النص المفهرس

صفحات 41-60

١٩ - كتاب الزكاة
(١٣) باب
(٦٦١) حديث
شريكاً قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ﴾ الآية، فأفاد أن المراد بالخلطة مطلق
الاجتماع لا الشركة، انتهى.
ثم قال الباجي(١): فالمعاني المعتبرة في الخلطة خمسة: الراعي والفحل
والمراح والدلو والمبيت، قلت: وبقي اثنان النية والمعرفة، قال الباجي:
وبماذا تحصل الخلطة من هذه الصفات؟ اتفق أصحابنا على أنه ليس من شرطها
حصول جميعها، وقال الشافعي: من شرطها اجتماع جميع صفاتها، وإذا ثبت
ذلك فقد اختلف أصحابنا بماذا تحصل الخلطة؟ فقال ابن حبيب: المراعى في
ذلك الراعي وحده، وقال أبو بكر الأبهري: إن الاعتبار في ذلك بصنفين، أيّ
صنفين كان.
وفي ((فروع المالكية)) كـ ((الشرح الكبير))(٢) و((الأنوار الساطعة)): أن
للخلطة المؤثرة ستة شروط، الأول: النية، والثاني: الحرية، والثالث: الإسلام،
والرابع: أن يكون كل من الخلطاء مالكاً للنصاب، والخامس: أن يكون ملك
النصاب مجاوراً للحول، وإن لم يكن مجاوراً للخلطة، فإذا ملكا الماشية ستة
أشهر، ثم خالطا ومضى ستة أشهر أخرى من الخلطة تؤثر؛ لأن الحول
مصاحب للملك ما لم تقرب المخالطة جداً كشهر.
والسادس: اجتماع الماشيتين في ثلاثة أشياء، أو أكثر من خمسة أشياء،
الأول: المراح ، بفتح الميم، المحل الذي تقيل فيه، أو تجتمع فيه، ثم تساق
منه للمبيت أو السروح، والثاني: المراح، بضم الميم، وهو المبيت، والثالث:
الماء، والرابع: الراعي ولو تعدد أو لكل ماشية راع وتعاونا، والخامس:
الفحل، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (١٣٧/٢).
(٢) انظر: (٤٣٩/١، ٤٤٠).
٤١

١٩ - كتاب الزكاة
(١٣) باب
(٦٦١) حديث
وفي فروع الشافعية: الخليطان يزكيان زكاة واحد بعشرة شروط، وتسمى
خلطة الأوصاف وخلطة الجوار.
الأول: أن يكون المراح واحداً وهو بضم الميم، اسم موضع مبيت
الماشية، والثاني: أن يكون المسرح واحداً وهو بفتح الميم، اسم للموضع
الذي تجتمع فيه ثم تساق منه إلى المرعى، والثالث: أن يكون المرعى واحداً،
والرابع: اتحاد الفحل، ولو تعدد بحيث لا تختص ماشية أحدهما بفحل،
والخامس: اتحاد المشرب، والسادس: اتحاد الراعي، ولا يضر تعدد الرعاة،
والسابع: اتحاد موضع الحلب.
۔۔۔
والثامن: اشتراكهما في نصاب، أو في أقل من نصاب ولأحدهما
نصاب، فالشركة في ما دون النصاب تؤثر إذا ملك أحدهما نصاباً كاملاً، كأن
اشتركا في عشرين شاة مناصفة وانفرد أحدهما بثلاثين، فيلزمه أربعة أخماس
شاة، وللآخر خمس شاة؛ لأن مجموع المالين خمسون.
والتاسع: مضي الحول من وقت الخلطة، والعاشر: أن يكون الخليطان
من أهل الزكاة، والأصح أنه لا يشترط اتحاد الحالب، ولا نية الخلطة في
الأصح، ومثل خلطة الجوار خلطة الشركة، وتسمى خلطة أعيان؛ لأن كل عين
مشتركة، وتسمى خلطة شيوع، كذا في (الأنوار الساطعة)) و ((شرح الإقناع))(١)
وغيرهما .
قال الموفق(٢): خلطة الأوصاف يعتبر فيها اشتراكهم في خمسة أوصاف:
المسرح، والمبيت، والمحلب، والمشرب، والفحل. وقد ذكر أحمد في كلامه
شرطاً سادساً، وهو الراعي، والأصل في هذا ما روى الدارقطني بإسناده إلى
(١) انظر: (٣٢٩/٢، ٣٣٠).
(٢) («المغني)) (٥٣/٤).
٤٢

١٩ - كتاب الزكاة
(١٣) باب
(٦٦١) حديث
سعد بن أبي وقاص مرفوعاً: ((الخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل
والراعي))، وروي: ((الرعي))، وبنحو من هذا قال الشافعي، وقال بعض
أصحاب مالك: لا يعتبر في الخلطة إلا شرطان: الراعي، والمرعى؛ لقوله ◌َل :
((لا يجمع بين متفرق)) الحديث، والاجتماع يحصل بذلك، ويسمى خلطة
فاکتُفِي به.
ولنا: قوله ◌َله: ((الخليطان ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل))،
فإن قيل: فلم اعتبرتم زيادة على هذا؟ قلنا: هذا تنبيهٌ على بقية الشرائط،
وإلغاءٌ لما ذكروه، ولأن لكل واحد من هذه الأوصاف تأثيراً، فاعتُبِرَ
كالمرعى. ويشترط أن يكون الخليطان من أهل الزكاة، فإن كان أحدهما ذمياً
أو مكاتباً لم يعتد بخلطته، ولا تشترط نية الخلطة، وحكي عن القاضي: أنه
اشترطها. ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: ((الخليطان ما اجتمعا في الحوض
والراعي والفحل))، ولأن النية لا تؤثر في الخلطة، فلا تؤثر في حكمها،
انتھی .
وفي ((نيل المآرب)): الخلطة مؤثرة في الزكاة ولو لم يبلغ مال كل خليط
بمفرده نصاباً. (إذا اختلط اثنان فأكثر من أهل الزكاة) فلا أثر لخلطة من ليس
من أهل الزكاة (في نصاب) فلا أثر لخلطة دون نصاب ماشيتهم اختلاطاً
يستغرق (جميع الحول) سواء كان خلطة أعيان بأن يملكا نصاباً من الماشية
مشاعاً بإرث أو شراء أو غيرهما، أو خلطة أوصاف بأن يكون مال كل منهما
متميزاً، (واشتركا في المبيت والمسرح) وهو ما تجتمع فيه الماشية لتذهب إلى
المرعى، (والمحلب) أي موضع الحلب لا الإناء، (والفحل والمرعى) أي
موضع الرعي ووقته، (زكيا كالواحد) جواب إذا (ولا تشترط نية الخلطة ولا
اتحاد المشرب ولا الراعي ولا اتحاد الفحل إن اختلف النوع كالبقر
والجاموس) للضرورة، انتهى.
٤٣

١٩ - كتاب الزكاة
(١٣) باب
(٦٦١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا تَجِبُّ الصَّدَقَةُ عَلَى الْخَلِيطَيْنِ حَتَّى يَكُونَ لِكُلِّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ،
وفي ((الروض المربع))(١): الخلطة تُصَيِّرُ المالَيْن كالواحد إن كانا نصاباً،
فلو كان لإنسان شاة ولآخر تسعة وثلاثون أو لأربعين رجلاً أربعون شاة لكل
واحد شاة واشتركا حولاً تامّاً، فعليهم شاة على حسب ملكهم، انتهى.
وقال الموفق(٢): يعتبر اختلاطهم في جميع الحول، وإن ثبت لهم حكم
الانفراد في بعضه زَكّوا زكاة المنفردين، وبهذا قال الشافعي في الجديد. وقال
مالك: لا يعتبر اختلاطهم في أول الحول؛ لقوله رَليل: ((لا يجمع بين متفرق
ولا يفرق بين مجتمع)) يعني في وقت أخذ الزكاة، ولنا: أن هذا مال ثبت له
حكم الانفراد، فكانت زكاته زكاة المنفرد، كما لو انفرد في آخر الحول،
والحديث محمول على المجتمع في جميع الحول، انتهى.
٠٠
...------
(قال مالك) في بيان مسلكه في الاختلاف الثالث من الاختلافات التي في
الخلطة، وتقدم ذكرها، (ولا تجب الصدقة على الخليطين حتى يكون لكل واحد
منهما) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك ((من الغنم))، وليست هذه الزيادة في
المصرية، فإن كانت صحيحة فذكرها لمجرد المثال، كما أن المصنف بنى
المثال الآتي على الغنم، وإلا فالحكم لا يختص بالغنم بل يعم الماشية كلها.
(ما تجب فيه الصدقة) يعني لا تؤثر الخلطة حتى يكون لكل واحد منهما
نصاب كامل، فإن كان لكل واحد منهما أقل من النصاب، ولو كان المجموع
نصاباً كاملاً، فلا زكاة عليهما عند المالكية، خلافاً للشافعية والحنابلة، كما
تقدم من مسلكهم، وإن كان لواحد منهما نصاباً كاملاً، وللآخر أقل من
نصاب، فحكمه في الزكاة حكم المنفرد، وعلى الساعي أن يأخذ الزكاة من
ماشيته خاصة .
(١) (٣٧٠/١).
(٢) ((المغني)) (٤/ ٥٥).
٤٤
ـعـ٠
---
۔
.... ------

١٩ - كتاب الزكاة
(١٣) باب
(٦٦١) حديث
وَتَفْسِيرُ ذُلِكَ؛ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لأَحَدِ الْخَلِيطَيْنِ أَرْبَعُونَ شَاةً فَصَاعِداً،
ولِلآخَرِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً، كَانَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى الَّذِي لَهُ الأَرْبَعُونَ
شَاةً، وَلَمْ تَكُنْ عَلَى الَّذِي لَهُ أَفَلُّ مِنْ ذُلِكَ، صَدَقَةٌ، فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ جُمِعَا فِي الصَّدَقَةِ، وَوَجَبَتِ الصَّدَقَةُ
عَلَيْهِمَا جَمِيعاً، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَلْفُ شَاةٍ، أَوْ أَقَلُّ مِنْ ذُلِكَ، مِمَّا
تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، ولِلآخَرِ أَرْبَعُونَ شَاةً أَوْ أَكْثَرُ، فَهُمَا خَلِيطَانِ،
يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، عَلَى قَدْرِ عَدَدِ أَمْوَالِهِمَا،
(قال مالك: وتفسير ذلك) أي الكلام المذكور سابقاً، وأوضحه المصنف
بالمثال، فقال: (إذا كان لأحد الخليطين أربعون شاة) مثلاً (فصاعداً) أي فأكثر
من الأربعين، يعني يكون له النصاب أو أكثر منه، (وللآخر) أي لآخر الخليطين
(أقل من أربعين شاة) أي أقل من النصاب ولو بواحدة، (كانت الصدقة على
الذي له أربعون شاة) فصاعداً، لملكه النصاب، وحكمه حكم المنفرد (ولم تكن
على الذي له أقل من ذلك صدقة) بالرفع اسم ((لم تكن)) لنقصه عن النصاب.
(قال مالك: وإن كان لكل واحد منهما)، زاد ههنا لفظ: ((من الغنم)) في
الهندية لا المصرية، كما تقدم. (ما تجب فيه الصدقة) أي يكون لكل واحد
منهما نصاب كامل، (جمعا) ببناء المجهول أي كلا النصابين (في الصدقة)
ويجب الصدقة في المجموع (ووجبت الصدقة عليهما) أي المالكين (جميعاً)
بقدر ماليهما، كالمالك الواحد، وأوضحه أيضاً بالمثال مثل السابق، فقال:
(فإن كانت لأحدهما ألف شاة، أو أقل من ذلك) أي أقل من الألف، بشرط أن
لا تكون أقل من النصاب، ولذا قيده بقوله: (مما تجب فيه الصدقة، وللآخر)
أيضاً نصاب (أربعون شاة أو أكثر، فهما خليطان) يؤديان الزكاة على سنة
الخلطة، (ويترادان الفضل) أي المأخوذ من نصيب أحدهما الزائد (بينهما
بالسوية).
ثم فسر السوية بقوله: (على قدر عدد أموالهما) فإذا كان لأحدهما ألف
٤٥

١٩ - كتاب الزكاة
(١٣) باب
(٦٦١) حديث
عَلَى الأَلْفِ بِحِصَّتِهَا، وَعَلَى الأَرْبَعِينَ بِحِصَّتِهَا .
قَالَ مَالِكٌ: الْخَلِيطَانِ فِي الإِبِلِ بِمَنْزِلَةِ الْخَلِيطَيْنِ فِي الْغَنَمِ، يَجْتَمِعَانِ
فِي الصَّدَقَةِ جَمِيعاً، إِذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، وَذُلِكَ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَلِ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ»، ...
وللآخر أربعون فيكون المأخوذ (على الألف بحصتها، وعلى الأربعين بحصتها)،
قال الزرقاني(١): فإذا أخذ الساعي من الألف والأربعين عشرة كان على ذي
الألف منها تسعة.
قلت: وهذا وهم من الشارح؛ لأنه لا وجه لأن يؤخذ من ذي الألف
تسعة شياه، بل تُفَضُّ قيمة عشرة شياه على ألف وأربعين، فما يساوي الألف
يكون على ذي الألف، وما يساوي الأربعين يكون على ذي الأربعين، فيكون
على ذي الألف تسعة شياه وستة عشر جزءاً من ستة وعشرين جزءاً من الشاة
العاشرة، وعلى ذي الأربعين عشرة أجزاء من ستة وعشرين جزءاً لشاة واحدة
لا غير، فأيّ الخليطين أخذ الساعي من شياهه عشرة، يرجع على صاحبه بذلك
الحساب، وذلك لأن الأربعين الجزء السادس والعشرون من ألف وأربعين،
فيكون من المأخوذ الجزء الواحد لصاحب الأربعين وخمسة وعشرون جزءاً
لصاحب الألف، فتأمل.
(قال مالك: الخليطان في الإبل بمنزلة الخليطين في الغنم) أي تأثير
الخلطة في الإبل كتأثيرها في الغنم، ويعتبر فيها ما يعتبر في الغنم من الشروط،
وكذلك الخلطة في البقر، (يجتمعان) في المصرية، و((تجمعان)) في الهندية،
(في الصدقة جميعاً) ويؤخذ الواجب من مجموعهما، (إذا كان لكل واحد منهما)
أي من الخليطين (ما تجب فيه الصدقة) أي مقدار النصاب، (وذلك) أي دليل
اشتراط النصاب لكل واحد من الخليطين؛ (أن رسول الله وَ لّم قال: ليس فيما
دون خمس ذود من الإبل صدقة) فعموم النفي يشمل الخليطين أيضاً.
(١) (١١٩/٢).
٤٦
------- ...

١٩ - كتاب الزكاة
(١٣) باب
(٦٦١) حديث
وقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً، شَاةٌ.
وَقَالَ يَحْبَىُ: قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي
ذُلِكَ.
(وقال عمر بن الخطاب) في كتاب الصدقة المذكور قبل ذلك: (في سائمة
الغنم إذا بلغت أربعين شاة) بالنصب (شاة). بالرفع مبتدأ، فقيد الزكاة ببلوغ
النصاب.
قال الباجي(١): واستدل في الغنم بقول عمر - رضي الله عنه - وهذا
يحتمل وجهين، أحدهما: أن يذهب إلى ثبوت الخلطة في النصاب الكامل،
وينفيها فيما دون النصاب، واستدل على انتفاء الزكاة فيما دون النصاب، بقول
النبي ◌َّثير في الإبل، واستدل على ثبوتها بعد كمال النصاب بقول عمر - رضي الله
عنه -، فثبت الحكمان بالدليلين، والوجه الثاني: أن يريد بذلك نفي الزكاة فيما
دون الأربعين على حسب نفيها في الإبل فيما دون الخمس، وذلك لا يكون إلا
من باب دليل الخطاب، انتهى.
(قال يحيى: قال مالك: وهذا أحب ما سمعت إليّ في ذلك) ووافقه
الثوري وغيره، قلت: وكذلك قالت الحنفية: إن الخليطين أو الشريكين لا
يجب في مالهما الزكاة، إذا لم يملكا نصاباً كاملاً، وإن ملك أحدهما يجب
في ماله، وأما إنكارهم الخلطة فمعناه: أنهم ينكرون تأثير الخلطة في نقص
الزكاة أو زيادتها، قال أبو عمر: أجمعوا على أن المنفرد لا يلزمه زكاة،
واختلفوا في الخليطين، ولا يجوز نقض أصل مجمع عليه برأي مختلف فيه،
وقال الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث: إذا بلغت ماشيتهما النصاب وجبت،
وإن لم يكن لكل نصاب.
(١) ((المنتقى)) (١٤٠/٢).
٤٧

١٩ - كتاب الزكاة
(١٣) باب
(٦٦١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ ولا
يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَصْحَابَ
الْمَوَاشِيَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ((لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ)) أَنْ يَكُونَ
النَّفَرُّ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً، قَدْ وَجَبَتْ
عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي غَنَمِهِ الصَّدَقَةُ، فَإِذَا أَظَلَّهُمُ الْمُصَدِّقُ
جَمَعُوهَا، لِئَّلَا يَكُونَ عَلَيْهِمْ فِيهَا إِلَّ شَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَنُهُوا عَنْ ذُلِكَ.
وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: (وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ)) أَنَّ الْخَلِيطَيْنِ
(قال مالك: وقال عمر بن الخطاب) في كتابه في الصدقة المتقدم: (لا
يجمع بين مفترق) بتقديم الفاء أو التاء، روايتان، كما تقدم، (ولا يفرق بين
مجتمع خشية الصدقة، أنه) أي عمر - رضي الله عنه - (إنما يعني بذلك أصحاب
المواشي) أي الملاك، كما هو ظاهر مقتضى قوله: خشية الصدقة، قاله
أبو عمر.
(قال مالك: وتفسير قوله: لا يجمع بين مفترق) أوضحه بالمثال،
فقال: (أن يكون النفر الثلاثة الذين يكون لكل واحد منهم أربعون شاة)
بالنصب تمييز (قد وجبت على كل واحد منهم في غنمه الصدقة) بالرفع فاعل
((وجبت))، يعني لملكهم النصاب، ومضي الحول، (فإذا أظلهم) بظاء
معجمة، أي أشرف عليهم (المصدق) بضم الميم، وتخفيف الصاد، وكسر
الدال المشددة، أي الساعي، (جمعوها) خلطة (لئلا يكون عليهم فيها إلا
شاة واحدة)، لأنها وظيفة مائة وعشرين، (فنهوا عن ذلك)(١) أي هذا
الاختلاط لتقليل الصدقة.
(وتفسير قوله: ولا يفرق بين مجتمع، أن الخليطين) يكون لهما مائتا شاة
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٥١/٩).
٤٨

١٩ - كتاب الزكاة
(١٣) باب
(٦٦١) حديث
يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَائَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ، فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا فِيهَا ثَلاثُ
شِيَاءٍ، فَإِذَا أَظَلَّهُمَا الْمُصَدِّقُ، فَرَّقَا غَنَمَهُمَا، فَلَمْ يَكُنْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ
مِنْهُمَا إِلَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَنُهِيَ عَنْ ذُلِكَ، فَقِيلَ: لا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ،
وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ.
وشاتان بأن (يكون لكل واحد منهما مائة شاة) بالكسر للإضافة (وشاة) بالرفع
(فيكون عليهما) أي الخليطين (فيها ثلاث شياه)، لأنها وظيفة ما فوق المائتين.
(فإذا أظلهما المصدق) أي الساعي (فرّقا غنمهما، فلم يكن) بعد التفريق
(على كل واحد منهما إلا شاة واحدة)، لأنها وظيفة الأربعين إلى مائة وعشرين،
فإذا فرق كل واحد منهما غنمه صار لكل واحد مائة وشاة فعليه شاة واحدة،
(فنهي) ببناء المجهول (عن ذلك) الجمع والتفريق، (فقيل: لا يجمع بين مفترق
ولا يفرق، بين مجتمع، خشية الصدقة، قال: فهذا الذي سمعت في) تفسير
(ذلك) وإليه ذهب سفيان الثوري والأوزاعي.
قال ابن رشد في ((مقدماته))(١): ذهب الشافعي إلى أن النهي فيه إنما هو
للسُّعَاة، وذهب مالك إلى أن النهي إنما هو لأرباب المواشي، والصواب على
عمومه لهما جميعاً: لا يجوز للساعي أن يجمع غنم رجلين إن لم يكونا
خليطين، فيزكيهما على الخلطة ليأخذ أكثر من الواجب له، ولا أن يفرق غنم
الخليطين، فيزكيهما على الانفراد ليأخذ أكثر من الواجب له، وكذا أرباب
الماشية لا يجوز لهم إذا لم يكونوا خلطاء أن يقولوا: نحن خلطاء، ليؤدوا على
الخلطة أقل مما يجب عليهم في الانفراد، ولا يجوز لهم أيضاً إذا كانوا خلطاء
أن ينكروا الخلطة، ليؤدوا على الانفراد أقل مما يجب عليهم على الخلطة.
وأما أبو حنيفة الذي لا يقول بالخلطة، فيقول: المعنى في ذلك: أنه لا
(١) (٢٦٨/١).
٤٩

١٩ - كتاب الزكاة
(١٣) باب
......
(٦٦١) حديث
يجوز للساعي أن يجمع ملك الرجلين، فيزكيهما على ملك واحد، مثل أن
يكون للرجلين أربعون شاة فيما بينهما، ولا أن يفرق بملك الرجل الواحد،
فيزكيه على أملاك متفرقة، مثل أن يكون له مائة وعشرون، فلا يجوز له أن
يجعلها ثلاثة أجزاء، انتهى.
وقال الحافظ(١): قال الشافعي: هو خطاب لرب المال من جهة،
وللساعي من جهة، فأمر كل واحد منهم أن لا يُحْدِثَ شيئاً من الجمع والتفريق
خشية الصدقة. فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقِلَّ،
والساعي يخشى أن تقلّ الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر، فلما كان محتملاً
للأمرين لم يكن الحمل على أحدهما بأولى من الآخر، فحمل عليهما معاً،
لكن الذي يظهر أن حمله على المالك أظهر، انتهى.
قال العيني (٢): المعنى واحد، لكن صرف الخطاب الشافعي إلى
الساعي، كما حكاه عنه الداودي في ((كتاب الأموال))، وصرفه مالك إلى
المالك، وهو قول أبي ثور، وقال الخطابي عن الشافعي: إنه صرفه إليهما،
وقال أبو يوسف: معناه: أن يكون لرجل ثمانون شاة، فإذا جاء المصدق قال:
هي بيني وبين إخوتي، لكل واحد عشرون فلا زكاة، أو أن يكون له أربعون
ولإخوته أربعون فيقول: كلها لي فشاة، وفي ((المحيط)) يكون خطاباً للساعي أو
لرب المال، وفي ((المبسوط)): المراد من الجمع والتفريق في الملك لا في
المكان، انتهى مختصراً.
وحمل صاحب ((البدائع)) الجملتين على المالك والساعي معاً، وصور له
أربع صور، فالأوجه حملهما عليهما معاً كما هو مختار ابن رشد والحافظ
والكاساني.
(١) ((فتح الباري)) (٣١٤/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٤٠/٦).
٠
--
- صـ
-...

١٩ - كتاب الزكاة
(١٤) باب
(١٤) باب ما جاء فيما يعتدّ به من السَخْل في الصَّدقة
(١٤) باب ما جاء فيما يعتدّ به من السَخْل في الصَّدقة
(ما جاء فيما يعتدّ به) أي يُحسب ويُعتبر في الحساب (من السَخْل) بفتح
السين وسكون المعجمة وباللام، جمع سخلة مثل تمر وتمرة، ويُجمع أيضاً
على سخال: أولاد الغنم ساعة تنتج، كما سيأتي في كلام المصنف، ولفظة
((من)) بيان لـ((ما)) (في الصدقة) أي ما جاء في عَدِّ السخال لأخذ الزكاة.
وههنا ثلاثة مسائل ينبغي التمييز بينها. الأولى: عداد السخال تبعاً
للأمهات، قال الزرقاني(١) تبعاً للباجي: لا خلاف فيه بين الفقهاء إذا كانت
الأمهات نصاباً إلا ما يروى عمن لا يُعْتَدُّ بخلافه أنه لا يحسب السخال بحال،
قال الباجي(٢): والدليل على ذلك قولُ عمر - رضي الله عنه - هذا بحضرة
الصحابة والعلماء وأخذ به صدقة الناس، ولا يعلم أحد قال بخلافه، انتهى.
قال الموفق(٣): متى كان عنده نصاب كامل فنتجت منه سخالٌ في أثناء
الحول وجبت الزكاة في الجميع عند تمام حول الأمهات في قول أكثر أهل
العلم، وحُكِي عن الحسن والنخعي: لا زكاة في السخال حتى يحول عليها
الحول، لقوله وَ﴾: ((لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول)).
ولنا ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال لساعيه: اعتدّ عليهم بالسخلة
يروح بها الراعي على يديه ولا تأخذها منهم، وهو مذهب علي، ولا نعرف لهما في
عصرهما مخالفاً فكان إجماعاً، والخبر مخصوص بمال التجارة فنقیس علیه، انتهى.
الثانية: ما في الباجي أيضاً: إذا قصرت الماشية عن النصاب وكملت
نصاباً بالسخال عُدَّت السخال وأُخِذَتِ الزكاة، وقال أبو حنيفة والشافعي:
يُستأنف بها حول من يوم كمل النصاب، انتهى.
(١) (١٢١/٢).
(٢) ((المنتقى)) (١٤٣/٢).
(٣) ((المغني)) (٤٦/٤).
٥١

١٩ - كتاب الزكاة
(١٤) باب
قال الموفّق: أما إن لم يكمل النصاب إلا بالسِّخال احتسب الحول من
حين كمُل النصاب في الصحيح من المذهب، وهو قول الشافعي وإسحاق
وأبي ثور وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى: أنه يعتبر حول الجميع
من حين ملك الأمهات وهو قول مالك، لأن الاعتبار بحول الأمهات دون
السخال، ولنا أنه لم يَحُل الحولُ على نصاب فلم تجب الزكاة كمال التجارة،
فإنه لا يختلف الرواية فيه، انتهى.
وفي ((الروض المربع))(١): إن حول النتاج حول الأصل إن كان نصاباً،
وإن لم يكن الأصل نصاباً فحول الجميع من كماله نصاباً، انتهى. وقال
ابن رشد (٢): قال مالك: حول النسل هو حول الأمهات كانت الأمهات نصاباً
أولم تكن كما قال في رِبح الناضِّ، وقال الشافعي وأبو حنيفة، وأبو ثور: لا
يكون حول النسل حول الأمهات إلا أن تكون الأمهات نصاباً، وسبب
اختلافهم هو بعينه سبب اختلافهم في ربح المال، انتهى. وتقدم الكلام على
ربح المال في محله.
قلت: ما حكوا عن الإمام الشافعي وافقهم على ذلك غيرهم من نقلة
المذاهب، لكن قال ابن التركماني(٣): مذهب الشافعية أنه لا يعدّ بما نتجت
المواشي إلا إذا كانت الأمهات دون الأولاد عدداً تجب فيه الزكاة، وحكى
الطحاوي في ((أحكام القرآن)) عن الشافعي - رضي الله عنه -: أنه لا يعتدّ
بالصغار مع الكبار حتى تكون الكبار أربعين فصاعداً، قال الطحاوي: ما علمنا
أحداً تقدمه فيه، ولا نعلم عمن أخذ هذا التفصيل، وقد دفعه خبر عمر
- رضي الله عنه - انتهى. أي الآتي ذكره.
(١) (٢٦٠/١).
(٢) (بداية المجتهد)) (١ / ٢٧٤).
(٣) ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (١٠٣/٤).
٥٢
... --

١٩ - كتاب الزكاة
(١٤) باب
وعلم منه أن مذهب الحنفية في ذلك لا يوافق الشافعية، وفي
((البدائع))(١): إذا اجتمعت الصغار والكبار وكان واحد منها كبيراً فإنَّ الصغار
تُعدُّ، ويجب فيها ما يجب في الكبار بلا خلاف ((أي عند أئمتنا))، لما روي عن
رسول الله وَر أنه قال: ((تعدّ صغارها وكبارها))، وروي أن الناس شكوا إلى
عمر فذكر الأَثَر الآتي في ((الموطأ)).
وقال ابن رشد: سبب اختلافهم احتمال قول عمر - رضي الله عنه - إذ
أمر أن تُعَدَّ عليهم بالسخال ولا يؤخذ منها شيء، فإن قوماً فهموا من هذا إذا
كانت الأمهات نصاباً، وقوماً فهموا هذا مطلقاً، وأحسب أن أهل الظاهر لا
يوجبون في السخال شيئاً، ولا يعدّون بها، لا كانت لأمهات نصاباً ولا لم
تكن، لأن اسم الجنس لا ينطلق عليها عندهم، انتهى.
والثالثة: إن كانت إبله فُضْلاناً كلها وبقره عجاجيل أو غنمه سخالاً، فقال
العيني(٢): تحقيق مذهب الحنفية في ذلك ما قاله صاحب ((الهداية)): وليس في
الفُصلان والعجاجيل والحِمْلان صدقة، وهذا آخر أقوال أبي حنيفة، وبه قال
محمد بن الحسن والثوري والشعبي وداود وأبو سليمان، وكان يقول أولاً:
يجب فيها ما يجب في الكبار من الجذع والثنية، وبه قال زفر ومالك وأبو عبيد
وأبو ثور وأبو بكر من الحنابلة، ثم رجع، وقال: يجب واحدة منها، وبه قال
الأوزاعي وإسحاق ويعقوب والشافعي في الجديد وصححوه، ثم رجع إلى ما
ذكرناه آنفاً انتهى. وههنا أقوال أخر ذكرها العيني.
قال الباجي: إن كانت كلها فُصلاناً أو عَجاجيل أو سِخالاً فإنه يكلف أن
يأتي بالسن الواجبة عليه أن لو كانت كباراً، انتهى.
(١) (٣١/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٦٥٩/٦).
٥٣

١٩ - كتاب الزكاة
(١٤) باب
(٦٦٢) حديث
٢٦/٦٦٢ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ
الدِّيلِيِّ، عَنِ ابْنِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيّ، عَنْ جَدِّه سُفْيَانَ بْنِ
عَبْدِ اللهِ:
وقال ابن رشد في ((البداية))(١): هل تجب في صغار الإبل؟ وإن وجبت
فماذا يكلف؟ فإن قوماً قالوا: تجب فيها الزكاة، وقوم قالوا: لا تجب، وسبب
اختلافهم: هل يتناول اسم الجنس الصغار أو لا يتناوله؟ والذين قالوا: لا
تجب فيها زكاة، هو أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة (٢)، وقد احتجوا
بحديث سويد بن غفلة أنه قال: أتانا مُصَدِّق النبي ◌َّ، فأتيته، فجلست إليه
فسمعته يقول: إن في عهدي أن لا آخذ من راضع لبن، والذين أوجبوا الزكاة
فيها، منهم من قال: يكلف شراء السن الواجبة عليه، ومنهم من قال: يأخذ
منها، وهو الأقيس، وبنحو هذا الاختلاف اختلفوا في صغار البقر وسِخالِ
الغَنَمِ، انتهى.
٢٦/٦٦٢ - (مالك، عن ثور) بفتح المثلثة (ابن زيد الديلي) بكسر المهملة
بعدها تحتانية (عن ابنِ لِعَبْدِ الله بنِ سفيانَ الثقفي) لم أجد اسمه في مبهمات
الرجال ولا تعرض عنه الشرّاح، نعم ذكر الحافظ في ((تهذيبه))(٣) فيمن روى عن
سفيان بن عبد الله الثقفي أبناءه عاصم وعبد الله وعمرو وابن ابنه محمد،
ويقال: محمود بن أبي سويد بن سفيان، وسيأتي في آخر الحديث أن البيهقي
وابن أبي شيبة أخرجاه عن بشر بن عاصم بن سفيان عن أبيه عن جده.
(عن جده سفيان بن عبد الله) بن ربيعة بن الحارث الثقفي الطائفي
الصحابي كان عامل عمر - رضي الله عنه - على الطائف، ولآه عليها إذ عزل
عثمان بن أبي العاص عنها .
(١) (١/ ٢٦١).
(٢) انظر: ((فتح القدير)) (٤/١، ٥) و((الدر المختار)) (٢٦/٢).
(٣) ((تهذيب التهذيب)) (١١٥/٤).
٥٤
--- -
---

١٩ - كتاب الزكاة
(١٤) باب
(٦٦٢) حديث
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَهُ مُصَدِّقاً. فَكَانَ يَعُدُّ عَلَى النّاسِ بالسَّخْلِ.
فَقَالُوا: أَتَعُذُّ عَلَيْنَا بِالسَّخْلِ، وَلا تَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئاً؟! فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ تَعُدُّ عَلَيْهِمْ
بِالسَّخْلَةِ، يَحْمِلُهَا الرَّاعِي، وَلَا تَأْخُذُّهَا، ولا تَأْخُذُ الأَكْوَلَةَ وَلَا
الرَُّّى وَلَا الْمَاخِضَ وَلا فَحْلَ الْغَنَمِ. وَتَأْخُذُ الْجَذَّعَةَ
(أن عمر بن الخطاب بعثه مصدّقاً) أي جابياً للصدقة (فكان يَعُدُّ) أي
يحسب (على النأس بالسَّخل) بالفتح (فقالوا) إنكاراً عليه: (تَعُدّ) بزيادة همزة
الاستفهام في أوله في النسخ المصرية (١) وبدون الهمزة في الهندية (علينا
بالسَّخل) أيضاً (ولا تأخذ منه شيئاً) في الزكاة (فلما قدم) سفيان (على عمر بن
الخطاب ذكر ذلك له) أي ذكر الذي فعل بهم وإنكارهم عليه.
(فقال عمرُ:) - رضي الله عنه -: (نَعَمْ نَعُذُّ) بالتاء على صيغة الخطاب في
النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية بالنون على صيغة الجمع للمتكلم، وعليه
مشى شيخنا الدهلوي في ((المصفّى))، وهكذا في الأفعال الثلاثة الآتية من
قوله: لا تَأْخُذُهَا، ولا نَأُخُذُ الأكولة، ونأخذُ الجَذْعةَ (عليهم بالسَّخْلَةِ) التي
(يَحْمِلُهَا الراعي) ولا تقدر على المشي لصغرها (ولا نَأْخُذُهَا) في الزكاة؛ لأنها
من الصغار بمنزلة الأراذل، ولا يؤخذ في الزكاة إلا الوسط.
(ولا نَأْخُذُ الأَكولةَ) بالفتح سيأتي تفسيرها (ولا الرُّبَّى) بضم راء مهملة
وشدة موحدة وقصر ((مجمع)) بزنة فُعْلَى، وجمعها رُباب كغُراب (ولا الماخِضَ)
بمعجمتين سيأتي تفسيرهما أيضاً (ولا فَحْلَ الغنم) أي ذَكَرَهُ (ونَأْخُّذُ الجَذْعَةَ) قال
في ((المجمع)): هو ما كان شاباً فتياً، فهو من الإبل ما تَمَّ له أربع سنين، ومن
البقر والمعز ما تمَّ له سنة، وقيل: من البقر ما له سنتان، ومن الضأن ما تمت
له سنة، وقيل: أقل منها، انتهى.
(١) كما في ((الاستذكار)) (١٧٩/٩).
٥٥

١٩ - كتاب الزكاة
(١٤) باب
(٦٦٢) حديث
والتَِّيَّةَ،
وفي ((الشرح الكبير))(١) للدردير: في أربعين شاة جذع أو جذعة ذو سنة
ولو كان معزاً، قال الدسوقي: ذو سنةٍ أي تامةٍ كما قال ابن حبيب، وقيل: ابن
عشرة أشهر، وقيل: ابن ثمانية، وقيل: ابن ستة، وكان الأولى للمصنف أن
يزيد: أو ثني، كما في ((المدونة)) وغيرها .
وقد يقال: إن المصنف إنما تكلّم على أقلِّ ما يُجزئ وهو الجذع، وأما
الثنيُّ فهو أكبر من الجذع، لأن الجذع من الضأن والمعز ذو سنة تامة، وأما
الشنيُّ منهما فهو ما أوفى سنةً ودخل في الثانية، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): يؤخذ الثني في زكاتها، ولا يؤخذ الجذع من الضأن
إلا في رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهو ما أتى عليه أكثرُ السَنَةِ، وعن
أبي حنيفة، وهو قولهما: أنه يؤخذ الجذع لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما
حقنا الجذعة والثني))، ولأنه يتأدى به الأضحية فكذا الزكاة، وجه الظاهر
حديث عليّ موقوفاً ومرفوعاً: ((لا يُؤخذ في الزكاة إلا الثنيُّ فصاعداً))، أو لأن
الواجب هو الوسط، وهذا من الصغار، ولذا لا يجوز الجذع من المعز،
وجواز التضحية به عرف نصاً، انتهى.
فعلم من ذلك أن الحنفية والمالكية متفقان على أنه لا يصح في الزكاة
أصغر من ذي سنة، والاختلاف بينهما في وجه الاستدلال فقط، وكذلك عند
الشافعية، كما سيأتي عن ((شرح الإقناع))، نعم يصح عند الحنابلة جذعة ضأن
ابن ستة أشهر، كما سيأتي عن ((نيل المآرب)).
(والثنيَّة) تقدم ما قال الدسوقي: إن الثنيَّ ما أوفى سنةً، ودخل في
الثانية، وفي (الدر المختار)): هو ما تمت له سنة، قال ابن عابدين: أي ودخل
(١) (٤٣٥/١).
(٢) ((الهداية)) (٩٩/١) طبعة بيروت.
٥٦
--------

١٩ - كتاب الزكاة
(١٤) باب
(٦٦٢) حديث
وَذُلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غذاءِ الْغَنَمِ وَخِيَارِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالسَّخْلَةُ الصَّغِيرَةُ حِينَ تُنْتَجُ. وَالرُّبَّى التِي قَدْ
وَضَعَتْ،
في الثانية، كما في ((الهداية)) وسائر كتب الفقه، والمذكور في ((الصحاح))
و ((المغرب)) وغيرهما من كتب اللغة أنه من الغنم ما دخل في الثالثة، ولذا قال
الزيلعي: هذا على تفسير الفقهاء، وعند أهل اللغة ما طعن في الثالثة، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع))(١): فيها شاة جذعة من الضأن لها سنة، أو ثنية من
المعز لها سنتان، انتهى. وفي ((نيل المآرب)): فيها شاة تم لها سنةٌ أو جذعة
ضأن تمّ لها ستة أشهر، انتهى.
(وذلك) أي أخذ الجذعة والثني لأنه (عَدْلٌ) أي وسط (بين غذاء)
بمعجمتين بزنة كرام جمع غذي ككريم أي سِخال، وقال القاري في ((شرح
النقاية)): بغين مكسورة وذان معجمة ممدودة هو الردي (الغنم وخياره) حاصل
ما قال عمر - رضي الله عنه -: إنا كما نحسب الجيّد ولا نأخذ منه كذلك
نحسب الرديَّ ولا نأخذ منه حذاءً بحذاءٍ وأخذنا الأوسط.
(قال مالك:) في شرح الألفاظ المشكلة من أثر عمر - رضي الله عنه -:
(السَّخلةُ الصغيرةُ حين تُنْتَجُ) ببناء المجهول من الإنتاج أي ساعة تولد، قال
الأزهري: تقول العرب لأولاد الغنم ساعة تضعها أمها من الضأن أو المعز
ذكراً كان أو أنثى: سخلة، وفي ((المجمع)): السخلة بفتح سين فمعجمة ولدُ
معزِ أو ضأنٍ ذكراً أو أنثى، وقيل: وقت وضعه.
وقال الموفق(٢): السخلة بفتح السين وكسرها الصغيرة من أولاد المعز
(والرُّبّى التي قد وضعت) قال المجد: الربى كحُبْلى، الشاة إذا ولدت وإذا مات
(١) (٣٢٧/٢).
(٢) ((المغني)) (٤٦/٤).
٥٧

١٩ - كتاب الزكاة
(١٤) باب
(٦٦٢) حديث
فَهِيَ تُرَبِّي وَلَدَهَا. وَالْمَاخِضُ هِيَ الْحَامِلُ. وَالأَكُولَةُ هِيَ شَاةُ اللَّحْم
الّتِي تُسَمَّنُ لِتُؤْكَلَ.
ولدها أيضاً، والحديثة النتاج بأن يمضي لها من ولادتها نصف شهر كما قاله
الأزهري، أو شهران كما نقله الجوهري، كذا في ((شرح الإقناع))(١)، وفي
(المغني))(٢): قال أحمد: الرُّبَّى التي وضعت وهي تربي ولدها يعني قريبة العهد
بالولادة، وتقول العرب في ربابها كما تقول في نفاسها، انتهى.
وفي ((المجمع)): هي التي تُربَّى في البيت من الغنم لأجل اللبن، وقيل:
شاة قريبة العهد، قال أبو زيد: ليس لها فعل، وهي من المعز، وكذا قال
صاحب ((المجرد)): إنها في المعز خاصة، وقال جماعة: من المعز والضأن،
وربما أطلق في الإبل (فهي تربي ولدها) إشارة إلى وجه التسمية بذلك.
(والماخِض هي الحامل) قال المجد: الماخض من النساء والإبل والشاء:
المُقْرِب، وفي ((المغني)): قال أحمد: الماخض التي قد حان ولادها، فإن كان
في بطنها ولد ولم يَحِنْ ولادها فهي خَلِفَةٌ، انتهى.
(والأكُولة) بفتح فضم مُسَمَّنَة للأكل، كذا في ((شرح المنهاج)) (وهي شاة
اللحم التي تُسَمَّن لتؤكل) كلا الفعلين ببناء المجهول، وفي ((المجمع)): وقيل:
الخصي، وفي ((شرح الإحياء)) عن (المصباح)): هي الشاة تُسَمَّنُ، وتعزل
لتستريح وليست بسائمة فهي من كرائم الأموال، انتهى.
وأثر عمر - رضي الله عنه - هذا أخرجه البيهقي في ((سننه)) (٣) بسنده
إلى عبيد الله بن عمر عن بشير بن عاصم عن أبيه عن جده قال: استعملني
عمر على صدقات قومي، فاعتددتُ عليهم بالبُهْم فاشتكوا ذلك، وقالوا: إن
كنت تَعُدُّها من الغنم فخذ منها صدقتك. قال: فاعتددنا عليهم بها، ثم لقيت
(١) (٣٢٨/٢).
(٢) (٤٤/٤).
(٣) ((السنن الكبرى)) (١٠٣/٤).
٥٨
- -

١٩ - كتاب الزكاة
(١٤) باب
(٦٦٢) حديث
وَقَالَ مَالِكٌ؛ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْغَنَمُ لا تَحِبُّ فِيهَا الصَّدَقَةُ،
فَتَوَالَدُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهَا الْمُصَدِّقُ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، فَتَبْلُغُ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ
بِولَادَتِهَا .
قَالَ مَالِكٌ: إِذَا بَلَغَتِ الْغَنَمُ بِأَوْلَادِهَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ،
فَعَلَيْهِ فِيهَا الصَّدَقَةُ. وَذُلِكَ أَنَّ وِلَادَةَ الْغَنَمِ مِنْهَا .
عمر - رضي الله عنه - فقلت: إن قومي استنكروا عليَّ أن أعتدَّ عليهم
بالبُهْم، وقالوا: إن كنت تراها من الغنم فخذ منها صدقتك.
فقال عمر - رضي الله عنه -: اعتدّ على قومك يا سفيان بِالبُهم وإن جاء
بها الراعي يحملها في يده، وقل لقومك: إنا ندع لهم الماخض والرُّبَى وشاة
اللحم وفحل الغنم، ونأخذ الجذع والثنيّ، وذلك وسط بيننا وبينكم في المال،
وأخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) عن ابن عيينة عن بشر بن عاصم بن
سفيان عن أبيه أن عمر - رضي الله عنه - استعمل أباه على الطائف، الحديث.
(قال مالك في الرجلِ تكونُ له الغنمُ) بمقدارٍ (لا يجب فيها الصدقة) لعدم
بلوغها النصاب (فَتَوالَدُ) بحذف إحدى التائين في النسخ الهندية، وبه ضبطه
الزرقاني، وفي أكثر النسخ المصرية بإثباتها (قبل أن يَأْتِيَهَا) أي الغنم، وفي
نسخة: يأتيه، أي المالك (المصدَّقُ) بالرفع أي الساعي (بيوم واحدٍ، فتبلغ ما
تجب فيه الصدقة) أي تبلغ النصاب (بولادتها).
(قال مالك:) أعاده لطول الفصل (إذا بلغتِ الغنمُ بأولادها) أي ولو بسبب
عداد أولادها (ما تجبُّ فيه الصدقةُ) وهو النصاب (فعليهِ فيها الصدقةُ، وذلك)
أي وجه ذلك (أنَّ وِلادَةَ الغنم منها) فَيُحْسَبُ مَعَهَا، والولادة مصدر بمعنى
المولودة، ففي ((مختار الصحاح)): ولدت المرأة ولاداً أو ولادة، اهــ ثم اللفظ
هكذا في النسخ المصرية، وفي الهندية: أن والدة الغنم منها، فيحتمل أن يكون
بمعناه أو بمعنى المولودة.
٥٩

١٩ - كتاب الزكاة
(١٤) باب
(٦٦٢) حديث
قال الباجي(١): في هذا مسألتان، إحداهما: أن النماء يُكمِّلُ النصابَ
على ما تقدم، اهـ. قلت: والمراد بما تقدم ما ذكر في المسألة الثانية من
المسائل الثلاثة في أول الباب، والمسألة الثانية: ما في الباجي أن المعتبر
بمجيء الساعي بعد الحول، فإن كمل النصاب بالولادة قبل أن يصدّقها
المصدّق وجبت فيها الزكاة، وإن صدّقها ثم بلغت النصاب بعد ذلك فلا زكاة
فيها، لأن ذلك نماء حول آخر، اهـ.
وصرح في ((الشرح الكبير)»(٢): أن الساعي شرط وجوب الزكاة إن كان ثَمَّ
ساع، ووصل، فإذا مات شيء من المواشي بعد الحول قبل مجيئه فلا يُحْسَبُ،
ويزكي الباقي، وكذا ما حصل بعد الحول قبل مجيئه، وقال الباجي بموضعٍ
آخر: قال الشافعي مرة: مجيء الساعي شرط في الوجوب، وقال مرة: هو
شرط في الضمان، اهـ.
وقال الموفق(٣): الزكاة تجب بحلول الحول سواء تمكّن من الأداء أو لم
يتمكّن، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو أحد قولَي الشافعي، وقال في الآخر:
التمكن من الأداء شرط، فيشترط للوجوب ثلاثة أشياء: الحول، والنصاب،
والتمكن من الأداء، وهذا قول مالك حتى لو أتلف الماشية بعد الحول قبل
إمكان الأداء لا زكاة عليه إذا لم يقصد الفرار من الزكاة.
ولنا قول النبي وََّ: ((لا زَكاةَ في مالٍ حتى يَحولَ عليهِ الحولُ»، فمفهومه
وجوبها عليه إذا حال الحول، ثم قال: والزكاةُ لا تسقطُ بتلفِ المالِ فرَّط أو
لم يُفرِّظ، هذا المشهور عن أحمد، وحكى عنه الميموني: إن تلف قبل التمكن
من الأداء سقطت، وحكاه ابن المنذر مذهباً لأحمد، وهو قول الشافعي
(١) ((المنتقى)) (١٤٤/٢).
(٢) (٤٤٣/١).
(٣) («المغني)) (٤/ ١٤٣).
٦٠