النص المفهرس
صفحات 121-140
١٩ - كتاب الزكاة (١٩) باب (٦٧٠) حديث وَإِذَا كَانَ لِرَجُلِ قِطَعُ أَمْوَالٍ مُتَفَرِّقَةٌ، أَوِ اشْتِرَاكٌ فِي أَمْوَالٍ مُنَفَرِّقَةٍ، لَا يَبْلُغُ مَالُ كُلِّ شَرِيكِ أَوْ قِطَعُهُ مَا تَجِبُ فِيه الزَّكَاةُ، وَكَانَتْ إِذَا جُمِعَ بَعْضُ ذَلِكَ إِلَى بَعْضِ، يَبْلُغُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّهُ يَجْمَعُهَا وَيُؤَدِّي زَكَانَهَا . يوافق قول من قال: لا تجب الزكاة فيه إلا يوم حصاده، لأن وجوب النصاب شرط في الوجوب، فمتى لم يوجد وقت الوجوب لم يجب، وأما من قال: إن الوجوب ثبت إذا بدا الصلاح واشتدّ الحب، فقياس قوله: إن تلف البعض إن كان قبل الوجوب فهو كما قال القاضي، وإن كان بعده وجب في الباقي بقدره، سواء كان نصاباً أو لم يكن، انتهى. (قال مالك: وإذا كانت لرجل قطع) جمع قطعة (أموال) بالجر على الإضافة (متفرقة) بالرفع صفة قطع، ويحتمل بالجر صفة لأموال (أو اشتراك) بالمثناة الفوقية بين الشين والراء في جميع النسخ المصرية، فهو افتعال من الشركة، وبدونها في النسخ الهندية، فهو بفتح الهمزة جمع شرك بالكسر فسكون، أي الأنصباء (في أموال متفرقة) أي بين شركاء عديدة (لا يبلغ مال كل شريك منهم أو قطعته) بالضم عطف على مال، أي لا يبلغ القطعة وحدها (ما تجتب فيه الزكاة) مفعول لقوله: لا يبلغ أي لا يصل إلى مقدار النصاب. (وكانت) تلك القطع أو الحصص (إذا جمع بعضها إلى بعض يبلغ ما تجب فيه الزكاة فإنه يجمعها) أي القطع والحصص (ويؤدي زكاتها كلها) يعني إذا كانت لرجل قِطَعٌ لأراضي متفرقة، وكانت كل واحدة لا يبلغ ما يُقَوَّمُ منها خمسة أوسق، وإذا جمع ما يخرج من جميعها كان فيه خمسة أوسق، فإن الزكاة تجب فيهما؛ لأن المالك لهما واحد، وكذلك إذا كان له اشتراك في أموال متفرقة تكون بينه وبين شريكه، فيراعي كلٌّ مالَه خاصةً دون مال شريكه، فإذا بلغ ماله مقدار النصاب زكّى، وتقدم مسائل الشركة مبسوطاً. ١٢١ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٢٠) باب زكاة الحبوب والزيتون (٢٠) زكاة الحبوب والزيتون (زكاة الحبوب) قال المجد: الحبة واحدة الحب، جمعه حبات وحبوب، وقال الراغب: الحب والحبة يقال في الحنطة والشعير ونحوهما من المطعومات، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾(١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىَّ﴾(٢). قال ابن رشد في ((البداية))(٣): أما ما تجب فيه الزكاة من الأموال، فإنهم اتفقوا منها على أشياء واختلفوا في أشياء. وأما ما اتفقوا عليه فصنفان من المعدن الذهب والفضة اللتين ليستا بحلي، وثلاثة أصناف من الحيوان، وصنفان من الحبوب الحنطة والشعير، وصنفان من الثمر التمر والزبيب. وفي الزيت خلاف شاذّ. ... . . . . ثم ذكر المختلفات وقال في جملتها: وأما ما اختلفوا فيه من النبات بعد اتفاقهم على الأصناف الأربعة، فمنهم من لم ير الزكاة إلا في تلك الأربعة فقط، وبه قال ابن أبي ليلى والثوري وابن المبارك، ومنهم من قال: الزكاة في جميع المذَّخر المقتات من النبات، وهو قول مالك والشافعي، ومنهم من قال: الزكاة في كل ما تخرجه الأرض ما عدا الحشيش والحطب والقصب، وهو أبو حنيفة، انتهى. قلت: وقول الحنابلة كما في ((الروض)): تجب في الحبوب كلها ولو لم تكن قوتاً، وفي كل ثمر يكال ويدّخر، وفي ((نيل المآرب)): تجب في كل مكيل من الحب والثمر، انتهى. هذا تلخيص أقوال الأئمة في ذلك، وإلا فقد ذكر العلامة العيني (٤) فيه (١) سورة البقرة: الآية ١٦١. (٢) سورة الأنعام: الآية ٦٥. (٣) (بداية المجتهد)) (١ /٢٥٠). (٤) ((عمدة القاري)) (٥٢٦/٦). ١٢٢ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب تسعة أقوال العلماء، وقال: وقول أبي حنيفة مذهب إبراهيم النخعي ومجاهد وحماد وزفر وعمر بن عبد العزيز، وهو مروي عن ابن عباس، وهو قول داود وأصحابه فيما لا يُوسق، وحكاه عن يحيى بن آدم وغيره من السلف. وقال الموفق (١): أجمع أهل العلم على أن الصدقة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، قاله ابن المنذر، وابن عبد البر، ثم قال في بيان مذهبه: الزكاة تجب فيما جمع هذه الأوصاف الكيل والبَقَاء واليُبْس، من الحبوب والثمار، ممّا يُنبِتُه الآدميون، إذا نبت في أرضه، سواءٌ كان قوتاً كالحنطة، أو من القطنيات كالباقِلًا، أو من الأبازير كالكُسْفرة، والكَمُّون، أو البُزُور كبِزْر الكَتَّانِ والقِثَّاء، أو حَبِّ الْبُقُول كالرَّشَادِ (٢)، وتجب أيضاً فيما جمع هذه الأوصاف من الثمار كالتمر والزبيب، ولا زكاة في سائر الفواكه كالتُّفاح والجوز، ولا في الخضر كالقثاء، وبهذا قال عطاء في الحبوب كلها، ونحوه قول أبي يوسف ومحمد، فإنهما قالا: لا شيء فيما تخرجه الأرض، إلا ما كانت له ثمرة باقية يبلغ مكيلها خمسة أوسق. وقال أبو عبد الله بن حامد: لا شيء في الأبازير ولا البزور ولا حبّ البقول، ولعله لا يوجب الزكاة إلا فيما كان قوتاً أو أدماً؛ لأن ما عداه لا نصّ فيه، ولا هو معنى المنصوص عليه، فيبقى على النفي الأصلي، وقال مالك والشافعي: لا زكاة في ثمر، إلا التمر والزبيب ولا في حبِّ، إلا ما كان قُوتاً في حالة الاختيار، إلا في الزيتون على اختلاف، وحكي عن أحمد: لا زكاة إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وهذا قول ابن عمر وموسى بن طلحة والحسن وابن سيرين والشعبي والحسن بن صالح وابن أبي ليلى وابن المبارك وأبي عبيد. (١) ((المغني)) (١٥٤/٤). (٢) الرشاد: بقلة سنوية، لها حب حريف يسمى حب الرشاد. ١٢٣ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب والسلت: نوع من الشعير ووافقهم إبراهيم وزاد الذرة، ووافقهم ابن عباس، وزاد الزيتون؛ لأن ما عدا هذا لا نص فيه ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه، ولا المجمع عليه، فيبقى على الأصل، انتهى. ثم قال ابن رشد(١): وسبب الخلاف أما بين من قصر الزكاة على الأصناف المجمع عليها، وبين من عَدَّاها إلى المدَّخر المقتات، فهو اختلافهم في تعلق الزكاة بهذه الأصناف الأربعة هل هو لعينها أو لعلة فيها؟، وهي الاقتيات، فمن قال لعينها قصر الوجوب عليها، ومن قاله لِعلّةِ الاقتيات عدَّى الوجوب لجميع المقتات، وسبب الخلاف بين من قصر الوجوب على المقتات وبين من عدّاه إلى جميع ما تخرجه الأرض، إلا ما وقع عليه الإجماع من الحشيش والحطب والقصب، هو معارضة القياس لعموم اللفظ، وهو لفظ ((ما سقته السماء .. )) الحديث. وما بمعنى الذي، وهو من ألفاظ العموم، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ﴾(٢) الآية إلى قوله: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ . وأما القياس فهو أن الزكاة إنما المقصود منها سَدُّ الخلة؛ وذلك لا يكون غائباً إلا فيما هو قوت، فمن خصص العموم بهذا القياس أسقط الزكاة مما عدا المقتات، ومن غلب العموم أوجبها فيما عدا ذلك إلا ما أخرجه الإجماع. والذين اتفقوا على المقتات اختلفوا في أشياء من قبل اختلافهم فيها هل هي مقتاتة أم ليست بمقتاتة؟ إلى آخر ما قاله. وقال ابن العربي في ((العارضة)) (٣): أما من حمله أي حديث فيما سقته (١) (بداية المجتهد)) (٢٥٣/١). (٢) سورة الأنعام: الآية ١٤١. (٣) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (١٣٤/٣، ١٣٥). ١٢٤ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حديث ٣٥/٦٧١ - حَدّثني بَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَأْلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الزَّيْنُونِ؟ فَقَالَ: فِيهِ الْعُشْرُ. السماء العشر))، الحديث. على عمومه فاستثنى الحطب والقصب والحشيش، فلا يقال: إنه تخصيص؛ لأنه قال: كلوا من ثمره وآتوا حقه، فإنما أوجب إيتاء الحق فيما يُؤْكل، وقال في آخر البحث: أقوى المذاهب في المسألة مذهب أبي حنيفة دليلاً إلى آخر ما قاله. (والزيتون): قال المجد: الزيت دُهْنٌ، والزيتون شجرته. ٣٥/٦٧١ - (مالك، أنه سأل ابن شهاب) الزهري (عن الزيتون؟ فقال: فيه العشر) وبه قال جماعة الفقهاء أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، والثاني كابن وهب وأبي ثور وأبي يوسف ومحمد: لا زكاة به؛ لأنه إدامٌ لا قوت، قاله الزرقاني(١). وفي ((شرح الإحياء)): المختلف فيه الزيتون، فالجديد المشهور: لا زكاة فيه. والقديم: يجب ببدو صلاحه، وهو نضجه واسوداده، انتهى. وفي ((المسوّى)): وقال به أبو حنيفة: إلا أنه لا يشترط عنده خمسة أوسق، وقال: يُؤخذ من ثمره لا من عصيره، انتهى. ولا زكاة في الزيتون عند أحمد على ما صرح به في ((نيل المآرب»، وسيأتي عن الموفق لأحمد قولان فيه، قلت: وما حكى الزرقاني عن صاحبي أبي حنيفة لم أجده في كتبنا، بل ذكر الإمام محمد في ((موطئه)) حديث الباب، ثم قال: وبهذا نأخذ إذا أخرج منه خمسة أوسق فصاعداً، ولا يلتفت في هذا إلى الزيت، وإنما ينظر إلى الزيتون، وأما في قول أبي حنيفة ففي قليله وكثيره، انتهى. وهذا صريح في أن محمداً رحمه الله قائل بوجوب العشر في الزيتون. وقال ابن رشد في ((البداية))(٢): والذين اتفقوا على المقتات اختلفوا في (١) ((شرح الزرقاني)) (١٣٠/٢). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢٥٤/١). ١٢٥ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حديث أشياء من قبل اختلافهم فيها، هل هي مقتاتة أم ليس بمقتاتة؟ وهل يقاس على ما اتفق عليه أو لا؟ مثل اختلاف مالك والشافعي في الزيتون، فإن مالكاً ذهب إلى وجوب الزكاة فيه، ومنع ذلك الشافعي في قوله الأخير بمصر، وسبب اختلافهم هل هو قوت أم ليس بقوت؟ انتهى. وقال الموفق(١): اختلفت الرواية في الزيتون، فقال أحمد في رواية ابنه صالح: فيه العشر إذا بلغ - يعني خمسة أوسق -، وإن عصر قوِّم ثمنه، لأن الزيت له بقاء، وهذا قول الزهري والأوزاعي ومالك والليث والثوري وأبي ثور وأصحاب الرأي، وروي عن ابن عباس؛ لقوله عز اسمه: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ في سياق قوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾، ولأنه يمكن ادخار غلته، فأشبه التمر والزبيب. .. وعن أحمد: لا زكاة فيه، وهو اختيار أبي بكر، وظاهر كلام الخرقي، وهو قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأحد قولي الشافعي؛ لأنه لا يدّخر يابساً فهو كالخضروات، والآية لم يرد بها الزكاة؛ لأنها مكية، والزكاة إنما فرضت بالمدينة، ولذا ذكر فيه الرمّان ولا عشرَ فيه، وقال مجاهد: إذا حصد زَرْعَه أَلْقَى لهم من السنبل، وإذا ◌ُذَّ نخله ألقى لهم من الشَّماريخ، انتهى. وقال العيني في ((شرح الهداية)): الوجوب في الزيتون قول الزهري والأوزاعي والثوري والليث ورواية عن أحمد، وهو مذهب ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم -. وقال الباجي(٢): والدليل على صحة ما نقوله قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِمَا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ (١) انظر: ((المغني)) (١٦٠/٤). (٢) ((المنتقى)) (١٦٣/٢). ١٢٦ ----- - ----- ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنَ الرَّيْتُونِ الْعُشْرُ، بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَيَبْلُغَ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقِ. مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَيِةٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِةٍ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ . والحق ههنا هو زكاة؛ لأنه لا خلاف أنه ليس فيه حق واجب غيره، والأمر يقتضي الوجوب، ودليلنا من جهة السنة قوله وَل: ((فيما سقت السماء العشر)). وهذا عام فنحمله على عمومه إلا ما خصه الدليل، ودليلنا من جهة القياس أن هذا مقتات، فوجبت فيه الزكاة كالسمسم، انتهى. وقلت: وأخرج السيوطي في ((الدر)) في تفسير الآية روايات مختلفة مرفوعة وموقوفة من كون الحكم منسوخة وباقية، وأخرج عن ميمون بن مهران ويزيد بن الأصم قال: كان أهل المدينة إذا صرموا النخل يجيئون بالغدق، فيضعونه في المسجد، فيجيء السائل فيضربه بالعصا فيسقط منه، فهو قوله: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وأخرج أبو عبيد وأبو داود في ناسخه وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: هو الصدقة من الحب والثمار. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، قال: عشوره، وقال للولاة: ولا تسرفوا لا تأخذوا ما ليس لكم بحق، وأخرج ابن أبي حاتم والنحاس وابن عدي والبيهقي في ((سننه)) عن أنس بن مالك ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، الزكاة المفروضة، وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ يعني الزكاة المفروضة يوم يكال ويُعْلَم كيلُه، وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود في ((ناسخه)) والبيهقي عن الطاووس ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ،﴾ قال: الزكاة، انتھی . (قال مالك: وإنما يؤخذ من الزيتون العشر) بالضم (بعد أن يعصر) أي يخرج منه الزيت (ويبلغ زيتونه خمسة أوسق) وذلك أن الاعتبار في نصابه إنما ١٢٧ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حديث هو بالكيل، والكيل لا يتهيأ إلا في الحب، فإذا بلغ خمسة أوسق فقد كمل النصاب، وإذا قصر عن الخمسة الأوسق فقد قصر عن النصاب فلا زكاة فيه، وإنما أمرناه بإخراجه زيتاً؛ لأنه لا(١) يجب على رب المال دفعه على وجه يمكن ادخاره والانتفاع به المنفعة المقصودة منه كالتمر والحب، قاله الباجي(٢)، يعني يعتبر في تكميل النصاب والزيتون، ويخرج في الزكاة الزيت ولو قلّ كرطل . وتقدم في كلام الإمام محمد و ((المسوّى)): أن العبرة عند الحنفية للزيتون، لا الزيت، ويؤخذ الزيتون في الصدقة، ووجه ذلك عندي أن الزيتون لا يقتصر الانتفاع منه على الزيت، بل يتصرف فيه بالبيع وغيره على هيئته أيضاً، وقد يكون الزيتون لا زيت فيه كما سيأتي، فحينئذ يحتاج من قال بعبرة الزيت إلى أمر آخر كاعتبار قيمته، بخلاف من قال: يخرج الزيتون في الصدقة . وفي ((شرح الإحياء)): إن كان الزيتون مما لا يجيء منه الزيت كالبغدادي أخرج عشره زيتوناً، وإن كان مما يجيء منه الزيت كالشامي، فثلاثة أوجه: الصحيح المنصوص القديم إن شاء أخرج الزيت وإن شاء الزيتون، والزيت أولى، والثاني: يتعين الزيت، والثالث: يتعين الزيتون، بدليل أنه يعتبر النصاب بالزيتون دون الزيت بالاتفاق، انتهى. وقال الموفق(٣): أما الزيتون فإن كان مما لا زيت له، فإنه يخرج منه عُشره حباً إذا بلغ نصاباً؛ لأنه حال كماله وادّخاره، فإنه يخرج منه كما يخرص الرطب في حال رطوبته، وإن كان له زيت أخرج منه زيتاً إذا بلغ الحب خمسة أوسق، وهذا قول الزهري والأوزاعي ومالك والليث قالوا: يخرص الزيتون، ۔۔ (١) كذا في الأصل، والظاهر أن لفظ ((لا)) غلط من الناسخ أو سقط لفظ ((إلَّا))، على قوله: ((على وجه)) فتأمل، (ز)). (٢) ((المنتقى)) (١٦٣/٢). (٣) ((المغني)) (١٨٢/٤). ١٢٨ -----: --- ---- ------ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حديث فَمَا لَمْ يَبْلُغْ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ. وَالزَّيْتُونُ بِمَنْزِلَةٍ النَّخِيلِ، مَا كَانَ مِنْهُ سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ بَعْلاً، فَفِيهِ الْعُشْرُ. وَمَا كَانَ يُسْقَى بِالنَّضْحِ، فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ، وَلا يُخْرَصُ شَيءٌ مِنَ الزَّيْتُونِ فِي شَجَرِهِ. ويؤخذ زيتاً صافياً، وقال مالك: إذا بلغ خمسة أوسق أخذ العشر من زيته بعد أن يعصر، وقال الثوري وأبو حنيفة: يخرج من حبه كسائر الثمار، ولأنه الحالة التي تعتبر فيها الأوساق، فكان إخراجه فيها كسائر الثمار، وهذا جائز، والأول أولى؛ لأنه يكفي الفقراء مؤنته، فيكون أفضل كتجفيف التمر، ولأنه حال كماله وادّخاره، فيخرج منه كما يخرص الرطب في حال رطوبته، ويخرج منه إذا یبس، انتھی . (فما لم يبلغ زيتونه خمسة أوسق، فلا زكاة فيه) لنقصانه عن النصاب، قال الزرقاني: (١) فإن بلغها وكانت لا زيت فيه أخذ من ثمنه، قاله في ((المدونة)) وغيرها، ويخرج الصدقة من الزيتون عند الشافعية، كما تقدم قريباً. (قال مالك: والزيتون بمنزلة النخيل، ما كان منه سقته السماء) أي المطر (والعيون، أو كان بعلاً) كما تقدم في التمر (ففيه العشر) لقلة المؤنة (وما كان يسقى) ببناء المجهول (بالنضح) أي بالصب بما يستخرج من الآبار وغيرها (ففيه نصف العشر) كما هو قانون المعشرات (ولا يخرص شيء من الزيتون في شجره) أي على رواية صحيحة، وتقدم رواية شاذة عن الإمام مالك أنه یخرص . قال الباجي(٢): ولا يخرص شيء من الزيتون؛ لأنه لا فائدة في ذلك لأرباب الأموال، فإنه ليس مما يؤكل رطباً ولا للمساكين، لأن الأيدي لا (١) ((شرح الزرقاني)) (١٣٠/٢). (٢) ((المنتقى)) (١٦٤/٢). ١٢٩ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حدیث وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا فِي الْحُبُوبِ الَّتِي يَدَّخِرُهَا النَّاسُ ويَأْكُلُونَهَا، أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِمَّا سَقَتْهُ السَّمَاءُ مِنْ ذُلِكَ؛ وَمَا سَقَتْهُ الْعُيُونُ، وَمَا كَانَ بَعْلاً الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ. إِذَا بَلَغَ ذلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقِ بِالصَّاعِ الأَوَّلِ صاعِ النَّبِيِّ نَّهِ، وَمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ بِحِسَابٍ ذُلِكَ. تسرع إليه للأكل إلا بعد عمل وتغيير، ولأن ثمرته مستورة في الورق لا يكاد يتهيّأ فيها الخرص على التحقيق، انتهى. (قال مالك: والسنة عندنا في الحبوب) التي يجب العشر فيها وهي (التي يدَّخرها الناس ويأكلونها) ذكر هذين القيدين لما أن مدار الزكاة في الحبوب عند المالكية على الادخار والاقتيات (أنه يؤخذ مما سقته السماء من ذلك) وما سقته (العيون، وما كان بعلاً العشر، وما سقي بالنضح ففيه نصف العشر) بشرط النصاب فيهما كما سيأتي التقييد به. والحاصل: أن التفريق بين العشر ونصف لا يختص بما مر من النخل والزيتون وغيرهما، بل كل المعشرات حكمها واحد في أن التي تسقى بالمطر ونحوه ففيها العشر، والتي تسقى بالنضح ففيها نصف العشر، ولما كان وجوب الصدقة في الحبوب وغيرها مقيداً عند المالكية بالنصاب ذكر هذا القيد، فقال: (إذا بلغ ذلك) المذكور من الحبوب التي يدّخرها الناس، ويأكلونها (خمسة أوسق) والوسق ستون صاعاً (بالصاع الأول صاع النبي ◌َّ-) بالجر بدل مما قبله أو عطف بيان. (وما زاد على خمسة أوسق) ولو قليلاً (ففيه الزكاة بحساب ذلك) أي العشر أو نصف العشر، وذلك لأنه لا عفو فيه بعد النصاب، قال الشيخ في ((المسؤَّى))(١): وهذا قول أهل العلم إلا أن النصاب ليس بشرط عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -. (١) (٢٧٠/١). ١٣٠ -- ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَالْحُبُوبُ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ: الحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ (قال مالك) بَيَّنَ المصنف في هذا القول أنواعَ الحبوب التي يؤخذ منها العشر، فقال: (والحبوب) مبتدأ وخبره الحنطة وما عطف عليه (التي) تجب (فيها الزكاة الحنطة) بكسر الحاء المهملة وسكون النون وفتح طاء مهملة، آخره هاء، كذا في ((المحيط الأعظم))، وهي القمح، لها أنواع كثيرة ذكرها أهل الفن، وذكر بعضها صاحب ((المحيط)). عجيبة: ذكرت في (الأنوار الساطعة))(١) فقال: خرجت حبة البر من الجنة على قدر بيضة النعامة، وهي ألين من الزبد، وأطيب رائحة من المسك، ثم صارت تنزل على هذه الهيئة إلى وجود فرعون، فصغرت وصارت كبيضة الدجاجة، ولم تزل على هذه الهيئة، حتى ذبح يحيى فصغرت، حتى صارت كبيضة الحمامة، ثم صغرت حتى صارت كالبندقة، ثم صغرت حتى صارت كالحمصة، ثم صغرت حتى صارت على ما هي عليه الآن، نسأل الله تعالى أن لا تصغر عن ذلك، انتهى. (والشعير) بفتح الشين وتكسر، قاله الزرقاني. قال المجد: الشعير معروف واحدته بهاء، وفي ((الصراح)): الشعير ((جو)) والشعيرة: يك دانه (والسلت) بكسر السين أو بضمها وسكون اللام والمثناة الفوقية، كذا في ((المحيط)). قال المجد: هو بالضم الشعير أو ضرب منه أو الحامض منه، انتهى. وفي ((الأنوار الساطعة)): بضم السين وسكون اللام حب بين الشعير والقمح يُعرف عند المغاربة بشعير النبي، انتهى. قال الزرقاني: (٢) ضربٌ من الشعير لا قشر له يكون في الغور والحجاز، (١) (ص ٤٠٠). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٣١/٢). ١٣١ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حدیث وَالذُّرَةُ وَالدُّخْنُ وَالأُرْزُ قاله الجوهري. وقال ابن فارس: ضربٌ منه رقيق القشر صغار الحب، وقال الأزهري: حَبُّ بين الحنطة والشعير، ولا قشر له كقشر الشعير، فهو كالحنطة في ملاسته وكالشعير في طبعه وبرودته. وفي ((المحيط)): اسمه اليوناني الطراغيش، وفي الفارسية: جوبرهنه، وفي ((الزابلي)): جو كَندم، وفي الهندية: آت جو، وقال أيضاً: يكون كالحنطة المقشرة، ويكون أبيض وأحمر، وفي ((الصراح)): جوبرهنه، وهكذا فسره الشيخ في ((المصفَّى)). واختلف أهل العلم هل هو نوع من البر أو الشعير أو نوع برأسه؟ . (والذُّرَةُ) بضم الذال المعجمة وتخفيف الراء هكذا ضبطه شراح البخاري من الحافظ والعيني والقسطلاني، وفي ((شرح الإقناع)): بمعجمة مضمومة ثم راء مخففة، انتهى. وفي ((المحيط الأعظم)): ذُرَّة بضم ذال معجمة وفتح راء مهملة مشددة وسكون مثناة فوقية يقال لها في الهندية: ((جوار)). وهكذا فسره الشيخ في ((المصفَّى)). وقال المجد: الذُرَة كثُبَةٍ: حَبٌّ معروفٌ، أصلها ذُرَوٌ، وفي ((الصراح)): الذرة بالضم والتخفيف، أصله ذُرَوٌ أو ذُرَيٌ والهاء عوض، انتهى. وفي ((المجمع)): بضم معجمة وخفة راء، هاؤه عوض عن واو. (والدُّخْنُ) بضم دال مهملة ويكسر وسكون خاء معجمة آخره نون، يقال له باللغة اليونانية: المرطلة، وبالعربية: الفث، وبالتركية: الطرق، وبالشيرازية: ألم، وبالفارسية: أرزن، وبالهندية: كنكنى، وچينا، كذا في ((المحيط)). وقال المجد: الدخن بالضم حب الجاورس، أو حب أصغر منه، أملس جداً، باردٌ يابس، حابس للطبع، وفسره في ((إيضاح لغات الصراح)) بلفظ: چينا، وشيخنا في ((المصفَّى)) بلفظ: أرزن. (والأرز) بزنة قفل، وفي لغة بضم الراء، وأخرى بضم الهمزة والراء وشدّ الزاي، والرابعة فتح الهمزة مع التشديد، والخامسة رز بلا همزة وزان قُفْلٍ، ١٣٢ -------- ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حديث وَالْعَدَسُ وَالْجُلْبَانُ وَاللُّبِيَا وَالْجُلْجُلَانُ قاله الزرقاني(١). فسره الشيخ في ((المصفّى)) بلفظ: برنج، وهكذا في ((المحيط)) وغيره، وفي لغات ((الصراح)): چاول. (والعدس) بفتحتين، قال المجد: بالتحريك: حب معروف، والعدسة واحدته، وفي ((المحيط)): بفتح عين ودال، آخره سين، يقال له باليمن: بلس، وبالفارسية: نشك، وبالهندية: مَسُوْر، وفي ((الصراح)): نرسك، وفي ((إيضاح الصراح)): مَسُؤْر. (والجلبان) بضم الجيم وإسكان اللام، وحكي فتحها مشدّدة حبُّ من القطاني، قاله الزرقاني. وفي ((الأنوار الساطعة)): بضم الجيم وسكون اللام، وفي ((المحيط)): اسم خلر، وقال في الخلر: يقال له بالهندية: مثر كابُلي، ويقال: إن الجلبان حبُّ شبيهٌ بكرسنةٍ، وقيل: إن الجلبان حب شبيه بعدس، وقيل: حب شبيه بالماش الأخضر، يقال له في الهندية: مونكك، وفي ((الصراح)): بالضم نوع من الحبوب كالماش يقال له: الخلر، وفي ((المجمع)): حب كالماش، وفسره الشيخ في ((المصفى)) بالماش، والأوجه أنه غيره؛ لأن أهل اللغة يفسرونه بشبيه الماش دون نفسه، والظاهر مثر، وفي ((شرح الإقناع)): الماش بالمعجمة نوع من الجلبان، وكذا في ((الأنوار لأعمال الأبرار)). (واللوبيا) بضم اللام والواو المجهول وكسر باء موحدة وفتح المثناة التحتية آخره ألف اسم هندي، يقال له في اليونانية: سيلهين، وفي النبطية: وجرٌ، وفي العربية: فريقا وقرنبا، كذا في ((المحيط)). قلت: لكنه يستعمل في العربية أيضاً، وفي ((حاشية الأنوار لأعمال الأبرار)): أن اللوبيا حب يشبه الباقلاء أصغر منه . (والجلجلان) بجيمين مضمومتين بعد كل جيم لام، قال المجد: ثمر (١) ((شرح الزرقاني)) (١٣١/٢). ١٣٣ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حديث وَمَا أَشْبَهَ ذُلِكَ الكزبرة وحب السمسم، وفي ((المحيط)) بالسريانية: كنجد، وأيضاً: بذر الكشنيز، وفي (كتاب المعتمد)) من اللغات الطبية: هو السمسم، وهو صنفان أبيض وأسود، ويسمي العرب دهنه السليط. وفي ((الصراح)): الكشنيز، ويقال: السمسم في قشره قبل أن يحصد، وفي ((إيضاح الصراح)): دهنية، وفسره شيخنا الدهلوي في ((المصفى)) بالسمسم. (وما أشبه ذلك) ذكر المصنف عشرة أنواع مفصلاً، وأشار إلى غيرها بقوله: ما أشبه ذلك. .---- وذكر الباجي(١) ستة أشياء غيرها، وجامع مسلك المالكية في ذلك ما في (الشرح الكبير))(٢) إذ قال: تجب في خمسة أوسق من حب وتمر، ودخل في الحب ثمانية عشر صنفاً: القطاني السبعة، والقمح، والسلت، والشعير، والذرة، والدخن، والأرز، والعلس، وذوات الزيوت الأربع: الزيتون، والسمسم، والقرطم، وحب الفجل، وألحق بالتمر الزبيب، فهذه عشرون هي التي تجب فيها الزكاة فقط، فلا تجب في جوز ولوز وكَتَّان وغير ذلك. قال الدسوقي: قوله: القطاني السبعة هي: الحمص، والفول، واللوبيا، والعدس، والترمس، والجلبان، والبسيلة، والمراد بحب الفجل الأحمر، وأما الأبيض فلا زكاة في حبه إذ لا زيت له، وقوله: غير ذلك، أي كالبرسيم، والحلبة والسلجم، والتين خلافاً لمن ألحقه بالتمر كالزبيب، انتهى. وعَدَّ هذه العشرين صاحب (الأنوار الساطعة))(٣)، وحكى عن (شرح العزية)): هذه العشرون هي التي تجب فيها الزكاة فقط، فهذا جامع للمعشرات عند المالكية، والقطنية مستعمل في فروعهم كثيراً وسيأتي معناه في الباب الآتي. (١) ((المنتقى)) (١٦٤/٢). (٢) (٤٤٧/١) وقوله: ((العلس)) هو ضرب من البُرُّ. (٣) (ص٦١٨). ١٣٤ ------ -- ------ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حديث مِنَ الْحُبُوبِ الَّتِي تَصِيرُ طَعَاماً. فَالزَّكَاةُ تُؤْخَذُ مِنْهَا بَعْد أَنْ تُحْصَدَ وَتَصِيرَ حَبّاً . قَالَ: وَالنَّاسُ مُصَدَّقُونَ فِي ذُلِكَ، ويُقْبَلُ مِنْهُمْ فِي ذُلِكَ مَا دَفَعُوا . وقد عرفت مذهب الحنفية أنه يجب عندهم في كل ما يقصد به نماء الأرض ويزرع قصداً، واستدلوا عليه بالآية، كما سيأتي في ((باب ما لا زكاة فیه من الفواكه)). (من الحبوب) بيان لما أشبه (التي تصير طعاماً) لأن العلة عند المالكية الاقتيات والادّخار، فلا زكاة في الكِرْسِنَّة على الأظهر، لأنها علف لا طعام خلافاً لرواية أشهب في ((العتبية))، قاله الزرقاني(١). (فالزكاة تؤخذ منها) أي من الحبوب المذكورة مفصلاً ومجملاً (كلها بعد أن تحصد وتصير حباً) أي بعد تنقيتها وتصفيتها وتخليصها إلى هيئة الادِّخار كما تقدم. قال الموفق: وقت الإخراج للزكاة بعد التصفية في الحبوب، والجفاف في الثمار؛ لأنه أوان الكمال، والمؤونة التي تلزم الثمرة إلى حين الإخراج على رب المال، لأن الثمرة كالماشية ومُؤنة الماشية وحفظها ورعيها والقيام عليها إلى حين الإخراج على ربها كذا ههنا، انتهى. (قال) مالك: (والناس) أي أرباب الأموال (مُصَدَّقون) بتشديد الدال المفتوحة (في ذلك) أي في قولهم في مبلغه من الكيل وما خرج من الزيت وغيره؛ لأنهم أمناء كما تقدم، قال الباجي: وذلك لأن هذا مما لا يخرص، ولا بد للناس أن يغيبوا عليه، ولا يمكن أن يجعل مع كل إنسان من يحفظ عليه ذلك، انتهى. (ويُقْبَلُ) ببناء المجهول (منهم في ذلك ما دفعوا) بالدال المهملة، أي الذي دفعوه في الصدقة، وذلك لكونهم مُصَدَّقين في قولهم. (١) (١٣١/٢). ١٣٥ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حديث قَالَ يَحْيَى: وسُئِلَ مَالِكٌ: مَتَى يُخْرَجُ مِنَ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ، أَقَبْلَ النَّفَقَّةِ أَمْ بَعْدَهَا؟ فَقَالَ: لا يُنْظَرُ إِلَى النَّفَقَّةِ قال الموفق (١): ومتى ادّعى ربُّ المال تلفها بغير تفريطه قُبِلَ قولُه من غير يمينٍ، سواء كان ذلك قبل الخرص أو بعده. ويُقْبَلُ قوله أيضاً في قدرها بغير يمين، وكذلك في سائر الدعاوى، قال أحمد: لا يُستحلف الناس على صدقاتهم، وذلك لأنه حق الله فلا يستحلف فيه كالصلاة والحد، انتهى. (قال يحيى: وسئل) ببناء المجهول (مالك) الإمام (متى يخرج من الزيتون العشر) زاد في النسخ المصرية: بعد ذلك أو نصفه، وليس هذا في الهندية، فالمراد بالعشر الواجب أعم من العشر ونصفه (أقبل النفقة) بهمزة الاستفهام (أم بعدها) أي هل يحتسب بالنفقة التي بذل في تخريج الزيت؟ (فقال: لا ينظر إلى النفقة) قال الباجي(٢): أي لا يحتسب له بها، وذلك أن عليه تبليغ الزكاة إلى الحد الذي جرت العادة بادّخارها عليه، ولو أخذت منهم قبل ذلك لما خرص عليهم نخيلهم وعنبهم ولقُوسِمُوا فيها، ولكن لا يؤخذ منهم إلا على هيئة الادخار، فعليهم النفقة عليها حتی یخلص ذلك، انتهى. قلت: وفي ((المحيط البرهاني)): قال الكرخي: يؤخذ العشر من جميع ما أخرجته الأرض، ولا يحتسب لصاحبها ما أنفق على الغلة من سقي أو عمارة أو أجرة العمال ولا نفقة البقر، انتهى. قال ابن الهمام: يعني لا يقال: بعدم وجوب العشر في قدر الخارج الذي بمقابلة المؤونة، بل يجب العشر في الكل، ومن الناس من يقول: يجب النظر إلى قدر قَيِّم المؤونة، فيسلم له بلا عشر، ثم يعشر الباقي، لأن قدر المؤونة بمنزلة السالم له بعوض، كأنه اشتراه. (١) ((المغني)) (١٧١/٤). (٢) ((المنتقى)) (١٦٤/٢). ١٣٦ ----- ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حديث وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُهُ، كَمَا يُسْأَلُ أَهْلُ الطَّعَامِ عَنِ الطَّعَامِ، وَيُصَدَّقُونَ بِمَا قَالُوا. فَمَنْ رُفِعَ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقِ فَصَاعِداً، أَخِذَ مِنْ زَبْتِهِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ. وَمَنْ لَمْ يُرْفَعْ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِي زَيْتِهِ الزَّكَاةٌ . قَالَ يَحْبَى: قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ بَاعَ زَرْعَهُ، وَقَدْ صَلَحَ ويَبِسَ فِي أَكْمَاسِهِ، ولنا أنه حكم بتفاوت الواجب لتفاوت المؤونة، فلو رفعت المؤونة كان الواجب واحداً وهو العشر دائماً في الباقي، لأنه لم ينزل إلى نصفه إلا للمؤونة، انتهى. وتقدم قريباً كلام الموفق في ذلك. (ولكن يُسأل) ببناء المجهول (عنه) أي الزيتون (أهله) المالك (كما يسأل أهل الطعام) كالحنطة وغيرها (عن الطعام) أي كم حصل (ويُصَدَّقون بما قالوا) في مقدار ما خرج (فمن رفع) ببناء الفاعل أو المفعول، أي حصل أو أخرج (من زيتونه خمسة) بالرفع أو النصب (أوسق فصاعداً أخذ) ببناء المجهول (من زبته العشر) بالرفع، والمراد الجنس فيعم النصف أيضاً (بعد أن يعصر) ويخرج الزيت (ومن لم يرفع) ببناء المعلوم أو المجهول. كما تقدم (من زيتونه خمسة أوسق لم تجب عليه في زيته الزكاة) . والحاصل أنهم يسألون أولاً. يقال لصاحب المال: كم مبلغ زيتونك؟ فإن ذكر أنه قصر عن النصاب لم يُسْأل عنه غير ذلك، فإن قال: بلغ النصاب أو زاد عليه، سئل سؤالاً ثانياً: كم أخرج له من الزيت؟ إن كان عصره، فإن كان باعه سئل كم يخرج مثله من الزيت؟ أو سئل ذلك غيره من أهل المعرفة، قاله الباجي(١). (قال يحيى: قال مالك: ومن باع زرعه، وقد صلح ويبس في أكمامه) جمع (١) ((المنتقى)) (١٦٥/٢). ١٣٧ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حديث فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ، وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي اشْتَرَاهُ زَكَاةٌ. وَلَا يَصْلُحُ بَيْعُ الزَّرْعِ، حَتَّى بَيْبَسَ فِي أَكْمَامِهِ، ويَسْتَغْنِيَ عَنِ الْمَاءِ. كم بالكسر، وعاء الطلع، وغطاء النّور، كذا في ((القاموس)) (فعليه) أي البائع (زكاته) واجبة، لأنها وجبت بالصلاح واليبس (وليس على الذي اشتراه زكاة) لأن الزكاة تعلق وجوبها قبل البيع، فلا تعلق حق الزكاة عند المشتري. قلت: وبه قالت الحنفية، ففي ((البدائع)) (١): ولو باع الأرض العشرية وفيها زرع قد أدرك مع زرعها أو باع الزرع خاصة، فعشره على البائع دون المشتري؛ لأنه باعه بعد وجوب العشر، وتقرره بالإدراك، ولو باعها والزرع بقلٌ، فإن فصله(٢) المشتري للحال فعشره على البائع أيضاً لتقرر الوجوب في البقل بالفصل(٣)، وإن تركه حتى أدرك فعشره على المشتري في قول أبي حنيفة ومحمد، لتحول الوجوب من الساق إلى الحب. وروي عن أبي يوسف أنه قال: عشر قدر البقل على البائع، وعشر الزيادة على المشتري، وكذلك حكم الثمار على هذا التفصيل، انتهى. وسيأتي مسالك الأئمة في كلام العيني. (قال مالك: ولا يصلح) أي لا يجوز (بيع الزرع حتى ييبس) بالمثناتين التحتيين، فموحدة فسين مهملة (في أكمامه، ويستغني عن الماء) والاستغناء عن الماء أنه لو سقي بالماء لم ينفعه، وذلك لحديث: ((نهى ◌َّ عن بيع العنب حتى يسودَّ، وعن بيع الحب حتى يشتدَّ))، ثم يجوز بيعه في سنبله قائماً عند الجمهور، وقال الشافعي: لا يجوز بيعه حتى يداس ويُصفّى، لأنه من الغرر، قاله الزرقاني. (١) (١٧٥/٢). (٢) هكذا في الأصل، وفي: ((بدائع الصنائع)) قصله: أي قطعه، والقصيل: هو السفير يجز أخضر لعلف الدواب، والفقهاء يسمون الزرع قبل إدراكه قصيلاً، وهو مجاز، انظر ((المغرب)) (١٨٣/٢). (٣) هكذا في الأصل، وفي ((البدائع)) الفصل، وهو الظاهر. ١٣٨ ----------- ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حديث قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: إِنَّ ذُلِكَ، الزَّكَاةُ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ ذُلِكَ . (قال مالك في) تفسير (قول الله) تبارك و(تعالى): (﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾) بفتح الحاء قرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم والباقون بكسرها (إن ذلك) أي المراد بالحق في الآية (الزكاة، والله أعلم). قال الرازي: اختلفوا في تفسيره على ثلاثة أقوال، الأول: يريد به العشر ونصفه، قلت: وسيأتي قريباً. والثاني: أن هذا حق في المال سوى الزكاة، قال مجاهد: إذا حصدت، فحضرت المساكين فاطرح لهم منه، وإذا دسته وذريته، فاطرح لهم منه، وإذا كربلتَه(١) فاطرح لهم منه، وإذا عرفتَ كيله فاعزل زكاته. والثالث: أن هذا كان قبل وجوب الزكاة، فلما فرضت الزكاة نسخ هذا، وهذا قول سعيد بن جبير، والأصح القول الأول، انتهى. قلت: وبالقول الثاني قال ابن عمر، قال الجصاص: روي عن ابن عمر ومجاهد: أنها محكمة وأنه حق واجب عند الصرام غير الزكاة، وروي عن النبي ◌َ﴾ أنه نهى عن جداد الليل وصرام الليل. قال سفيان بن عيينة: هذا لأجل المساكين كي يحضروا، انتهى. وبالقول الثالث أيضاً قالت طائفة، قال الجصاص(٢): روي عن ابن عباس في رواية محمد بن الحنفية والسدي وإبراهيم نسخها العشر ونصف العشر، وعن الحسن قال: نسختها الزكاة، وقال الضحاك: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن، انتهى. وتقدم شيء من الآثار في ذلك. (وقد سمعت من يقول ذلك) من أهل العلم، أيد بذلك مختاره، بأن ما ذهب إليه مالك بكون المراد بالحق الزكاة سمعَه من غيره أيضاً، قال الباجي: (١) قوله: كربلته: أي خلطته . (٢) انظر: ((أحكام القرآن)) (٩/٣). ١٣٩ ١٩ - كتاب الزكاة (٢٠) باب (٦٧١) حديث ولا يكون ذلك إلا من أهل العلم، ومن ليس من أهل العلم لا ينقل مثل مالك قوله، ولا یرجح به مذهبه، انتھی. قال الرازي: وبه قال ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاووس والضحاك، وهو الأصح؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوماً قبل ورود الآية، لئلا تبقى الآية مجملة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((ليس في المال حق سوى الزكاة))، فوجب أن يكون المراد بهذا الحق حق الزكاة، انتهى. قال الجصاص: وروي هذا القول عن جابر بن زيد ومحمد بن الحنفية وزيد بن أسلم وقتادة، انتهى. وبسط في ترجيح هذا القول بدلائل وبراهين، فارجع إليه لو شئت. ثم قال: ولما ثبت بما ذكرنا أن المراد بقوله: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ هو العشر، دل على وجوب العشر في جميع ما تخرجه الأرض إلا ما خصه الدليل، لأنه تعالى ذكر الزرع بلفظ عموم ينتظم لسائر أصنافه، وذكر النخل والزيتون والرمان. ثم عقبه بقوله: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وهو عائد إلى جميع المذكور، فمن ادّعى خصوص شيء منه لم يسلم له ذلك، إلا بدليل، فوجب بذلك إيجاب الحق في الخضر وغيرها، وفي الزيتون والرمان، انتهى. قال الرازي الشافعي في ((تفسيره)): قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ - بعد ذكر الأنواع الخمسة، وهو العنب والنخل والزرع والزيتون والرُمَّانَ - يدل على وجوب الزكاة في الكل، وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار، كما كان يقوله أبو حنيفة، فإن قالوا: لفظ الحصاد مخصوص بالزرع، فنقول: لفظ الحصد في أصل اللغة غير مخصوص بالزرع، والدليل عليه أن الحصد في اللغة عبارة عن القطع، وذلك يتناول الكل، وأيضاً الضمير في ١٤٠