النص المفهرس
صفحات 201-220
١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٧٨) حديث ذَكَرَ الْمَجُوسَ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ. فَقَالَ عَبْذُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ يَقُولُ: ((سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ)). في ((الغرائب)) من طريق أبي علي الحنفي عن مالك، فزاد فيه: عن جده، وهو منقطع أيضاً، لأن جده علي بن الحسين لم يلحق عبد الرحمن ولا عمر - رضي الله عنه -، فإن كان الضمير في قوله: عن جده يعود على محمد بن علي فيكون متصلاً، لأن جده الحسين بن علي - رضي الله عنه - سمع من عمر بن الخطاب ومن عبد الرحمن بن عوف، وله شاهد من حديث مسلم بن العلاء بن الحضرمي، أخرجه الطبراني في آخر حديث بلفظ: ((سُنُّوا بالمجوس سنة أهل الكتاب)). قلت: وقد ورد أخذ الجزية من المجوس في عدة أحاديث نصّاً، منها ما أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن عمر - رضي الله عنه - أنه لم يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله وله أخذها من مجوس هجر. (ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم) أي أقبل الجزية أو أدعوهم إلى الإسلام؟ فإن أبوا قوتلوا، وهذا من فقهه - رضي الله عنه - وتوقيه وورعه، فإنه - رضي الله عنه - إذا أراد الحكم شاور فيه أهل العلم، ليظهر ما عندهم من نص ينقل، أو موافقة منهم لرأيه ليتقوى رأيه، أو مخالفة له ليرى في رأيهم. (فقال عبد الرحمن بن عوف) أحد العشرة المبشرة بالجنة: (أشهد لسمعت رسول الله رَّة يقول: سُنُوا بهم سنةَ أهل الكتاب) قال أبو عمر: هذا من الكلام العام الذي أريد به الخاص، لأن المراد سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط، قال الحافظ: وقع في آخر رواية أبي علي الحنفي: قال مالك: في الجزية . ٢٠١ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٧٨) حديث قال الباجي(١): المجوس يسن بهم سنة أهل الكتاب وليسوا عنده - أي عند مالك - بأهل كتاب، وبه قال أبو حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي، وله قول آخر: إنهم أهل كتاب، قال المروزي من أصحابه: فائدة القولين إننا إذا قلنا: إنهم ليسوا بأهل كتاب لم تحل مناكحتهم، ولا ذبائحهم، وإذا قلنا: إنهم أهل كتاب حّت مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وأنكر ذلك أكثر أصحاب الشافعي، وقالوا : إن مذهب الشافعي أن لا تجوز مناکحتهم ولا ذبائحهم بوجه. والدليل على ما نقول بأنهم ليسوا أهل كتاب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُنزِلَ اَلْكِنَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾ (٢) الآية. ودليلنا من جهة السنة المذكور، ودليلنا من جهة القياس أن المجوس فرقة لا تجوز مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم فلم يكن أهل الكتاب، انتهى. قلت: وتقدم الاستدلال بالآية والرواية في كلام الجصاص أيضا، وتقدم أيضاً كلامه الجواب عما استدلت به الشافعية من فی أثر علي - رضي الله عنه - أنهم أهل كتاب. قلت: وأثر علي - رضي الله عنه - ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣)، ثم قال: قال ابن الجوزي في ((التحقيق)): وسعيد بن المرزبان مجروح. قال يحيى القطان: لا أستحلُّ أروي عنه، وقال ابن معين: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه، قال الفلّاس: متروك الحديث، وقال أبو أسامة: كان ثقة، وقال أبو زرعة: مدلِّس، انتهى. وفي ((الجوهر النقي)) (٤): قال صاحب (التمهيد)): في قوله وَالَ: ((سُنُّوا (١) ((المنتقى)) (١٧٢/٢). (٢) سورة الأنعام: الآية ١٥٦. (٣) (٢٥٦/٢). (٤) (١٩٠/٩). ٢٠٢ ------- ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٧٨) حديث بهم سنة أهل الكتاب)» دليل على أنهم ليسوا أهل كتاب، وعلى ذلك جمهور الفقهاء، وقد روي عن الشافعي أنهم كانوا أهل كتاب، فَبَدَّلُوا، وأظنه ذهب في ذلك إلى شيء روي عن علي - رضي الله عنه - من وجه فيه ضعف، يدور على أبي سعد البقال، وأكثر أهل العلم يأبون ذلك، ولا يصححون هذا الأثر. والحجة لهم قوله تعالى: ﴿أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِنَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾(١)، وقوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُونَ فِىّ إِنْرَهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَةُ وَالْإِنِجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِه٤ٍِ﴾(٢)، وقال تعالى: ﴿يَّأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَاُلْإِنِجِيلَ﴾(٣)، فدل على أن أهل الكتاب هم أهل التوراة والإنجيل: اليهود والنصارى لا غير. وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج، قلت لعطاء: المجوس أهل الكتاب؟ قال: لا، وقال أيضاً: أنا معمر سمعت الزهري سُئِل: أتؤخذ الجزية ممن ليس أهل كتاب؟ قال: نعم، أخذها رسول الله وَّ من أهل البحرين، وعمر - رضي الله عنه - من أهل السواد، وعثمان - رضي الله عنه - من البربر، انتھی . ثم لا يذهب عليك أن ثمرة الخلاف في القولين تظهر من وجه آخر أيضاً غير ما قاله المروزي، وهو أنه إذا ثبت أن المجوس ليسوا بأهل كتاب، وقد ثبت أخذ النبي ◌َ﴿ الجزية من المجوس ثبت أن لفظ: ﴿مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ في قوله عز اسمه: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾(٤) الآية، ليس باحتراز، (١) سورة الأنعام: الآية ١٥٦. (٢) سورة آل عمران: الآية ٦٥. (٣) سورة المائدة: الآية ٦٨. (٤) سورة التوبة: الآية ٩. ٢٠٣ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٧٩) حديث ٦٧٩/ ٤٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ضَرَبَّ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ. وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً. بل الكفار فيه كلها في حكم أهل الكتاب، إلا أن الحنفية خصصوا منها عبدة الأوثان من العرب بوجوه أخر، تقدم ذكر بعضها . ٤٣/٦٧٩ - (مالك، عن نافع، عن أسلم مولى عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (أن) أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (ضرب الجزية) أي قَدَّرها (على أهل الذهب) كأهل مصر، فإنهم عند المالكية أهل ذهب، وإن تعاملوا بالفضة، كما سيأتي في كلام الدردير، وقال القاري: المراد المكثرين منه (أربعة دنانير) في كل سنة (وعلى أهل الورق أربعين درهماً) في كل سنة. قال الزرقاني(١): وإليه ذهب مالك فلا يزاد عليه ولا ينقص، إلا من يضعف عن ذلك فيخفف عنه بقدر ما يراه الإمام، وقال الشافعي: أقلها دينار ولا حَدَّ لأكثرها، إلا إذا بذل الأغنياء ديناراً لم يجز قتالهم، وقال أبو حنيفة وأحمد: أقلها على الفقراء والمعتملين اثنا عشر درهماً أو دينار، وعلى أوساط الناس أربعة وعشرون درهماً أو ديناران، وعلى الأغنياء ثمانية وأربعون درهماً أو أربعة دنانير، انتهى. قال الباجي(٢) بعد ذكر ما تقدم عن قول مالك: هذا هو المذهب، وقال ابن القاسم: لا ينقص من فرض عمر - رضي الله عنه - لعُسْرٍ، ولا يزاد عليه لِغِنَّى، وقال القاضي أبو الحسن: لا حَدّ لأقلها، انتهى. وفي (البداية))(٣): أنهم اختلفوا في ذلك، فرأى مالك أن القدر الواجب (١) (١٤٠/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢ /١٧٤). (٣) (بداية المجتهد)) (٤٠٤/١). ٢٠٤ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٧٩) حديث في ذلك هو ما فرضه عمر - رضي الله عنه -، وذلك على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعون درهماً، ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام لا تزاد على ذلك ولا تنقص منه، وقال الشافعي: أقله محدود وهو دينار، وأكثره غير محدود، وذلك بحسب ما يصالحون عليه، وقال قوم: لا توقيت في ذلك، وهو مصروف إلى اجتهاد الإمام، وبه قال الثوري، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا ينقص الفقير من اثني عشر درهماً، ولا يزاد الغني على ثمانية وأربعين درهماً، والوسط أربعة وعشرون درهماً، وقال أحمد: دينار أو عدله معافر، ولا يزاد عليه ولا ينقص منه، انتهى. وفي ((الروض المربع)) (١): المرجح في مقدار الجزية إلى اجتهاد الإمام الواضع لها، فيضعه بحسب اجتهاده، لأنه أجرة يختلف باختلاف الأزمنة، فلا يلزم الرجوع إلى ما وضعه عمر - رضي الله عنه -، وما وضعه هو أو غيره من الأئمة ليس لأحد تغييره ما لم يتغير السبب كما في ((الأحكام السلطانية))، لأن تقدیرہ ذلك حکم، انتھی. وفي ((شرح الإقناع)) (٢): أقل الجزية دينار في كل حول عن كل واحد لما رواه الترمذي وغيره عن معاذ: أنه وَّ لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عِدْله من المعافر(٣). وظاهر الخبر أقله دينار أو ما قيمته دينار، وبه أخذ البلقيني، والمنصوص الذي عليه الأصحاب أن أقلها دينار - فلا يعقد إلا به -، وإذا عقدها جاز أن (١) (٢/ ١١). (٢) (٢٧٨/٤). (٣) (المعافر) قال ابن الهمام: المعافري ثوب منسوب إلى معافر بن مرة، ثم صار اسماً للثوب بلا نسبة، انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٦٨/٨). ٢٠٥ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٧٩) حديث يعتاض عنه ما قيمته دينار، وإنما امتنع عقدها بما قيمته دينار، لأن قيمته قد تنقص عنه آخر المدة، ومحل كون أقلها ديناراً عند قوتنا، وإلا فقد نقل الدارمي عن ((المذهب)) اسم كتاب: أنه يجوز عقدها بأقل من دينار، ولا حدَّ لأكثر الجزية، ويؤخذ من المتوسط ديناران، ومن الموسر أربعة، ومن الفقير دينار استحباباً اقتداء بعمر - رضي الله عنه -، فإن أمكنه أن يعقد بأكثر منه لم يجز أن يعقد بدونه إلا لمصلحة، انتهى. وفي ((الشرح الكبير))(١) للدردير: للعنوي(٢) أربعة دنانير إن كان من أهل الذهب، أو أربعون درهماً إن كانوا من أهل الفضة، وأهل مصر أهل ذهب وإن تعومل فيها بالفضة، ونقص الفقير وأخذ منه بؤُسْعِه ولو درهماً، ولا يزاد على ما ذكر لكثرة يسار، وللصُّلْحِي ما شرط ورضي به الإمامُ أو نائبه، فإن لم يرض الإمام فله مقاتلته ولو بذل أضعاف العنوي، والظاهر عند ابن رشد إن بذل الصُّلحي القدر الأول حرم قتاله، وإن لم يرض الإمام والمعتمد الأول، انتهى. وفي ((البدائع)) (٣): أما مقدار الواجب فنقول وبالله التوفيق: الجزية على ضربين: جزية توضع بالتراضي، وذلك يتقدَّر بقدر ما وقع عليه الصلح، كما صالح رسول الله وَلّر أهل نجران على ألف ومائتي حُلَّةٍ، وجزية يضعها الإمام عليهم من غير رضاهم بأن ظهر الإمام على أرض الكفار، وأقرَّهم على أملاكهم، وجعلهم ذمة، وذلك على ثلاثة مراتب، فيضع على الغني ثمانية وأربعين درهماً، وعلى الوسط أربعة وعشرين درهماً، وعلى الفقير المعتمل اثني عشر درهماً . (١) (٢٠١/٢). (٢) (العنوي) هو من فتحت بلده قهراً، والعنويّ منسوب للعنوة بفتح العين وهو القهر، انظر: ((حاشية الصاوي على الشرح الصغير)) (٥٥/٣). (٣) (بدائع الصنائع)) (٨٠/٦). ٢٠٦ -- ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٧٩) حديث ٠ ٠ ٠ كذا روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه أمر عثمان بن حنيف حين بعثه إلى السواد، وكان ذلك بمحضرٍ من الصحابة من المهاجرين والأنصار، ولم ينكر عليه أحد، فهو كالإجماع على ذلك مع أنه لا يحتمل أن يكون من سيدنا عمر - رضي الله عنه - رأياً، لأن المقدرات سبيل معرفتها التوقيف والسمع لا العقل، فهو كالمسموع من رسول الله وَلـ وحكى القاري (١) عن ابن الهمام: الجزية على ضربين: جزية توضع بالتراضي والصلح عليها، فتقدر بحسب ما عليه الاتفاق، فلا يزاد عليه تحرزاً عن الغدر، وأصله صلح رسول الله ور أهل نجران وهم قوم من النصارى بقرب اليمن على ما في أبي داود عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: صالح رسول الله وَلّ أهل نجران على ألفي حُلّةٍ، الحديث، وصالح عمر - رضي الله عنه - نصارى بني تغلب على ضِعْفٍ ما يؤخذ من المسلم من المال، والضرب الثاني: جزية يبتدئ الإمام بتوظيفها إذا غلب على الكفار، ثم ذكر الأنواع الثلاثة من الغني وغيره. وقال الجصاص في ((أحكام القرآن)) (٢) بعد ذكر قول الحنفية: وهو قول الحسن بن صالح، وروى أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: بعث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عثمان بن حنيف فوضع على أهل السواد الخراج ثمانية وأربعين درهماً وأربعة وعشرين درهماً واثني عشر درهماً، وروى الأعمش عن إبراهيم بن مهاجر عن عمرو بن ميمون قال: بعث عمر بن الخطاب حذيفة بن اليمان على ما وراء دجلة، وبعث عثمان بن حنيف على ما دون دجلة فأتياه فسألهما: كيف وضعتما على أهل الأرض؟ قالا: وضعنا على كل رجل أربعة دراهم في كل شهر، قال: ومن يطيق هذا؟ قالا: إن لهم (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٦٦/٨). (٢) (٩٦/٣). ٢٠٧ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٧٩) حديث فضولاً، فذكر عمرو بن ميمون ثمانية وأربعين درهماً، ولم يفصل الطبقات. وذكر حارثة بن مضرب تفصيل الطبقات الثلاث، فالواجب أن يحمل ما في حديث عمرو بن ميمون على أن مراده أكثر ما وضع من الجزية، وهو ما على الطبقة العليا دون الوسطى والسفلى، وروى مالك عن نافع عن أسلم: أن عمر - رضي الله عنه - ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهماً مع أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام، وهذا نحو رواية عمرو بن ميمون، لأن أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام مع الأربعين يفي ثمانية وأربعين درهماً . فكان الخبر الذي فيه تفصيل الطبقات الثلاث أولى بالاستعمال لما فيه من الزيادة، وبيان حكم كل طبقة، ولأن من وضعها على الطبقات، فهو قائل بخبر الثمانية والأربعين، ومن اقتصر على الثمانية والأربعين، فهو تارك للخبر الذي فيه ذكر تمييز الطبقات وتخصيص كل واحد بمقدار منها، وحديث معاذ عندنا فيما كان منه على وجه الصلح، أو يكون ذلك جزية الفقراء منهم. والدليل عليه ما روي في بعض أخبار معاذ: أن النبي وَليل أمره أن يأخذ من كل حالم أو حالمة ديناراً، ولا خلاف أن المرأة لا تؤخذ منها الجزية إلا أن يقع الصلح عليه، وروى أبو عبيد عن جرير عن منصور عن الحكم قال: كتب رسول الله وَلّ إلى معاذ، وهو باليمن: ((إن في الحالم والحالمة ديناراً أو عِدْله من المعافر)). ... قال أبو عبيد: وحدثنا عثمان بن صالح عن عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال: كتب رسول الله وَله إلى أهل اليمن: ((أنه من كان على يهودية أو نصرانية فإنه لا ينقل عنها، وعليه الجزية، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى عبد أو أمة دينار أو قيمته من المعافر)). ويدل على ذلك أيضاً قول عمر - رضي الله عنه - لحذيفة وعثمان بن ٢٠٨ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٧٩) حديث حنيف: لعلكما حملتما أهل الأرض ما لا يطيقون؟ فقالا: بل تركنا لهم فُضُلاً، وهذا يدل على أن الاعتبار بمقدار الطاقة، وذلك يوجب اعتبار حالي الإعسار واليسار، انتهى مختصراً. قال الشيخ في ((المسوى)) (١): اختلفوا في الجمع بين أثر الباب وحديث معاذ، فقال الشافعي: أقل الجزية دينار على كل بالغ في كل سنة، ويستحب للإمام المماكسة ليزداد، ولا يجوز أن ينقص من دينار، وأن الدينار مقبول من الغني والفقير، وتأوّل أبو حنيفة حديث عمر - رضي الله عنه - على الموسرين، وحديث معاذ على الفقراء، لأن أهل اليمن أكثرهم فقراء، انتهى. وقال القاري في ((المرقاة))(٢): ثم مذهبنا منقول عن عمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - ذكره الأصحاب في كتبهم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن عمر بن الخطاب وَجَّهَ حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف إلى السواد، فمسحا أرضها، ووضعا عليه الخراج، وجعلا الناس ثلاث طبقات على ما قلنا، فلما رجعا أخبراه بذلك، ثم عمل عثمان كذلك. وروى ابن أبي شيبة(٣) ثنا علي بن مسهر عن الشيباني عن أبي عون محمد بن عبد الله الثقفي قال: وضع عمر بن الخطاب في الجزية على رؤوس الرجال، على الغني ثمانية وأربعين درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرين، وعلى الفقير اثني عشر درهماً، وهو مرسل. ورواه ابن زنجويه في ((كتاب الأموال))(٤)، ثنا أبو نعيم، ثنا معذل عن (١) (٣٢١/٢). (٢) (مرقاة المفاتيح)) (٦٨/٨). (٣) (مصنف ابن أبي شيبة)) (٥٨٣/٧). (٤) (ص٩٤). ٢٠٩ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٧٩) حديث مَعَ ذُلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ الشيباني عن أبي عون عن المغيرة بن شعبة: أن عمر - رضي الله عنه - وضع ... إلى آخره، ومن طريق آخر رواه ابن سعد في ((الطبقات)): أن عمر - رضي الله عنه - وضع الجزية على أهل الذمة فيما فتح من البلاد وضع على الغني إلخ. ومن طريق آخر أسنده أبو عبيد القاسم بن سلّام إلى حارثة بن مضرب عن عمر: أنه بعث عثمان بن حنيف، فوضع عليهم ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين، واثني عشر، وكان ذلك بمحضرٍ من الصحابة بلا نكير، فحل محل الإجماع، قال: وما روي من وضع الدينار على الكل محمول على أنه كان صلحاً، فإن اليمن لم يفتح عنوةً بل صلحاً فوضع على ذلك، وبه قلنا، ولأن أهل اليمن كانوا أهل فاقة، والنبي وَّ يعلم، ففرض عليهم ما على الفقراء. يدل على ذلك ما رواه البخاري عن مجاهد قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من قبل اليسار، انتهى. قلت: والآثار عن عمر - رضي الله عنه - في التفصيل أخرجها الزيلعي أيضاً في ((نصب الراية))(١). (مع ذلك) أي منضماً مع ما ذكر (أرزاق المسلمين) قال الطيبي: يجوز أن يكون فاعل الظرف؛ وأن يكون مبتدأ، والظرف خبره، انتهى. والمراد رفد أبناء السبيل وعونهم، قاله ابن عبد البر. وقال الباجي(٢): يريد أقوات من عندهم من أجناد المسلمين على قدر ما جرت عادة أهل تلك الجهة من الاقتيات، وقد روي ذلك مفسراً، روى أسلم أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد يأمرهم: أن لا يضربوا (١) انظر: ((نصب الراية)) (٤٤٧/٣، ٤٤٨). (٢) ((المنتقى)) (١٧٤/٢). ٢١٠ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٧٩) حديث وَضِيَافَةُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ . الجزية إلا على من جرت عليه المواسي، وجزيتهم أربعون درهماً على أهل الورق منهم، وعلى أهل الذهب أربعة دنانير، وعليهم من أرزاق المسلمين من الحنطة والزيت مُدَّين من الحنطة؛ وثلاث أقساط زيت كل شهر لكل إنسان، والكسوة التي يكسوها أمير المؤمنين الناس ضريبة، ويضيفون من نزل بهم من المسلمين ثلاث ليال، وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعاً لكل إنسان في كل شهر، وودك لا أدري كم هو؟ انتهى. وفي ((الشرح الكبير)) (١) للدردير: ((وسقطت)) أرزاق المسلمين التي قَدَّرها عليهم الفاروق مع الجزية، فإنها ساقطة عنهم، ولا تؤخذ، وهي على من بالشام والحيرة في كل شهر على كل نفس مُدِّيان من الحنطة، وثلاثة أقساط زيت، والقسط ثلاثة أرطال، وعلى من بمصر كل شهر على كل واحد أردبُ حنطة، ولا أدري كم من الودك والعسل والكسوة! وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعاً من التمر على كل واحد مع كسوة كان يكسوها عمر الناسَ، لا أدري ما هي! قاله مالك، انتهى. ثم ذكر وجه السقوط كما سيأتي في كلامه قريباً (وضيافة ثلاثة أيام) المجتازين بهم من المسلمين من خبز وشعير وتبن وإدام، ومكان ينزلون به يُكِنُّهم من الحر والبرد، قاله ابن عبد البر. وقال الباجي (٢): يريد ضيافة المارِّ المسافر من المسلمين يكون ذلك على أهل الذمة أقصى أمد ضيافته ثلاثة أيام، لأنها فرق بين السفر والإقامة، والذي يلزمهم في مدة الضيافة ما سهل عليهم، وجرت العادة به، وقد روى أسلم: أن أهل الشام اشتكوا إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين قدم عليهم (١) انظر: (٢/ ٢٠٢). (٢) ((المنتقى)) (٢/ ١٧٢). ٢١١ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٧٩) حديث الجابية أنه إذا نزل بهم أحد من المسلمين كلفهم ذبح الغنم والدجاج، فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أطعموهم مما تأكلون، لا تزيدوهم عليه، وروى ابن الموّاز عن مالك أنه قال: ويوضع من أهل الجزية ضيافة ثلاثة أيام، لأنه لم يوف لهم، وهذا يدل على أنها لازمة مع الوفاء بما عُوهدوا عليه، انتھی . وفي ((الشرح الكبير))(١) للدردير: ((وسقطت)) إضافة المجتاز عليهم من المسلمين ثلاثاً من الأيام، وإنما سقطت عنهم - أي الأرزاق وإضافة المجتاز - للظلم الحادث عليهم من ولاة الأمور، لكن وُلاة مصر قوَّت شوكتهم باتخاذ الكتبة منهم، واستأمنوهم على أموالهم وحريمهم، ﴿وَسَيَعْلَهُ الَِّينَ ظَلَمُواْ أََّّ مُنقَلَبٍ يَنَقَلِبُونَ﴾(٢)، انتهى. قلت: وتقدم ما أَوَّلَه الجصاص إذ مال إلى أن الأرزاق والضيافة من جملة الجزية، فقال: إن أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام مع الأربعين يفي ثمانية وأربعين درهماً، انتهى. قال القاري (٣): وفي ((شرح السنة)): يجوز أن يصالح أهل الذمة على أكثر من دينار، وأن يشترط عليهم ضيافة من يمرّ بهم من المسلمين زيادةً على أصل الجزية، ويبين عدد الضيفان من الرجال والفرسان وعدد أيام الضيافة، ويبين جنس أطعمتهم وعلف دوابهم، ويفاوت بين الغني والوسط في القدر دون جنس الأطعمة، رواه مالك، انتهى. وهكذا في فروع الشافعية من ((شرح الإقناع)) و((التوشيح)) وغيرهما، (١) (٢٠٢/٢). (٢) سورة الشعراء: الآية ٢٢٧. (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٦٦/٨). ٢١٢ --- ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٨٠) حديث ٤٤/٦٨٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْن أَسْلم، عنْ أَبيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّ في الظُّهْرِ نَاقَة عمْياء. فقال عُمَرُ: ادْفَعْهَا إِلَى أَهْلِ بَيْتِ يَنْتَفِعُونَ بِهَا. قَالَ، فَقُلْتْ: وَهِي عَمِيَاءٌ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَقْطُرُونَهَا بِالإِبِلِ. وقالوا: يجوز بمعنى يسَنُّ أو يستحب أن يشترط عليهم الضيافة فضلاً عن مقدار الجزية، فذكروا نحو ما تقدم عن ((شرح السنة)). وقال الموفق(١): يجوز أن يشترط عليهم في عقد الذمة ضيافة من يمرُّ بهم من المسلمين لما روى الإمام أحمد بإسناده عن الأحنف بن قيس: أن عمر - رضي الله عنه - شرط عليهم ضيافة يوم وليلة، وأن يصلحوا القناطر، وذكر القاضي أنه إذا شرط الضيافة فإنه يبين أيام الضيافة وعدد من يضاف من الرجالة والفرسان، فيقول: تضيفون في كل سنة مائة يوم عشرة من المسلمين من خبز كذا، أو إدام كذا، وللفرس من التبن كذا، ومن الشعير كذا، فإن شرط الضيافة مطلقاً صح في الظاهر، إلى آخر ما بسط. ٦٨٠ /٤٤ - (مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه) أسلم مولى عمر بن الخطّاب - رضي الله عنهم - (أنه قال لعمر بن الخطاب) أي أخبر أمير المؤمنين: (إن في الظَّهْرِ) إبل يُحمل عليها ويُركب، كذا في ((المجمع)) (ناقة عمياء) أي عميت، قال الباجي(٢): هو على معنى إطلاع الإمام على ما غاب عنه ليرى فيها رأيه (فقال عمر) - رضي الله عنه -: (ادفعها إلى أهل بيت) من فقراء المسلمين (ينتفعون بها) في الحمل عليها أو غير ذلك. (قال) أسلم: (فقلت: وهي عمياء؟) فكيف ينتفعون بها (قال) عمر - رضي الله عنه -: (يَقْطُرُوَّنَها بالإبل) أي يربطونها في قطار الإبل فعماها لا يمنع الانتفاع بها، فإنها تَقْطُرُ بالإبل، فتمشي معها، وتهتدي بها . (١) («المغني)) (٢٠٣/١٣). (٢) ((المنتقى)) (١٧٤/٢). ٢١٣ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٨٠) حديث قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ تَأْكُلُ مِنَ الأَرْضِ؟ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: أَمِنْ نَعَم الْجِزْيَةِ هِيَ أَمْ مِنْ نَعَمَ الصَّدَقَةِ؟ فَقُلْتُ: بَلْ مِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَرَدْتُمْ وَاللَّهِ أَكَلَهَا. فَقُلْتُ: إنَّ عَلَيْهَا وَسْمَ الْجِزْيَةِ فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ فَنُحِرَتْ. وَكَانَ عِنْدَهُ صِحَافٌ (قال: فقلت: كيف تأكل من الأرض؟) لأنها لعماها لا ترى إلى الأرض (قال) أسلم، فلما رأى عمر - رضي الله عنه - مراجعة أسلم له بأنها لا يمكن اقتناؤها، ولا منفعة إلا للأكل سأل (فقال عمر: أمن نَعَم الجزية هي) ليعم أكلها كل غني وفقير (أم من نَعَم الصدقة؟) فتختص بالمساكين (فقلت: بل من نعم الجزية) فأشفق عمر - رضي الله عنه - أن مراجعته إياه بأن لا منفعة فيها كان للرغبة في الأكل. (فقال عمر) - رضي الله عنه -: (أردتم والله أكلها) فاستظهر أسلم بوسم الجزية فقال: (فقلت: إن عليها وسم نعم الجزية) وهو يقتضي مخالفة وسم الجزية لوسم الصدقة احتياطاً من عمر - رضي الله عنه - ليصرف كل مال في وجهه . وقد ترجم البخاري في ((صحيحه)) (١): ((باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده))، وأخرج فيه عن أنس - رضي الله عنه - قال: غدوتُ إلى رسول اللهِ وَله بعبد الله بن أبي طلحة ليُحِنِّكَه فوافيتُه، وفي يده المِيْسم يسمُ إبلَ الصدقة، قال الحافظ: الميسم: هو الحديدة التي يوسم بها، أي: يُعْلَمُ وهو نظير الخاتم، والحكمة فيه تمييزها، وليردها من أخذها، ولم أقف على تصريح بما كان مكتوباً على ميسم النبي ◌َّ، إلا أن ابن الصبّاغ من الشافعية نقل إجماع الصحابة على أنه يكتب في ميسم الزكاة ((زكاة)) أو ((صدقة))، اهـ. قلت: وبمقتضاه أن يكون في ميسم الجزية ((جزية)) أو ما في معناها . ٠ ٠ (فأمر بها عمر) - رضي الله عنه - (فَنُحِرَتْ) ببناء المجهول (وكان عنده) أي عند عمر - رضي الله عنه - (صِحَافٌ) بكسر الصاد وفتح الحاء المهملتين، (١) (صحيح البخاري)) مع ((فتح الباري)) (٣٦٦/٣). ٢١٤ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٨٠) حديث تِسْعٌ فَلا تَكُونُ فَاكِهَةٌ وَلا ظُرَيْفَةٌ إلا جَعَلَ مِنْهَا فِي تِلْكَ الصِّحَافِ. فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌ِلَهُ، وَيَكُونُ الَّذِي يَبْعَثُ بِهِ إِلَى حَفْصَةَ أَبْنَتِهِ، مِنْ آخِرِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ، كَانَ فِي حَظّ حَفْضَةً. قَالَ: فَجَعَلَ فِي تِلْكَ الصَّحَافِ مِنْ لَحْمِ تِلْكَ الْجَزُورِ. فَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَلَ. وَأَمَرَ بِمَا بَفِيَ مِنْ لَحْمُ تِلْكَ الْجَزُورَ، فَصُنِعَ. فَدَعَا عَلَيْهِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ. جمع صحفة بفتح فسكون إناء كالقصعة، وقال الزمخشري: قَصْعَةٌ مستطيلة (تسعٌ) على عدة أزواج النبي ◌َّ ليتعاهدهنّ بالهدايا فيها . (فلا تكون) عنده - رضي الله عنه - (فاكهة ولا طريقة) بطاء مهملة تصغير طرفة بزنة غرفة ما يستطرف ويستلمح، وهذا يقتضي أنه قد كانت عنده الطرائف والفواكه، ويحتمل أن يكون ذلك من أموال الجزية والأحباس (إلا جعل منها في تلك الصحاف) التسعة. ـَّ) مراقبة للنبي وقّ وحفظاً له في أهله بعده (فبعث بها إلى أزواج النبي (ويكون الذي يبعث به إلى حفصة ابنته من آخر ذلك، فإن كان فيه نقصان كان في حظ حفصة) أي نصيبها يعني لاختصاصه بحفصة لكونه والدها، يرسل إليها في آخر الأمر لما أن نقص بعض السهام عن المساواة جعل النقص في حظها طلباً مرضاة غيرها، وعلماً منه - رضي الله عنه - بأنها سترضى ذلك من فعله، ولا تأسف من إيثاره عليها . (قال) أسلم، فلما نحرت الناقة (فجعل في تلك الصحاف) التسعة على حسب عادتها (من لحم تلك الجزور) بلا طبخ، وفي ((المجمع)): الجزور البعير ذكراً أو أنثى واللفظ مؤنث (فبعث به) بضمير التذكير في النسخ المصرية الراجع إلى اللحم، وبضمير التأنيث في النسخ الهندية الراجع إلى الصحف (إلى أزواج النبي (18) بلا طبخ ليطبخن به كيف شئن (وأمر بما بقي من لحم تلك الجزور فصنع) أي طبخ (فدعا علبه المهاجرين والأنصار) ٢١٥ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٨٠) حديث قَالَ مَالِكٌ: لا أَرَى أَنْ تُؤْخَذَ النَّعَمُ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ إلا فِي جِزْيَتِهِمْ . قال الباجي(١): يريد أنه دعاهم إلى أكله استئلافاً لهم وإيناساً وتواسياً في مال الله تعالى، وهي سنة للإمام أن يجمع وجوه أصحابه للأكل عنده، وقد كان جعل لعثمان بن يسار بالكوفة في كل يوم نصف شاة لهذا المعنى، وجعل لصاحبیه ربع ربع شاة، انتهى. وقال أبو عمر (٢): كان عمر - رضي الله عنه - يُفَضِّلُ أمهات المؤمنين الموقعهن منه وَلَّ، ويُفَضِّلُ أهلَ السابقة، وذلك معروف من مذهبه، وتلاه عثمان على ذلك، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - وعلي يسويان في قسم الفيء، ويقول أبو بكر: ثوابهم على الله الجنة، وأما الدنيا فهم فيها سواء في الحاجة إلى المعيشة(٣)، انتهى. (قال مالك: لا أرى أن تؤخذ النعم من أهل الجزية إلا في جزيتهم) قال الباجي: معناه: أن النعم لا تؤخذ منهم صدقة كما تؤخذ من المسلمين، لأنهم لا زكاة عليهم في أموالهم، وإنما تؤخذ منهم النعم في جزيتهم بقيمتها، وقد فسر ذلك ابن وهب في ((جامعه))، فقال: وأخبرني عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر بن الخطاب كان يؤتى بنعم كثيرة من نعم الإبل، فيأخذها في الجزية، قال: وذلك بالقيمة تكون جزيته عشرة دنانير، فتؤخذ بنت مخاض بكذا وكذا، وابنة لبون بكذا وكذا، فيكون ذلك بالقيمة، انتهى. قلت: وحديث ابن وهب أخرجه محمد في (موطئه)) فقال: أخبرنا مالك نا زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يؤتى بنعم (١) ((المنتقى)) (١٧٥/٢). (٢) انظر: (الاستذكار)) (٣٠٧/٩). (٣) انظر («موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٤٧/٢). ٢١٦ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٨٠) حديث كثيرة من نعم الجزية، قال مالك: أُراه أن تؤخذ من أهل الجزية في جزيتهم، ثم قال محمد: أما ما ذكر مالك من الإبل فإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم يأخذ الإبل في جزية علمناها إلا من بني تغلب، فإنه أَضْعَفَ عليهم الصدقةَ، فجعل ذلك جزيتهم، فأخذ من إبلهم وبقرهم وغنمهم، انتهى. قال الموفق(١): وتؤخذ الجزية مما يُسِّرَ من أموالهم، ولا يتعين أخذها من ذهب، ولا فضة، نص عليه أحمد، وهو قول الشافعي وأبي عبيد وغيرهم، لأنه وَ ل﴿ لما بعث معاذاً إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عِدله معافر، وكان ◌َّ يأخذ من نصارى نجران ألفي حلة، وكان عمر - رضي الله عنه - يؤتى بنعم كثيرة يأخذها من الجزية، انتهى. وفي (شرح الإقناع))(٢)، بعد ذكر حديث معاذ أمره و ليل أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عِدْله من المعافر: ظاهر الحديث أن أقلها ديناراً أو ما قيمته دينار، وبه أخذ البلقيني، والمنصوص الذي عليه الأصحاب أن أقلها دينار، وعليه إذا عقدها به جاز أن يعتاض عنه ما قيمته دينار، وإنما امتنع عقدها بما قيمته دينار، لأن قيمته قد تنقص عنه آخر المدة، انتهى. وفي ((الدر المختار)): وجاز دفع القيمة في زكاة وعشر، وخراج، وفطرة، ونذر، وتعتبر القيمة يوم الوجوب، وقالا: يوم الأداء، انتهى. وفي ((الهداية)): يجوز دفع القيم في الزكاة عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز اتباعاً للمنصوص، ولنا أن الأمر بالأداء إلى الفقير إيصال للرزق الموعود إليه فيكون إبطالاً لقيد الشاة، فصار كالجزية، انتهى مختصراً، قال العيني في ((البناية)): قوله: كالجزية أي كأداء القيمة في الجزية فإنه يجوز بالاتفاق، لأنه أَدَّى مالاً متقوماً عن الواجب، انتهى. (١) ((المغني)) (٢١٣/١٣). (٢) (٢٧٨/٤). ٢١٧ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٨١) حديث ٤٥/٦٨١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: أَنْ يَضَعُوا الْجِزْيَةَ عَمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ حِينَ يُسْلِمُونَ. ٤٥/٦٨١ - (مالك، أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عُمَّاله: أن يضعوا الجزية عمن أسلم من أهل الجزية حين يسلمون). قال الباجي(١): يحتمل أن يريد به وضعها عنهم في المستقبل، ويحتمل أن يريد به وضع ما بقي عليهم منها فلا يطلبون به، وهذا هو الأولى والأظهر، لأنه إذا احتمل اللفظ المعنيين حمل عليهما إذ لا تنافي بينهما، ووجه آخر أنه لا يخفى على عامل عمر ولا غيره أن من أسلم لم يثبت عليه جزية مستقبلة، فحمل الكلام على ذلك يبطل فائدته، وحمل على إبطال ما بقي عليه من الجزية يقتضي فائدته. ومثل هذا مما يمكن أن يحتاج عمر إلى أن يكاتب به، ويحمل الناس على رأيه فيه، وإلى هذا ذهب مالك وأبو حنيفة، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: لا يسقط عنه ما بقي من الجزية، ويؤديها في حال إسلامه، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾(٢)، انتهى. قلت: وبقولهما قالت الحنابلة، ففي ((نيل المآرب)): من أسلم منهم بعد الحول سقطت عنه الجزية نص عليه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾(٣) الآية. وروى ابن عباس عن النبي ◌َ﴾ أنه قال: ((ليس على المسلم جزية)) رواه الخلال، انتهى. وهكذا في ((المغني))(٤) و(الشرح الكبير))، وبسطاه. (١) ((المنتقى)) (١٧٥/٢). (٢) سورة الأنفال: الآية ٣٨. (٣) سورة الأنفال: الآية ٣٨. (٤) انظر: ((المغني)) (٢٢١/١٣). ٢١٨ ----- : ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٨١) حديث .. وقال ابن رشد (١): إنهم اتفقوا على أنها لا تجب إلا بعد الحول، وإنها تسقط عنه إذا أسلم قبل انقضاء الحول، واختلفوا إذا أسلم بعدما يحول الحول، هل تؤخذ منه الجزية للحول الماضي بأسره أو لما مضى منه؟ فقال قوم: إذا أسلم فلا جزية عليه بعد انقضاء الحول كان بعد إسلامه أو قبل انقضائه، وبهذا قال الجمهور، وقالت طائفة: إن أسلم بعد الحول وجبت عليه الجزية، وإن أسلم قبل حلول الحول لم تجب عليه، وإنهم اتفقوا على أنها لا تجب قبل انقضاء الحول، انتهى. قلت: وهذا الاتفاق مشكل لما سيأتي من القفال الاختلاف في قول الشافعي - رضي الله عنه -، وأن المعتمد عندهم الوجوب، وفي ((المرقاة))(٢): قال ابن الهمام: من أسلم وعليه جزية بأن أسلم بعد كمال السنة سقطت عنه، وكذا لو أسلم في أثنائها خلافاً للشافعي فيهما . ولنا، ما أخرجه أبو داود(٣) والترمذي عن جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: قال رسول الله وَلو: ((ليس على مسلم جزية)). قال أبو داود: وسأل سفيان الثوري عن هذا فقال: يعني إذا أسلم فلا جزية عليه، وباللفظ الذي فسره به سفيان الثوري رواه الطبراني في ((الأوسط)) عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي وَ لّر قال: ((من أسلم فلا جزية عليه))، وضعَّف ابن القطان قابوساً، وليس قابوس في ((مسند الطبراني)). فهذا بعمومه يوجب سقوط ما كان استحق عليه قبل إسلامه، بل هو (١) (بداية المجتهد)) (٤٠٥/١). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٦٩/٨). (٣) أخرجه أبو داود (٣٠٥٣) والترمذي (٦٣٣). ٢١٩ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٤) باب (٦٨١) حديث المراد بخصوصه، لأنه موضع الفائدة، إذ عدم الجزية على المسلم ابتداءاً من ضروريات الدين، فالإخبار به من جهة الفائدة ليس كالإخبار بسقوطها في حال البقاء، وبهذا الحديث ونحوه أجمع المسلمون على سقوط الجزية بالإسلام، انتھی . قال الجصاص(١): وقد اختلف الفقهاء في الذمي إذا أسلم وقد وجبت عليه جزية هل يؤخذ بها؟ فقال أصحابنا: لا يؤخذ، وهو قول مالك وعبيد الله بن الحسن، وقال ابن شُبْرُمة والشافعي: إذا أسلم في بعض السنة أخذ منه بحساب ذلك، والدليل على أن الإسلام يسقط ما وجب من الجزية، قوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾(٢) الآية. فانتظمت هذه الآية الدلالة من وجهين، أحدهما: الأمر بأخذ الجزية ممن يجب قتاله لإقامته على الكفر إن لم يؤدها، ومتى أسلم لم يجب قتاله فلا جزية عليه، والوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾(٣)، فأمر بأخذها على وجه الصغار متى أخذناها على غير هذا الوجه لم تكن جزية، لأن الجزية هي ما أخذ على وجه الصغار. وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله وَل : ((ليس على مسلم جزية))، فنفى وَّلمر أخذها من المسلم، ولم يُفَرِّقْ بين ما وجب عليه في حال الكفر، وبين ما لم يجب بعد الإسلام، فوجب بظاهر ذلك إسقاط الجزية عنه بالإسلام. ويدل على سقوطها أن الجزية والجزاء واحد، ومعناه جزاء الإقامة على (١) ((أحكام القرآن)) (٣/ ١٠٠). (٢) سورة التوبة: الآية ٢٩. (٣) سورة التوبة: الآية ٢٩. ٢٢٠