النص المفهرس

صفحات 661-680

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
وَفِيمَا فَوْقَ ذُلِكَ، إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، بِنْتُ لَبُونٍ.
◌َرَفِيمَا فَوْقَ ذُلِكَ، إِلَى سِنِّينَ، حِقَّةٌ طَرُوفَةُ الْفَحْلِ.
شراء بنت مخاض، وهذا قول مالك، وقال الشافعي: يجزئه شراء ابن لبون
لظاهر الخبر وعمومه.
ولنا: أنَّهما اسْتَوَيَا في العدم، فلزمته ابنة مخاض، كما لو استويا في
الوجود، والحديث محمول على وجوده؛ لأن ذلك للرِّفق به إغناءً له عن
الشراء، ومع عدمه لا يستغني عن الشراء، فكان شراء الأصل أولى، على أن
في بعض ألفاظ الحديث: ((فمن لم يكن عنده ابنة مخاض على وجهها، وعنده
ابن لبون فإنه يقبل منه)) فشرط في قبوله وجوده وعدمها، وهكذا في حديث أبي
بكر .
فإن لم يجد إلا ابنة مخاض معيبة فله الانتقال إلى ابن لبون، لقوله في
الخبر: ((فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها)) ولأن وجودها كعدمها
لكونها لا يجوز إخراجها، فأشبه الذي لا يجد إلا ما لا يجوز به الوضوء في
انتقاله إلى التيمم، وإن وجد ابنة مخاض أعلى من صفة الواجب لم يُجزئه ابن
لبون؛ لوجود بنت مخاض على وجهها، ويُخيّر بين إخراجها وبين شراء بنت
مخاض على صفة الواجب، انتهى.
(وفيما فوق ذلك) أي من ست وثلاثين (إلى خمس وأربعين بنت لبون)
والغاية داخلة في المغيا، بدليل قوله: (وفيما فوق ذلك إلى ستين حقة) بكسر
الحاء المهملة وتشديد القاف، ما لها ثلاث سنين، سميت بذلك لأنها استحقت
أن تركب وتحمل ويطرقها الفحل، والجمع: حقاق، بالكسر والتخفيف (طروقة
الفحل) صفة لحقة، والطروقة بفتح الطاء المهملة، كما ضبطه القاري والحافظ
في ((الفتح)) وغيرهما، فما في الزرقاني من ضم الطاء، لم أجده في الكتب
المعروفة، فعولة بمعنى مفعولة أي بلغت أن يطرقها الفحل، قال المجد:
الفحل الذكر من كل حيوان.
٦٦١

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
وَفِيمَا فَوْقَ ذُلِكَ، إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، جَذَعَةٌ.
وَفِيمَا فَوْقَ ذُلِكَ، إِلَى تِسْعِينَ، ابْنَتَا لَبُونِ .
وَفِيمَا فَوْقَ ذُلِكَ، إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، حِقَّتَانِ، طَرُوقَتَا الْفَحْلِ.
(وفيما فوق ذلك) وهو إحدى وستون (إلى خمس وسبعين جذعة) بفتح
الجيم والذال المعجمة ما لها أربع سنين ودخلت في الخامسة، وإنما سُمِّيت
بذلك لأنها سقطت أسنانها، والجذع السقوط، وقيل: لتكامل أسنانها، وقال
التوربشتي: يقال للإبل في السنة الخامسة: أجذع، وجذع اسم له في زمن ليس
سن ينبت ولا يسقط، والأنثى جذعة.
وقال القاري في ((شرح النقاية)): بفتحات، سميت بذلك لمعنى في
الأسنان يعرفها أهلها، وقال المولوي إلياس في شرحه على ((النقاية)): سميت
بها لأنها لا يستوفى ما يطلب منها إلا بضرب تكلف وحبس، كأنها مصدر
بمعنى المفعول، مأخوذ من قولك: جذعت الدابة إذا حبستها من غير علف،
انتھی .
.-
(وفيما فوق ذلك) وهو ست وسبعون (إلى تسعين بنتا لبون) كذا في النسخ
الهندية، وفي المصرية: ابنتا لبون، وكلها متفقة على تثنية البنت، فما في بعض
النسخ القديمة من الإفراد تحريف من الناسخ.
(وفيما فوق ذلك) وهو إحدى وتسعون (إلى عشرين ومائة حقتان طروقتا
الفحل) اتفقت الأئمة من أول الحديث إلى هذا، إلا ما تقدم عن عليّ -
رضي الله عنه -، أنه قال: في خمس وعشرين خمس شياه، حكى عليها
الإجماع جماعة، منهم السرخسي في ((مبسوطه))، والعيني في ((شرحه)) (١) فقال:
لا خلاف فيها بين الأئمة، وعليها اتفقت الأخبار عن كتب الصدقات التي كتبها
رسول الله وَ﴾، وقال السرخسي: على هذا اتفقت الآثار، وأجمع العلماء -
رحمهم الله - ثم الاختلاف بينهم بعد ذاك.
(١) ((عمدة القاري)) (٤٥٣/٦).
٦٦٢
---

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حدیث
فَمَا زَادَ عَلَى ذُلِكَ مِنَ الإِبِلِ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ، بِنْتُ لَبُونٍ.
وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ.
(فما زاد على ذلك) أي على مائة وعشرين (من الإبل ففي كل أربعين بنت
لبون وفي كل خمسين حقة) واختلفوا في المراد بذلك على أقوال كثيرة،
فمذهب الشافعي أنه إذا زادت على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلث بنات لبون
ولا عبرة بزيادة بعض الواحدة ففيها حقتان فقط، صرح به في (شرح المنهاج)).
قال الموفق: إن زادت على مائة وعشرين جزءاً من بعير، لم يتغير
الفرض عند أحد من الناس؛ لأن في بعض الروايات: ((فإذا زادت واحدة))،
وهذا يفيد مطلق الزيادة في الرواية الأخرى، ولأن سائر الفروض لا تتغير
بزيادة جزء، انتهى.
فإذا صارت مائة وثلاثين، ففيها حقة وبنتا لبون، ثم يدور الحساب على
الأربعينات، والخمسينات، لحديث الباب، وبه قال إسحاق بن راهويه وأحمد
في رواية، وقال محمد بن إسحاق وأبو عبيد وأحمد في رواية: لا يتغيَّرْ الفرض
إلى ثلاثين ومائة، فيكون فيها حقة وبنتا لبون.
قال الموفق(١): إذا زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث بنات
البون، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومذهب الأوزاعي، والشافعي،
وإسحاق، والرواية الثانية: لا يتعدى الفرض إلى ثلاثين، فيكون فيها حقة وبنتا
لبون، وهو مذهب محمد بن إسحاق بن يسار وأبي عبيد، ولمالك روايتان.
ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا زادت على عشرين ومائة))،
الحديث(٢)، والواحدة زائدةٌ، وقد جاء مصرحاً في حديث الصدقات الذي كتبه
رسول الله ◌َّليّ وكان عند آل عمر - رضي الله عنهم -، رواه أبو داود والترمذي(١)
(١) («المغني)) (٢٠/٤).
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٧٠) والترمذي (٦٢١).
٦٦٣

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
وحسنه، وقال ابن عبد البر: هو أحسن شيء روي في الصدقات، وقال
ابن مسعود والنخعي والثوري وأبو حنيفة: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة
استُؤنفت الفريضة؛ لما روي أن النبي وَّل كتب لعمرو بن حزم كتاباً، ذكر فيه
الصدقات والديات، وذكر فيه مثل هذا، إلى آخر ما بسطه.
وعن مالك روايتان، روى عنه ابن القاسم وغيره: أن الساعي بالخيار بين
أن يأخذ ثلاث بنات لبون أو حقتين، أي في إحدى وعشرين ومائة، كما في
((البداية))(١) وهو قول مطرف، وابن أبي حازم، وابن دينار، وأصبغ، وقال
ابن القاسم: فيها ثلاث بنات لبون، ولا يُخيّر الساعي إلى أن يبلغ ثلاثين
ومائة، فيكون فيها حقة وبنتا لبون، وهو قول الزهري والأوزاعي وأبي ثور.
وروى عبد الملك، وأشهب، وابن نافع، عن مالك: أن الفريضة لا تتغير
بزيادة واحدة حتى تزيد عشراً، فيكون فيها بنتا لبون وحقة، وهو مذهب أحمد،
وعند أهل الظاهر، إذا زادت على عشرين ومائة ربع بعير أو ثمنه أو عشرة،
ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، وهو قول الإصطخري من
الشافعية .
وقال ابن جرير: يتخيَّر بين الاستئناف وعدمه، لورود الأخبار بهما،
ووقع في بعض كتب الشافعية أنه قول ابن جبران، بدل ابن جرير، وهو
تصحيف، وحكى السفاقسي عن حماد بن أبي سليمان والحكم بن عتيبة: أن
في مائة وخمس وعشرين بنتَ مخاضٍ وحقتين، وعند أبي حنيفة وأصحابه:
تُسْتَأنف الفريضة، فيكون في كل خمس شاة مع الحقتين إلى خمس وأربعين
ومائة، ففيها بنت مخاض مع الحقتين إلى خمسين ومائة، ففيها ثلاث حقاق،
وليس في هذا النصاب بنت لبون لعدم نصابه.
(١) انظر: ((بداية المجتهد)) (٢٦٠/١).
٦٦٤
---

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
ثم تُسْتَأنف الفريضة، ففي كل خمس شاة إلى خمس وعشرين أي خمس
وسبعين ومائة، ففيها بنت مخاض مع ثلاث حقاق، وفي ست وثلاثين أي ست
وثمانين ومائة بنت لبون مع ثلاث حقاق، وفي ست وأربعين أي ست وتسعين
ومائة أربع حقاق إلى مائتين، ففيها إن شاء أدى أربع حقاق عن كل خمسين،
أو خمس بنات لبون عن كل أربعين، ثم تستأنف الفريضة أبداً، كما تستأنف
في الخمسين التي بعد المائة والخمسين، وهذا قول ابن مسعود وإبراهيم
النخعي وسفيان الثوري وأهل العراق، وحكى السفاقسي أنه قول عمر -
رضي الله عنه -، لكنه غير مشهور عنه، كذا في ((العيني))(١) بزيادة واختصار.
واختلفت الأئمة في المائتين، قال الموفق(٢): اجتمع فيهما الفرضان؛
لأن فيهما خمسين أربع مرات، وأربعين خمس مرات أيّ الفرضين شاء أخرج،
وإن كان الآخر أفضل منه، وقد روي عن أحمد: أن عليه أربع حقاق، وهذا
محمول على التخيير، وقال الشافعي: الخِيَرةُ إلى الساعي، ومقتضى قوله أنّ
رب المال إذا أخرج لزمه إخراج أعلى الفرضين، واحتج بقوله عز اسمه: ﴿وَلَا
تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾(٣)، ولأنه وجد سبب الفرضين، فكانت الخيرة إلى
مستحقه أو نائبه، كقتل العمد الموجب للقصاص.
ولنا: قول النبي 18 في كتاب الصدقات الذي كان عند آل عمر -
رضي الله عنهم -: ((فإذا كانت مائتين، ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون،
أيّ البنتين (٤) وُجِدَتْ أخذت)). وهذا نص لا يُعَرَّجُ معه على شيء يخالفه،
وقوله عليه السلام لمعاذ: ((إياك وكرائم أموالهم))، ولأنها زكاة ثبت فيها
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٥٤/٦).
(٢) («المغني)) (٢٣/٤).
(٣) سورة البقرة: الآية ٢٦٧.
(٤) هكذا في الأصل وهو خطأ، والصواب ((أيُّ السِّنَّيْنِ)).
٦٦٥

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
الخيار، فكان ذلك لرب المال، كالخِيَرةِ في الجبران بين شاتين أو عشرين
درهماً، وبين النزول والصعود.
ثم ما حكي عن مذهب الحنفية هو العمدة في فروعهم. وكذا ما حكي
عن الشافعية، كما في ((شرح الإقناع)) و ((تحفة المحتاج)) وغيرهما .
وأما عند المالكية فحكي عنه روايتان، التخيير، وعدم التخيير، والثالث
قول ابن القاسم: ثلاث بنات لبون، ولا يخير الساعي، وقال الباجي: قول ابن
القاسم رواية له أيضاً، فيكون له - رضي الله عنه - ثلاث روايات،
وحكى القاري في ((شرح النقاية)) رواية لمالك مثل الحنفية، وكذا الزيلعي
في ((التخريج))، فقال: لمالك روايتان، إحداهما كمذهبنا: أنه يستأنف،
والأخرى كالشافعي - رضي الله عنه -.
وعلى هذا فلمالك - رضي الله عنه - أربع روايات، ومختار فروعهم
الأول، ففي ((الشرح الكبير)) (١): وفي مائة وإحدى وعشرين إلى تسع وعشرين
حقتان أو ثلاث بنات لبون، فالخيار للساعي إن وجدا أو فقدا، وتعين أحدهما
إن وجد منفرداً، ثم في كل عشر - أي بعد المائة والعشرين(٢) - يتغير الواجب،
فيجب في كل أربعين، بنت لبون، وفي كل خمسين، حقة، ففي مائة وثلاثين،
حقة وبنتا لبون، انتهى.
----- -
..---
وأما في ((فروع الحنابلة)) من ((النيل)) و((الروض))(٣): إذا زادت على مائة
وعشرين، واحدة، فثلاث بنات لبون إلى ثلاثين، ففيها حقة وبنتا لبون، فمختار
مالك مثل مذهب الشافعي وأحمد إلا في موضع واحد، وهو من إحدى
(١) (١/ ٤٣٤).
(٢) كذا في الأصل، وفي ((الشرح الكبير)): بعد المائة والتسعة والعشرين.
(٣) ((الروض المربع)) (١/ ٣٦٧).
٦٦٦
---
------
...... -

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
٠٠٠
وعشرين ومائة إلى تسع وعشرين ومائة، ثم مستدل الجمهور في ذلك، حديثُ
الباب وما في معناه من قوله وَّ: ((في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين
حقة))، وهو حديث مشهور معروف.
ومستدل الحنفية ما قال القاري في ((شرح النقاية)): ولنا ما روى
إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) والطحاوي في ((مشكله)) وأبو داود في
((المراسيل)) عن حماد بن سلمة، قال: قلت لقيس بن سعد: اكتب لي كتاب
أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فكتب لي ورقة، ثم جاء يوماً، وأخبر أنه
أخذه من كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وأخبرني أن رسول الله عَليه
كتبه لجده عمرو بن حزم في ذكر ما يخرج من فرائض الإبل فكان فيه، «فإذا
كانت أكثر من عشرين ومائة، ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت
لبون، فما فضل أي زاد على مائة وعشرين، فإنه يعاد إلى الأول فريضة الإبل،
فما كان أقل من خمس وعشرين ففيه الغنم، في كل خمس ذود شاة))، وروى
الطحاوي عن خصيف عن أبي عبيدة وزياد بن أبي مريم عن ابن مسعود أنه
قال: ((فإذا بلغت العشرين ومائة استقبلت الفريضة بالغنم، فإذا بلغت خمساً
وعشرين ففرائض الإبل)»، وروي عن إبراهيم النخعي نحوه، وروى ابن أبي شيبة
عن يحيى بن سعيد عن سفيان بن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي،
قال: ((إذا زادت الإبل على العشرين ومائة فيستقبل بها الفريضة))، انتهى.
وما أورد على هذه الروايات البيهقي وغيره من الفقهاء الشافعية
وغيرهم، أجاب عنه الحنفية، محلها المطولات، كـ((العيني)) و((الزيلعي))
وغيرهما، لا يسعها هذا المختصر، ويكفي لهذا الوجيز ما قال العيني في
(شرح الهداية)) بعد حديث عمرو بن حزم: رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) وابن
حبان في ((صحيحه)) والحاكم في ((المستدرك)) وقال: إسناده صحيح، وهو من
قواعد الإسلام.
٦٦٧

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حدیث
وقال ابن الجوزي في ((التحقيق)): قال أحمد بن حنبل: كتاب عمرو بن
حزم في الصدقات صحيح، وقال بعض الحفاظ المتأخرين: نسخة كتاب
عمرو بن حزم تلقاها الأئمة بالقبول وهي متواترة، وقال يعقوب بن سفيان
العولي: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة أصح منه، كان أصحاب النبي وَلّ
والتابعون يرجعون إليه ويدعون آراءهم، انتهى.
قلت: وأخرجه الطحاوي بسندين، وفي ((شرح الإحياء)): فإن قيل:
حديث عمرو بن حزم منقطع، فإن قيساً أخذه من كتاب، قلت: صرح الحفّاظ
أن كل ما روي عن رسول الله وَّر في هذا الباب، منقطع، انتهى.
وأخرج أبو داود (١) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أن رسول الله وله
قال: ((في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون، لا يفرق إيل عن حسابها))،
الحديث، وأخرج محمد في ((الآثار))(٢) عن ابن مسعود موقوفاً بسند قوي،
الاستئناف الثاني صريحاً، وأيضاً الاستئناف بعد مائة وعشرين معروف عن علي
- رضي الله عنه -، ومروي عنه بعدة طرق، ومعلوم أنه كان عنده صحيفة
رسول الله وَّر في الصدقات، فقد أخرج البخاري في (صحيحه)) عن
ابن الحنفية: لو كان علي - رضي الله عنه - ذاكراً عثمان - رضي الله عنه - ذكره
يوم جاءه ناس، فشكوا سُعَاة عثمان، فقال لي علي - رضي الله عنه -: ((اذهب
إلى عثمان، فأخبره أنها صدقة رسول الله وَ لَّ، فمُرْ سُعَاتك يعملوا بها)).
الحديث .
---- - -
وكان علي - رضي الله عنه - عامل الصدقات بحضرته وص له، فالأخذ بقوله
أولى، لأنه أعلم بالصدقات، وكذلك عمرو بن حزم أرسله ولو إلى نجران
(١) رواه أبو داود (١٥٧٥).
(٢) (ص٦٤).
٦٦٨
--

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
لأخذ الصدقات، فلا بد أن يكون أعرف بحال الصدقات، وفي ((شرح
الإحياء)»: مذهبنا منقول عن ابن مسعود وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما -
وكفى بهما قدوة، وهما أفقه الصحابة، وعلي - رضي الله عنه - كان عاملاً،
فكان أعلم بحال الزكاة، وقال ابن الهمام: قد وردت أحاديث كلها تنصُّ على
وجوب الشاة بعد المائة والعشرين، ذكرها في ((الغاية))، انتهى.
وهكذا في ((شرح الإحياء))، وقال: ذكرها الشمس السروجي في شرحه
على ((الهداية))، انتهى.
وقال العيني في ((شرح البخاري))(١): وأما الذي استدل به الشافعي، فإنا
قد عملنا به لأنا أوجبنا في الأربعين بنت لبون، فإن الواجب في الأربعين ما
هو الواجب في ست وثلاثين، وكذلك أوجبنا في خمسين حقة، وهذا الحديث
لا يتعرض لنفي الواجب عما دونه، وإنما هو عمل بمفهوم النص، فنحن عملنا
بالنصين، وهو أعرض عن العمل بما رويناه، انتهى.
وقال السرخسي في ((المبسوط)): والقول باستقبال الفريضة بعد مائة
وعشرين مشهور عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهما -، ثم نقول: وجوب
الحقتين في مائة وعشرين ثابت باتفاق الآثار وإجماع الأمة، فلا يجوز إسقاطه
إلا بمثله، وبعد مائة وعشرين اختلفت الآثار، فلا يجوز إسقاط ذلك الواجب
عند اختلاف الآثار، بل يؤخذ بحديث عمرو بن حزم، ويحمل حديث ابن عمر
على الزيادة الكبيرة حتى يبلغ مائتين، وبه نقول: إن في كل أربعين بنت لبون
وفي كل خمسين حقة.
وحديث ابن المبارك الذي أخرجه أبو داود محمول على ما إذا كانت مائة
وعشرين من الإبل بين ثلاثة نفر، لأحدهم خمس وثلاثون، وللآخر أربعون،
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٥٤/٦).
٦٦٩

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حدیث
وللآخر خمس وأربعون، فإذا زادت لصاحب الخمس والثلاثين واحدة، ففيها
ثلاث بنات لبون، وهذا التأويل وإن كان فيه بعض الْبُعْد، فالقول به أولى مما
ذهب إليه الشافعي، فإنه أوجب ثلاث بنات لبون، وهو مخالف للآثار
المشهورة، وإن كان لم يجعل لهذه الواحدة حظاً من الواجب كما هو مذهبه،
فهو مخالف لأصول الزكاة، فإن ما لا حظ له من الواجب لا يتغيَّرُ به
الواجب، كما في الحمولة والعلوفة.
وحقيقة الكلام في المسألة هو أن بالإجماع يدار الحكم على الخمسينات
والأربعينات، لكن اختلفنا في أي الإدارتين أولى، ففي حديث عمرو بن حزم
أدار على الخمسينات، وفيها الحقة، لكن بشرط عود ما دونها، وفي حديث
ابن عمر - رضي الله عنهما - على الأربعينات والخمسينات، فنقول: الأخذ بما
كان في حديث عمرو بن حزم أولى، فإن مبنى أصول الزكاة على أن في كثرة
المال يستقر النصاب على شيء واحد معلوم، كما في نصاب البقر، فإنه يستقر
على شيء واحد وهو المسنة، لكن بشرط عود ما دونها وهو التبيع، ولذا لم
تعد الجذعة، لأن الإدارة على الخمسينات، ولا يوجد فيها نصاب الجذعة،
وأما دون الجذعة فيوجد نصابها في الخمسينات فتعود لها، انتهى.
وحاصل ما قالوا: إن قوله رَس4: ((في كل أربعين بنت لبون وفي كل
خمسين حقة))، كما يصدق على ما اختارته الأئمة الثلاثة من تغير النصاب
الأول، يصدق على ما اختارته الحنفية من إبقاء النصاب، ويعد الأربعونات
والخمسونات مستأنفاً من أول النصاب، ويؤيد ذلك أنه يوجد هذه اللفظة في
حديث عمرو بن حزم أيضاً، كما أخرجه الطحاوي وغيره بطرق، مع أنه ذكر
فيه عود الفرائض إلى ما دون بنت اللبون والحقة، وأيضاً أخرج محمد في
((الآثار)) (١) عن ابن مسعود إلى مائة وعشرين مثل أحاديث الصدقات، ثم قال:
(١) (ص٦٤).
٦٧٠
----

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
ثم تستقبل الفريضة، فإذا كثرت الإبل، ففي كل خمسين حقة، فعلم أن هذه
الكلمة لا ينافي عود ما سبق.
فإن قيل: إن قوله وَلّ: ((في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين
حقة))، يدل على أن المدار هو الأربعينة والخمسينة، وفيما قلتم لا يكونان مدار
الحكم، بل المدار في بنت اللبون ست وثلاثون، وفي الحقة ست وأربعون،
قلنا: إن كونه مدار الحكم ليس بمطرد، بل أكثريٌّ، ألا ترى إلى ما ورد من
قوله عليه في صدقة الشاة: ((فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث،
فإذا زادت على ثلاثمائة، ففي كل مائة شاة))، الحديث، أخرجه البخاري،
والحال أن ثلاثمائة ليست بمدار، بل إذا زادت على مائتين فثلاث شياه إلى
تسع وتسعين وثلاثمائة .
وأيضاً لا يخفى على من نظر روايات الباب أن أكثر الأحاديث مقتصرة
على قوله وَلر: ((في كل خمسين حقة)) لا تعرض فيها لبنت اللبون في الأربعين،
فالظاهر أن الغرض منه الحصر باعتبار ما فوق الحقة، وهي الجذعة، لا تعرض
لها بما دونها، وقال الطحاوي: إن كل ما روي عن رسول الله وَّ في باب
الصدقات منقطع، فإن كنتم لا تسوِّغُون لمخالفكم الاحتجاج بالمنقطع في غير
هذا الباب، فلِمَ يحتجون عليه به في هذا الباب؟ انتهى.
قلت: وحديث كتاب أبي بكر - رضي الله عنه - الذي أخرجه البخاري
في ((صحيحه)) أيضاً منقطع، ولذا انتقد عليه الدارقطني، وقال ابن التركماني(١):
من أوجب في إحدى وعشرين ومائة، ثلاث بنات لبون، فقد خالف قوله وَله :
((في كل أربعين بنت لبون))، فإنهم إن أوجبوا ثلاث بنات لبون في المجموع،
فقد أوجبوا بنت لبون في كل أربعين وثلاث، وإن أوجبوا في مائة وعشرين،
(١) انظر: ((الجوهر النقي على السنن الكبرى)) (٩١/٤).
٦٧١

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ،
وجعلوا الواحدة عفواً، فالعفو لا يُغَيِّر الواجب المتقدم، ولذا قال ابن إسحاق
وجماعة: إذا زادت على عشرين ومائة ففيها حقتان لا غير، إلى ثلاثين ومائة،
انتهى مختصراً بتغير.
قلت: وأيضاً فيه موالاة بين النصابين لا وقص بينهما، وهو خلاف
أصول الزكاة، ولذا رد الثوري على قول علي - رضي الله عنه -: في الخمس
والعشرين بنت مخاض، كما تقدم.
(وفي سائمة الغنم) أي راعيتها، قال ابن عابدين (١): الغنم محركة:
الشاء، لا واحد لها من لفظها، الواحدة شاة، وهو اسم مؤنث للجنس، يقع
على الذكور والإناث، وفي ((الدر المختار)): مشتق من الغنيمة، لأنه ليس لها
آلة الدفاع، فكانت غنيمة لكل طالب، انتهى. قال ابن الهمام: السائمة التي
ترعى ولا تعلف في الإبل.
قال ابن رشد(٢): اختلفوا في السائمة من الإبل والبقر والغنم من غير
السائمة منها، فإن قوماً أوجبوا في هذه الأصناف الثلاثة سائمة كانت أو
غيرها، وبه قال الليث ومالك، وقال سائر فقهاء الأمصار: لا زكاة في غير
السائمة منها .
قال الزرقاني(٣): لا خلاف في وجوب زكاة السائمة، واختلف في
المعلوفة، فقال مالك والليث: فيها الزكاة رعت أم لا؟ لأنها سائمة في صفتها
والماشية كلها سائمة، ومنعها من الرعي لا يمنع تسميتها سائمة، والحجة عموم
أقواله ربَّر في الزكاة لم يخُصَّ سائمة من غيرها، وقال سائر فقهاء الأمصار
(١) (رد المحتار)) (٢٤٢/٣).
(٢) ((بداية المجتهد)) (١/ ٢٥٢).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١١٣/٢).
٦٧٢
--

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ، إِلَى عِشْرِينَ وَمِاتَّةٍ، شَاةٌ.
وأهل الحديث: لا زكاة فيها، وروي عن جمع من الصحابة لا مخالف لهم
منهم، ولا أعلم من قال بقول مالك والليث من فقهاء الأمصار، قاله ابن
عبد البر.
وقال الباجي(١): عَبَّر بالسائمة، لأنها عامة الغنم، لا تكاد توجد فيها غير
سائمة، لذا ذكرها في الغنم دون الإبل، ويحتمل أنه وَلّ نص على السائمة،
ليكلف المجتهد للاجتهاد في إلحاق المعلوفة بها، فيحصل له أجر المجتهدين،
انتھی .
قال ابن حجر: في حديث أبي داود الذي صححه الحاكم وحسنه
الترمذي، النص على السوم في الإبل أيضاً، كذا في (المرقاة))(٢).
قلت: ما قال ابن عبد البر: لا أعلم من قال بقول مالك من الفقهاء،
وروي عن جمع من الصحابة ولا مخالف لهم، يردّه ما حكاه العيني من عدة
صحابة وغيرهم من قال بقول مالك، لكن الجمهور على الاشتراط، لاشتراطه
في كتب الصدقات من كتاب الصديق، وحديث عمرو بن حزم، وبهز بن حكيم
عن أبيه عن جده مرفوعاً، ذكرها العيني.
(إذا بلغت أربعين) ولا شيء في أقل منها إجماعاً، كما قاله العيني (إلى
عشرين ومائة شاة) مبتدأ خبره قوله: في سائمة الغنم، قال السرخسي في
(مبسوطه)): ويجوز في زكاة الغنم أخذ الذكور والأنثى عندنا، وقال الشافعي:
لا يؤخذ الذكور إلا إذا كان النصاب كله ذكوراً؛ لأن منفعة النسل لا تحصل
به، ولنا، قوله وَلّر: ((في أربعين شاة شاة))، واسم الشاة يتناول الذكر والأنثى
جميعاً، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (١٣٠/٢).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٤ /١٣٣).
٦٧٣

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ، إِلَى مِائَتَيْنِ، شَاتَانِ.
وَفِيمَا فَوْقَ ذُلِكَ، إِلَى ثَلَائِمَائَّةٍ، ثَلاثُ شِيَاءٍ.
وفي ((الشرح الكبير)) (١): في أربعين شاة شاة ولو كان معزاً، خلافاً لمن
قال: يتعين الضأن حتى عن المعز، انتهى. قال الدسوقي: قوله: شاة أي ذكر
أو أنثى، انتهى. ومثل قول الشافعي - رحمه الله - قال أحمد.
---
قال الموفق(٢): لا يختلف المذهب أنه ليس له أخذ الذكر في شيء من
الزكاة، إذا كان في النصاب إناث، في غير أَتْبِعَة البقر وابن اللَّبُون، بدلاً عن
بنت مخاض إذا عدمها، وإن كان النصاب كله ذكوراً جاز إخراج الذكر في
الغنم وجهاً واحداً، وفي البقر في أصح الوجهين، وفي الإبل وجهان، انتهى.
(وفيما فوق ذلك) أي إذا زادت واحدة، وهو إحدى وعشرون ومائة،
(إلى مائتين شاتان، وفيما فوق ذلك) أي من إحدى ومائتين (إلى ثلاثمائة ثلاث
شياه) بالكسر جمع شاة، قال العيني في ((البناية)): الشاة من الغنم تُذَكّر وتُؤَنّثُ،
وأصل الشاة شاهة، لأن تصغيرها شويهة، والجمع شياه بالهاء إلى العشر،
يقال: ثلاث شياه فإذا جاوزت العشر فبالتاء، انتهى.
٠٠.
ومن أول نصاب الغنم إلى ثلاثمائة شياه إجماعي، حكى الإجماع عليه
ابن رشد وغيره، وقيل: إذا زادت على مائتين ففيها شاتان، حتى تبلغ أربعين
ومائتين، حكاه ابن التين، وفقهاء الأمصار على خلافه، قاله العيني(٣).
وقال الموفق(٤): إذا ملك أربعين من الغنم فأسامها أكثر السنة، ففيها
شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت
(١) (٤٣٥/١).
(٢) ((المغني)) (٤١/٤).
(٣) ((عمدة القاري)) (٤٥٦/٦).
(٤) انظر: ((المغني)) (٣٨/٤).
٦٧٤
----- --
٠-
.---

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حدیث
فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ، شَاةٌ .
واحدة ففيها ثلاث شياه، وهذا كله مجمع عليه إلا المعلوفة، وحكي عن معاذ:
أن الفرض لا يتغير بعد المائة وإحدى وعشرين، حتى تبلغ مائتين واثنين
وأربعين، ليكون مثلي مائة وإحدى وعشرين، ولا يثبت عنه، وروي عن الشعبي
عن معاذ قال: كان إذا بلغت الشياه مائتين لم يغيرها، حتى تبلغ أربعين ومائتين
فيأخذ منها ثلاث شياه، فإذا بلغت ثلاثمائة لم يغيرها، حتى تبلغ أربعين
وثلاثمائة، فيأخذ منها أربعاً، ولفظ الحديث دليل عليه، والإجماع على خلاف
هذا القول دليل على فساده، والشعبي لم يلق معاذاً، انتهى.
واختلفوا فيما بعد ذلك، وهو قوله: (فما زاد على ذلك) أي على ثلاثمائة
(ففي كل مائة شاة) فقال الشعبي والنخعي والحسن بن حي: إذا زادت على
ثلاثمائة واحدة، ففيها أربع شياه إلى أربعمائة، فإذا زادت واحدة ففيها خمس
شياه إلى خمسمائة، وهكذا، وهو رواية عن أحمد، لما أن ظاهر حديث الباب
يدل على أن ثلاثمائة مدار للحكم، قال الجمهور: إذا زادت واحدة على
ثلاثمائة فلا شيء فيها إلى أربعمائة، ففيها أربع شياه، ثم في كل مائة شاة،
وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد في الصحيح عنه، والثوري،
وإسحاق، والأوزاعي، وجماعة أهل الأثر، وهو قول علي وابن مسعود، كذا
في ((العيني))(١).
وما حكي من رواية الإمام أحمد يخالفه ما في ((المغني)) (٢) و((شرح
المقنع)) من رواية له، إذ قال: ظاهر المذهب أن الفرض لا يتغير بعد المائتين
وواحدة، حتى يبلغ أربعمائة، فيجب في كل مائة شاة، ويكون الوقص ما بين
المائتين وواحدة إلى أربعمائة، وذلك مائة وتسعة وتسعون، وهذا إحدى
الروايتين عن أحمد، وقول أكثر الفقهاء، وعن أحمد رواية أخرى: أنها إذا
(١) ((عمدة القاري)) (٤٥٦/٦).
(٢) انظر: (٣٩/٤).
٦٧٥

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
وَلا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ تَيْسٌ،
زادت على ثلاثمائة واحدة ففيها أربع شياه، ثم لا يتغير الفرض حتى تبلغ
خمسمائة، فيكون في كل مائة شاة، ويكون الوقص الكبير بين ثلاثمائة وواحدة
إلى خمسمائة، وهو أيضاً مائة وتسعة وتسعون، وهذا اختيار أبي بكر، وحكي
عن النخعي والحسن بن صالح، لأن النبي وَلّ جعل الثلاثمائة حداً للوقص
وغاية له، فيجب أن يتعقبه تغير النصاب كالمائتين.
ولنا: قوله وَّله: ((فإذا زادت ففي كل مائة شاة))، هذا يقتضي أن لا يجب
في دون المائة شيء، وفي كتاب الصدقات الذي كان عند آل عمر بن
الخطاب: ((فإذا زادت على ثلاثمائة واحدة، فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة
شاة، ففيها أربع شياه)). وهذا نص لا يجوز خلافه، إلا بمثله أو أقوى منه،
وتحديد النصاب لاستقرار الفريضة لا للغاية، انتهى.
- -
وفي ((نيل المآرب)): في مائتين وواحدة ثلاث شياه، وفي أربعمائة أربع
شياه، ثم في كل مائة شاة، انتهى. وقالت الجمهور: فائدة ذكر الثلاثمائة لبيان
النصاب الذي بعده لكون ما قبله مختلفاً، كذا في ((الفتح)).
وحجة الجمهور ما في ((الهداية)) إذ قال: هكذا ورد البيان في كتاب
رسول الله ◌َّير وفي كتاب أبي بكر، وعليه انعقد الإجماع، انتهى.
(ولا يخرج) ببناء المجهول، وفي رواية: ((ولا يؤخذ)) (في الصدقة) بلفظ:
((في))، في جميع النسخ الهندية وبعض المصرية (١) وفي أكثر المصرية، بلفظ:
(من الصدقة))، والأوجه الأول. (تيس) هو فحل الغنم، قال المجد: هو الذكر
من الظباء والمعز والوعول، أو إذا أتى عليه سنة، انتهى. وأراد منه الباجي:
الذي لم يبلغ حد الفحولة، كما سيأتي في كلامه، وروي نحوه عن الإمام مالك
كما سيأتي عن ((المدونة)).
(١) كذا في ((الاستذكار)) (١٤٩/٩).
٦٧٦
.. - -

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حدیث
وَلَا هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، إِلَّ مَا شَاءَ الْمُصَدَّقُ.
(ولا هرمة) بفتح الهاء وكسر الراء، كبيرة سقطت أسنانها، (ولا ذات
عوار) بفتح المهملة وضمها، أي ذات عيب ونقص، كذا في ((النهاية))، قال ابن
حجر: فهو من عطف العام على الخاص، إذ العيب يشمل المرض والهرم
وغيرهما، كذا في ((المرقاة)). قال الزرقاني(١): واختلف في ضبطها، فالأكثر
على أنه ما ثبت به الرد في البيع، وقيل: ما يمنع الإجزاء في الضحية. (إلا ما
شاء المصدق).
اختلف فيما ورد في كتب الحديث من هذا اللفظ في ضبطه، وفي
مصداقه، فقيل: المراد به المالك، فعلى هذا بفتح الدال المشددة وتخفيف
الصاد المفتوحة، قال القاري (٢): روى أبو عبيد بفتح الدال، وهو المالك،
وجمهور المحدثين بكسرها، وهو العامل، انتهى.
قلت: ويحتمل على الأول أيضاً أن يكون بكسر الدال المشددة وتخفيف
الصاد المفتوحة، اسم فاعل، من قوله تعالى: ﴿فَلَ صَلَّقَ وَلَا صَلَّى (٦)﴾، قال
الراغب: يقال: صدق وتصدق، ويحتمل أن يكون بتشديد الصاد والدال معاً،
أصله المتصدق، أبدلت التاء صاداً، فأدغمت في مثلها، قال تعالى: ﴿إِنَّ
اُلْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّذِّفَتِ﴾ .
فعُلِم بهذا أنه على احتمال إرادة المالك يحتمل ثلاثة أوجه، وإن كان
بمعنى الساعي، فهو بتخفيف الصاد المفتوحة وتشديد الدال المكسورة لا غير،
كما حكاه القاري عن المحدثين، قال المجد: المصدق كمحدث آخِذُ
الصدقات، انتهى.
وإذا تحققت ذلك فاعلم أن الاستثناء على كلا المرادين مشكل، أما على
(١) ((شرح الزرقاني)) (١١٤/٢).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٤٥/٤).
٦٧٧

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
إرادة المالك فظاهر؛ لأن مشيئة المالك لا يجوِّز إعطاء ذات عوار، وأما على
إرادة الساعي، فلأن أخذ التيس ليس على مشيئة الساعي، بل على رأي
المالك.
ولا يقال: إن المراد الساعي والاستثناء من الأخير فقط؛ لأنه يخرج على
هذا الهرمة مع أنه يجوز أخذها بمشيئة الساعي، ولا وجه في تعلق الاستثناء
بالأخيرين معاً دون الأول؛ لأن الاستثناء إما أن يتعلق بالأخير فقط أو بتمام
الكلام، اللَّهم إلا أن يقال: إن المراد الساعي والاستثناء بالأخير فقط، لكن
الأخير بعمومه يتناول الثاني أيضاً.
وقال الموفق(١): هذه الثلاث لا تؤخذ لدنائتها، فإن الله تعالى قال:
﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ﴾ (٢)، وقال النبي وَّ: ((لا يخرج في الصدقة هرمة ولا
ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق))، وقد قيل: لا يؤخذ تيس الغنم،
وهو فحلها لفضيلته، وكان أبو عبيد يروي الحديث بفتح الدال، يعني صاحب
المال، فعلى هذا يكون الاستثناء في الحديث راجعاً إلى التيس وحده.
أ
وذكر الخطابي: أن جميع الرواة يخالفونه في هذا، فيروونه بكسر الدال، أي
العامل، وقال: التيس لا يؤخذ لنقصه وفساد لحمه وكونه ذكراً، وعلى هذا لا يأخذ
المصدق، وهو الساعي أحد هذه الثلاثة، إلا أن يرى ذلك بأن يكون جميع
النصاب من كل جنسه، فيكون له أخذه من جنس المال، فيأخذ هرمة من الهرمات
وذات عوار من أمثالها وتيساً من التيوس، وأوّله الباجي بنوع آخر، فقال: التيس
الذكر من المعز، وهو الذي لم يبلغ حد الفحولة، فلا منفعة فيه لضراب، ولا لدَرّ،
ولا نسل، وإنما يؤخذ في الزكاة ما فيه منفعة للنسل، انتهى.
(١) («المغني)) (٤٠/٤).
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٦٧.
٦٧٨
---
..--

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ، وَلَا يُفَرَّقُّ بَيْنَ مُجْتَمِع، خَشْيَةَ
وروي نحوه عن الإمام مالك - رضي الله عنه -، ففي ((المدونة)) (١): قال
مالك: لا يأخذ تيساً، وهو دون الفحل، إنما يُعَدُّ من ذوات العوار، وقال
مالك: إن رأى المصدق أن يأخذ من ذوات عوار أو التيس أو الهرمة إذا كان
ذلك خيراً، له أخذها، انتهى. وهذا كله إذا كان الاستثناء متصلاً، وقال
الطيبي: يحتمل أن يكون منقطعاً، والمعنى لا يخرج المزكي الناقص والمعيب،
لكن يخرج ما شاء المصدق من السليم والكامل، انتهى.
ولا يذهب عليك أن إرادة المالك لا يصح في حديث الباب، نعم،
يمكن إرادته في أحاديث الصحاح التي سياقها ((ولا تخرج في الصدقة هرمة ولا
ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق))، ففي هذا السياق يصح أن يراد به
المالك ويكون الاستثناء من الثالث فقط.
مسألة: قال الباجي(٢): وإن كانت الغنم كلها ذات عوار فإن على رب
الغنم أن يأتيه بما يجزئ، ولم يلزم المصدق أن يأخذ منها إلا أن يرى ذلك،
وقال أبو حنيفة والشافعي: يأخذ منها، انتهى.
وفي ((الشرح الكبير))(٣): لزم الوسط لو انفرد الخيار أو الشرار كذات
عيب، إلا أن يرى الساعي أخذ المعيبة لكثرة لحمها، انتهى.
(ولا يجمع) بضم أوله وفتح ثالثه (بين مفترق) بفاء فمثناة فوقية فراء
خفيفة، وفي رواية: ((متفرق)) بتقديم التاء وتشديد الراء، قاله الزرقاني، قلت:
والنسخ المصرية على الأول، وفي النسخ الهندية بدون التاء بلفظ مفرق.
(ولا يفرق) بضم أوله وفتح ثالثه، مشدداً، ويخفف، (بين مجتمع خشية)
(١) (٢٦٧/١).
(٢) ((المنتقى)) (٢/ ١٣١).
(٣) (٤٣٥/١).
٦٧٩

١٩ - كتاب الزكاة
(١١) باب
(٦٥٩) حديث
الصَّدَقَةِ .
وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ.
وَفِي الرِّقَةِ، إِذَا بَلَغَتْ خَمْسَ أَوَاقٍ، رُبُعُ الْعُشْرِ.
أخرجه أبو داود في: ٩ - كتاب الزكاة، ٥ - باب زكاة السائمة.
والترمذيّ في: ٥ - كتاب الزكاة، ٤ - باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم،
وَحَسَّنَهُ .
وفي رواية: مخافة، منصوب على العلة، (الصدقة) أي مخافة قلة الصدقة أو
كثرتها، وسيأتي معناه في كلام المصنف، (ما كان من خليطين) تثنية خليط
بمعنى مخالط أو شريك، وسيأتي. (فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية) أي يترادان
الفضل بينهما بالسوية على قدر عدد أموالهما، كما سيأتي في تفسير المصنف.
(وفي الرقة) بكسر راء وخفة قاف، الفضة سواء كانت مضروبة أو غيرها،
قيل: أصله الورق فحذفت الواو وعوضت التاء في آخرها كالوعد والعدة. (إذا
بلغت خمس أواق) بالتنوين كجوار، (ربع العشر) بضم العين وسكون الشين،
وقيل: بضمهما، قاله القاري، وتقدم الكلام على زكاة الفضة.
بحمد الله وتوفيقه تم الجزء الخامس من كتاب
((أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك))
ويليه إن شاء الله الجزء السادس وأوله
((ما جاء في صدقة البقر))
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي الأمي
وعلى آله وصحبه وبارك وسلم تسليماً كثيراً كثيراً
٦٨٠