، فقال
غير واحد: إنها في السنة الثانية أيضاً، وقال بعض الحفاظ: قبل العيد بيومين،
وقال البغداديون من أصحابنا: إن زكاة الفطر وجبت بموجب زكاة الأموال من
نصوص الكتاب والسنة بعمومها فيها، وقال البصريون منهم: إن وجوبها سابق
على وجوب زكاة الأموال، واعتدَّ به بعض الحفاظ، ويدل لفرضها قبل الزكاة
خبر قيس بن سعد بن عبادة، انتهى.
وتقدم خبر قيس في البحث الثالث، وفي الموطن الثاني من ((الخميس)):
٢٥١

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
في هذه السنة فرضت زكاة الفطر، وكان ذلك قبل العيد بيومين، كذا في («أسد
الغابة)) فخطب الناس قبل الفطر بيومين يُعَلّمُهُم زكاة الفطر، وكان ذلك قبل أن
تفرض زكاة الفطر، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(١): أمر بها في السنة التي فرض فيها رمضان قبل
الزكاة، قال ابن عابدين: هذا هو الصحيح، ولذا قيل: إنها منسوخة بالزكاة
وإن كان الصحيح خلافه، انتهى.
والسادس: ما ذكره شيخ مشايخنا في ((حجة الله البالغة))(٢): وإنما وقت
بعيد الفطر لمعان، منها: أنها تكمل كونه من شعائر الله، وأن فيها طهرةً
للصائمين وتكميلاً لصومهم بمنزلة سنن الرواتب في الصلاة، انتهى. وسيأتي
حكمة تعيين الصاع.
السابع: ما قاله العيني (٣): إن هذا الباب يحتاج إلى خمسة عشر معرفة،
الأولى: معرفة صدقة الفطر لغة وشرعاً وتقدم معناه لغة، وأما شرعاً فهو اسم
لما يُعطى من المال بطريق الصلة ترحماً مقدراً. والثانية: معرفة وجوبها
وتقدمت، والثالثة: معرفة سبب وجوبها، فهو رأس يمونه مؤونة تامة، ويلي
عليه ولاية تامة. والرابعة: معرفة شرط وجوبها فالإسلام والحرية، والغنى على
الخلاف فيه. والخامسة: معرفة ركنها فالتمليك. والسادسة: معرفة شرط جوازها
بكون المصرف إليه فقيراً .
والسابعة: من تجب عليه فتجب على الأب عن أولاده الصغار الفقراء،
وعلى السيد عن عبده ومدبره وأم ولده. والثامنة: معرفة الذي تجب من أجله
(١) (٣٦١/٢ - ٣٦٢).
(٢) (٤٤/٢).
(٣) ((عمدة القاري)) (٦/ ٥٧٣).
٢٥٢

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
ھ
فأولاده الصغار، ومماليكه للخدمة دون مكاتبه وزوجته. والتاسعة: مقدار
الواجب وسيأتي بيانه. والعاشرة: معرفة الكيل الذي يجب به فهو الصاع
وسيأتي أيضاً. والحادية عشرة: معرفة وقت وجوبها وسيأتي قريباً. والثانية
عشرة: معرفة كيفية وجوبها، فتجب وجوباً موسعاً على الأصح. والثالثة عشرة:
معرفة وقت استحباب الأداء، فقد اتفقت الأئمة الأربعة في استحباب أدائها بعد
فجر يوم الفطر قبل الذهاب إلى صلاة العيد.
والرابعة عشرة: معرفة جواز تقديمها على يوم الفطر وسيأتي. والخامسة
عشرة: معرفة وقت أدائها فيوم الفطر من أوله إلى آخره، وبعده يجب القضاء
عند بعض أصحابنا، والأصح أن يكون أداء، انتهى بتغير.
الثامن: ما قاله الحافظ في ((الفتح)) (١) تحت حديث ابن عمر - رضي الله
عنهما -: ((فرض رسول الله ◌َّ زكاة الفطر)): استدل به على أن وقت وجوبها
غروب الشمس ليلة الفطر، لأنه وقت الفطر من رمضان، وقيل: وقت وجوبها
طلوع الفجر من يوم العيد، لأن الليل ليس محلاً للصوم، وإنما يتبين الفطر
الحقيقي بالأكل بعد طلوع الفجر، والأول قول الثوري وأحمد وإسحاق
والشافعي في الجديد وإحدى الروايتين عن مالك، والثاني قول أبي حنيفة
والليث والشافعي في القديم، والرواية الثانية عن مالك، ويقويه ما في
الحديث، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة.
قال المازري: قيل: إن الخلاف مبني على أن قوله: الفطر من رمضان،
الفطر المعتاد في سائر الشهر، فيكون الوجوب بالغروب أو الفطر الطارئ بعد،
فيكون بطلوع الفجر، قال ابن دقيق العيد: الاستدلال بذلك لهذا الحكم
ضعيف، لأن الإضافة إلى الفطر لا تدل على وقت الوجوب، بل تقتضي إضافة
(١) ((فتح الباري)) (٣/ ٣٧٠).
٢٥٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان، وأما وقت الوجوب فيطلب من أمر آخر،
انتھی .
قال الزرقاني: الأولى رواية أشهب عن مالك. والثانية رواية ابن القاسم
وابن وهب ومطرف.
وقال الدردير(١): هل تجب بأول ليلة العيد، ولا يمتدّ بعده على
المشهور، أو لفجر يوم العيد، ولا تمتد على القولين خلاف، قال الدسوقي :
الأول لابن القاسم في ((المدونة))، وشهره ابن الحاجب وغيره، والثاني لرواية
ابن القاسم والأخوين عن مالك، وشهَّره الأبهري، وصححه ابن رشد
وابن العربي .
وذكر الدسوقي في ثلاثة أقوال أخر، أحدها: أن الوجوب يتعلق بطلوع
الشمس يوم العيد، ولا يمتدّ وقت الوجوب على هذا القول أيضاً، الثاني: أن
وقته يمتدّ من غروب ليلة العيد إلى غروب يومه، الثالث: يمتدّ من غروب ليلة
العید إلی زوال يومه، انتهى.
وقال العيني في ((البناية)): لوجوبها بطلوع الفجر هو المشهور عند
المالكية، وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون وابن وهب، وبه قال الليث
وأبو ثور وآخرون، انتهى.
..... ...
وذكر الباجي بعد القولين المذكورين قال القاضي أبو محمد وجماعة من
أصحابنا: إنها تجب بطلوع الشمس من يوم الفطر، قال أبو بكر بن الجهم:
هذا هو الصحيح من مذهب مالك، قال الباجي(٢): ولأصحابنا بمسائل تقتضي
غير هذه الأقوال كلها، انتهى.
(١) ((الشرح الكبير)) (٥٠٥/١).
(٢) ((المنتقى)) (١٩٠/٢، ١٩١).
٢٥٤
----

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٦٨٧) حديث
٥١/٦٨٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
.....
عُمَرَ كَانَ يُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ غِلْمَانِهِ الَّذِينَ بِوَادِي الْقُرَى
وقال الموفق(١): أما وقت الوجوب فهو وقت غروب الشمس من آخر يوم
من رمضان، فمن تزوّج أو ملك عبداً أو ولد له ولد أو أسلم قبل غروب الشمس
فعليه الفطرة، وإن كان بعد الغروب لم تلزمه ولو كان حين الوجوب معسراً، ثم
أيسر في ليلته تلك أو يومه ذلك لم يجب عليه شيء، وبما قلنا في وقت الوجوب.
قال الثوري وإسحاق ومالك في إحدى الروايتين عنه والشافعي في أحد قوليه.
وقال الليث وأبو ثور وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر، وهو رواية
عن مالك، لأنها قربة تتعلق بالعيد، فلم يتقدم وجوبها كالأضحية، ولنا قول
ابن عباس: ((أن النبي ﴿ فرض زكاة الفطر))، الحديث، والإضافة دليل
الاختصاص، انتهى. وقد عرفت ما في الاستدلال بهذا الحديث.
٥١/٦٨٧ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(كان يخرج زكاة الفطر عن غلمانه) أي أرِقَّائِه، قاله الزرقاني(٢). قلت: ويؤيده
أن ابن أبي شيبة ترجم في ((مصنفه)) (٣) ((في العبد يكون غائباً في أرض لمولاه
يعطى عنه))، وأخرج فيه عن الحارث عن نافع: أن ابن عمر كان يعطي عن
غلمانٍ له في أرض عمر الصدقة (الذي (٤) بوادي القرى) بضم القاف وفتح الياء
مقصوراً، موضع بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى، والنسبة إليه
وادي، فتحها النبي ◌َّل سنة سبع عنوةً، ثم صولحوا على الجزية.
قال أحمد بن جابر: في سنة سبع لما فرغ النبي ◌ٍُّ من خيبر توجّه إلى
(١) ((المغني)) (٢٩٨/٤).
((شرح الزرقاني)) (١٤٦/٢).
(٢).
(٣) (٦٥/٣).
(٤) كذا في نسخة الشارح.
٢٥٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٦٨٧) حديث
وبِخَيْبَرَ .
وادي القرى، فدعا أهلها إلى الإسلام، فامتنعوا عليه، وقاتلوه، ففتحها عنوةً،
قال أبو المنذر: سُمِّي وادي القرى، لأن الوادي من أوله إلى آخره قُرَى
منظومة، وهي كانت قديمةً منازلَ ثمودَ وعادٍ، وبها أهلكهم الله تعالى، ونزلها
بعدهم اليهود، كذا في ((معجم البلدان))، (وبخيبر) تقدم بيانها في ليلة التعريس،
والمعنى: أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يخرج عنهم زكاة الفطر إن
كانوا غيباً عن موضع استيطانهم بالمدينة، وإن مغيبهم عنه لا يسقط عنه فيهم
زكاة الفطر.
قال الموفق(١): تجب فطرة العبد الحاضر والغائب الذي تُعْلَمُ حياتهُ،
والآبق والصغير والكبير والمرهون والمغصوب. قال ابن المنذر: أجمع عوامُ
أهل العلم على أن على المرء زكاةَ الفطر عن مملوكه الحاضر غير المكاتب
والمغصوب والآبق وعبيد التجارة، وأما الغائب فعليه فطرته إذا علم أنه حيٌّ،
سواء رجا رجعته أو يئس منها، وسواء كان مطلقاً أو محبوساً، كالأسير وغيره،
قال ابن المنذر: أكثر أهل العلم يرون أن تُؤَدى زكاة الفطر عن الرقيق غائِبهم
وحاضِرهم، لأنه ملكٌ لهم، فوجبت فطرتهم عليه كالحاضرين.
وممن أوجب فطرةَ الآبق الشافعيُّ وأبو ثور وابن المنذر، وأوجبها
الزهري إذا علم مكانه، والأوزاعي إن كان في دار الإسلام، ومالك إن كانت
غيبته قريبةً، ولم يوجبها عطاء والثوري وأصحاب الرأي، لأنه لا يلزمه الإنفاق
عليه، فلا تجب فطرته كالمرأة الناشزة.
ولنا: أنه مالٌ له فوجبت زكاتهُ في حال غيبته، كمالِ التجارة، ويحتمل
أن لا يلزمه إخراجها حتى يرجع إلى بيته، كزكاة الدين والمغصوب ذكره
ابن عقيل، وجه القول الأول أن زكاة الفطر تجب تابعة للنفقة، والنفقة تجب
(١) («المغني)) (٣٠٤/٤).
٢٥٦
-- --

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٦٨٧) حديث
مع الغيبة بدليل أن من رد الآبق رجع بنفقته، وأما من شكّ في حياته منهم
وانقطعت أخباره لم تجب فطرته، نصّ عليه في رواية صالح، لأنه لم يعلم بقاء
ملكه عليه، ولو أعتقه في كفارته لم يجزئه فلم تجب فطرته كالميت، فإن مضت
عليه سنون، ثم علم حياته، لزمه الإخراج لما مضى، كما لو سمع بهلاك ماله
الغائب، ثم بان أنه كان سالماً، اهـ. وسيأتي شيء من الكلام على ذلك في
العبد الآبق قريباً .
وأيضاً أثر الباب دليلٌ للجمهور في أن صدقة فطر العبد يُخرجُ السَّيدُ،
والمسألة خلافية. قال الحافظ(١) في حديث ابن عمر: قوله: ((على العبد
والحر)) ظاهره إخراج العبد عن نفسه، ولم يقل به إلا داود، فقال: يجب على
السيد أن يُمَكِّنَ العبدَ من الاكتساب لها، كما يجب عليه أن يُمَكِّنه من الصلاة،
وخالفه أصحابه والناس لحديث أبي هريرة مرفوعاً: ((ليس في العبد صدقة إلا
صدقة الفطر)) أخرجه مسلم، وفي رواية له: ((ليس على المسلم في عبده ولا
فرسه صدقة إلا صدقة الفطر)) ومقتضاه أنها على السيد.
وهل تجب عليه ابتداء أو تجب على العبد، ثم يتحمّلها السيد؟ وجهان
للشافعية، وإلى الثاني نحا البخاري، انتهى.
قال ابن رشد: (٢) وخالفهم أبو ثور في العبد إذا كان له مالٌ، فقال: إذا
كان له مالٌ زَكَّى عن نفسه، ولم يزَدٌ عنه سيده، وبه قال أهل الظاهر، انتهى.
(مسألة) قال الباجي(٣): إذا كان العبد لواحد، فلا خلاف في ذلك، فإن
كان لجماعة فزكاة الفطر فيه واجبة، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا
تجب فيه زكاة الفطر، وكذلك إذا كان لاثنين عبدان مشتركان.
(١) (فتح الباري)) (٣/ ٣٦٨).
(٢) (بداية المجتهد)) (٢٧٩/١).
(٣) ((المنتقى)) (٢/ ١٨٢).
٢٥٧

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٦٨٧) حديث
وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعْتُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى
الرَّجُلِ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ، أنَّ الرَّجُلَ يُؤَدِّي ذلك عَنْ كُلِّ مَنْ يَضْمَنُ
نفقته
(فرع)): وكيف يخرج عنه زكاةَ الفطر مالكاه؟ عن مالك في ذلك روايتان،
روى ابن القاسم أنه يخرج كلُّ واحدٍ منهما عنه بقدر ملكه فيه، وروى عنه
ابن الماجشون يخرج كل واحد منهما فطرة كاملة.
وقال الخرقي: إذا ملك جماعة عبداً أخرج كل واحد منهم صاعاً، وعن
أبي عبد الله رواية أخرى: صاعاً عن الجميع. قال الموفق: (١) الجملة أن
صدقة العبد المشترك واجبة على مواليه، وبهذا قال مالك ومحمد بن سلمة
وعبد الملك والشافعي ومحمد بن الحسن وأبو ثور، وقال الحسن وعكرمة
والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف: لا فطرة على أحد منهم، لأنه ليس عليه
لأحد منهم ولاية تامة، أشبه المكاتب.
ولنا عموم الأحاديث، واختلفت الرواية في قدر الواجب، ففي إحداهما
على كل واحد صاع، والثانية على الجميع صاع واحد، وهذا الظاهر عن
أحمد، قال فوزان(٢): رجع أحمد عن هذه المسألة، وقال: يُعْطِي كلُّ واحد
منهم نصفَ صاع، يعني رجع عن إيجاب صاع كامل على كل واحد، وهذا
قول سائر من أوجب فطرته على السيد، انتهى.
(مالك أن أحسن ما سمعت) فيه إشارة إلى أنه - رضي الله عنه - سمع
في ذلك أقاويل شَتَّى (فيما يجب على الرجل من زكاة الفطر). عن نفسه
وعن غيره (أن الرجل يؤدي ذلك عن كل من يضمن نفقته) أي ضمان
(١) ((المغني)) (٣١٢/٤).
(٢) هو عبد الله بن محمد بن المهاجر، كان الإمام أحمد يجله، توفي سنة ستة وخمسين
ومائتين، ((طبقات الحنابلة)) (١٦٥/١، ١٦٦).
٢٥٨
----- ..-

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٦٨٧) حديث
وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ.
9
وجوب. ولذا قال: (ولا بد له) أي لا محالة (من أن ينفق عليه).
قال ابن رشد (١): أما عمن تجب؟ فإنهم اتفقوا على أنها تجب على المرء
في نفسه، وأنها تجب في ولده الصغار عليه إذا لم يكن لهم مال، وكذلك في
عبيده إذا لم يكن لهم مال، واختلفوا فيما سوى ذلك.
وتلخيص مذهب مالك في ذلك أنها تلزم الرجل عمن ألزمه الشرع النفقة
عليه، ووافقه في ذلك الشافعي، وإنما يختلفان فيمن تلزم المرء نفقته إذا كان
معسراً ومن ليس تلزمه، وخالفه أبو حنيفة في الزوجة، وقال: تؤدي عن
نفسها، وإنما اتفق الجمهور على أن هذه الزكاة ليست بلازمة لمكلف، مكلف
في ذاته فقط كالحال في سائر العبادات، بل ومن قبل غيره لإيجابها على
الصغير والعبيد.
فمن فهم من هذا أن علة الحكم الولاية، قال: الولي يلزمه إخراج
الصدقة على كل من يليه، ومن فهم من هذه النفقة قال: المنفق يجب أن يخرج
الزكاة عن كل من ينفق عليه بالشرع، وإنما عرض هذا الاختلاف؛ لأنه اتفق
في الصغير والعبد، وهما اللذان نَبَّها على أن هذه الزكاة ليست معلقة بذات
المكلف فقط، بل ومن قبل غيره إن وجدت الولاية فيها ووجوب النفقة، فذهب
مالك إلى أن العلة في ذلك وجوب النفقة، وذهب أبو حنيفة إلى أن العلة في
ذلك الولاية، ولذلك اختلفوا في الزوجة، انتهى.
قال الخرقي: يلزمه أن يخرج عن نفسه وعن عياله، قال الموفق(٢): عيال
الإنسان من يعوله أي يمونه، فتلزمه فطرتهم، كما تلزمه مؤنتهم، إذا وجد ما
يؤدي عنهم لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله ومثله فرض
صدقة الفطر، عن كل صغير وكبير، حر أو عبد، ممن تمونون.
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٧٩/١).
(٢) ((المغني)) (٣٠١/٤).
٢٥٩

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٧) باب
(٦٨٧) حديث
والذين يلزم الإنسان نفقتهم وفطرتهم ثلاثة أصناف: الزوجات، والعبيد،
والأقارب، فأما الزوجات فعليه فطرتهن، وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق،
وقال أبو حنيفة والثوري وابن المنذر: لا تجب عليه فطرة امرأته، وعلى المرأة
فطرة نفسها؛ لقوله وَ﴾: ((صدقة الفطر على كل ذكر وأنثى))، ولأنها زكاة،
فوجبت عليها كزكاة مالها .
ولنا الخبر، ولأن النكاح سبب تجب به النفقة، فوجبت به الفطرة، وإن
نشزت وقت الوجوب، ففطرتها على نفسها دون زوجها؛ لأن نفقتها لا تلزمه.
واختار أبو الخطاب أن عليه فطرتها؛ لأن الزوجية ثابتة فلزمته فطرتها، والأول
أصح؛ لأن هذه ممن لا تلزمه مؤنته، وكذلك كل امرأة لا يلزمه نفقتها، كغير
المدخول بها إذا لم تسلم إليه، انتهى. وسيأتي الكلام على العبيد مفصلاً.
قال الحافظ (١): قوله في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: الذكر
والأنثى، ظاهره وجوبها على المرأة سواء كان لها زوج أم لا، وبه قال
الثوري، وأبو حنيفة وابن المنذر، وقال مالك والشافعي والليث وأحمد
وإسحاق: تجب على الزوج إلحاقاً بالنفقة وفيه نظر، لأنهم قالوا: إن أعسر
وكانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على السيد بخلاف النفقة فافترقا .
واتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن نفقتها تلزمه،
وإنما احتج الشافعي بما رواه من طريق محمد بن علي الباقر مرسلاً نحو
حديث ابن عمر، وزاد فيه: ممن تمونون، وأخرجه البيهقي من هذا الوجه،
فزاد في إسناده ذكر علي، وهو منقطع أيضاً، أخرجه من حديث ابن عمر،
وإسناده ضعيف أيضاً، انتهى.
قلت: وذكر في فروع الشافعية من ((شرح الإقناع)) وغيره فروع كثيرة تجب
(١) (فتح الباري)) (٣٦٩/٣).
٢٦٠