النص المفهرس

صفحات 141-160

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٠) باب
(٦٧١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ بَاعَ أَصْلَ حَائِطِهِ، أَوْ أَرْضَهُ، وَفِي ذُلِكَ زَرْعٌ
أَوْ تَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلاحُهُ، فَزَكَاةُ ذُلِكَ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ طَابَ
وَحَلَّ بَيْعُهُ، فَزَكَاةُ ذُلِكَ عَلَى الْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُبْتَاعِ.
قوله: ﴿حَصَادِهِ﴾ يجب عوده إلى أقرب المذكورات وذلك هو الزيتون
والرمان، فوجب أن يكون الضمير عائداً إليه، انتهى.
وقال أيضاً: إذا كان ذلك الحق هو الزكاة، وجب القول بوجوب الزكاة
في القليل والكثير.
(قال مالك: ومن باع أصل حائطه) أي بستانه (أو أرضه) بالنصب (وفي
ذلك) أي الأرض (زرع أو ثمر لم يَبْدُ) بفتح أوله ببناء المعلوم من البدو
(صلاحه) أي لم يأت وجوب الزكاة فإنها تجب عند الصلاح (فزكاة ذلك على
المبتاع) أي المشتري، لأن الثمرة كانت على ملكه حين تعلق الزكاة بها، (وإن
كان) الثمر (قد طاب) عند البائع (وحلّ بيعه) أي دخل وقت حل البيع عند
البائع، وهذا أوان وجوب الزكاة (فزكاة ذلك الثمر أو الزرع على البائع) لأنه
كان في ملك البائع وقت وجوب الزكاة (إلا أن يشترط البائع) الزكاة (على
المبتاع) أي المشتري.
وفي ((الشرح الكبير))(١): والزكاة واجبة على البائع بعد الإفراك والطيب،
ويجوز اشتراطها على المشتري، انتهى. قال العيني في ((شرح البخاري))(٢):
واختلف العلماء في هذه المسألة، فقال مالك: من باع حائطه أو أرضه، وفي
ذلك زرع أو تمر قد بدا صلاحه، وحل بيعه، فزكاة ذلك التمر على البائع، إلا
أن يشترطها على المبتاع، وقال أبو حنيفة: المشتري بالخيار بين إنفاذ البيع
ورده، والعشر مأخوذ من التمرة، لأن سنة الساعي أن يأخذها من كل ثمرة
(١) (٤٥١/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥٤٠/٦).
١٤١

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٠) باب
(٦٧١) حديث
يجدها، فوجب الرجوع على البائع بقدر ذلك، كالعيب الذي يرجع بقيمته .
وقال الشافعي في أحد قوليه: إن البيع فاسد، لأنه باع ما يملك وما لا
يملك وهو نصيب المساكين، ففسدت الصفقة، واتفق مالك وأبو حنيفة
والشافعي أنه إذا باع أصل الثمرة وفيها ثمر لم يبد صلاحه، إن البيع جائز،
والزكاة على المشتري، لقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وأما الذي
ورد فيه النهي عن البيع، حتى يبدو الصلاح هو بيع الثمرة دون الأصل، لأنه
يخشى عليه العامة، ويجوز البيع من الثمرة التي وجبت زكاتها قبل أدائها،
ويتعين حينئذ أن يؤدي الزكاة من غيرها، خلافاً لمن أفسد البيع.
وعن مالك: الزكاة على البائع إلا أن يشترط على المشتري، وبه قال
الليث، وعن أحمد: على البائع مطلقاً، وبه قال الثوري والأوزاعي، انتهى.
وقال الموفق(١): يجوز التصرف في النصاب الذي وجبت فيه الزكاة بالبيع
والهبة وأنواع التصرفات، وليس للساعي فسخ البيع، وقال الشافعي: في صحة
البيع، قولان أحدهما: لا يصح، لأننا إن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين فقد باع
ما لا يملكه، وإن قلنا: تتعلق بالذمة فقدرُ الزكاة مرتهن بها، وبيع الرهن غير
جائز، ولنا: ((أن النبي ◌ّ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها))، ومفهومه
صحة بيعها إذا بدا صلاحها، انتهى.
وقال(٢) أيضاً: يصح تصرف المالك في النصاب قبل الخرص وبعده
بالبيع والهبة وغيرهما، فإن باعه أو وهبه بعد صلاحه فالصدقة على البائع
والواهب، وبهذا قال الحسن ومالك والثوري والأوزاعي، وبهذا قال الليث،
إلا أن يشترطها على المبتاع، وإنما وجبت على البائع، لأنها كانت واجبة عليه
(١) ((المغني)) (١٣٨/٤).
(٢) (٤ /١٧١).
١٤٢
.-------

١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
(٢١) باب ما لا زكاة فيه من الثمار
٤٦/٦٧٢ - قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ مَا يَجُدُّ مِنْهُ
أَرْبَعَةَ أَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ ،
٠٠٠
قبل البيع فبقي على ما كان، وعليه إخراج الزكاة من جنس المبيع والموهوب،
وعن أحمد أنه مخيّرٌ بين أن يخرج ثمراً أو من الثمن.
قال القاضي: الصحيح أن عليه عشر الثمرة، فإنه لا يجوز إخراج القيمة
على الصحيح من المذهب، ويتخرج أن تجب على المشتري على قول من
قال: إنها تجب يوم حصاده، لأن الوجوب تعلق في ملك المشتري، ولو
اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، ثم بدا صلاحها في يد المشتري على وجه
صحيح، فهو على المشتري، انتهى.
(٢١) ما لا زكاة فيه من الثمار
الغرض منه كما يظهر من ملاحظة ما ذكر فيه بيان ما لا يجب فيه
الصدقة، لعدم بلوغها إلى النصاب، أعم من أن يكون ثمراً أو زرعاً، وذكر فيه
أيضاً ما لا يجب فيه الزكاة منفرداً، لعدم بلوغه إلى النصاب، ويجب مع
الاجتماع بالنوع الآخر كالقطنية .
٣٦/٦٧٢ - (قال مالك: إن الرجل إذا كان له ما يَجُدُّ) بضم الجيم والدال
المهملة في الهندية والمعجمة في المصرية، أي يصرم ويقطع، قال المجد: في
الذال المعجمة الجذ الإسراع والقطع المستأصل، وقال في الدال المهملة من
جملة معان: والقطع وصرام النخل كالجداد، قاله الزرقاني(١)، قلت: هذا وما
يأتي من الأفعال كلها يحتمل بناء المعلوم والمجهول.
(منه أربعة أوسق) بالنصب على المفعولية ويحتمل الرفع (من التمر) بيان
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٣٢/٢).
١٤٣

----- -
١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
وَمَا يَقْطِفُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقِ مِنَ الزَّبِيبِ، وَمَا يَحْصُدُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقِ
مِنَ الْحِنْطَةِ، وَمَا يَحْصُدُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقِ مِنَ الْقُطْنِيَّةِ؛ إِنَّهُ لا يُجْمَعُ
عَلَيْهِ بَعْضُ ذُلِكَ إِلَى بَعْضٍ، وَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي شَيءٍ مِنْ ذُلِكَ زَكَاةٌ،
حَتَّى يَكُونَ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنَ التَّمْرِ، أَوْ فِي الزَّبِيبِ، أَوْ فِي
الْحِنْطَةِ، أَوْ فِي الْقُطْنِيَّةِ، مَا يَبْلُغُ الصِّنْفُ الْوَاحِدُ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ،
بِصَاعِ النَّبِيِّ ◌َ﴿. كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَّ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ
أَوْسُقَ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ)) .
وَإِنْ كَانَ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الأَصْنَافِ مَا يَبْلُغُ خَمْسَةً
أَوْسُقِ،
لما (وما يقطف) بكسر الطاء وضمها يقطع، قاله الزرقاني(١)، (منه أربعة أوسق
من الزبيب، وما يحصد منه أربعة أوسق من الحنطة، وما يحصد منه أربعة أوسق
من القطنية) بكسر القاف وضمها، سيأتي معناها .
(إنه لا يُجْمعُ) ببناء المجهول (عليه) أي على الرجل (بعض ذلك) المذكور من
الأصناف الأربعة (إلى بعض) آخر لاختلاف الجنس والمقصود (وإنه ليس عليه) أي
على الرجل (في شيء من ذلك زكاة، حتى تكون (٢) في الصنف الواحد) من الأصناف
المذكورة (من التمر، أو في الزبيب، أو في الحنطة، أو في القطنية، ما يبلغ الصنف
الواحد منه خمسة أوسق) والوسق: ستون صاعاً (بصاع النبي ◌ِّ) وذلك يعني اشتراط
بلوغ النصاب (كما قال رسول الله وَلي) وتقدم مسنداً في أول الكتاب (ليس فيما دون
خمسة أوسق من التمر صدقة) فلا بد إذاً من إيجاب الصدقة لبلوغها خمسة أوسق.
(قال) أي مالك، وذكر خلاصة الكلام بطريق الإجمال فقال: (وإن كان
في الصنف الواحد من تلك الأصناف ما يبلغ خمسة أوسق) أي يبلغ مقدار
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٣٢/٢).
(٢) هكذا في نسخة ((ز)).
١٤٤

١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
فَفِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَوْسُقِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَتَفْسِيرُ ذُلِكَ أَنْ يَجْذَّ الرَّجُلُ مِنَ التَّمْرِ خَمْسَةَ أَوْسُقِ وَإِنّْ
اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ وَأَلْوَانُهُ، فَإِنَّهُ يُجْمَعُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْ
ذُلِكَ الزَّكَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذُلِكَ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
النصاب (ففيه الزكاة، فإن لم يبلغ خمسة أوسق فلا زكاة فيه).
والحاصل أن من كان له أقل من نصاب من تمر وزبيب وحنطة وقطنية،
بحيث لا يكون كل واحد منها نصاباً، لكن يتم النصاب بضمّ بعضها إلى بعض،
فلا يضم نوع منها إلى الآخر، ليكمل النصاب بذلك، لأن هذه الأصناف مختلفة.
واستدل لذلك بقوله وَل﴾، ووجه الاستدلال أن من كان عنده خمسة أوسق
مثلاً من مجموع التمر والزبيب، فليس عنده خمسة أوسق من التمر، وأدار في
الحديث الزكاة على خمسة أوسق من التمر.
(قال مالك: وتفسير ذلك) ذكر المسألة المتقدمة ببعض الإيضاح تبياناً لها
(أن يجد) بالمهملة أو المعجمة نسختان مثل ما تقدم (الرجل) أي يقطع (من
التمر) بالمثناة الفوقية (خمسة أوسق) فيجب فيها الزكاة (وإن اختلفت أسماؤه)
وأنواعه كَبَرْنِي وصيحَاني(١) (وألوانه) يكون بعضها أسود وبعضها أحمر (فإنه
يَجْمعُ بعضه إلى بعض، ثم تؤخذ) ببناء المجهول (من ذلك) المجموع (الزكاة)
البلوغها النصاب (فإن لم يبلغ ذلك) أي لم يبلغ النصاب (فلا زكاة فيه)
والحاصل: أن التمر إذا كان مختلف الأنواع يُجْمع بعضُها إلى بعضٍ كالبُخْتِ
والعراب(٢) في الماشية(٣).
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٣٣/٢).
(٢) (البخت): هي إبل خراسان ذات سنامين، كما في ((الشرح الصغير)) (١٠٧/٢). قال
الصاوي: قوله: (بخت) هي إبل ضخمة مائلة للقصر، لها سنامان أحدهما خلف الآخر
(العراب) بكسر العين وإنما ضمت البخت للعراب؛ لأنهما صنفان مندرجان تحت نوع الإبل.
(٣) انظر: ((المنتقى)) (١٦٦/٢).
١٤٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
وَكَذْلِكَ الْحِنْطَةُ كُلُّهَا، السَّمْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ، كُلُّ
ذْلِكَ صِنْفٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا حَصَدَ الرَّجُلُ مِنْ ذُلِكَ كُلِّهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ،
جُمِعَ عَلَيْهِ بَعْضُ ذُلِكَ إِلَى بَعْضٍ، وَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ
ذُلِكَ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ .
(قال مالك: وكذلك) أي كما تقدم في التمر كذلك (الحنطة كلها) يجمع
بعض أنواعها إلى بعض، ثم ذكر بعض أنواعها، فقال: (السمراء) تأنيث
أسمر، سميت به لسمرتها (والبيضاء) تأنيث الأبيض، سُمِّيَتْ به لبياضها
(والشعير والسلت) تقدم معناهما (ذلك كله) وفي النسخ المصرية: كل ذلك
(صنف واحد، فإذا حصد الرجل من ذلك كله) أي الأنواع المختلفة المذكورة
(خمسة أوسق، جمع عليه بعض ذلك إلى بعض، ووجبت فيه الزكاة، فإن لم
یبلغ ذلك فلا زكاة فيه) .
قال الدردير(١): وتضم القطاني كأصناف التمر والزبيب، لأنها جنس
واحد في الزكاة، فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق زكّاه، وأخرج من كل
بحسبه ويجزئ إخراج الأعلى منها، أو المساوي عن الأدنى، أو المساوي لا
الأدنى عن الأعلى، كضم قمح وشعير وسلت بعضها لبعض، لأنها جنس
واحد، انتهى.
قال الباجي(٢): الحنطة تجمع أنواعها كلها، كما تجمع أنواع التمر،
فتجمع البيضاء إلى السمراء، فإذا بلغت النصاب ففيها الزكاة، وهذا لا خلاف
فيه، وكذلك يجمع إلى الحنطة الشعير والسلت، لا يختلف مالك وأصحابه في
ذلك، وبه قال الحسن وطاووس والزهري وعكرمة، ومنع من ذلك أبو حنيفة
والشافعي، وقالا: إن الشعير والسلت كل واحد منهما جنس منفرد غير الحنطة
لا تجمع في الزكاة، انتهى.
(١) ((الشرح الصغير)) (١٢٤/٢).
(٢) ((المنتقى)) (١٦٧/٢).
١٤٦

١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
قال الزرقاني(١): قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأبو ثور: لا تضم كل
حبة عرفت باسم منفرد دون صاحبتها، وهي خلافها في الخلقة والطعم إلى
غيرها، قال الباجي: ولا يتّجه بيننا في هذا وبين أبي حنيفة - رضي الله عنه -
خلاف في الحكم، وإنما يتّجه في التسمية خاصة، لأنه لا يراعى النصاب في
الحبوب، فهو يزكي القليل والكثير من هذه الأجناس.
قال أبو محمد: إن هذه المسألة مبنية عندنا على تحريم التفاضل فيها،
وهذا فيه نظر، لأنه يحرم التفاضل في أشياء وليست بجنس واحد في الزكاة،
وقد صرح مالك: أن القطاني في البيوع أجناس مختلفة. وهي عنده في الزكاة
جنس واحد، وقد عول أصحابنا في هذه المسألة على فصلين من جهة المعنى:
أحدهما: أن هذه الأشياء أي الحنطة والشعير والسلت لا ينفكّ بعضها عن
بعض في المنبت والمحصد، فكانت جنساً واحداً، والثاني: أن منافع هذه
الأصناف الثلاثة متقاربة، ومقاصدها متساوية، فحكم لها بأنها جنس واحد.
قال الباجي: والأظهر عندي في تعليل ذلك تشابه الحنطة والسلت في
الصورة والمنفعة، وهما أقرب تشابهاً من الحنطة والعلس(٢)، وقد سلم لنا
المخالف العلس فيلزمه تسليم السلت. وإذا سلم السلت لحق به الشعير،
انتھی .
قال ابن رشد (٣): إنهم أجمعوا على أن الصنف الواحد من الحبوب
والثمر يجمع جيده إلى رديئه، تؤخذ الزكاة عن جميعه بحسب قدر كل واحد
منها أعني من الجيد الجيدَ.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٣٣/٢).
(٢) العلس: هو ضرب من البرّ.
(٣) ((بداية المجتهد)) (٢٦٦/١).
١٤٧

١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
واختلفوا في ضم القطاني بعضها إلى بعض، وفي ضم الحنطة والشعير
والسلت، فقال مالك: القطنية كلها صنف واحد، والحنطة والشعير والسلت
أيضاً، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجماعة: القطاني كلها أصناف كثيرة
بحسب أسمائها، ولا يضم منها شيء إلى غيره، وكذلك الشعير والسلت
والحنطة عندهم أصناف ثلاثة، لا يضم واحد منها إلى الآخر.
وسبب الخلاف هل المراعاة في الصنف الواحد هو اتفاق المنافع أو
اتفاق الأسماء؟، فمن قال: اتفاق الأسماء قال: كلما اختلفت أسماؤها فهي
أصناف كثيرة، ومن قال: اتفاق المنافع قال: كلما اتفقت منافعها فهي صنف
واحد .
وإن اختلفت أسماؤها، فكل واحد منهما يروم أن يقرر قاعدته باستقرار
الشرع، أعني أحدهما يحتجُّ لمذهبه بالأشياء التي اعتبر الشرع فيها الأسماء
والآخر بالأشياء التي اعتبر الشرع فيها المنافع، وتشبه أن يكون شهادة الشرع
للأسماء في الزكاة أكثر من شهادته للمنافع، وإن كان كلا الاعتبارين موجوداً
في الشرع، انتهى.
وقال الخرقي: تضم الحنطة إلى الشعير، وتُزَكَّى إذا كانت خمسة أوسق،
وكذلك القطنيات، وكذلك الذهب والفضة، قال الموفق(١): وعن أبي عبد الله
رواية أخرى: أنها لا تضم وتخرج من كل صنف إن كان مُنْصِباً للزكاة، ولا
خلاف بين العلماء في غير الحبوب والثمار أنه لا يضم إلى جنس آخر في
تكميل النصاب، فالماشية ثلاثة أجناس: الإبل، والبقر، والغنم، لا يضم جنس
منها إلى جنسٍ آخر، والثمار لا يضم جنس إلى غيره، فلا يضم التمر إلى
الزبيب ولا إلى اللوز، ولا تضم الأثمار إلى شيء من السائمة، ولا من
(١) («المغني)) (٢٠٣/٤).
١٤٨

١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
الحبوب والثمار، ولا خلاف بينهم أن أنواع الأجناس يضم بعضها إلى بعض
في إكمال النصاب.
ولا خلاف بينهم أيضاً في أن العروض تضم إلى الأثمان، وتضم الأثمان
إليها، إلا أن الشافعي لا يضمها إلا إلى جنس ما اشتريت به، لأن نصابها
معتبر به، واختلفوا في ضم الحبوب بعضها إلى بعض وفي ضم أحد النقدين
إلى الآخر، فروي عن أحمد في الحبوب ثلاث روايات:
إحداهن: لا يضم جنس منها إلى غيره، ويعتبر النصاب في كل جنس
منها منفرداً، وهذا قول عطاء ومكحول وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري،
والحسن بن صالح والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وأصحاب الرأي، لأنها
أجناس، فاعتبر النصاب في كل جنس منها منفرداً، كالثمار أيضاً والمواشي.
والرواية الثانية: أن الحبوب كلها تضم بعضها إلى بعض في تكميل
النصاب، اختارها أبو بكر، وهذا قول عكرمة، وحكاه ابن المنذر عن
طاووس، وقال أبو عبيد: لا نعلم أحداً من الماضيين جمع بينهما إلا عكرمة،
وذلك لأن النبي ◌َّ﴾ قال: ((لا زكاة في حب ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق))،
ومفهومه وجوب الزكاة فيه إذا بلغ خمسة أوسق، وهذا الدليل منتقض بالثمار.
والثالثة: أن الحنطة تضم إلى الشعير، وتضم القطنيات بعضها إلى بعض،
نقلها أبو الحارث عن أحمد، وحكاها الخرقي، قال القاضي: هذا هو
الصحيح، وهو مذهب مالك والليث، إلا أنه زاد فقال: السلت والذرة والدخن
والأرُزُّ والقمح والشعير صنف واحد، وقال الحسن والزهري: تضم الحنطة إلى
الشعير، لأنها تتفق في الاقتيات والمنبت والحصاد، فوجب ضمها كما يضم
العلس إلى الحنطة، والرواية الأولى أولى إن شاء الله، لأنها أجناس يجوز
التفاضل فيها، فلم يضم بعضها إلى بعض كالثمار.
ولا خلاف نعلمه في ضم الحنطة إلى العلس، لأنه نوع منها، وعلى
١٤٩

------ -
١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
وَكَذْلِكَ الزَّبِيبُ كُلُّهُ، أَسْوَدُهُ وَأَحْمَرُهُ، فَإِذَا قَطَفَ الرَّجُلُ مِنْهُ
خَمْسَةَ أَوْسُقِ، وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَكَذْلِكَ الْقُطْنِيَّةُ وَهِيَ صِنْفٌ وَاحِدٌ،
قياسه السلت يضم إلى الشعير، لأنه منه، وأما البزور فلا تضم إلى القطنيات،
ولكن الأبازير يضم بعضها إلى بعض، ويضم زرع العام الواحد بعضه إلى بعض
في تكميل النصاب سواء اتفق وقت زرعه وإدراكه، أو اختلف، ولو كان منه
صيفي وربيعي، ضُمَّ الصيفيُّ إلى الربيعي.
وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض، ولو أن الثمرة جذّت، ثم
أَطْلَعَتِ الأخرى وَجُذَّتْ، ضُمَّت إحداهما إلى الأخرى، فإن كان له نخل يحمل
في السنة حملين ضُمَّ أحدهما إلى الآخر، وقال القاضي: لا يضم، وهو قول
الشافعي، انتھی.
وفي الحاشية عن ((المحلى)): قالت الأئمة والجمهور: إنه لا يضم البر
إلى الشعير ولا عكسه، وقال الشافعي: إنما تضم الحنطة إلى الشعير والسلت
عند مالك وأصحابه، لأن سعد بن أبي وقاص لم يجز بيع البر بالشعير إلا مثلاً
بمثل، فعلم أنهما جنس واحد، ثم تُعقّب عليه بقوله ◌َله: ((بيعوا الحنطة
بالشعير كيف شئتم يداً بيد))، قال: ((والسلت غير الحنطة))، والتمر إلى الزبيب
أقرب من السلت إلى الحنطة، وأنتم لا تضمون أحدهما إلى الآخر، انتهى.
وذكر في ((شرح الإحياء)): أن الحنطة لا تضم إلى الشعير، وفي السلت
ثلاثة أوجه عند الشافعية: أصحها، وهو نصه في ((البويطي)): أنه أصل بنفسه لا
يضم إلى غيره، والثاني: يضم إلى الحنطة، والثالث إلى الشعير، انتهى.
(قال مالك: وكذلك الزبيب كله) بجميع أنواعه (أسوده وأحمره) سواء
(فإذا قطف الرجل منه خمسة أوسق، وجبت فيه الزكاة، فإن لم يبلغ ذلك) أي
النصاب (فلا زكاة فيه)
(قال مالك: وكذلك القطنية) بجميع أنواعها (هي صنف واحد) في حكم
١٥٠
--- -
-

١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
مِثْلُ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهَا وَأَلْوَانُهَا.
وَالْقُطْنِيَّةُ: الْحِمَّصُ
الزكاة، فيجمع بعضها إلى بعض (مثل الحنطة والتمر والزبيب) فإن كل واحد
منها بجميع أنواعها صنف واحد. (وإن اختلفت أسماؤها) أي أسماء القطنية
(وألوانها) أي أجناسها، ثم بين المصنف مصداق القطنية، فقال: (والقِطْنِئة)
بكسر القاف وضمها لغة، قاله الزرقاني.
وفي ((التعليق الممجد))(١): بكسر القاف وسكون الطاء فنون فتحتية
مشددة، كالعدس والحمص واللوبيا، وفي ((التهذيب)): اسم جامع للحبوب التي
تطبخ، كالعدس والباقلا واللوبيا والحمص والأرز والسمسم وغير ذلك، كذا
في ((شرح القاري))، انتهى.
وقال الموفق (٢): القطنيات بكسر القاف جمع قطنية، ويجمع أيضاً
قطاني، قال أبو عبيد: هي صنوف الحبوب من العدس والحمص والأرز
والجلبان والجلجان - يعني السمسم - وزاد غيره: الدخن واللوبيا والفول
والماش، وسميت قطنية، فِعْلِيَّة، من قطن يقطن في البيت، أي يمكث فيه،
انتهى .
قال المجد: القطنية بالضم وبالكسر، النبات وحبوب الأرض، أو ما
سوى الحنطة والشعير والزبيب والتمر، أو هي الحبوب التي تطبخ، جمعه
القطاني، أو هي الخِلْفُ وخُضَرُ الصيف، انتهى. وفي ((المجمع)): بالكسر
والتشديد واحدة القطاني، كالعدس والحمص واللوبيا ونحوها، انتهى.
(الحمص) بكسر الحاء المهملة وشد الميم، مكسورة عند البصريين،
مفتوحة عند الكوفيين، قاله الزرقاني، واكتفى صاحب ((المحيط)) على فتح الميم
(١) (١٤٤/٢).
(٢) ((المغني)) (٢٠٣/٤).
١٥١

١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
وَالْعَدَسُ وَاللُّبِيَا وَالْجُلْبَانُ، وَكُلُّ مَا ثَبَتَ مَعْرِفَتُهُ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ
قُطْنِيَّةٌ، فَإِذَا حَصَدَ الرَّجُلُ مِنْ ذُلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقِ بِالصَّاعِ الأَوَّلِ،
صَاعِ النَّبِيِّ نَّهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْنَافِ الْقُطْنِيَّةِ كُلِّهَا، لَيْسَ مِّنْ صِنْفٍ
وَاحِدٍ مِنَ الْقُطْنِيَّةِ، فَإِنَّهُ يُجْمَعُ ذُلِكَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، وَعَلَيْهِ فِيهِ
الزَّكَاةُ .
المشددة آخره صاد مهملة (والعدس واللوبيا والجلبان) تقدم معنى الثلاثة، ذكر
المصنف أربعة أصناف من القطاني نصاً، وأشار إلى الباقي بقوله: (وكل ما
ثبت معرفته) وليس في النسخ المصرية لفظ معرفته (عند الناس أنه قطنية) ودخل
فيه الفول والبسيلة والترمس على ما ذكره الزرقاني، وعَدَّ هذه السبعة الدسوقي
تحت قول الدردير: والقطاني السبعة، قال الزرقاني: وليس منها الكرسنة على
المذهب.
(فإذا حصد الرجل من ذلك) أي مما ذكر من الأنواع المختلفة (خمسة
أوسق بالصاع الأول) والمراد منه (صاع النبي ◌َّ) لا الأصوع الحادثة (وإن
كان) المحصود (من أصناف القطنية) المختلفة (كلها ليس من صنف واحد من
القطنية، فإنه يجمع) ببناء المجهول (ذلك بعضه إلى بعض) بدل من ذلك (وعليه
فيه الزكاة) .
وقال الباجي(١): وقد اختلف قول مالك في القطاني في البيوع، فمرة
قال: إنها صنف واحد، ومرة قال: هي أصناف مختلفة، واختلف أصحابنا في
الزكاة، فمنهم من قال: هي رواية أخرى في الزكاة، ومنهم من قال: هي
الزكاة صنف واحد دون خلاف، وهي في البيوع على روايتين، وهذا الظاهر
من ((الموطأ)) لما يأتي بعد هذا. قال الباجي: والأظهر عندي أن يكون كل
صنف منها صنفاً منفرداً لا يضاف إلى غيره في الزكاة والبيوع، لأنا إن عللنا
(١) ((المنتقى)) (١٦٨/٢).
١٥٢

١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ فَرَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَ الْقُطْنِيَّةِ وَالْحِنْطَةِ،
فِيمَا أُخِذَ مِنَ النَّبَطِ، وَرَأَى أَنَّ الْقُطْنِبَّةَ كُلَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ، فَأَخَذَ مِنْهَا
الْعُشْرَ، وَأَخَذَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ نِصْفَ الْعُشْرِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يُجْمَعُ الْقُطْنِيَّةُ بَعْضُهَا إِلَى
بَعْضِ فِي الزَّكَاةِ
الجنس بانفصال الحبوب بعضها من بعض، اطرّد ذلك فيها وانعكس وصح،
وإن عللنا باختلاف الصور والمنافع صح، انتهى.
(قال مالك) في الاستدلال على مختاره: (وقد فرق عمر بن الخطاب) كما
سيأتي موصولاً في عشور أهل الذمة (بين القطنية والحنطة، فيما أخذ من النبط)
بفتح النون والموحدة النصارى التجار لما قدموا المدينة بالتجارة (ورأى أن
القطنية كلها صنف واحد، فأخذ منها العشر، وأخذ من الحنطة والزبيب نصف
العشر) ليكثر الحمل إلى المدينة.
قال الباجي(١): استدل مالك - رحمه الله - في الفرق بين القطنية
والحنطة، بأن عمر بن الخطاب خفَّف عن النبط فيما كان يأخذه منهم من
الحنطة لما كانت الحاجة إليها آكد من سائر الأقوات، والقطاني التي هي
للأدم، وكان يأخذ من القطاني العشر كاملاً، فعلم بذلك اختلافهما في المنافع
والمقاصد، ولو كانت الحاجة إليها سواء والمنافع بها متفقة، لكانت الرغبة في
كثرة جلبها إلى المدينة سواء.
ولا يدخل عليه ذلك في الزبيب والحنطة، فإنه أخذ منهما جميعاً نصف
العشر لتأكد الحاجة إليهما، ولم يدل ذلك على أنهما من جنس واحد، وقد
يحتاج إلى الجنسين حاجة متساوية مع اختلاف منافعهما، إلا أنه في الجنس
الواحد الذي تتفق منافعه وتتساوى، انتهى.
(قال مالك: فإن قال قائل: كيف يجمع القطنية بعضها إلى بعض في الزكاة
(١) ((المنتقى)) (١٦٩/٢).
١٥٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
حَتَّى تَكُونَ صَدَقَتُهَا وَاحِدَةً، وَالرَّجُلُ يَأْخُذُ مِنْهَا اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ يَداً بِيَدِ،
ولا يُؤْخَذُ مِنَ الْحِنْطَةِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَداً بِيَدِ؟ قِيلَ لَهُ: فَإِنَّ الذَّهَبَ
وَالْوَرِقَ يُجْمَعَانِ فِي الصَّدَقَةِ. وَقَدْ يُؤْخَذُ بِالدِّينَارِ أَضْعَافُهُ فِي الْعَدَدِ
مِنَ الْوَرِقِ يَداً بِيَدٍ.
قَالَ مَالِكٌ فِي النَّخِيلِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَيَجُدَّانِ مِنْهَا
حتى تكون صدقتها واحدة) فإن ذلك دليل على اتحاد أجناسها (والرجل يأخذ)
أي يشتري (منها) أي من القطاني (اثنين بواحد) وجواز التفاضل دليل على
اختلاف الجنس (يداً بيد) أي مناجزة (ولا يؤخذ من الحنطة اثنان بواحد يداً بيد)
لاتحاد جنسهما، وهذا نظير؛ لأن جواز التفاضل في القطاني يدل على اختلاف
أجناس القطاني.
(قيل له) في الجواب لا تلازم بين البابين (فإن الذهب والورق يجمعان في
الصدقة، وقد يؤخذ بالدينار أضعافه في العدد من الورق يداً بيد) فليس جواز
التفاضل في البيع دليلاً على عدم الضم في الزكاة.
قال الباجي(١): وهذا كما قال المصنف، وكذلك قال أصحابنا: إنه لم
يختلف قوله في الزكاة أن القطاني صنف واحد يضاف بعضها إلى بعض في
الزكاة، وأنها مع ذلك في البيوع أصناف يجوز التفاضل فيها ففرق بينها،
فالمتفق عليه من مذهب مالك، أن الورق يجمع إلى الذهب في الزكاة، وهي
في البيوع صنفان يجوز التفاضل فيهما، فعلى هذا يجوز أن يجمع في الزكاة ما
يجوز التفاضل فيه، وأما ما يحرم التفاضل فيه، فيجب أن يجمع في الزكاة،
انتھی .
(قال مالك في النخيل تكون) مشتركاً (بين الرجلين) أو أكثر (فيجدان منها)
أي النخيل، والفعل في المواضع الأربعة من هذا القول بالدال المهملة في
(١) ((المنتقى)) (١٦٩/٢).
١٥٤
---

١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
ثَمَانِيَةَ أَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ: إِنَّهُ لا صَدَقَةَ عَلَيْهِمَا فِيهَا، وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ
لأَحَدِهِمَا مِنْهَا مَا يَجُذُّ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقِ، وَللآخَرِ مَا يَجُذَّ أَرْبَعَةَ
أَوْسُقِ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذُلِكَ، فِي أَرْضِ وَاحِدَةٍ، كَانَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى
صَاحِبِ الْخَمْسَةِ الأَوْسُقِ وَلَيْسَ عَلَىَّ الَّذِي جَذَّ أَرْبَعَةَ أَوْسُقِ أَوْ أَقَلَّ
مِنْهَا، صَدَقَةٌ. وَكَذْلِكَ الْعَمَلُ فِي الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ، فِي كُلِّ زَرْعٍ مِنَ
الْحُبُوبِ كُلِّهَا يُحْصَدُ، أَوِ النَّحْلُ يُجَدُّ، أَوِ الْكَرْمُ يُقْطَفُ، فَإِنَّهُ إِذَا
كَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَجُدُّ مِنَ النَّهْرِ، أَوْ يَقْطِفُ مِنَ الزَّبِيبِ، خَمْسَةً
أَوْسُقٍ، أَوْ يَحْصُدُ مِنَ الْحِنْطَةِ .
الهندية والمعجمة في المصرية (ثمانية أوسق) مثلاً (من التمر) على السواء: (إنه
لا صدقة عليهما فيها) لنقص كلٍ عن النصاب (وإنه إن كان لأحدهما منهما ما
يجد منه خمسة أوسق) أي مقدار النصاب (وللآخر ما يجد منه أربعة أوسق) أي
أقل من النصاب سواء كان أربعة أوسق (أو أقل من ذلك) أي الأربعة أو أكثر
منها، بشرط أن لا يبلغ خمسة أوسق (في أرض واحدة).
ولعل التقييد بالأرض الواحدة؛ لأنها إذا كانت في أرضين، فأولى أن لا
تجب على صاحب الأربعة الأوسق، (كانت الصدقة على صاحب الخمسة
الأوسق) لبلوغ ملكه النصاب (وليس على الذي جد أربعة أوسق أو أقل منها
صدقة) لأنه لم يبلغ ملكه النصاب، وهو خمسة أوسق.
(قال مالك: وكذلك العمل) أي مثل ما تقدم في النخيل كذلك الأمر (في
الشركاء كلهم في كل زرع من الحبوب) التي تجب فيها الزكاة (كلها) لا يختص
الحكم بنوع دون نوع (كلما يحصد) ببناء المجهول حال من زرع (أو نخل)
بالكسر عطف على زرع (يُجَذُّ) ببناء المجهول حال من النخل (أو كرم) بالكسر
(يقطف) أي زبيبه (فإنه إذا كان كل رجل منهم) أي من الشركاء (يجد) بالمهملة
والمعجمة كما تقدم نسختان على بناء الفاعل أي يقطع (من التمر، أو يقطف من
الزبيب خمسة) بالنصب على المفعولية (أوسق، أو يحصد من الحنطة) وغيرها من
١٥٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
خَمْسَةَ أَوْسُقِ، فَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ. وَمَنْ كَانَ حَقُّهُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ
أَوْسُقِ، فَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الصَّدَقَةُ عَلَى مَنْ بَلَغَ جُدَادُهُ أَوْ
قِطَاقُهُ أَوْ حَصَادُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقِ .
الحبوب التي فيها الزكاة (خمسة أوسق، فعليه فيه الزكاة) لبلوغ ملكه النصاب.
(ومن كان حقه) أي ملكه في الشركة (أقل من خمسة أوسق، فلا صدقة
عليه، وإنما تجب الصدقة على من بلغ جداده) بالمهملة أو المعجمة نسختان أي
قطعه من التمر (أو قطافه) من العنب (أو حصاده) من الحبوب، قال الراغب:
الجذ كسر الشيء وتفتيته.
وفي ((المجمع)) (١): جذاذ النخل بفتح جيم وكسرها دالاً وذالاً: القطع،
ومنه قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمُ جُذَادًا﴾ (٢)، والقطف: القطع وحان قطافها، قال
الأزهري: هو اسم وقت القطف، قال الراغب: أصل الحصد قطع الزرع،
وزَمَنُ الحَصَادِ، والحِصَادِ، كقولك: زمن الجَدَادِ والجِدَادِ (خمسة) بالنصب
على المفعولية لبلغ (أوسق) فالزكاة مبنية على أن من بلغ ملكه النصاب وجب
عليه الزكاة، ومن قصر ملكه عن النصاب فلا زكاة عليه، ولا ينظر إلى الجملة
والاشتراك إذا افترقت في الملك، كما لا ينظر إلى الافتراق إذا اجتمعت في
الملك .
فإذا جَدَّ رجلان ثمانية أوسق، فإن كانت بينهما على السواء، فلا زكاة على
واحد منهما، لأنه لم يجدَّ أحدهما خمسة أوسق، وهي النصاب، ولو كان
لأحدهما خمسة أوسق، وللآخر ثلاثة، لكانت الزكاة على صاحب الخمسة
أوسق عن الخمسة أوسق، ولا يجب على صاحب الثلاثة شيء، وإن كانت لرجل
خمسة أوسق يجدها في بلاد مختلفة متباعدة، لجمعت عليه، وأدى الزكاة عنها،
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣٣٥/١).
(٢) سورة الأنبياء: الآية ٥٨.
١٥٦

١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
قَالَ مَالِكٌّ: السُّنَّةُ عِنْدَنَا، أَنَّ كُلَّ مَا أُخْرِجَتْ زَكَاتُهُ مِنْ هَذِهِ
الأَصْنَافِ كُلِّهَا، الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْحُبُوبِ كُلَّهَا. ثُمَّ أَمْسَكَهُ
صَاحِبُهُ بَعْدَ أَنْ أَدَّى صَدَقَتَهُ سِنِينَ، ثُمَّ بَاعَهُ، أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ
زَكَاةٌ، حَتَّى يَحُولَ عَلَى ثَمَنِهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ بَاعَهُ،
فإنما الاعتبار في ذلك بالملك دون الاجتماع والافتراق، كذا في ((المنتقى))(١).
قال الزرقاني(٢): وبهذا قال الكوفيون وأحمد وأبو ثور، وحجتهم
حديث: ((ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر ... ))، وهو أصح ما في
الباب، وقال الشافعي(٣): الشركاء في الزرع والذهب والورق والماشية يُزَكُون
زكاة الواحد، واحتج بأن السلف كانوا يأخذون الزكاة من الحوائط الموقوفة
على جماعة، وليس في حصة كل واحد منهم ما تجب فيه الزكاة، وأجاب
ابن زرقون: بأن زكاة الحائط الموقوف على ملك الواقف وهو واحد، ولا
كذلك الشركاء، انتهى.
(قال مالك: والسنة عندنا أن كل ما أُخرجت) ببناء المجهول (زكاته من
هذه الأصناف) المذكورة قَبْلُ من الحبوب والثمار (كلها) تعميمٌ للأصناف، أي
جميع ما يجب فيه الزكاة، ثم بَيَّن الأصناف فقال: (التمر) بالجر بدل من
الأصناف أو بيان لها (والحنطة والزبيب والحبوب) بالجر عطف على الحنطة
(كلها) تعميمٌ للحبوب (ثم أمسكه صاحبه بعد أن أدى صدقته) أي أدى العشر أو
نصفه (سنين) ظرف لأمسكه (ثم باعه أنه) الضمير للشأن (ليس عليه في ثمنه
زكاة) لأنه أدى زكاة الأصل، وليست هذه الأموال بنفسها ناميةً، حتى تجب
عليها الزكاة في كل سنة (حتى يحول على ثمنه الحول من يوم باعه)
(١) (١٦٩/٢).
(٢) (١٣٥/٢).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٦٨/٩).
١٥٧

١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
إِذَا كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الأَصْنَافِ مِنْ فَائِدَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ
لِلتِّجَارَةِ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ وَالْحُبُوبِ وَالْعُرُوضِ، يُفِيدُهَا
الرَّجُلُ ثُمَّ يُمْسِكُهَا سِنِينَ، ثُمَّ يَبِيعُهَا بِذَهَبِ أَوْ وَرِقٍ، فَلا يَكُونُ عَلَيْهِ
فِي ثَمَنِهَا زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُّ مِنْ يَوْمَ بَاعَهَا. فَإِنْ كَانَ
أَصْلُ تِلْكَ الْعُرُوضِ لِلتِّجَارَةِ فَعَلَى صَاحِبِهَا فِيهَا الزَّكَاةُ حِينَ يَبِيعُهَا،
إِذَا كَانَ قَدْ حَبَسَهَا سَنَةً، مِنْ يَوْمَ زَتَّى الْمَالَ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ.
قال الباجي(١): أي حتى يحول عليه الحول بعد قبضه، لأنه لو باعه
وأقام المال غائباً عنه أعواماً قبل أن يقبضه لا يستأنف به حولاً، وإنما أطلق
اللفظ على غالب أحوال الناس في البيع، انتهى. قلت: ولا حاجة إلى قيد
القبض عند الحنفية، كما سيأتي في آخر الكلام.
(إذا كان أصل تلك الأصناف) من غير أموال التجارة أعم من أن يكون
(من فائدة أو غيرها) يعني لا فرق بين كون أصلها فائدة أو غيرها في أنه يستقبل
بثمنها (و) الحال (أنه لم يكن للتجارة وإنما ذلك بمنزلة الطعام والحبوب
والعروض يفيدها) أي يستفيدها (الرجل ثم يمسكها) سنة أو (سنين) بدون نية
التجارة (ثم يبيعها بذهب أو ورق، فلا يكون عليه في ثمنها زكاة حتى يحول
عليها الحول من يوم باعها) أي وقبض الثمن، كما تقدم في كلام الباجي.
ولما كان فيها قيد عدم التجارة ملحوظاً ذكره بقوله: (فإن كان أصل تلك
العروض للتجارة فعلى صاحبها فيها الزكاة حين يبيعها) وفي بعض النسخ
المصرية: حتى يبيعها (إذا كان قد حبسها سنة من يوم زكى المال الذي ابتاعها
به) وفي (الشرح الكبير)) (٢): إن وجبت زكاة في عينها زكى عينها بأن يخرج
العشر أو نصفه، ثم إذا باعها زكى الثمن لحول التزكية، أي لحول من يوم زكى
(١) ((المنتقى)) (١٦٩/٢).
(٢) (٤٦٦/١).
١٥٨
---- ---- -

١٩ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(٦٧٢) حديث
عينها، لكن يجب تخصيص قوله: ثم زكى الثمن بمسألة: من اكترى وزرع
للتجارة ليكون جارياً على الراجح من أن ما عداها يستقبل من قبض الثمن،
انتھی .
قلت: والحاصل: أن الحبوب وغيرها إن كانت للتجارة، فيعتبر في
الحول حول الذي ابتاعها به، بشرط أن لا يكون مديراً، بل يكون محتكراً
لما تقدم في موضعه من الفرق بين المحتكر والمدير، وأن المدير يُقوِّمُ ماله
كل سنة ويزكيه، وإن كانت هذه العروض لغير التجارة، فليستقبل بالحول من
يوم قبض الثمن، وعند الحنفية: لا عبرة بالقبض، بل يعتبر الحول من يوم
البيع .
ففي (الدر المختار)) (١): وتجب زكاتها إذا تم نصاباً وحال الحول
عند قبض أربعين درهماً من الدين القوي، كقرض وبدل مال تجارة، وعند
قبض مائتين منه لغيرها، أي من بدل مال لغير تجارة، وهو متوسط، كثمن
سائمة وعبيد خدمة ونحوهما، ويعتبر ما مضى من الحول قبل القبض في
الأصح.
قال ابن عابدين: في الأصح، أي في الدين المتوسط؛ لأن الخلاف فيه،
أما القوي فلا خلاف فيه؛ لما في ((المحيط)) من أنه تجب الزكاة فيه بحول
الأصل، لكن لا يلزمه الأداء حتى يقبض منه أربعين درهماً، وأما المتوسط ففيه
روايتان، في رواية الأصل تجب الزكاة فيه ولا يلزمه الأداء حتى يقبض مائتي
درهم فيزكيها، وفي رواية ابن سماعة عن أبي حنيفة: لا زكاة فيه حتى يقبض،
ويحول عليه الحول، انتهى.
(١) (٢٨١/٣).
١٥٩

١٩ - كتاب الزكاة
(٢٢) باب
(٢٢) باب ما لا زكاة فيه من الفواكه والقضب والبقول
(٢٢) ما لا زكاة فيه من الفواكه والقضب والبقول
(ما لا زكاة فيه من الفواكه) جمع فاكهة، وهي ما يتفكَّهُ، أي يتنعَّمُ بأكله،
رطباً كان أو يابساً، قال الراغب: الفاكهة، قيل: هي الثمار كلها، وقيل: بل
هي الثمار ما عدا العنب والرّمّان، وقائل هذا كأنه نظر إلى اختصاصهما بالذكر
وعطفهما على الفاكهة، وقال المجد: هي الثمر كله، وقول مُخْرِج التمر
والعنب والرمان مستدِلاً بقوله تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَخْلٌ وَرَُّّانُ (49)﴾(١) باطل
مردود .
قال الأزهري: لم أعلم أحداً من العرب قال: النخل والرمان ليسا من
الفاكهة، ومن قال ذلك من الفقهاء فلجهله بلغة العرب وبتأويل القرآن، وكما
يجوز ذكر الخاص بعد العام للتفضيل، كذلك يجوز ذكر العام بعد الخاص
للتفضيل، قاله الزرقاني(٢) .
قلت: لا يبعد أن يكون مرادهم الإيراد على قول الحنفية إذا قالوا: من
حلف لا يأكل فاكهة فأكل عنباً أو رماناً أو رطباً ونحوها لم يحنث عند
أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: حنث في العنب والرطب والرمان أيضاً.
قال صاحب ((الهداية)): الأصل أن الفاكهة اسم لما يتفكّه قبل الطعام
وبعده، أي يتنعَّم به زيادة على المعتاد، والرطب واليابس فيه سواء بعد أن
يكون التفكه به معتاداً، فهما يقولان: إن معنى التفكه موجود في العنب
والرطب والرُّمّان، فإنها أعزُّ الفواكه، والتنعم بها يفوق التنعم بغيرها،
وأبو حنيفة يقول: إن هذه الأشياء مما يتغذى بها ويتداوى بها، فأوجب قصوراً
في معنى التفكه للاستعمال في حاجة البقاء، انتهى مختصراً.
(١) سورة الرحمن: الآية ٦٨.
(٢) (١٣٩/٢).
١٦٠