النص المفهرس

صفحات 181-200

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٣) باب
(٦٧٦) حديث
قال الموفق (١): مذهب أحمد أن في العسل العشر، قال الأثرم: سُئِل
أحمد أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة؟ قال: نعم، أذهب إلى أن في العسل
زكاة العشر، قد أخذ عمر - رضي الله عنهم - منهم الزكاة. قلت: ذلك على
أنهم تطوَّعوا به؛ قال: لا، بل أخذه منهم، ويروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز
ومكحول والزهري وسليمان بن موسى والأوزاعي وإسحاق، وقال مالك
والشافعي وابن أبي ليلى وابن المنذر: لا زكاة فيه؛ لأنه مائع خارج من حيوان
أشبه اللبن، قال ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر ثابت ولا
إجماع، فلا زكاة فيه، وقال أبو حنيفة: إن كان في أرض العشر ففيه الزكاة
وإلا فلا زكاة فيه .
وجه الأول ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن رسول الله وَل
كان يؤخذ في زمانه من قِرَبِ العسل من كل عشر قِرَبِ قِرْبةٌ من أوسطها)) رواه
أبو عبيد والأثرم وابن ماجه(٢)، وعن سليمان بن موسى أن أبا سيّارة المُتَعِيَّ
قال: قلت: يا رسول الله إن لي نحْلاً، قال: ((أَدِّ عشرها))، قال: فاحم إذاً
جبلَها، فحماه له، رواه أبو عبيد وابن ماجه، وروى الأثرم عن ابن أبي ذبابة
عن أبيه عن جده: أن عمر - رضي الله عنه - أمره في العسل بالعشر، أما اللبن
فالزكاة وجبت في أصله، وهي السائمة بخلاف العسل، انتهى.
قال العيني (٣): واحتجت أصحابنا بما رواه ابن ماجه من حديث عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو عن النبي ◌ّ أنه أخذ من العسل
العشر. وبرواية أبي داود أيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء
أحد بني متعان إلى رسول الله وَّل بعشور نحل له، وكان سأله أن يحمي وادياً
(١) ((المغني)) (١٨٣/٤).
(٢) أخرجه أبو عبيد في: ((الأموال)) (٤٩٧) وابن ماجه في: باب زكاة العسل (٥٨٤/١).
(٣) ((عمدة القاري)) (٥٢٣/٦).
١٨١

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٣) باب
(٦٧٦) حديث
يقال له: سلبة، فحمى له رسول الله وم طر ذلك الوادي، فلما ولي عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه - كتب سفيان بن وهب إلى عمر - رضي الله عنه -
يسأله عن ذلك، فكتب عمر - رضي الله عنه -: إن أدّى إليك ما كان يؤدي إلى
رسول الله ﴿ من عشور نحله فاحم له سلبة، وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله
من شاء.
والحديث سكت عليه أبو داود، ولم يتكلم عليه، فأقل حاله أن يكون
حسناً، وهو حجة. وقول البخاري: ليس في زكاة العسل حديث يصح، لا
يقدح ما لم يبين علة الحديث والقادح فيه، ولا يلزمنا قول البخاري؛ لأن
الصحيح ليس موقوفاً عليه، وكم من حديث صحيح لم يصححه البخاري،
ولأنه لا يلزم من كونه غير صحيح أن لا يحتج به، فإن الحسن وإن لم يبلغ
درجة الصحیح فهو يُحْتَجُ به.
وقال الحافظ في (الفتح)) (١): إسناده صحيح إلى عمرو، وترجمة عمرو
قوية على المختار، لكن حيث لا تعارض، انتهى.
قلت: وأنت خبير بأنه لا تعارض ههنا؛ لأنه لم يثبت في النهي حديث،
واحتجُوا أيضاً بما رواه القرطبي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن
رسول الله ولو كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل من كل عشر قرب قربة من
أوسطها)»(٢)، قال: وهو حديث حسن.
وفي ((الزرقاني))(٣) قال أبو عمر: هو حديث حسن يرويه عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده: أن نفراً من شبابة - بطن من فهم - كانوا يؤدون إلى
(١) ((فتح الباري)) (٣٤٨/٣).
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) (٦٣/٤).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٣٨/٢).
١٨٢
---
----

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٣) باب
(٦٧٦) حديث
رسول الله 18 من نحلهم من كل عشرة قرب قربة، وكان يحمي وادياً لهم،
فلما كان عمر بن الخطاب استعمل على ما هنالك سفيان بن عبد الله الثقفي،
الحديث .
وبما رواه الترمذي(١) عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَّل في العسل:
((في كل عشرة أزق زقٌ))، قال أبو عيسى: في إسناده مقال، ولا يصح عن
النبي ◌َّ﴿ في هذا الباب كثير شيء، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه
يقول أحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: ليس في العسل شيء، انتهى.
وبما رواه أبو هريرة عن رسول الله وَلل كتب إلى أهل اليمن أن يؤخذ عن
العسل العشر، قال الحافظ في ((الفتح)): أخرجه عبد الرزاق، وفي إسناده
عبد الله بن محرر، قال البخاري: متروك، وبما رواه عبد الرحمن بن أبي ذُبابٍ
عن أبيه: أن عمر - رضي الله عنه - أمره في العسل بالعشر، رواه الأثرم.
وروى الشافعي في ((مسنده)) والبزار والطبراني والبيهقي، قال الشافعي:
أخبرنا أنس بن عياض عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن أبيه عن
سعد بن أبي ذباب قال: قدمت على رسول الله و لم فأسلمت، .. الحديث،
وفيه، قال: تكلمت قومي في العسل، فقلت: زكاته، فإنه لا خير في ثمرة لا
تزكى، فقال: كم؟ قال: قلت: العُشْر، فأخذت منهم العُشْر، وأتيت عمر بن
الخطاب فأخبرته بما كان، فقبضه عمر فباعه، ثم جعل ثمنه في صدقات
المسلمين .
وذكره الموفق(٢) بلفظ آخر فقال: روى سعيد قال: حدثنا عبد العزيز بن
محمد أخبرني عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذباب عن أبيه عن جده، أنه
(١) رقم الحديث (٦٢٩).
(٢) ((المغني)) (١٨٥/٤).
١٨٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٣) باب
(٦٧٦) حديث
قال لقومه: إنه لا خير في مال لا زكاة فيه، قال: فأخذ من كل عشر قرب
قربة، فجئت بها إلى عمر بن الخطاب، فأخذها فجعلها في صدقات المسلمين.
وبما رواه عطاء الخراساني عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال لعمر: إن
عندنا وادياً فيه عسل كثير، فقال: عليهم في كل عشرة أفراق فرق، ذكره
حميد بن زنجويه في (كتاب الأموال))، وقال الأثرم: قلت لأحمد: أخذ عمر
- رضي الله عنه - العشر من العسل كان على أنهم تطوّعوا به؟ قال: لا، بل
أخذه منهم حقاً .
قال الموفق: وروي عن عمر - رضي الله عنه - أن ناساً سألوه فقالوا: إن
رسول الله لم قطع لنا وادياً باليمن فيه خلايا من نَحْل، وإنا نجد ناساً
يسرقونها، فقال عمر - رضي الله عنه -: إن أدّيتم صدقتها من كل عشرة أفراق
فرقاً حميناها لكم. رواه الجوزجاني(١).
وروى أبو داود الطيالسي من حديث أبي سيارة المتعي، قال: قلت: يا
رسول الله إن لي نحلاً؟ قال: ((إذن تعشر))، قلت: احم لي جبلة؟ فحماه لي،
ورواه، وقال: هذا أصح ما روي في وجوب العشر فيه وهو منقطع، قال
الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا فقال: مرسل، وإنما قال:
مرسل؛ لأن فيه سليمان بن موسى يروي عن أبي سيارة، ولم يدركه، ولا أحداً
من الصحابة. انتهى مختصراً وبزيادة وتغير.
وقال القاري في ((شرح النقاية)): والمرسل بانفراده حجة على ما أقمنا
عليه الدليل، وبتقدير أن لا يحتج بانفراده فتعدد طرق الضعيف بغير فسق
الراوي يعيد حجيته، انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج عن كتاب
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٦٤/٤).
(٢) (فتح الباري)) (٣٤٨/٣).
١٨٤
--------- --
--------

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٣) باب
(٦٧٦) حديث
إبراهيم بن ميسرة قال: ذكر لي بعض من لا أتّهم من أهلي أنه تذاكر هو
وعروة بن محمد السعدي، فزعم عروة أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز يسأله
عن صدقة العسل، فزعم عروة أنه كتب إليه: أنا قد وجدنا بيان صدقة العسل
بأرض الطائف، فخذ منه العشر، انتهى. وهذا الإسناد ضعيف لجهالة
الواسطة، انتهى. قلت: لكنه ذكره بلفظ: لا أتهم، فهو توثيق منه للواسطة .
وأخرج الجصاص بسنده إلى عمرو بن شعيب قال: كتب إلينا عمر بن
عبد العزيز يأمرنا أن نعطي زكاة العسل، ونحن بالطائف، العشر، يسند ذلك
إلى النبي ◌َّر، قال الشيخ ابن القيم (١): ذهب أحمد وأبو حنيفة وجماعة إلى
أن في العسل زكاة، وذكر الروايات التي استدل بها الفريقان، وبسط الكلام
على الروايات، ثم قال في مستدل الحنابلة: إن هذه الآثار يقوي بعضها بعضاً،
وقد تعددت مخارجها، واختلفت طرقها، ومرسلها يعضد بمسندها .
وقد سئل أبو حاتم عن عبد الله والد منير عن سعد بن أبي ذباب، يصح
حديثه؟ قال: نعم، قال هؤلاء: ولأنه يتولّد من نور الشجر والزهر، ويُكال
ويُدَّخر، فوجبت فيه الزكاة كالحبوب والثمار.
قال الإمام السرخسي: والمعنى فيه: أن النحل تأكل من نور الشجر
وثمارها. كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾(٢) فما يكون منها من
العسل متولداً من الثمار، وفي الثمار إذا كانت في أرض عشرية العشر، فكذلك
ما يتولّد منها، ولذا لو كانت في أرض خراجية لم يكن فيها شيء، فإنه ليس
في ثمار الأشجار النابتة في أرض الخراج شيء، وبهذا فارق دود القز، فإنه
يأكل الورق، وليس في الأوراق عشر، فكذلك ما يتولّد منها، انتهى.
(١) ((زاد المعاد)) (١٤/٢).
(٢) سورة النحل: الآية ٦٩.
١٨٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
(٢٤) باب جزية أهل الكتاب والمجوس
(٢٤) جزية أهل الكتاب والمجوس
(جزية أهل الكتاب) زاد في النسخ المصرية بعد ذلك (والمجوس) قال
ابن العربي(١): أول من أدخل الجزية في أبواب الصدقة مالك في ((الموطأ)»
فتبعه قوم من المصنفين، وترك أتباعه آخرون، ووجه إدخالها فيها التكلم على
حقوق المال، والصدقة حق المال على المسلمين، والجزية حق المال على
الكفار، انتهى.
ثم الجزية هي ما يُعْطى المعاهدُ على عهده، وهي فعلة من جزى يجزي
إذا قضى ما عليه، كذا في ((التفسير الكبير))، وقال الراغب: هي ما يُؤْخذ من
أهل الذمة، وتسميتها بذلك للاجتزاء بها في حقن دمهم، قال السيوطي في
((الجلالين)): هي الخراج المضروب عليهم كل عام، وفي (الجمل)): مأخوذ من
المجازاة لِكَفِّنا عنهم القتالَ، وقيل: من الجزاء بمعنى القضاء، انتهى.
وفي ((العناية)): اسم لما يؤخذ من الذمي، والجمع الجُزَى كاللحية
واللحى، وإنما سميت بها؛ لأنها تجزئ عن الذمي أي عن القتل، فإنه إذا قبلها
سقط عنه القتل، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع))(٢): تطلق على العقد وعلى المال الملتزم به، وفي
هامشه وليست في مقابلة تقريرهم على الكفر جزماً، بل فيها نوع إذلال لهم،
واختلفت الأصحاب فيما يقابلها، فقيل: هو سكنى الدار، وقيل: ترك قتالهم
في دارنا، وقال الإمام: الوجه أن يجمع مقاصد الكفار من تقرير وحقن دم
ونساء وذرية وذبٍّ عنه، وتجعل الجزية في مقابلته، انتهى.
وقال الزرقاني: من جزأت الشيء إذا قسمته، ثم سهلت الهمزة، وقيل:
(١) ((عارضة الأحوذي)) (١٢٧/٣).
(٢) (٢٧٤/٤).
١٨٦
-----------

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
من الجزاء، لأنها جزاء تركهم ببلاد الإسلام، أو من الإجزاء، لأنها تكفي من
توضع عليه في عصمة دمه.
وفي ((الدر المختار)) (١): ليست الجزية رضا منا بكفرهم كما طعن
الملحدة، بل إنما هي عقوبة لهم على الكفر، فإذا جاز إمهالهم للاستدعاء إلى
الإيمان بدونها ففيها أولى. وقال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ
صَغِرُونَ﴾(٢).
وقال الموفق: (٣) هي الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام
في كل عام، وهي فعلة من جزى يجزي إذا قضى، والأصل فيها الكتاب
والسنة والإجماع ثم بسطها، قال العلماء: الحكمة في وضع الجزية أن الذي
يلحقهم يحملهم على الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على
محاسن الإسلام، قيل: شرعت سنة ثمان، وقيل: تسع، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع)): هي مغياة بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام لما في
الحديث الصحيح: ((ينزل حاكماً مقسطاً فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا
يقبل الجزية)) والمعنى: أن الدين يصير واحداً، فلم يبق أحد من أهل الذمة
يؤدي الجزية، وقيل: معناه أن المال يكثر حتى لا يبقى من يمكن صرف مال
الجزية له، فتترك الجزية استغناء عنها، انتهى.
والمراد بأهل الكتاب على المشهور من أقوال المفسرين والفقهاء اليهود
والنصارى. قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوَأْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِنَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾(٤)
(١) (١٣٨/٢).
(٢) سورة التوبة: الآية ٢٩.
(٣) ((المغني)) (٢٠٢/٣).
(٤) سورة الأنعام: الآية ١٥٦.
١٨٧

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
الآية، وقال تعالى: ﴿يَكَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىّ إِبْرَهِيمَ﴾(١) الآية.
وقال الموفق(٢): الذين تقبل منهم الجزية صنفان: أهل الكتاب، ومن له
شبهة كتاب، فأهل الكتاب اليهود والنصارى، ومن دان بدينهم كالسَّامِرة (٣)
يدينون بالتوراة، ويعملون بشريعة موسى عليه السلام، وإنما خالفوهم في فروع
دينهم، وفِرَق النصارى من اليعقوبية والنسطورية والفرنج والأرمن وغيرهم ممن
دان بالإنجيل، وانتسب إلى عيسى عليه السلام، ومن عدا هؤلاء من الكفار
فليس من أهل الكتاب، بدليل قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوَأْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَبُ عَلَى
طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾ الآية.
واختلف في الصابئين فروي عن أحمد أنهم جنس من النصارى، وقال
في موضع آخر: بلغني أنهم يُسْبتون، فهؤلاء إذا أسبتوا فإنهم من اليهود، وروي
عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: هم يُسْبتون، وقال مجاهد: هم بين اليهود
والنصارى، وقال السدّي، والربيع: هم من أهل الكتاب، وتوقف الشافعي في
أمرهم.
وأما أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور داود، فلا تقبل منهم الجزية،
لأنهم من غير الطائفتين، ولأن هذه الصحف لم تكن فيها شرائع، إنما هي
مواعظ وأمثال، وأما الذين لهم شبهة أهل كتاب فهم المجوس إلى آخر
ما بسطه، وسيأتي بيان المجوس قريباً.
وقال الحافظ (٤): أما اليهود والنصارى فهم المراد بأهل الكتاب
(١) سورة آل عمران: الآية ٦٥.
(٢) ((المغني)) (٢٠٣/١٣).
(٣) السامرة؛ قوم يسكنون في جبال بيت المقدس وقرى من أعمال مصر، ويتقشفون في
الطهارة أكثر من تقشف سائر اليهود ((الملل والنحل)) (٥١٤/١، ٥١٥).
(٤) (فتح الباري)) (٢٥٩/٦).
١٨٨

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
٠٠
بالاتفاق، وأما المجوس فسيأتي بيانه، وفرّق الحنفية فقالوا: تؤخذ من مجوس
العجم دون مجوس العرب، وحكى الطحاوي عنهم: تؤخذ من أهل الكتاب
ومن جميع كفار العجم، ولا يُقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف.
وعن مالك: تقبل من جميع الكفار إلا من ارتدّ، وبه قال الأوزاعي
وفقهاء الشام، وحكى ابن القاسم عنه: لا تقبل من قريش، وحكى ابن
عبد البر: الاتفاق على قبولها من المجوس. لكن حكى ابن التين عن
عبد الملك: لا تقبل إلا من اليهود والنصارى فقط، انتهى.
وتعم عند الشافعية لكل أهل كتاب، ففي ((شرح الإقناع))(١): وتعقد لزاعم
التمسك بصحف إبراهيم وصحف شيث وزبور داود؛ لأنها تسمى كتباً كما نص
عليه الشافعي، فاندرجت في قوله تعالى: ﴿مِّنَ اُلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾، انتهى.
وقال ابن عابدين: الكتابي من يعتقد ديناً سماوياً أي منزلاً بكتاب كاليهود
والنصارى، وفي (الدر المختار)): يدخل في اليهود السامرة، وفي النصارى
الفرنج والأرمن، وأما الصابئة، فقال ابن عابدين: هم من أهل الكتاب عنده أي
الإمام، وعندهما يعبدون الكواكب فليسوا من الكتابيين، انتهى.
وقال ابن الهمام في محرمات النكاح: أما من آمن بزبور داود وصحف
إبراهيم وشيث، فهم أهل الكتاب تحِلّ مناكحتهم عندنا، انتهى. وبسط
الجصاص في ((أحكام القرآن)) الاختلاف في ذلك بين أهل العلم.
(وأما المجوس) ففي ((لسان العرب)): المجوسية نحلة. والمجوسي
منسوب إليها، والجميع المجوس، وقال ابن سيده: المجوس جيل معروف
جمع، واحدهم مجوسي، وقال غيره: هو معرب أصله منج كوش كان رجلاً
صغير الأذنين، وكان أول من دان بدين المجوس، ودعا الناس إليه فعَرَّبَتْه
(١) (٤/ ٢٧٧) .
١٨٩

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
العربُ، فقالت: مجوس. والعرب ربما تركت صرف مجوس إذا شبّه بقبيلة من
القبائل، وذلك أنه اجتمع فيه العجمة والعلمية.
قلت: واختلفت الفقهاء في أن المجوس من أهل الكتاب أم لا؟ وسيأتي
الكلام على ذلك قريباً، ثم قال صاحب ((الجمل)): قال الكلبي: نزلت آية
الجزية في قريظة والنضير من اليهود، فصالحهم، فكانت أول جزية أصابها أهل
الإسلام، انتهى. وأخرجه السيوطي في ((الدر)).
وقال الحافظ في ((الفتح))(١): اختلف في سنة مشروعيتها، فقيل: في سنة
ثمان، وقيل: في سنة تسع.
وقال ابن القيم في ((الهدي))(٢): أما هديه ◌َّ في عقد الذمة وأخذ
الجزية، فإنه لم يأخذ من أحد من الكفار جزية إلا بعد نزول ((براءة))(٣) في
السنة الثامنة، فلما نزلت آية الجزية أخذها من المجوس، وأهل الكتاب، ولم
يأخذها من يهود خيبر، فظن بعض الغالطين المخطئين أن هذا حكم مختص
بأهل خيبر، وأنه لا يؤخذ منهم جزية، وإن أخذت من سائر أهل الكتاب.
وهذا من عدم فقهه في السير والمغازي، فإن الجزية لم تكن نزلت بعد،
فسبق عقد صلحهم وإقرارهم في أرض خيبر نزول الجزية، فالعقد كان قديماً
بينه وبينهم على إقرارهم، وأن يكونوا عُمّالاً في الأرض بالشطر، فلم يطالبهم
بشيء غير ذلك، وطالب سواهم من أهل الكتاب ممن لم يكن بينه وبينهم عقد
كعقدهم بالجزية .
وأما الفقه في ذلك فقال ابن رشد في ((البداية))(٤): الكلام المحيط بأصول
(١) ((فتح الباري)) (٣٥٩/٦).
(٢) (زاد المعاد)) (١٣٧/٣).
(٣) أي سورة براءة.
(٤) (بداية المجتهد)) (٤٠٣/١).
١٩٠

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
هذا الفصل ينحصر في ست مسائل، المسألة الأولى: ممن يجوز أخذ الجزية؟
الثانية: على أي الأصناف منهم تجب الجزية؟ الثالثة: كم يجب؟ الرابعة: متى
تجب؟ ومتى تسقط؟ الخامسة: كم أصناف الجزية؟ السادسة: في ماذا يصرف مال
الجزية؟، انتهى. قلت: وسيأتي بسط الكلام عليها في مواضعها من الروايات.
أما المسألة الأولى: فقال ابن رشد: (١) اتفق المسلمون على أن المقصود
بالمحاربة لأهل الكتاب ما عدا أهل الكتاب من قريش ونصارى العرب هو أحد
أمرين، إما الدخول في الإسلام، وإما إعطاء الجزية؛ لقوله تعالى: ﴿قَئِلُواْ
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِلْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾(٢) الآية، وكذلك اتفق عامة الفقهاء
على أخذها من المجوس؛ لقوله وَّلج: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب))، واختلفوا
فيما سوى أهل الكتاب من المشركين هل تقبل منهم الجزية أم لا؟ فقال قوم:
تؤخذ الجزية من كل مشرك، وبه قال مالك، وقوم استثنوا من ذلك مشركي
العرب، وقال الشافعي وأبو ثور وجماعة: لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب
والمجوس، انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح))(٣): فرق الحنفية، فقالوا: تؤخذ من مجوس
العجم دون مجوس العرب، وحكى الطحاوي عنهم: تقبل الجزية من أهل
الكتاب ومن جميع كفار العجم، ولا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو
السيف، وعن مالك: تقبل من جميع الكفار إلا من ارتدّ، وبه قال الأوزاعي
وفقهاء الشام، وحكى ابن القاسم عنه: لا تقبل من قريش، وحكى ابن عبد البر
الاتفاق على قبولها من المجوس، ولكن حكى ابن التين عن عبد الملك: أنها
لا تقبل إلا من اليهود والنصارى فقط.
(١) (٣٨٩/١).
(٢) سورة التوبة: الآية ٢٩.
(٣) ((فتح الباري)) (٢٥٩/٦).
١٩١

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
وقال الشافعي: تقبل من أهل الكتاب عرباً كانوا أو عجماً، ويلتحق بهم
المجوس في ذلك، واحتجَّ بالآية المذكورة، فإن مفهومها أنها لا تقبل من غير
أهل الكتاب، وقد أخذها النبي ◌َّ من المجوس فدل على إلحاقهم به،
واقتصر عليه، وقال أبو عبيد: ثبتت الجزية على اليهود والنصارى بالكتاب
وعلى المجوس بالسنة، انتهى.
وفي ((نيل المآرب)): لا يصح عقد الذمة إلا لأهل الكتاب: اليهود
والنصارى على خلاف طوائفهم، أو لمن له شبهة كتاب كالمجوس، فإنه يروى
أنه کان لهم کتاب فرفع، انتھی.
وفي ((شرح الإقناع))(١) في شرائط الجزية: والخامسة أن يكون المعقود
معه من أهل الكتاب كاليهودي والنصراني من العرب والعجم الذين لم يعلم
دخولهم في ذلك الدين بعد نسخه، أو ممن له شبهة كتاب كالمجوس؛ لأنه وَاله
أخذها منهم، انتھی.
وفي ((الشرح الكبير)) (٢) الدردير: عقد الجزية إذن الإمام لكافر ولو قرشياً
صح سباؤه أي أسره، وخرج به المرتد، فلا يصح سباؤه؛ لأنه لا يقر على
رِدّته بأن يسكن في غير جزيرة العرب على ما يبذلونه له، انتهى.
وفي (الدر المختار)): توضع على كتابيٍ ولو عربياً، ومجوسي ولو عربياً،
ووثني عجمي لجواز استرقاقه، لا على وثني عربي ومرتدٍ، فلا يقبل منهما إلا
الإسلام أو السيف، انتهى.
قلت: وإلى قول الحنفية مال البخاري في ذلك إذ بوّب في ((صحيحه)) ما
جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم، قال العيني(٣):
(١) (٤/ ٢٧٧) .
(٢) (٢٠٠/٢).
(٣) ((عمدة القاري)) (٥٠١/١).
١٩٢
----- -

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
هذا الذي ذكره هو قول أبي حنيفة، فإن عنده تؤخذ الجزية من جميع الأعاجم،
سواء كان من أهل الكتاب أو من المشركين، وعند الشافعي وأحمد: لا يؤخذ
إلا من أهل الكتاب، وعند مالك: تضرب على جميع الكفار إلا من ارتدّ،
انتھی .
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(١): قد اختلف أهل العلم فيمن تؤخذ
منهم الجزية من الكفار بعد اتفاقهم على جواز إقرار اليهود والنصارى بالجزية،
فقال أصحابنا: لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف، وتقبل من
أهل الكتاب من العرب ومن سائر كفار العجم الجزية، ثم ذكر المذاهب
وغيرها، ثم قال: ولم يختلفوا في جواز إقرار المجوس بالجزية، وقد روي عن
النبي ◌َّ في ذلك أخبار.
وروي عن مجالد يقول: لم يكن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -
يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أنه ولم أخذها من
مجوس هجر، وروي أن عمر - رضي الله عنه - ذكر المجوس، فقال: ما أدري
كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن: أشهد لسمعت رسول الله وَل يقول:
((سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب)). وروى قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد:
((أن النبي ◌َّل كتب إلى مجوس البحرين يدعوهم إلى الإسلام، فمن أسلم منهم
قُبِل منه، ومن أبى ضُرِبَت عليه الجزية، ولا تؤكل لهم ذبيحة، ولا تنكح لهم
امرأة)) .
وروى معمر عن الزهري: ((أن النبي ◌َّل صالح أهل الأوثان على الجزية
إلا من كان منهم من العرب))، ففي هذه الأخبار: ((أن النبي وَل ◌ّ أخذ الجزية
من المجوس)) وفي بعضها ((أخذها من عبدة الأوثان من غير العرب))، ولا نعلم
خلافاً بين الفقهاء في جواز أخذ الجزية من المجوس.
(١) (٩١/٣).
١٩٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
وقد نقلت الأمة أخذ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من مجوس
السواد، فمن الناس من يقول: إنما أخذها؛ لأن المجوس أهل كتاب، ويحتجّ
في ذلك بما روى عن على أن النبي وَله وأبا بكر وعمر وعثمان أخذوا الجزية
من المجوس، وقال علي: أنا أعلم الناس بهم، كانوا أهل كتاب يقرؤونه،
وأهل علم يدرسونه، فنزع ذلك من صدورهم، وقد ذكرنا فيما تقدم من الدلالة
على أنهم ليسوا أهل كتاب من جهة الكتاب والسنة.
قلت: وأشار بهذا الكلام إلى ما قال قبل ذلك، ونصه: قوله تعالى:
﴿مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ فإن أهل الكتاب من الكفار هم اليهود والنصارى؛
لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾(١)، فلو كان
المجوس أو غيرهم من أهل الشرك من أهل الكتاب، لكانوا ثلاث طوائف،
وقد اقتضت الآية أن أهل الكتاب طائفتان، فالمجوس ليسوا أهل الكتاب
بدلالة الآية، ولما روي عن النبي ◌ّ﴾ أنه قال: ((سُنُّوا بهم سنةَ أهل الكتاب))،
وفي ذلك دلالة على أنهم ليسوا أهل كتاب، انتهى.
ثم قال: وأما ما روي عن علي في ذلك أنهم كانوا أهل كتاب، فإنه إن
صحت الرواية، فإن المراد أن أسلافهم كانوا أهل كتاب لإخباره بأن ذلك نزع
من صدورهم، فإذاً ليسوا أهل كتاب، ويدل على أنهم ليسوا أهل كتاب ما
روي في حديث الحسن بن محمد: ((لا تؤكل لهم ذبيحة، ولا تنكح لهم
امرأة)»، ولو كانوا أهل كتاب لجاز أكل ذبائحهم ومناكحة نسائهم، لأن الله تعالى
قد أباح ذلك من أهل الكتاب.
ولما ثبت أن النبي ◌َلّ أخذ الجزية من المجوس، وليسوا أهل كتاب
ثبت جواز أخذها من سائر الكفار، أهل كتاب كانوا أو غير أهل كتاب، إلا
(١) سورة الأنعام: الآية ١٥٦.
١٩٤
-------
---
------ ----

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
عبدة الأوثان من العرب، لأن النبي ◌ّيؤ لم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف،
ولقوله تعالى: ﴿فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾(١)، وهذا في عبدة الأوثان من
العرب، لأن الله تعالى فَرَّق في اللفظ بين المشركين وبين أهل الكتاب
والمجوس بقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَمَا﴾(٢)،
فعطف بالمشركين على هذه الأصناف.
فدل ذلك على أن إطلاق هذا اللفظ يختص بعبدة الأوثان، وإن كان
الجميع من النصارى والمجوس وغيرهم مشركين، ويدل على جواز أخذ الجزية
من سائر المشركين سوى مشركي العرب حديث علقمة بن مرثد عن ابن بريدة
عن أبيه: أن النبي وَ ﴿ كان إذا بعث سرية، قال: ((إذا لقيتم عدوكم من
المشركين فادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن
أبوا فادعوهم إلى إعطاء الجزية)) وذلك عام في سائر المشركين، وخصصنا منهم
مشركي العرب بالآية، وسيرة النبي ◌ّ فيهم، انتهى مختصراً بتغير، وسيأتي
الكلام على أثر علي المذكور قريباً.
وحديث بريدة أخرجه مسلم(٣) وغيره، وفي بعض طرقه: إذا لقيت عدوك
من المشركين ... الحديث. قال الزيلعي: ويؤيد هذا المذهب قوله عليه
الصلاة والسلام في حديث ابن عباس: ((ويؤدي إليهم العجم الجزية))، أخرجه
الترمذي (٤)، وقال: حسن صحيح، وقال عبد الرزاق: نا معمر عن الزهري أن
النبي ◌ّ صالح عبدةَ الأوثان على الجزية إلا من كان منهم من العرب،
والقائلون بهذا المذهب يحتجون بالمرسل، انتهى.
(١) سورة التوبة: الآية ٥.
(٢) سورة الحج: الآية ١٧.
(٣) أخرجه مسلم في (٣٢) كتاب الجهاد والسير، (٢) باب: تأمير الإمام الأمراء على
البعوث ووصيته إياهم (١٧٣١/٢) وأخرجه أبو داود (٢٦١٢) والترمذي (١٦١٧).
(٤) ((سنن الترمذي)) (٣٢٣٢).
١٩٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
وقال ابن القيم (١): فلما نزلت آية الجزية أخذها ◌َّلير من ثلاث طوائف:
من المجوس، واليهود، والنصارى، ولم يأخذها من عُبَّاد الأصنام، فقيل: لا
يجوز أخذُها من كافر غير هؤلاء، ومن دان دينهم اقتداءاً بأخذه نَّ وتركه،
وقيل: بل تؤخذ من أهل الكتاب وغيرهم من الكفار كعبدة الأصنام من العجم
دون العرب، والأول قول الشافعي وأحمد في إحدى روايتيه، والثاني قول
أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى.
وأصحاب القول الثاني يقولون: إنما لم يأخذها من مشركي العرب،
لأنها إنما نزل فرضُها بعد أن أسلمت دَارَةُ العرب، ولم يبق فيها مشرك، فإنها
نزلت بعد فتح مكة، ودخول العرب في دين الله أفواجاً، فلم يبق بأرض العرب
مشركٌ، ولهذا غزا بعد الفتح تبوك، وكانوا نصارى، ولو كان بأرض العرب
مشركون يلُوْنه كانُوا أولى بالغزو من الأبعدين.
ومن تأمّل السِّيرَ وأيامَ الإسلام عَلِمَ أن الأمر كذلك، فلم تؤخذ منهم
الجزية لعدم من يؤخذ منه، لا لأنهم ليسوا من أهلها، قالوا: وقد أخذها من
المجوس، وليسوا بأهل كتاب، ولا يصح أنه كان لهم كتاب ورفع، وهو
حديث لا يصح مثله، ولا يثبت، لا فرق بين عُبَّاد النار، وعُبّاد الأصنام، بل
أهل الأوثان أقرب حالاً من عباد النار، وكان فيهم من التمسك بدين إبراهيم،
ما لم يكن في عُبَّاد النار، بل عُبَّاد النار أعداء إبراهيم الخليل عليه الصلاة
والسلام، فإذا أُخِذَت منهم الجزية، فأخذها من عُبَّاد الأصنام أولى.
وعلى ذلك تدل سنة رسول الله وَ﴿ كما ثبت عنه في ((صحيح مسلم)) أنه
قال: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خلالٍ ثلاث ...
الحديث .
(١) انظر: ((زاد المعاد)) (١٣٩/٣).
١٩٦

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
٠
٠
،
ء
٠٠٠٠
وقال المغيرة لعامل كسرى: أمرنا نبينا وَل# أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله أو
تؤدُّوا الجزية، وقال مَ لّ لقريش: «هل لكم في كلمة تدين لكم بها العرب،
وتؤدي العجم إليكم بها الجزية))؟ قالوا: ما هي؟ قال: ((لا إله إلا الله))، انتهى.
وقال القاري (١): الجزية توضع على عبدة الأوثان من العجم، وفيه
خلاف الشافعي، وهو يقول: القتال واجب، لقوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ﴾ إلا أنا
عرفنا جواز تركه إلى الجزية في حق أهل الكتاب بالقرآن، وفي المجوس بالخبر
الذي ذكر في ((صحيح البخاري))، فبقي من ورائهم على الأصل، لنا، أنه يجوز
استرقاقهم، فيجوز ضرب الجزية عليهم، فهذا المعنى يوجب تخصيص عموم
وجوب القتال الذي استدل به، وذلك لأنه عام مخصوص بإخراج أهل الكتاب
والمجوس، فجاز تخصيصه بعد ذلك بالمعنى، كذا ذكره ابن الهمام.
قال: ولا توضع الجزية على عبدة الأوثان من العرب والمرتدين، لأن
كفرهما قد تغلّظ، فلم يكونوا في معنى العجم، فلا يقبل من الفريقين إلا
الإسلام أو السيف زيادةً في العقوبة لزيادة الكفر، وعند الشافعي يُسترقّ مشركوا
العرب، وهو قول مالك وأحمد.
ولنا، قوله تعالى: ﴿نُقَئِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾. وروي عن ابن عباس - رضي الله
عنه - أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو
السيف))، وذكر محمد بن الحسن بسنده عن ابن عباس ((أو القتل)) مكان ((أو
السيف))، وعنه عليه الصلاة والسلام: ((لا رقَّ على عربي))، وإذا ظهر على
مشركي العرب والمرتدين، فنساؤهم وصبيانهم فيءٌ يُسْتَرَقُّون، لأنه عليه الصلاة
والسلام استرقَّ ذراري أوطاس وهوازن، وأبو بكر - رضي الله عنه - استرقّ بني
حنيفة، انتهى.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٧٢/٨).
١٩٧

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
(٦٧٧) حديث
٦٧٧ / ٤١ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ قَالَ :
بَلَغَنِي
قلت: وتوضيح ما قال القاري: يجوز استرقاقهم أن عموم قوله تعالى:
﴿فَقْتُلُوْ اُلْمُشْرِكِينَ﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ﴾، وأمثال ذلك مخصوص
بالمشركين من العرب بدليل جواز استرقاق غيرهم، فلو كان القتال واجباً مطلقاً
لا يجوز استرقاقهم، بخلاف مشركي العرب، فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو
السيف لهذه الآيات وغيرها من الروايات.
وروي عن ابن عباس في مرض أبي طالب ومجيء النبي بَّر، وقوله:
((أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجمُ الجزية))،
الحديث رواه أحمد والترمذي وقال: حسن، كذا في ((النيل))(١).
٦٧٧ /٤١ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (قال: بلغني) وصله
الدارقطني وابن عبد البر من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن الزهري
عن السائب بن يزيد، قال ابن عبد البر: والسائب وُلد على عهد رسول الله وَل
وحفظ عنه وحج معه، وتوفي النبي ◌َّ وهو ابن تسع سنين وأشهر، كذا في
((التنوير))(٢). وفي ((الزرقاني)): ابن سبع سنين.
قلت: وأخرجه محمد في ((موطئه)): أخبرنا مالك، حدثنا الزهري أن
النبي # أخذ من مجوس البحرين الجزية، الحديث. وفي ((التعليق
الممجد))(٣): كذا أخرجه مرسلاً ابن أبي شيبة من طريق مالك، وأخرج
الدارقطني في ((غرائب مالك))، والطبراني من طريقه عن الزهري عن السائب بن
يزيد. قال الدارقطني: لم يصل إسناده غير الحسين بن أبي كبشة البصري عن
عبد الرحمن بن مهدي عن مالك، والمرسل هو المحفوظ، انتهى.
(١) انظر: ((نيل الأوطار)) (١٢٥/٥)، وانظر: ((فتح الباري)) (٣٩٣/٦).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (٢٦٤/١).
(٣) (١٤٦/٢).
١٩٨
------ -- -
--- -- -

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
(٦٧٧) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ.
انظر البخاريّ في: ٥٧ - كتاب الجزية، ١ - باب الجزية والموادعة مع أهل
الحرب .
وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسٍ فَارِسَ وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ
عَفَّانَ أَخَذَها مِنَ الْبَرْبَرِ .
انظر الترمذيّ في: ١٩ - كتاب السير، ٣١ - باب ما جاء في أخذ الجزية من
المجوس .
(أن رسول الله وقلة أخذ الجزية من مجوس البحرين) قال ياقوت الحموي
في ((المعجم)): البحرين، هكذا يتلفّظ بها في حال الرفع والنصب والجر، ولم
يُسْمع على لفظ المرفوع من أحد منهم، إلا أن الزمخشري قد حكى أنه بلفظ
التثنية، فيقولون: هذه البحران، وانتهينا إلى البحرين، ولم يبلغني من جهة
أخرى، وهو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة والعُمان.
قيل: هي قصبة هجر، وقيل: هجر قصبة البحرين، وقد عدّها قوم من
اليمن، وجعلها آخرون قصبة برأسها، وفيها عيون، ومياه، وبلاد واسعة، وربما
عَدّ بعضُهم اليمامة من أعمالها، والصحيح أن اليمامة عمل برأسه في وسط
الطريق بين مكة والبحرين.
(وأن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (أخذ من مجوس فارس) لقب
قبيلة ليس بأب ولا أم، وإنما هم أخلاط من تغلب اصطلحوا على هذا الاسم،
كما في ((القاموس))، (وأن عثمان بن عفان) - رضي الله عنه - (أخذها من البربر)
بموحدتين وراءين وزن جعفر، قوم من أهل المغرب كالأعراب في القسوة
والغلظة .
قال ياقوت الحموي: هو اسم يشمل قبائل كثيرة في جبال المغرب،
أولها برِقَّةَ، ثم إلى آخر المغرب، والبحر المحيط، وفي الجنوب إلى بلاد
السودان، وهم أمم، وقبائل لا تحصى، ينسب كل موضع إلى القبيلة التي
تنزله، ويقال لمجموع بلادهم: بلاد البربر.
١٩٩

...
١٩ - كتاب الزكاة
(٢٤) باب
(٦٧٨) حديث
٦٧٨ /٤٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ
عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
وقد اختلف في أصل نسبهم، فأكثر البربر تزعم أن أصلهم من العرب،
وهو بهتان منهم وكذب، وقال أبو المنذر: البربر من ولد فاران بن عمليق،
والأكثر والأشهر في نسبهم أنهم بقية قوم جالوت، لما قتله طالوت هربوا إلى
المغرب، فتَحَصَّنُوا في جبالها، وقاتلوا أهل بلادها، ثم صالحوهم على شيء
يأخذونه من أهل البلاد.
٤٢/٦٧٨ - (مالك، عن جعفر) الصادق (بن محمد بن علي) بن سبط
النبي وَّ (عن أبيه) محمد الباقر (أن عمر بن الخطاب) قال ابن عبد البر(١):
هذا منقطع، لأن محمداً لم يلق عمر ولا عبد الرحمن. إلا أن معناه متصل من
وجوه حسان، وفي ((التعليق الممجد)) (٢): رواه ابن أبي شيبة عن حاتم بن
إسماعيل عن جعفر، ورواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن ابن جريج عن جعفر،
ورواه إسحاق بن راهويه عن عبد الله بن إدريس، عن جعفر، وهو حديث
منقطع، لأن والد جعفر محمد بن علي لم يلق عمر ولا ابن عوف.
وقد رواه أبو علي الحنفي عبد الله بن عبد المجيد من طريق مالك،
فقال: عن أبيه عن جده، أخرجه البزار والدارقطني في ((غرائب مالك))، ولم
يقل عن جده أحد سوى أبي علي، وكان ثقة، وهو مع ذلك مرسل، فإن جد
جعفر علي بن الحسين لم يلق عمر؛ ولا ابن عوف، كذا ذكره ابن عبد البر
وغيره، انتهى.
وقال الحافظ(٣): هذا منقطع مع ثقة رجاله، ورواه ابن المنذر والدارقطني
(١) ((الاستذكار)) (٢٩٢/٩).
(٢) (١٤٧/٢).
(٣) (فتح الباري)) (٢٦١/٦).
٢٠٠