النص المفهرس
صفحات 161-180
١٩ - كتاب الزكاة (٢٢) باب ٠٠٠ . فإن أرادوا الإيراد على ذلك فهو ليس من الجهل بلغة العرب، بل من الجهل بمدرك كلام القائل، فإنك قد عرفت أن من أنكر إدخال هذه الأشياء في التفكه لم ينكر دخولها في اللغة، بل أنكر للعرف لاستعمال هذه الأشياء في حاجة البقاء، ولذا قال ابن نجيم(١): ذكر في ((الكشف الكبير)): أن هذا اختلاف عصر وزمان، فأبو حنيفة أفتى على حسب عُرفه، وتغيَّر العرف في زمانهما، وفي عرفنا ينبغي أن يحنث بالاتفاق. ثم قال بعد ذكر الاختلاف في بعض الفروع: والحاصل أن العبرة في جميع ذلك للعرف، فما يؤكل على سبيل التفكه عادة، ويعد فاكهة في العرف، يدخل تحت اليمين، ومالا فلا، وفي ((المحيط)): ما روي: أن الجوز واللوز من الفاكهة هو في عرفهم، أما في عرفنا فإنه لا يؤكل للتفكه، انتهى. ولا ينكر من نظر فروع الأئمة الأربعة أن العرف جارٍ في الأيمان كثيراً عند الكل لا سيما عند المالكية . ففي ((الشرح الكبير))(٢): يخصص اليمين أو يقيّدها خمسة: النية، والبساط، والعرف القولي، والمقصد اللغوي، والمقصد الشرعي. ثم بسط هذه الأشياء، ومَثَّل العرف القولي بقوله: كاختصاص الدابة عندهم بالحمار، والمملوك بالأبيض، والثوب بالقميص، فمن حلف لا يشتري ما ذكر مثلاً فاشترى فرساً أو أسود أو عمامة فلا يحنث، انتهى. فهل يقال: إن إخراج العمامة عن الثوب، أو إخراج الفرس عن الدابة، أو الأسود عن المملوك جهل عن معاني هذه الأشياء؟ وهكذا في سائر فروع الأيمان. وقول الإمام مالك - رضي الله عنه - الآتي قريباً من أن لا صدقة في (١) ((البحر الرائق)) (٥٤٣/٤). (٢) (١٣٦/٢). ١٦١ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٢) باب قَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ الَّتِي لا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا، وَالَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيءٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ. الرُّمَّانِ، الفواكه كلها، يشير إلى أن التمر ليس عنده أيضاً من الفواكه. (والقضب) بفتح القاف وإسكان الضاد المعجمة الفصفصة نباتٌ يشبه البرسيم يعلف للدواب، وليس بصاد مهملة؛ لأن قصب السكر داخل في الفواكه، قاله الزرقاني(١). قلت: فالفصفصة داخلة في البقول، وقال المجد: الفصفصة نبات فارسية ((اسپست))، انتهى. وبسيست فسره الشيخ في ((المصفّى))، وفي ((المحيط)): القضب: ((اسم درخت بزرك است)) وبمعنى: «لفت وإسفست نیز آمده)»، وفي (مختار الصحاح)): القضب والقضبة: الرطبة، هي الإسفست بالفارسية، انتهى. والأوجه عندي أن المراد به ما سيأتي من معناه في كلام المجد، وذلك لأن الفصفصة مع أنها تدخل في البقول ليست لها مزية تذكر لها هكذا، والقضب بالمعنى الآتي لكثرة أنواعها مما ينبغي أن يذكر في الترجمة أيضاً، قال المجد: القضب: كل شجرة طالت وبسطت أغصانها، وما قطعت من الأغصان للسهام أو القِسِيِّ، والقتُّ، وشجر تُتَّخَذُ منه القِسِيُّ، والإسفست، القضبة: القضيب، جمعه قضبات، وما أكل من النبات المقتضب غضّاً، جمعه قَضْبٌ، انتھی. (والبقول) جمع بقل كل نبات اخضرّت به الأرض، قاله ابن الفارس، كذا في الزرقاني، وقال المجد: البقل ما نبت في بذره لا في أرومته ثابتة. (قال مالك: والسنة التي لا اختلاف فيها عندنا) بالبلدة الطاهرة (والذي سمعت من أهل العلم؛ أنه ليس في شيء من الفواكه كلها) سوى التمر والزبيب (صدقة) ثم ذكر بعض أنواع الفواكه تمثيلاً فقال: (الرُمَّان) بضم الراء المهملة (١) ((شرح الزرقاني)) (١٣٦/٢). ١٦٢ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٢) باب وَالْفِرْسِكِ، وَالتِّينِ، والميم المشددة، ذكره الراغب في الرم، وقال: الرمان فعلان، وهو معروف، وذكره المجد في باب النون، وقال: الرمان معروف، الواحدة بالهاء، انتهى. وذكر له صاحب ((المحيط)) عدة أنواع: الرمان الحلو، والرمان المر، ورمان الأنهار، ورمان البر. (والفِرسِكِ) بكسر الفاء والسين بينهما راء ساكنة آخره كاف: الخوخ، أو ضرب منه أحمر أجود، أو ما ينفلق عن نوره، قاله الزرقاني، وفسره الشيخ في ((المصفى)) بـ(شفتالو)) وبه فسره صاحب ((إيضاح الصراح))، وقال صاحب ((المحيط)): الفرسك: نوع من الخوخ يقال له بالفارسية: ((شلير)) و((شليل)). (والنين) بكسر المثناة الفوقية وسكون المثناة التحتية آخره نون ((انجير))، وهو عدة أنواع: تين أحمر، وتين الفيل، وتين أفرنجي، كذا في ((المحيط))، قال الباجي(١): لا اختلاف عند أهل المدينة فيما ذكره أنه لا زكاة في شيء من الفواكه مما ذكر من ذلك وما لم يسمه، وأضاف مالك - رحمه الله - التين إلى جملتها؛ لأنه لم يكن ببلده، وإنما كان يستعمل عندهم على معنى التفكه، لا على معنى القوت، وهو عندنا بالأندلس قوت. وقد ألحقه مالك بما لا زكاة فيه، ويحتمل أصله في ذلك القولين، أحدهما: أنه لا زكاة فيه، لأن الزكاة إنما شُرعت فيما يقتات بالمدينة، ولم يكن التين يقتات بها، فلم يتعلق به حكم الزكاة، والثاني: أن حكم الزكاة يتعلق بالتين، قياساً على الزبيب والتمر، وإن لم يكن مقتاتاً بالمدينة، انتهى. قال ابن عبد البر (٢): أظنه لم يعلم أنه ييبس ويدّخر ويقتات كالتمر، والأشهر عند أهل المغرب لا زكاة في التين، إلا ابن حبيب، وذهب جماعة (١) ((المنتقى)) (١٧١/٢). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٧٢/٩). ١٦٣ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٢) باب وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمَا لَمْ يُشْبِهْهُ، إِذَا كَانَ مِنَ الْفَواكِهِ. قَالَ: وَلَا فِي الْقَضْبِ وَلا فِي الْبَقُولِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ. من البغداديين إسماعيل والأبهري وغيرهما إلى أن فيه الزكاة، وكانوا يفتون به، ويرونه مذهب مالك على أصوله، وهو مكيل يراعى فيه خمسة أوسق، وما كان مثلها وزناً كالتمر والزبيب، قاله الزرقاني. قلت: وعدَّه في ((المدونة))(١) أيضاً فيما لا زكاة فيه، ونصه، قال .. . . مالك: الفواكه كلها الجوز واللوز والتين وما كان من الفواكه كلها مما بيبس ويدّخر ويكون فاكهة فليس فيها زكاة، انتهى. وكذا عدّه الدسوقي فيما لا زكاة فيه . (وما أشبه ذلك وما لم يُشْبهه إذا كان من الفواكه) يعني ليس في شيء من الفواكه الزكاة، سواء كان مشابهاً للأنواع المذكورة أو لا يكون، فالشرط كونها من الفواكه، سواء ييبس أو لا ييبس، يُدَّخر أو لا يدَّخر بعد أن لا يكون قوتاً. قال أبو عمر: لا زكاة باتفاق مالك وأصحابه. ابن زرقون أظنه لم ير قول ابن حبيب في إيجابه الزكاة في ذلك كله، انتهى. أو أراد بأصحابه خصوص من لقيه لا أهل مذهبه، وهذا أمثل بمزيد حفظ ابن عبد البر ووسع اطلاعه، قاله الزرقاني(٢). (قال) مالك: (ولا في القضب) تقدم ضبطه ومعناه في الترجمة (ولا في البقول كلها صدقة) من العشر ونصفه، قال الباجي(٣): هذا قول مالك والشافعي وجميع أصحابهما، وقال أبو حنيفة: في جميع البقول الزكاة إلا القضب والحشيش والحطب، والدليل على ما نقوله أن الخُضْرَ كانت بالمدينة في زمن (١) (١/ ٢٥٢). (٢) (١٣٦/٢). (٣) ((المنتقى)) (١٧١/٢). ١٦٤ ٠٠ ---- .- ١٩ - كتاب الزكاة (٢٢) باب وَلَّا فِي أَثْمَانِهَا إِذَا بِيعَتْ صَدَقَةٌ، حَتَّى يَحُولَ عَلَى أَثْمَانِهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمٍ بَيْعِهَا، وَيَقْبِضُ صَاحِبُهَا ثَمَتَهَا . النبي ◌َ﴾ بحيث لا يخفى عليه ذلك، ولم ينقل إلينا أنه أمر بإخراج شيء منها، ولا أن أحداً أخذ منها زكاة، ولو كان ذلك لنُقِل كما نُقِل زكاة سائر ما أمر به النبي وَل﴾، فثبت أنه لا زكاة فيها، ودليلنا من جهة القياس أنه نبت لا يقتات، فلم يجب فيه الزكاة كالحشيش والقضب، انتهى. (ولا في أثمانها إذا بيعت صدقة) أي زكاة (حتى يحول على أثمانها) بعد أن كانت نصاباً (الحول من يوم بيعها، ويقبض صاحبها ثمنها) زاد في بعض النسخ المصرية بعد ذلك: وهو نصاب، وليس هذا في النسخ الهندية، لكنه مراد؛ لأن الزكاة لا تجب على الأثمان إلا بعد النصاب، فالمعنى أن يحول الحول على النصاب بعد القبض، ولا يشترط القبض عند الحنفية كما تقدم. وقد علمت بما تقدم في أول زكاة الحبوب اختلاف الأئمة في مسألة الباب، وأن الزكاة واجبة عند الإمام أبي حنيفة في كل ما أخرجته الأرض، سواء كان من الحبوب أو الثمار أو الفواكه، أو غير ذلك بعد أن كان مقصوداً به استغلال الأرض خلافاً للأئمة الثلاثة وصاحبي أبي حنيفة. والخلاف في موضعين، الأول: في اشتراط النصاب، وتقدم الكلام عليه في أول الكلام، والثاني: في اشتراط الصفة للخارج من البقاء والادخار والاقتيات على ما قالوا، وقال أبو حنيفة: بالعموم في ذلك أيضاً، وبه قال ابن حبيب من المالكية، وبه قال جماعة من السلف كما تقدم. ورجحه ابن العربي في ((العارضة))(١) فقال: أقوى المذاهب مذهب أبي حنيفة دليلاً وأحوطها للمساكين وأولاها قياماً شكر النعمة، وعليه يدل عموم الآية والحديث إلى آخر ما تقدم من كلامه، وإليه يظهر ميل الفخر الرازي (١) ((عارضة الأحوذي)) (١٣٥/٣). ١٦٥ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٢) باب في ((تفسيره))، إذ رجح في قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ أن المراد بالحق الزكاة، وقال: هو الأصح. ثم قال: احتجّ أبو حنيفة - رضي الله عنه - بهذه الآية فقال: قوله ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ يقتضي ثبوت حق في القليل والكثير، فإذا كان ذلك الحق هو الزكاة، وجب القول بوجوب الزكاة في القليل والكثير، وقال أيضاً: قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾(١) - بعد ذكر الأنواع الخمسة، وهو العنب والنخل والزرع والزيتون والرمان - يدل على وجوب الزكاة في الكل إلى آخر ما تقدم من كلامه. وقال في آخره: وأيضاً الضمير في قوله: ﴿حَصَادِهِ﴾ يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وذلك هو الزيتون والرمان، فوجب أن يكون الضمير عائداً إليه، انتهى. قلت: والعمدة في مستدل الجمهور الإمام مالك وغيره ما في الباجي إذ قال: والدليل على ما نقوله أن الخضر كانت بالمدينة في زمن النبي ◌َّ بحيث لا يخفى ذلك، ولم ينقل إلينا أنه أمر بإخراج شيء منها، ولا أن أحداً أخذ منها زكاة، ولو كان ذلك لنقل كما نُقِل زكاة سائر ما أمر به النبي وَلّر، فثبت أنه لا زكاة فيها، انتهى. وفي ((شرح الإحياء)): واستدلوا بما رواه الترمذي(٢) ((ليس في الخضروات صدقة)) والجواب عنه أن الترمذي قال عقب هذا الحديث: لم يصح في هذا الباب عن رسول الله وَلل شيء، ولئن ثبت فهو محمول على صدقة يأخذها العاشر؛ لأنه إنما يأخذ من مال التجارة إذا حال عليه الحول، وهذا بخلافه (١) سورة الأنعام: الآية ١٤١. (٢) ((سنن الترمذي)) (٣١/٣) رقم الحديث (٦٣٨). ١٦٦ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٣) باب (٢٣) باب ما جاء في صدقة الرقيق والخيل والعسل ظاهراً، أو على أنه لا يأخذ من عينه، بل يأخذ من قيمته، لأنه يتضرر بأخذ العين في البراري حيث لم يجد من يشتريه، انتهى. وفي ((الهداية)): ما روياه، أي أبو يوسف ومحمد، محمول على صدقة يأخذها العاشر، وبه يأخذ أبو حنيفة، قال العيني: أي بهذا المحمل أخذ أبو حنيفة في الحديث الذي روياه وهو قوله: ((ليس في الخضروات صدقة)) فيكون عاملاً بالحديثين، انتهى. أي يكون أبو حنيفة - رضي الله عنه - عاملاً بالحديثين معاً حديث العموم أيضاً، وحديث مستدلهم أيضاً. (٢٣) ما جاء في صدقة الرقيق والخيل والعسل (ما جاء في صدقة الرقيق) قال الراغب: الرق ملك العبيد. والرقيق: المملوك منهم، وجمعه أرقاء، واسترق فلان فلاناً: جعله رقيقاً، انتهى. (والخيل) قال الراغب: الخيال أصله الصورة المجردة كالصورة المتصورة في المنام، وفي المرآة وفي القلب بُعيد غيبوبة المرئيّ، ثم تستعمل في صورة كل أمر متصور، والخيلاء: التكبر عن تخيل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه، ومنها يتأول لفظ الخيل لما قيل: إنه لا يركب أحد فرساً إلا وجد في نفسه نخوة. والخيل في الأصل اسم للأفراس والفرسان جميعاً، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِن رَّبَاطِ اٌلْخَيْلِ﴾(١)، ويستعمل في كل منهما نحو ما روي: يا خيل الله اركبي، فهذا للفرسان، وقوله عليه السلام: ((عفوت لكم عن صدقة الخيل)) يعني الأفراس، انتهى. وفي (البناية)): قال ابن الأثير في ((النهاية)): يا خيل الله اركبي، أي يا فرسان خيل الله، بحذف المضاف، قيل: لا حاجة إلى الحذف؛ لأن الخيل هي الفرسان كما قال الجوهري، ويدل عليه قوله: اركبي، انتهى. (والعسل) بالعين والسين المهملتين المفتوحتين: لعاب النحل، قال تعالى: (١) سورة الأنفال: الآية ٦٠. ١٦٧ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٣) باب (٦٧٣) حديث ٣٧/٦٧٣ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ ﴿مِّنْ عَسَلِ مُصَفَّى﴾(١). ذكر له صاحب ((المحيط الأعظم)) عِدَّةَ أنواع، وفي ((مختار الصحاح)): العسل يُذَكَّرُ ويُؤَنَّث، وبابه ضرب ونصر، وزنجبيل معَسَّلٌ، أي معمول بالعسل، والعسيلة في الجماع شبّهت تلك اللذة بالعسل، وصغرت بالهاء؛ لأن الغالب على العسل التأنيث، وقيل: أُنِّثَ لأنه أريد به العسلة، وهي القطعة منه، انتهى. وسيأتي الكلام على صدقة هذه الأنواع الثلاثة في مواضعها من الباب. ٣٧/٦٧٣ - (مالك، عن عبد الله بن دينار) العدوي (عن سليمان بن يسار) الهلالي (وعن عِرَاكِ) بحرف العطف في أكثر النسخ الموجودة، إلا في بعض المصرية فيإسقاطها وهو وهم من النُّسَاخ، كأنهم أرادوا تصحيح الكلام، وليس لهم ذلك، إذ عُدَّ هذا من غلط المصنف، قال ابن عبد البر(٢): أدخل يحيى بن سليمان وعراك واواً، وهو خطأ عُدَّ من غلطه، والحديث محفوظ في ((الموطآت)) كلها، وفي غيرها لسليمان عن عراك وهما تابعيان نظيران، وعراك، أسنُّ، وسليمان أفقه، وعبد الله بن دينار أيضاً تابعي، انتهى. قلت: وعلى الصواب يعني بإسقاط الواو أخرجه محمد في ((موطئه))، وكذا البخاري وغيره من أئمة الحديث في كتبهم، وعراك بكسر العين المهملة، ففتح الراء المخففة بعدها ألف، ثم كاف، كما في ((التعليق الممجد))(٣) عن ((التقريب)) وغيره. (ابن مالك) الغفاري الكناني المدني ثقة، فاضل من الثالثة، من رواة الستة، مات في خلافة يزيد بن عبد الملك بعد المائة. (عن أبي هريرة) قال البيهقي: رواه بكير بن الأشجّ عن عراك قال: (١) سورة محمد: الآية ١٥. (٢) ((الاستذكار)) (٢٧٩/٩). (٣) (١٥٠/٢). ١٦٨ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٣) باب (٦٧٣) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَدَقَةٌ)). قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ ◌َناالله وستر أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٤٦ - باب ليس على المسلم في عبده صدقة . ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة، ٢ - باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه، حديث ٨. سمعت أبا هريرة بنحوه في العبد، فسماع عراك عن أبي هريرة صحيح لا شك فيه (أن رسول الله وَّية: قال: ليس على المسلم) قال الزرقاني: خص المسلم، وإن كان الصحيح عند الأصوليين والفقهاء تكليف الكافر بالفروع، لأنه ما دام كافراً لا تجب عليه حتى يُسْلِمَ، وإذا أسلم سقطت؛ لأن الإسلام يجبّ ما قبله. وفي ((المرقاة)) (١): قال ابن حجر: يؤخذ منه إن شرط وجوب زكاة المال بأنواعها الإسلام، ويوافقه قول الصديق في كتابه على المسلمين، وقال القاري: هذا حجة على من يقول: إن الكفار مخاطبون بالشرائع في الدنيا، بخلاف من يقول: إن الكافر مخاطب بفروع الشريعة بالنسبة للعقاب عليها في اُلَّذِينَ لَا يُؤْثُونَ الآخرة، كما أفهمه قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الزَّكَوَةَ﴾(٢)، وقالوا: ﴿لَ نَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ وَلَوْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (@)﴾(٣)، وعليه جمع من أصحابنا، وهو الأصح عند الشافعية، انتهى. (في عبده) أي رقيقه ذكراً كان أو أنثى (ولا في فرسه) الشامل للذكر والأنثى، وجمعه الخيل من غير لفظه، قال المجد: الفرس للذكر والأنثى، أو هي فرسة، جمعه أفراس وفروس (صدقة) قال الباجي: يقتضي نفي كل صدقة في هذا الجنس إلا ما دل الدليل عليه . (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٤٠/٤). (٢) سورة فصلت: الآيتان ٦، ٧. (٣) سورة المدثر: الآيتان ٤٣، ٤٤. ١٦٩ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٣) باب (٦٧٤) حديث ٣٨/٦٧٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ قَالُوا لأَّبِي عُبَيْدَةَ ولا خلاف أنه ليس في رقاب العبيد صدقة، ثم ذكر الخلاف في صدقة الخيل يأتي بيانها في آخر الباب، وأما رقاب العبيد فهكذا ذكر الإجماع على نفي الصدقة فيها الزرقاني، فقال: لا خلاف أنه ليس في رقاب العبيد صدقة إلا أن يشتروا للتجارة، قال العيني: وفي ((البدائع)): الخيل إن كانت تُعْلَف للركوب أو الحمل أو الجهاد في سبيل الله فلا زكاة فيها إجماعاً، وإن كانت للتجارة تجب إجماعاً، انتهى(١). ثم قال الحافظ(٢): واستدل بالحديث من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقاً ولو كانا للتجارة، وأجيبوا: بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، فيخص به عموم هذا الحديث، انتهى. قلت: وحكى الإجماع على وجوب زكاة التجارة فيهما غير واحد من أئمة الروايات، ونقلة المذاهب، ولم يعبؤوا بخلاف أهل الظاهر. (مسألة): قال السرخسي: ليس في الحمير والبغال السائمة صدقة؛ لأن رسول الله مَّ قال حين سئل عن البغال والحمير: ((لم ينزل عَلَيَّ فيها إلا هذه الآية الجامعة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَؤُ ﴾﴾(٣)). ولأنها لا تُسام في غالب البلدان مع كثرة وجودها، والنادر لا يعتبر به، إنما يعتبر الحكم العام الغالب، فلذا لا تجب فيها زكاة السائمة والله أعلم، انتهى. قلت: وسيأتي قوله صل# هذا في أول كتاب الجهاد. ٣٨/٦٧٤ - (مالك عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري (عن سليمان بن يسار) الهلالي (أن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة) وكان أميرهم تولّاه (١) ((عمدة القاري)) (٤٧٨/٦). (٢) ((فتح الباري)) (٣٢٧/٣). (٣) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧، ٨. ١٧٠ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٣) باب (٦٧٤) حديث ابْنِ الْجَرَّاحِ: خُذْ مِنْ خَيْلِنَا وَرَقِيقِنَا صَدَقَةً، فَأَبَى. ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،َ فَأَبَى عُمَرُ. ثُمَّ كَلَّمُوهُ أَيْضاً، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنْ أَحَبُّوا فَخُذْهَا مِنْهُمْ، وَارْدُدْهَا عَلَيْهِمْ، وَارْزُقْ رَقِيقَهُمْ. عمر - رضي الله عنه - على الشام، قال ابن الأثير: ولما ولي عمر بن الخطاب الخلافة عزل خالد بن الوليد، واستعمل أبا عبيدة، فقال خالد: ولي عليكم أمينُ هذه الأمة، وقال أبو عبيدة: سمعت رسول الله وَليل يقول: ((إن خالداً لسيفٌ من سيوف الله)). وأبو عبيدة هو عامر بن عبد الله (بن الجراج) الفهري أمينُ هذه الأمة بالنص النبوي، وأحدُ العشرة، والبدري، وصاحب الهجرتين، له أربعة عشر حديثاً، وَلِيَ الشام، وافتتح اليرموك والجابية والرمادة، ودمشق صلحاً، وكتب لهم كتاب الصلح، مات في طاعون عمواس سنة ١٨ هـ، هكذا في (الخلاصة)(١). (خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة، فأبى)، أي امتنع من الأخذ عنهما؛ لأنه لا يرى الصدقة فيهما (ثم كتب إلى عمر بن الخطاب، فأبى عمر) - رضي الله عنه - أيضاً، ووافق أبا عبيدة في الامتناع. (ثم كلموه أيضاً) أي أصرّوا على ذلك، ولعلهم كانوا يرون فيهما الصدقة أو أصرُّوا تبرعاً (فكتب إلى عمر) - رضي الله عنه - أنهم يُصِرُّون عليه (فكتب إليه عمر) - رضي الله عنه -: (إن أحبوا فخذها منهم) يعني أنهم إذا تطوعوا بذلك، فيقبل عنهم تطوعاً . قلت: والظاهر أن ذلك كان عن عمر - رضي الله عنه - أولاً ثم قال بالزكاة فيها، كما سيأتي في آخر الحديث (واردُدُها عليهم) أي على فقرائهم كما سيأتي من تفسير الإمام مالك - رضي الله عنه -. (وارزق رقيقهم) أي الفقير منهم، وقيل: معناه: ارزق عبيدهم وإماءهم (١) ((الخلاصة)) الخزرجي (ص ١٨٤). ١٧١ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٣) باب (٦٧٤) حديث قَالَ مَالِكٌ: مَعْنَى قَوْلِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَارْدُدْهَا عَلَيْهِمْ)) يَقُولُ: عَلَى فُقَرَائِهِمْ. من بيت المال؛ لأن أبا بكر - رضي الله عنه - كان يفرض للسيد وعبده من الفيء، وكان عمر - رضي الله عنه - يفرض للمنفوس والعبيد، وكذا فعل عثمان وعلي - رضي الله عنهما -، قاله الزرقاني(١). وقال الباجي(٢): يحتمل أن يريد به أن يجري لرقيقهم رزقاً لكونهم في ثغر من ثغور المسلمين، يُستعان بهم في الحرب، وليس لهم سهم فيرتفقون بأرزاق، ويحتمل أن يريد بذلك أن هذا مكافأة لهم على تطوعهم بالصدقة من رقيقهم، وفسره شيخنا الدهلوي أي ارزق عبيدهم الذين يتصدَّقون بهم، ويدخلون في ملك بيت المال. (قال مالك: معنى قوله) أي قول عمر - رضي الله عنه - (رحمه الله: وارددها عليهم، يقول: على فقرائهم) قلت: ظاهر الأثر أن عمر - رضي الله عنه - لم يقل بإيجاب الزكاة في الخيل، لكن المأثور عنه بعدة طرق، الزكاة في الخيل، فقد قال الحافظ في ((الدراية)): روى الدارقطني في ((غرائب مالك)) بإسناد صحيح عنه عن الزهري: أن السائب بن يزيد أخبره قال: رأيت أبي يُقَيِّمُ الخيلَ، ثم يدفع صدقتها إلى عمر - رضي الله عنه -، وحكى ابن الهمام تصحيحه عن ابن عبد البر(٣). وأخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني ابن أبي حسين: أن ابن شهاب أخبره أن عثمان كان يصدق الخيل، وأن السائب بن يزيد أخبره أنه كان يأتي عمر - رضي الله عنه - بصدقة الخيل، قال الزهري: ولا أعلم (١) ((شرح الزرقاني)) (١٣٨/٢). (٢) ((المنتقى)) (١٧٢/٢). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٨٢/٩). ١٧٢ -- ١٩ - كتاب الزكاة (٢٣) باب (٦٧٤) حديث رسول الله وَلّ سَنَّ صدقةَ الخيل، وروى عبد الرزاق من طريق يعلى بن أمية: أن عمر - رضي الله عنه - قال له: إن الخيل لتبلغ في بلادكم هذا، وقد كان اشترى فرساً بمائة قلوص، قال: فقَرَّرَ عمر - رضي الله عنه - على الخيل ديناراً ديناراً . وللدارقطني عن علي: جاء ناس من الشام إلى عمر - رضي الله عنه - فقالوا: إنا نحب أن تزكي عن الخيل، فاستشار، فقال له علي: لا بأس إن لم يكن جزية راتبة يأخذون بها بعدك، قال: فأخذ من الفرس عشرة دراهم، وفي رواية: على كل فرس ديناراً، انتهى. قلت: اختصر الحافظ هذه الآثار، وأتى بها الزيلعي(١) مفصلاً، وقال: أخرج الدارقطني في ((سننه))(٢) عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: جاء ناس من أهل الشام إلى عمر - رضي الله عنه -، فقالوا: إنا قد أصبنا أموالاً خيلاً ورقيقاً، وإنا نحب أن تزكيه، فقال: ما فعله صاحباي قبلي، فأفعل أنا، ثم استشار أصحاب رسول الله وَ ل﴿ فقالوا: أحسن، وسكت عليّ، فسأله، فقال: هو حسن لو لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها بعدك، فأخذ من الفرس عشرة دراهم، ثم أعاده قريباً منه بالسند المذكور والقصة. وقال فيه: فوضع على كل فرس ديناراً، انتهى. وقال أبو عمر: الخبر في صدقة الخيل عن عمر - رضي الله عنه - صحيح من حديث الزهري عن السائب بن يزيد، وقال ابن رشد في ((القواعد)»: قد صح عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يأخذ الصدقة عن الخيل، وروى ابن عبد البر بإسناده: أن عمر - رضي الله عنه - قال ليعلى بن أمية: لا تأخذ من (١) انظر: ((نصب الراية)) (٣٥٦/٢). (٢) (١٢٦/٢). ١٧٣ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٣) باب (٦٧٥ - ٦٧٦) حديث ٦٧٥/ ٣٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم؛ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ كِتَابٌ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي وَهُوَ بِمِنَّىَ: أَنْ لا يَأْخُذَ مِنَ الْعَسَلِ وَلا مِنَ الْخَيْلِ صَدَقَةً . ٤٠/٦٧٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ صَدَقَةِ الْبَرَاذِينِ؟ الفرس شيئاً، خذ عن كل فرس ديناراً، فضرب على الخيل ديناراً ديناراً، فعُلِم من هذا كله أن الآخر من فِعْلَيْ عمر - رضي الله عنه - أخذُ الزكاة من الخيل. ٣٩/٦٧٥ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد (بن عمرو بن حزم أنه قال) ظاهر السياق أنه مرسل؛ لأن عبد الله لم يذكر عمن أخذه، ولفظ رواية محمد مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه: أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه ... الحديث. (جاء كتاب من) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (عند) وليس هذا في المصرية، أمير المؤمنين (عمر بن عبد العزيز إلى أبي) أي أبي بكر بن محمد وكان قاضي المدينة. (وهو بمنى: أن لا يأخذ) بصيغة الغائب في أكثر النسخ، وفي بعضها بالخطاب (من العسل ولا من الخيل صدقة). قلت: وهكذا أخرج ابن أبي شيبة (١) الآثار عن عمر بن عبد العزيز، وفي الحاشية عن ((المحلى)): ما رواه عبد الرزاق عن عمر بن عبد العزيز: خذ من العسل العشر، ضعيف وفيه جهالة. ٦٧٦ /٤٠ - (مالك، عن عبد الله بن دينار) المدني مولى ابن عمر، ولفظ محمد: مالك حدثنا عبد الله بن دينار (أنه قال: سألت سعيد بن المسيب) المدني (عن صدقة البراذِينِ) بذال معجمة جمع برذون بكسر موحدة وفتح معجمة الدابة لغة، وخصه العرف بنوع من الخيل، كذا في ((المجمع))، قال الزرقاني (٢): هو التركي من الخيل يقع على الذكر والأنثى، وربما قالوا: برذونة في الأنثى، قاله ابن الأنباري. (١) انظر ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٤٣/٣) و(٣٤/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٣٨/٢). ١٧٤ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٣) باب (٦٧٦) حديث فقال: وَهَلْ فِي الْخَيْلِ مِنْ صَدَقَةِ؟. (فقال) سعيد بن المسيّب في جوابه (وهل) استفهام إنكار (في الخيل من صدقة؟) واسم الخيل واقع عليها وعلى غيرها من العراب، فكأنه أنكر عليه سؤاله عن صدقة البراذين، وذكرت في هذه الآثار ثلاثة مسائل التي بَوَّب بها، وهي صدقة الرقيق، وتقدم ذكرها قريباً، وصدقة الخيل والعسل وهما خلافيتان. أما صدقة الخيل، فذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة إلى أن لا زكاة فيها إلا أن تكون للتجارة، وبه قال صاحبا أبي حنيفة، وهو مختار الطحاوي من الحنفية، وقال بعض الظاهرية كما تقدم: لا زكاة فيها مطلقاً ولو للتجارة، وقال أبو حنيفة بوجوب الزكاة في سائمة الخيل، وهو قول زفر من الحنفية، وبه قال حماد بن أبي سليمان وإبراهيم النخعي وزيد بن ثابت من الصحابة كما في العيني على ((الهداية)) وعلى ((البخاري))(١)، ورجحه ابن الهمام وبسط الكلام على الدلائل. قلت: هذا إذا كانت مختلطة ذكوراً وإناثاً. قال ابن عابدين: وإن كانت ذكوراً أو إناثاً أي منفردة، فروايتان؛ أشهرهما عدم الوجوب، كذا في ((المحيط))، وفي ((الفتح)): الراجح في الذكور عدمه وفي الإناث الوجوب، انتهى. وأيضاً اختلف متأخرو الحنفية في الفتوى على قول الإمام أو صاحبيه، قال القاري في ((شرح النقاية)): ولأبي حنيفة ما في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَل﴾: ((الخيل لثلاثة: لرجل أجرٌ، ولرجل سِتْر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، وهي لذلك الرجل أجر، ورجل ربطها تغنيّاً وتعفّفاً، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي له ستر)) الحديث، وحق الله في الرقاب الزكاة، انتهى. وسيأتي هذا الحديث، والكلام عليه في أول كتاب الجهاد. (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٧٦/٦). ١٧٥ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٣) باب (٦٧٦) حديث وتقدم قريباً: أن عمر - رضي الله عنه - وضع عليه الزكاة بعد استشارة الصحابة، وقال ابن عبد البر: روى الدارقطني حديثاً صحيحاً عن جويرية عن مالك عن الزهري: أن السائب بن يزيد أخبره قال: رأيت أبي يُقَوِّمُ الخيلَ ثم يدفع صدقتها، أي ربع عشر قيمتها، قاله القاري. وقال الحافظ في ((الإصابة)): رواه الدارقطني في ((غرائب مالك)) بإسناد صحيح وأخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي حسين: أن ابن شهاب أخبره أن عثمان كان يصدق الخيل، وللدارقطني عن علي - رضي الله عنه -: جاء ناس من الشام إلى عمر - رضي الله عنه - فقالوا: إنا نحب أن تزكي عن الخيل، فاستشار، فقال له علي: لا بأس به إن لم يكن جزية راتبة، الحدیث، انتهى. قال الجصاص: هذا يدل على اتفاقهم على الصدقة فيها؛ لأنه شاور الصحابة، ومعلوم أنه لم يشاورهم في صدقة التطوع، فدل على أنه أخذها واجبة بمشاورة الصحابة. وإنما قال علي: لا بأس ما لم تكن جزية عليهم؛ لأنه لا يؤخذ على وجه الصغار، بل على وجه الصدقة، انتهى. وقال ابن الهمام(١): ففي هذا أنه استشارهم فاستحسنوا، وكذا استحسنه عليٌّ بشرطٍ شرطه، وهو أن لا يؤخذون بعده، وقد قلنا بمقتضاه إذا قلنا: ليس للإمام أن يأخذ صدقة سائمة الخيل جبراً، فإن أخذ الإمام هو المراد بقوله: (يؤخذون)) إذ يستحيل أن يكون استحسانه مشروطاً بأن لا يتبرعوا بها لمن بعده من الأئمة، لأنه ما على المحسنين من سبيل، وهذا حينئذ فوق الإجماع السكوتي، انتھی. فعُلِم بذلك أن الخلفاء الراشدين الثلاثة يرون الصدقة في الخيل، فما قال (١) انظر: ((فتح القدير)) (١٣٨/٢). ١٧٦ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٣) باب (٦٧٦) حديث ٠٠٠٠ ابن المنذر وابن قدامة: الخلفاء الراشدون لم يكونوا يأخذون منها صدقة، ليس بوجيه، ولذا تعقبه السروجي، فقال: هذا باطل، حكاه العيني. قال ابن التركماني (١): وأخرج ابن أبي شيبة في ((مسنده)) بسند جيد عن عمر - رضي الله عنه - عنه بَّ حديثاً طويلاً، وفيه: فلا أعرفَنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاةً لها ثُغاءٌ، ينادي: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلّغتُ، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرساً له جمجمة، ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً ... الحديث . وليس الذمُّ لكونه غَلَّ الفرس، أو لم يُجاهد عليه لأن الغلول لا يختص بهذه الأنواع، وترك الجهاد بنفسه يذم عليه أكثر مما يذم على تركه بفرسه، انتھی . قال العيني(٢): ذكر أبو زيد الدبوسي في كتاب ((الأسرار)) فقال: إن زيد بن ثابت لما بلغه حديث أبي هريرة - أي المذكور في أول الباب - قال: صدق رسول الله ريل18 إنما هنا فرس الغازي، ومثل هذا لا يعرف بالرأي أنه مرفوعٌ، قال ابن الهمام(٣): لا شك أن هذه الإضافة للفرس المفرد لصاحبها في قولنا: فرسه وفرس زيد كذا وكذا، يتبادر منه الفرس الملابس للإنسان ركوباً ذهاباً ومجيئاً عرفاً، وإن كان لغة أعم، والعرف أملك. ويؤيد هذه القرينة قوله: ((في عبده))، ولا شك أن العبد للتجارة تجب فيه الزكاة، فعُلِمَ أنه لم يرد النفي عن عموم العبد، بل عبد الخدمة، وقد روي ما (١) انظر: ((الجوهر النقي)) على هامش ((سنن البيهقي الكبرى)) (١٢٠/٤). (٢) ((عمدة القاري)) (٤٧٨/٦). (٣) (فتح القدير)) (٢/ ١٣٧). ١٧٧ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٣) باب (٦٧٦) حدیث يوجب حمله على هذا المحمل لو لم يكن هاتان القرينتان العرفية واللفظية، وهو ما في ((الصحيحين)) من حديث مانعي الزكاة، وفيه ((الخيل ثلاثة)) .. الحديث. ولا يجوز حمله على زكاة التجارة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام سئل عن الحمير بعد الخيل؟ فقال: ((لم ينزل عَلَيَّ فيه شيءٌ))، فلو كان المراد في الخيل زكاة التجارة لم يصح نفيها في الحمير، انتهى. وفي هامش الزيلعي على ((الكنز))(١) عن ((الغاية)): أن حديثهم محمول على خيل الركوب إذ هو متروك الظاهر أنها تجب إذا كانت للتجارة، ولأن الغلام المعطوف لا يكون سائمة فكذا المعطوف عليه انتهى. وفي ((الدراية)): روى أحمد بن زنجويه في (كتاب الأصول)) بإسناد صحيح عن طاووس، سألت ابن عباس عن الخيل أفيها صدقة؟ قال: ليس على فرس الغازي في سبيل الله صدقة، وأجاب عنه في ((المحيط البرهاني)) بأن المنفيَّ ولايةُ أخذ الساعي، فإن الفرس مطمع كل طامع فالظاهر أنهم إذا علموا به لا يتركوه لصاحبه. وقال الإمام السرخسي في (مبسوطه)): احتجَّ أبو حنيفة بحديث ابن الزبير عن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله وَ لر قال: ((في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم، وليس في المرابطة شيءٌ))، وأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح، وأمره بأن يأخذ من الخيل السائمة عن كل فرس ديناراً أو عشرة دراهم، ووقعت هذه الحادثة في زمن مروان، فشاور الصحابة - رضي الله عنهم -، فروى أبو هريرة: ((ليس على الرجل في عبده ولا في فرسه صدقة)) . فقال مروان لزيد بن ثابت: ما تقول يا أبا سعيد؟ فقال أبو هريرة: عجباً (١) (تبيين الحقائق)) (٢٦٥/١). ١٧٨ ---- --- ١٩ - كتاب الزكاة (٢٣) باب (٦٧٦) حديث ٠٠ من مروان أُحَدِّثُه عن رسول اللهِ وَّه، وهو يقول: ماذا تقول يا أبا سعيد؟ قال زيد: صدق رسول الله وَل﴾، وإنما أراد فرس الغازي، فأما ما حبستَ لطلب نسلها، ففيها الصدقة، فقال: كم؟ فقال: في كل فرس دينار أو عشرة دراهم، والمعنى فيه: أنه حيوان سائم في أغلب البلدان، فتجب فيه زكاة السائمة، كالإبل والبقر والغنم إلا أن الآثار فيها لم تشتهر لعِزَّة الخيل ذلك الوقت، وما كانت إلا مُعَدَّة للجهاد، انتهى. قال ابن الهمام(١): وعدم أخذه ◌ّ لأنه لم يكن في زمانه أصحاب الخيل السائمة من المسلمين، وأصحاب هذه إنما هم أهل المدائن والدشت والتراكمة، وإنما فتحت بلادهم في زمن عمر وعثمان، ولعل ملحظهم في خصوص تقدير الواجب ما روي عن جابر من قوله : ((في كل فرس دينار)) كما ذكره في ((الإمام)) عن الدارقطني بناءً على أنه صحيح في نفس الأمر، ولو لم يكن صحيحاً على طريقة المحدثين، إذ لا يلزم من عدم الصحة على طريقهم، إلا عدمهما ظاهراً دون نفس الأمر على أن الفحص عن مأخذهم لا يلزمنا، إذ يكفي العلم بما اتفقوا عليه من ذلك، انتهى. قلت: حديث جابر هذا ضعَّفه المحدثون، قال الزيلعي: أخرجه الدارقطني ثم البيهقي في ((سننهما)) عن الليث بن حماد الإصطخري ثنا أبو يوسف عن غورك بن الخضرم أبي عبد الله عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: قال رسول الله وَل﴾: ((في الخيل السائمة في كل فرس دينار))، قال الدارقطني: تفرد به غورك وهو ضعيف جداً، ومن دونه ضعفاء، انتهى. وما أورد عليه البيهقي وابن القطان أجاب عنه العيني وغيره أصحاب المطولات، والأوجه عندي في الجواب أن كلامهم باعتبار السند المذكور، (١) ((فتح القدير)) (١٣٩/٢). ...- ١٧٩ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٣) باب (٦٧٦) حديث والظاهر أن له طرقاً، فإنهم ذكروه من طريق غورك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر كما رأيته، وحكاه السرخسي كما تقدم قريباً بطريق ابن الزبير عن جابر، وحكاه الجصاص في ((أحكام القرآن)) بطريق آخر. فقال: وروى عروة السعدي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي ◌ُّ: ((في الخيل السائمة في کل فرس دینار))، انتهى. وأما العسل فقال الجصاص في ((أحكام القرآن)): اختلف في زكاة العسل، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والأوزاعي: إذا كان في أرض العشر ففيه العشر، وقال مالك والثوري والحسن بن صالح والشافعي: لا شيء فيه، وروي عن عمر بن عبد العزيز مثله، وروي عنه الرجوع عن ذلك، وأنه أخذ منه العشر حین کشف عن ذلك، وثبت عنده ما روي فیه، انتهى. وقال العيني في ((البناية)): وهو أي العشر مرويٌّ عن عمر بن عبد العزيز والأوزاعي والزهري وربيعة ومكحول ويحيى بن سعيد وابن وهب من المالكية وسلمان بن موسى الفقيه الأحدب الدمشقي وإسحاق وأبي عبيد وأحمد، انتھی . قلت: وبه صرح في فروع الحنابلة من ((النيل)) وغيره، وفي ((الروض المربع))(١): قال الإمام: أذهب إلى أن في العسل زكاة العشر، قد أخذ عمر - رضي الله عنه - منهم الزكاة، انتهى. وحكاه في ((البحر)) عن ابن عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وأحد قولي الشافعي، كذا في ((البذل))(٢). وفي ((المرقاة)(٣): به قال أبو حنيفة والشافعي في القديم وأحمد، والشافعي في الجديد: لا عشر فيه، وعليه مالك، انتهى. ! (١) (٣٧٨/١). (٢) انظر: ((بذل المجهود)) (١١٠/٨). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٥٥/٤). ١٨٠