النص المفهرس

صفحات 621-640

١٩ - كتاب الزكاة
(٨) باب
(٦٥٥) حديث
لِلْتِّجَارَةِ أَعْوَاماً، ثُمَّ يَبِيعُهَا. فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي أَثْمَانِهَا إِلَّا زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ،
وذكر ((الرجل)) للأكثرية، والمراد التاجر المحتكر ولو أنثى، (للتجارة أعواماً) أي
تحتكر عنده سنين، (ثم يبيعها فليس عليه في أثمانها إلا زكاة واحدة) عنده ..
فاستدل بقياس الدين على عرض المحتكر، والجامع بينهما عدم القدرة
على النماء، لكن المقيس عليه وهو زكاة المحتكر أيضاً يختص بمسلك الإمام
مالك، فإنه فرق بين المحتكر والمدير، خلافاً للجمهور.
قال ابن رشد في ((مقدماته))(١): التاجر ينقسم على قسمين: مدير، وغير
مدير، فالمدير: الذي يكثر بيعه وشراؤه ولا يقدر أن يضبط أحواله، فهذا يجعل
لنفسه شهراً من السنة يقوم فيه ما عنده من العروض ويحصي ماله من الديون
التي يرتجي قبضها، فيزكي ذلك ما عنده من الناض، وأما غير المدير: وهو
المحتكر الذي يشتري السلع ويتربص بها النفاق، فهذا لا زكاة عليه فيما اشترى
من السلع حتى يبيعها وإن أقامت عنده أحوالاً، انتهى.
وقال أيضاً في ((البداية))(٢): إن مالكاً - رضي الله عنه - قال: إذا باع
العروض زكّاه لسنة واحدة كالحال في الدين، وذلك عنده في التاجر الذي
تنضبط له أوقات شراء عروضه، وأما الذين لا ينضبط لهم وقت ما يبيعونه ولا
يشترونه، وهم الذين يخصون باسم المدير، فحكم هؤلاء عند مالك إذا حال
عليهم الحول من ابتداء تجارتهم أن يقوم ما بيده من العروض، ثم يضم إلى
ذلك ما بيده من العين، وماله من الدين الذي يرتجي قبضه إن لم يكن عليه دين
مثله، وذلك بخلاف قوله في دين غير المدير، فإذا بلغ ما اجتمع عنده من ذلك
نصاباً أدى زكاته، وسواء نضّ له في عامه شيء من العين أو لم ينضّ، بلغ
نصاباً أو لم يبلغ، وهذه رواية ابن الماجشون عن مالك.
(١) (٢٢٥/١).
(٢) انظر: ((بداية المجتهد)) (٢٦٩/١).
٦٢١

١٩ - كتاب الزكاة
(٨) باب
(٦٥٥) حديث
وروى ابن القاسم عنه: إذا لم يكن له ناض، وكان يتجر بالعروض لم
يكن عليه في العروض شيء، فمنهم من لم يشترط وجود الناض عنده، ومنهم
من شرطه. والذي شرطه منهم من اعتبر فيه النصاب، ومنهم من لم يعتبر،
وقال المزني: زكاة العروض تكون من أعيانها لا من أثمانها، وقال الجمهور،
الشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم: المدير وغير المدير
حكمه واحد، وأنه من اشترى عرضاً للتجارة، فحال عليه الحول قوّمه وزكّاه.
وأما مالك فشبه النوع ههنا بالعين، لئلا تسقط الزكاة رأساً عن المدير،
وهذا هو بأن يكون شرعاً زائداً أشبه منه بأن يكون شرعاً مستنبطاً من شرع
ثابت، ومثل هذا هو الذي يعرفونه بالقياس المرسل، وهو الذي لا يستند إلى
أصل منصوص عليه في الشرع، إلا ما يعقل من المصلحة الشرعية فيه، ومالك
يعتبر المصالح وإن لم يستند إلى أصول منصوص عليها، انتهى.
قال الموفق (١): العروض جمع عرض، وهو غير الأثمان من المال، على
اختلاف أنواعه من النبات والحيوان والعقار وسائر المال، فمن ملك عرضاً
للتجارة، فحال عليه حول، وهو نصاب، قوّمه في آخر الحول، فما بلغ أخرج
زكاته، وهو ربع عشر قيمته، ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في اعتبار الحول،
والزكاة تجب فيه في كل حول، وبهذا قال الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو
عبيد، وأصحاب الرأي. وقال مالك: لا يزكيه إلا لحول واحد، إلا أن يكون
مدیراً، انتهى.
وظاهر الأحاديث التي فيها الأمر بالزكاة لما يُعَدُّ للبيع يشمل المدير
وغيره.
ثم ذكر المصنف الدليل على مسألة الزكاة في الدين المذكورة قبل، وعلى
(١) («المغني)) (٢٤٩/٤).
٦٢٢
------
----

١٩ - كتاب الزكاة
(٨) باب
(٦٥٥) حديث
وَذُلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ أَوِ الْعُرُوضِ، أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ
ذَلِكَ الذَّيْنِ أَوِ الْعُرُوضِ، مِنْ مَالٍ سِوَاهُ، وَإِنَّمَا يُخْرِجُ زَكَاةَ كُلِّ شَيءٍ
مِنْهُ، وَلَا يُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ شَيْءٍ، عَنْ شَيْءٍ غَيْرِهِ.
مسألة عرض المحتكر المذكورة ثانياً بوجه آخر، فقال: (وذلك) أي عدم
وجوب الزكاة عليهما إلا بعد النض والبيع، دليله (أنه ليس على صاحب الدين
أو العرض) المحتكر، والعرض بالإفراد في النسخ الهندية، وبالجمع أي
العروض في المصرية، وهكذا في الآتي.
(أن يخرج زكاة ذلك الدين أو العرض) بالإفراد والجمع نسختان (من مال
سواه) كعين عنده (وإنما تخرج) بصيغة التأنيث على البناء للمجهول، وفي
المصرية بلفظ التذكير، فيحتمل ببناء المجهول والمعلوم (زكاة كل شيء منه،
ولا تخرج الزكاة) وفي أكثر النسخ المصرية: ولا يخرج زكاة بالتذكير والتنكير
(من شيء عن شيء غيره) فإذا قلنا بوجوب زكاة الدين لكل سنة، أو بوجوب
زكاة العرض المحتكر المعد للتجارة حال احتكاره، لزم إخراج زكاة شيء عن
شيء آخر.
وأوضح منه ما في ((المدونة))(١) إذ قال: والدليل على ذلك: أنه ليس
على الرجل في الدين يغيب عنه سنين، ثم يقبضه، أنه ليس عليه إلا زكاة
واحدة، وفي العروض يبتاعها للتجارة فيمسكها سنين، ثم يبيعها، أنه ليس
عليه، إلا زكاة واحدة، أنه لو وجب عل رب الدين أن يخرج زكاته قبل أن
يقبضه، لم يجب عليه أن يخرج في صدقة ذلك الدين، إلا ديناً يقطع به لمن
يلي ذلك على الغرماء، يتبعهم به إن قبض كان له وإن تلف كان منه، من أجل
أن السنة أن تخرج صدقة كل مال منه، ولا على رب العرض أن يخرج في
صدقته، إلا عرضاً؛ لأن السنة أن تخرج صدقة كل مال منه، وإنما قال
(١) (٢١٥/١).
٦٢٣

---
١٩ - كتاب الزكاة
(٨) باب
(٦٥٥) حديث
رسول الله ◌َ: ((الزكاة في الحرث والعين والماشية))، فليس في العرض شيء
حتى تصير عيناً، انتهى.
وأنت خبير بأن الأصل الذي بني عليه، وهو عدم إخراج زكاة شيء آخر
مختلف عند الأئمة، قال العيني(١): الأصل أن دفع القيم في الزكاة جائز
عندنا، وهو قول عمر، وابنه عبد الله، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاذ،
وطاووس، وقال الثوري: يجوز إخراج العروض في الزكاة إذا كانت بقيمتها،
وهو مذهب البخاري وإحدى الروايتين عن أحمد، ولو أعطى عرضاً عن ذهب
وفضة، قال أشهب: يجزئه، وقال الطرطوسي: هذا قول بيّن في جواز إخراج
القيم في الزكاة.
قال: وأجمع أصحابنا على أنه لو أعطى فضة عن ذهب أجزأه، وكذا لو
أعطى درهماً عن فضة عند مالك. وقال سحنون: لا يجزئه، وهو وجه
للشافعية، وأجاز ابن حبيب دفع القيمة إذا رآه أحسن للمساكين، وقال مالك
والشافعي: لا يجوز، وهو قول داود، انتهى.
وأيضاً المصنف أباح زكاة شيء عن شيء آخر في التاجر المدير إذ قال:
يُقَوّمُ ما عنده ثم يزكيه، كما تقدم قريباً، وبه قال الجمهور في المدير والمحتكر
مطلقاً .
٠٠
فليت شعري كيف تم التقريب، وهذا من نظري القاصر، وإلا فكلام
الإمام أرفع من أن ينتقد عليه أحد، وسيأتي شيء من الكلام على جواز دفع
القيمة في الزكاة قبيل صدقة الخلطاء، وسيأتي قريباً أن زكاة العروض عند
الجمهور باعتبار قيمتها، وقال الخرقي في صدقة الفطر: من أعطى القيمة لم
تجزئه .
(١) ((عمدة القاري)) (٤٣٨/٦).
٦٢٤
٠٠٠

١٩ - كتاب الزكاة
(٨) باب
(٦٥٥) حديث
قال الموفق(١): قال أبو داود: قيل لأحمد وأنا أسمع: أُعْطِي دراهم
يعني في صدقة الفطر، قال: أخاف أن لا يجزئه خلاف سنة رسول الله وَل،
وقال أبو طالب: قال لي أحمد: لا يعطي قيمته، قيل له: قوم يقولون: عمر بن
عبد العزيز كان يأخذ بالقيمة، قال: يَدَعون قولَ رسول الله وَّه، ويقولون: قال
فلان! قال ابن عمر: ((فرض رسول الله وَّن))، الحديث، وظاهر مذهبه أنه لا
يجزئ إخراج القيمة في شيء من الزكاة، وبه قال مالك والشافعي، وقال
الثوري وأبو حنيفة: يجوز، وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن،
وقد روي عن أحمد مثل قولهم فيما عدا الفطرة.
قال أبو داود: وسئل أحمد، عن رجل باع ثمرة نخله، قال: عُشْرُه على
البائع، قيل له: فيخرج ثمراً أو ثمنه؟ قال: إن شاء أخرج ثمراً، وإن شاء أخرج من
الثمن، وهذا دليل على جواز إخراج القيم، ووجهه قول معاذ لأهل اليمن: ((ائتوني
بخميس(٢) أو لبيس(٣)، فإنه أيسر عليكم، وأنفع للمهاجرين بالمدينة))(٤)، وعن
طاووس قال: ((لما قدم معاذ اليمن قال: ائتوني بعرض ثياب))، الحديث.
وعن عطاء قال: كان عمر بن الخطاب يأخذ العروض في الصدقة من
الدراهم، ولأن المقصود دفع الحاجة، ولا يختلف ذلك بعد اتحاد قدر المالية
باختلاف صور الأموال، ولنا قول ابن عمر: ((فرض رسول الله وَ له صدقة
الفطر))، الحديث، فإذا عدل عن ذلك ترك المفروض، وقال النبي وَلّر: ((في
أربعين شاةٍ شاةٌ))، وهو وارد بياناً لمجمل قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ إلى آخر
ما بسطه .
(١) («المغني)) (٢٩٥/٤).
(٢) ثوب خميس: طوله خمسة أذرع.
(٣) اللبيس: الثوب قد أكثر لبسه فأخلق.
(٤) أخرجه الدار قطني: ((سنن الدار قطني)) (١٠٠/٢) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١١٣/٤).
٦٢٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٨) باب
(٦٥٥) حديث
قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَعِنْدَهُ مِنَ
الْعُرُوضِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِمَا عَلَيْهِ مِنَ الذَّيْنِ، وَيَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ النَّاضِّ
سِوَى ذُلِكَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّهُ يُزَكِّ مَا بِيَدِهِ مِنْ نَاضِّ تَجِبُ
فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعُرُوضِ وَالنَّقْدِ إِلَّا وَفَاءُ دَيْنِهِ، فَلا
زَكَاةَ عَلَيْهِ، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ مِنَ النَّاضِّ فَضْلٌ عَنْ دَيْنِهِ، مَا تَجِبُ فِيهِ
الزَّكَاةُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ.
(قال يحيى: قال مالك: الأمر) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك: الذي لا
اختلاف فيه (عندنا في الرجل يكون عليه دين، وعنده من العروض) أي الأمتعة
(ما) أي مقدار يكون (فيه وفاء لما عليه من الدين، ويكون عنده من الناض) أي
النقد من الذهب والفضة (سوى ذلك ما) أي مقدار (تجب فيه الزكاة) لبلوغه
النصاب (فإنه يزكي ما بيده من ناضٍّ تجب فيه الزكاة) الجملة صفة لناض.
زاد في النسخ الهندية بعد ذلك. قال يحيى: قال مالك: (وإذا لم يكن
عنده من العروض والنقد إلا وفاء دينه، فلا زكاة عليه)؛ لأنه قابل الدين، وما
قابل الدين، فلا زكاة فيه عند الجمهور كما تقدم. (حتى يكون عنده من الناض)
أي النقد (فضل) أي زيادة (عن دينه) أي يفضل عنده عن مقابلة الدين (ما تجب
فيه الزكاة) أي يكون عنده فضل من الدين بمقدار تجب فيه الزكاة (فعليه أن
يزكيه) أي يزكي هذا الفضل.
وحاصله: أن الرجل إذا لم يفضل عنده عن مقابلة الدين مقدار تجب فيه
الزكاة، فلا زكاة عليه، لما تقدم أن الدين يمنع وجوب الزكاة، أما إذا فضل
عنده عن مقابلة الدين، مثلاً يكون عنده نصاب العين أيضاً، ونصاب العروض
أيضاً، فالدين يصرف إلى العروض عند الإمام مالك، ويوجب الزكاة على
العين.
---
وفي المسألة خلاف الحنفية، ففي ((الدر المختار)) (١): ولو له نُصُب:
(١) (٢١٦/٣).
٦٢٦
---
--- --------- -
---
---

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
(٩) باب زكاة العروض
صرف الدين لأيسرها قضاء، ولو أجناساً صرف لأقلها زكاة، ولو تساويا خيّر،
قال ابن عابدين: قوله: لو له نصب إلى آخره، كأن يكون عنده دراهم ودنانير
وعروض التجارة وسوائم، يصرف الدين إلى الدراهم والدنانير، ثم إلى
العروض ثم إلى السوائم، انتهى.
(٩) زكاة العروض
قال البجيرمي: (العرض) بفتح العين وإسكان الراء اسم لكل ما قابل
النقدين من صنوف الأموال، ويطلق أيضاً على ما قابل الطول، وبضم العين:
ما قابل النصل في السهام، وبكسرها: محل الذم والمدح من الإنسان،
وبفتحتين: ما قابل الجوهر، انتهى.
وقال المجد: جمع عرض، وهو المتاع، وكل شيء سوى النقدين، وقال
في ((المصباح المنير)): قالوا: الدراهم والدنانير عينٌ، وما سواهما عرض،
والجمع عروض، كفلس وفلوس، وقال أبو عبيد: العروض الأمتعة التي لا
يدخلها كيل ولا وزن، ولا تكون حيواناً ولا عقاراً، انتهى.
قال ابن الهمام(١): العروض جمع عرض، بفتحتين: حطام الدنيا،
وبالسكون: المتاع، وهو ههنا أولى، لأن الباب في بيان حكم الأموال التي
هي غير النقدين والحيوانات، انتهى.
قال الموفق(٢): تجب الزكاة في قيمة عروض التجارة في قول أكثر أهل
العلم، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها
التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول، روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس،
(١) ((فتح القدير)) (٥٢٦/١).
(٢) ((المغني)) (٢٤٨/٤).
٦٢٧

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
وبه قال الفقهاء السبعة، والحسن، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران،
وطاووس، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وإسحاق،
وأصحاب الرأي. وحكي عن مالك وداود: أنه لا زكاة فيها، انتهى.
قلت: ما حكي عن مالك لو صح يكون رواية له، وإلا فعامة نقلة
المذاهب لم يحكوا خلافه، و((الموطأ)» يردُّ عليه، وأهل الفروع المالكية
أثبتوها، والظاهر أن المسألة اشتبهت على الموفق بالمحتكر، فإن مالكاً لم
يوجب عليه الزكاة في كل سنة بل أوجب على ثمنه إذا نضَّ مرة واحدة فقط.
قال ابن رشد في ((البداية)): اتفقوا على أن لا زكاة في العروض التي لم
يقصد بها التجارة، واختلفوا في إيجاب الزكاة فيما اتخذ منها للتجارة، فذهب
فقهاء الأمصار إلى وجوب ذلك، ومنع ذلك أهل الظاهر، انتهى. وفي (البذل))
عن الشوكاني(١): زكاة التجارة ثابتة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر وغيره، ولم
يخالف فيها إلا الظاهرية، فقالوا: لا تجب الزكاة في الخيل والرقيق لا للتجارة
ولا لغيرها، انتهى.
قلت: لكنهم أنكروا زكاة العروض مطلقاً قياساً عليهما، وقال ابن
العربي (٢): الزكاة واجبة في العروض من أربعة أدلة.
الأول: قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةُ﴾ وهذا عام في كل مال على
اختلاف أصنافه وتباين أسمائه واختلاف أغراضه، فمن أراد أن يخصه في شيء
فعليه الدليل.
الثاني: أن عمر بن عبد العزيز كتب بأخذ الزكاة من العروض، والملأ
الملأ، والوقت الوقت، بعد أن استشار، واستخار، وحكم بذلك، وقضى به
على الأمة، فارتفع الخلاف بحكمه.
(١) ((نيل الأوطار)) (٩٢/٣).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١٠٤/٣).
٦٢٨
.----------- -
.-- --

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
الثالث: أن عمر - رضي الله عنه - الأعلى قد أخذها قبله، وهو صحيح
من رواية أنس.
الرابع: أن أبا داود ذكر عن سمرة بن جندب: أن النبي ◌ُ ◌ّ# كان يأمرنا
أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع، ولم يصح فيه خلاف عن النبي ◌َّ، انتهى.
قلت: وحديث سمرة هذا اختلفوا في تصحيحه وتضعيفه، وفي ((البذل)) (١)
عن ((الزيلعي))(٢): الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، قال عبد الحق في
((أحكامه)): خبيب هذا ليس بمشهور، ولا نعلم روى عنه إلا جعفر بن سعد،
وليس جعفر ممن يُعتمد عليه.
وقال ابن الهمام: نفي الشهرة لا يستلزم الجهالة، قال ابن القطان في
كتابه، متعقباً على عبد الحق، فذكر في كتاب الجهاد حديث ((من كتم غالاً))،
وسكت عنه من رواية جعفر هذا، فهو تصحيح منه، وقال ابن عبد البر وقد ذكر
هذا الحديث: رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن، انتهى.
قال الزرقاني(٣): قال داود: لا زكاة في العروض بوجه كان لتجارة أو
غيرها، لخبر ((ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)) ولم يقل: إلا أن
ينوي بهما التجارة، وتُعُقِّب بأن هذا نقضٌ لأصله في الاحتجاج بالظاهر،
لأن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَفَّةً﴾ فعلى أصلهم يؤخذ من كل مال إلا
ما خُصَّ بسنة أو إجماع، فيؤخذ من كل مال ما عدا الرقيق والخيل؛ لأنه لا
يقيس عليهما ما في معناهما من العروض.
وقد أجمع الجمهور على زكاة عروض التجارة، وإن اختلفوا في الإدارة
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٢/٨).
(٢) ((نصب الراية)) (٣٧٦/٢).
(٣) (١٠٩/٢).
٦٢٩

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
والاحتكار، والحجة لهم ما نقله مالك من عمل المدينة، وما تقدم من عمل
العمرين وحديث سمرة، قال الطحاوي: ثبت عن عمر وابنه زكاة عروض
التجارة، ولا مخالف لهما من الصحابة، وهذا يشهد أن قول ابن عباس
وعائشة: لازكاة في العروض، إنما هو في عروض القنية، انتهى.
وفي ((شرح الإحياء)): الأصل في وجوبها قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَمَنُواْأَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾(١) الآية، قال مجاهد: نزلت في التجارة،
وروى الحاكم في ((المستدرك)) بإسنادين صحيحين على شرط الشيخين عن
أبي ذر رفعه: ((في الإبل صدقتها))، الحديث. وفيه: ((وفي البز صدقتها))،
وفسروه بالثياب المعدة للبيع عند البزازين وعلى السلاح، انتهى.
قال ابن الهمام: وتردد ابن دقيق العيد أنه بالباء أو بالزاي، لكن صرح
النووي في ((تهذيب اللغات)) أنه بالزاي، وأن بعضهم صحفه بالراء وضم الباء،
انتھی .
قال الموفق(٢): روى الدارقطني عن أبي ذر مرفوعاً: ((في الإبل صدقتها،
وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته))، قاله بالزاي، ولا خلاف [في] أنها لا
تجب في عينه، فثبت أنها في قيمته، وعن أبي عمرو بن حماس عن أبيه قال:
أمرني عمر - رضي الله عنه - فقال: أدِّ زكاة مالك، قلت: ما لي مالٌ إلا
جعاب وأدم، قال: قَوِّمْها ثم أدِّ زكاتها، رواه أحمد وأبو عبيد، وهذه قصة
يشتهر مثلها ولم تنكر فیکون إجماعاً، انتهى.
وبسط الكلام على طرق أحاديث الباب والآثار، الزيلعي(٣) والحافظ في
(١) سورة البقرة: الآية ٢٦٧.
(٢) «المغني)) (٢٤٨/٤).
(٣) انظر: ((نصب الراية)) (٣٧٦/٢)، و((تلخيص الحبير)) (١٧٩/٢).
٦٣٠
---. -
..... .

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
(٦٥٦) حديث
٢٠/٦٥٦ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ زُرَیْقِ بْنِ حَيَّانَ،
((الدراية)) و ((التلخيص)) وغيرهما فارجع إليها لو شئت، ولا حاجة لنا إلى
تفصيل ذلك بعدما أجمعت الأربعة عليها، وكفى بهم قدوة، شكر الله سعيهم
وجزاهم عني وعن سائر المسلمين أحسن الجزاء.
٢٠/٦٥٦ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن زريق) هكذا في
جميع النسخ المصرية والهندية من المتون والشروح بتقديم الزاي المعجمة على
الراء المهملة، قال الباجي (١): هكذا وقع في رواية يحيى بالزاي المعجمة قبل
الراء، والصواب بالراء غير المعجمة قبل الزاي المعجمة، وعليه جمهور
الرواة، انتهى.
قلت: هكذا في ((المنتقى))، وحكى العلامة الزرقاني عن الباجي عكس
ذلك، والظاهر أنه تسامح في النقل، وذكره الحافظ في ((تقريبه)) و ((تهذيبه)) في
باب الراء المهملة، ثم أعاده في الزاي المعجمة، وأحال ذكره على الأول،
واختلف أهل الرجال في التصحيح، قال الحافظ: ذكره البخاري وغير واحد
في الراء، وذكره أبو زرعة الدمشقي في الزاي، وقال أبو زرعة الرازي: إنه
بتقديم الزاي أصح، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) في الزاي فقط.
ثم هذا لقب له، لقبه به عبد الملك بن مروان، واسمه سعيد (بن حيان)
بفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء المثناة التحتية، هكذا ضبطه الزرقاني (٢)،
يؤيده صنيع الحافظ وغيره من أهل الرجال، إذ ذكروه بعد زريق بن حكيم، فما
في بعض النسخ الهندية من لفظ زريق بن حبان بنقطة واحدة دالة على أنه
بالموحدة تصحيف، والصواب ابن حيان الدمشقي أبو مقدام الفزاري مولاهم،
(١) ((المنتقى)) (١٢٠/٢).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٠٨/٢).
٦٣١

---- --
١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
(٦٥٦) حدیث
وَكَانَ زُرَيْقٌ عَلَى جَوَازٍ مِصْرَ، فِي زَمَانِ الْوَلِيدِ، وَسُلَيْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ
عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَذَكَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِ انْظُرْ مَنْ
مَرَّ بِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَخُذْ مِمَّا ظَهَرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ،
له في مسلم حديث واحد، توفي في إمارة يزيد بن عبد الملك، وفي
((التقريب)): صدوق من السادسة، مات سنة ١٠٥هـ، وله ٨٠ سنة.
(وكان زريق على جواز مصر) أي طريق مصر بموضع يؤخذ منهم فيه
الزكاة، قال المجد: الجواز كسحاب، صّ المسافر، (في زمان الوليد) بن عبد
الملك بن مروان بن الحكم بن العاص القرشي الأموي، ولي الخلافة بعهد من
أبيه بعد موته في شوال سنة ٨٦هـ، كان من أئمة الجور، ومع ذلك يخدم
الزَمْنى والفقراء، وعمر المسجد النبوي، وأقام الجهاد حتى فتحت في زمنه
فتوحات كثيرة، توفي في نصف جمادى الآخرة سنة ٩٦هـ، وله ٥١ سنة.
ملخص من ((تاريخ الخلفاء)»(١) .
(وسليمان) بن عبد الملك بن مروان أبو أيوب، كان من خيار ملوك بني
أمية، ولي بعهد من أبيه بعد أخيه في جمادى الآخرة سنة ٩٦هـ، وولد سنة
٦٠ هـ، انتهى. وأحيا الصلاة لأول وقتها وفتح في زمانه عدة أمصار، توفي يوم
الجمعة عاشر صفر سنة ٩٩هـ (وعمر بن عبد العزيز) خامس الخلفاء الراشدين،
ومكث في الخلافة سنتين وخمسة أشهر فقط، لكنه ملأ الأرض عدلاً ورد
المظالم.
---------
(فذكر) زريق (أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: أنِ انْظُرْ من مر بك من
المسلمين) لأنه كان عاشرهم، وهو يأخذ ممن يمر عليه، (فخذ مما ظهر من
أموالهم) أي من الأموال الظاهرة، ويأخذ عند الحنفية من الأموال الظاهرة
والباطنة.
(١) (ص٢٥٣).
٦٣٢
..-- ---
- -
- ----

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
(٦٥٦) حديث
مِمَّا يُدِيْرُونَ مِنَ التِّجَارَاتِ،
ففي ((الدر المختار)) (١): العاشر من نصبه الإمام على الطريق للمسافرين
ليأخذ الصدقات من التجار المارين عليه بأموالهم الظاهرة والباطنة، انتهى
مختصراً. قال ابن عابدين: قوله: الظاهرة والباطنة، فإن مال الزكاة نوعان:
ظاهر: وهو المواشي، وما يمر به التاجر على العاشر، وباطن: وهو الذهب
والفضة وأموال التجارة في مواضعها، ومراده ههنا بالباطنة ما عدا المواشي،
وأما الباطنة التي في بيته لو أخبر بها العاشر فلا يأخذ منها، انتهى.
قال السرخسي: ثم المسلم حين أخرج مال التجارة إلى المفاوز فقد
احتاج إلى حماية الإمام، فيثبت له حق الأخذ لأجل الحماية، كما في السوائم
يأخذ الإمام لحاجته إلى حمايته، انتهى.
قال ابن الهمام (٢): في العاشر قيد، زاده في ((المبسوط))، وهو أن يأمن
به التجار من اللصوص، ولا بد منه، ولأن أخذه من المستأمن والذمي ليس إلا
للحماية، انتهى. والأثر دليل ظاهر للحنفية في أن للإمام أخذ زكاة الأموال
الظاهرة كلها، وسيأتي بيان المذاهب في ذلك في بابي أخذ الصدقة وصدقة
الفطر (مما يديرون به) من الإدارة بتقديم الدال على الراء في جميع النسخ
المصرية، وبعض النسخ الهندية القديمة، وفي أكثر الهندية من الإرادة بتقديم
الراء وهو تصحيف (من التجارات).
قال الباجي(٣): قوله: ((مما يديرون به التجارات)) يستغرق العروض
وغيرها، وهو في العروض أظهر؛ لأن التجارة إنما تدار بها، ووجه آخر: أن
سائر الأموال لا يراعى فيها الإدارة من غيرها، ولا بد من أخذ الزكاة من العين
(١) (٢٨٨/٣).
(٢) ((فتح القدير)) (٥٢٦/١).
(٣) ((المنتقى)) (١٢٠/٢).
٦٣٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
(٦٥٦) حديث
مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِينَاراً، دِينَاراً، فَمَا نَقَصَ، فَبِحِسَابٍ ذُلِكَ، حَتَّى يَبْلُغَ
عِشْرِينَ دِينَاراً، فَإِنْ نَقَصَتْ ثُلُثَ دِينَارٍ،
على كل حال، وأما العروض فهي التي تفرق بين المقتنى منها، فلا تؤخذ منه
الزكاة، وبين ما يدار منها في التجارة، فيؤخذ منه الزكاة، فكان الأظهر أنه أراد
بذلك زكاة العروض، وهذا كتاب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بذلك إلى
عماله وأصحاب جوائزه، وأخذ زريق به الناس في زمانه، وهذا مما يحدث به
في الأمصار، ولم ينكر ذلك عليه أحد، ولا يعلم أحد تظلم منه بسببه، والناس
متوافرون في ذلك الزمان من بقايا الصحابة وجمهور التابعين ممن لا يحصى
كثرة، فثبت أنه إجماع وخالف داود في ذلك، انتهى.
(من كل أربعين ديناراً) منصوب على التمييز (ديناراً) مفعول لخذ، والمعنى
يقوم الأمتعة التي عنده، فيأخذ من قيمة كل ما يبلغ أربعين ديناراً ديناراً، وتقدم
البسط في مسلك الإمام في زكاة العروض من التفريق بين المدير والمحتكر،
ولا فرق بينهما عند الجمهور، بل يقوم الكل ويؤدي الزكاة.
قال الموفق(١): يخرج الزكاة من قيمة العروض دون عينها، وهذا أحد
قولي الشافعي، وقال في آخر: هو مخيّر بين الإخراج من قيمتها، وبين
الإخراج من عينها، وهذا قول أبي حنيفة؛ لأنها مال تجب فيه الزكاة، فجاز
إخراجها من عينه، كسائر الأموال، ولنا، أن النصاب معتبر بالقيمة؛ فكانت
الزكاة منها كالعين في سائر الأموال، انتهى.
(وما نقص) من ذلك (فبحساب ذلك) أي ربع عشر ما يكون، وهو معنى
ما تقدم في موضعه أن ما زاد على عشرين ديناراً، فبحساب ذلك، (حتى يبلغ)
أي النقص أو المال (عشرين ديناراً) أي أقل النصاب (فإن نقصت) الأموال عن
العشرين ديناراً (ثلث دينار) بإفراد الثلث في جميع النسخ الهندية والمصرية،
(١) («المغني)) (٢٥٠/٤).
٦٣٤
....
-------

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
(٦٥٦) حديث
فَدَعْهَا وَلا تَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئاً .
وَمَنْ مَرَّ بِكَ مِنْ أَهْلِ الدِّمَّةِ
ولا اختلاف في النسخ ههنا، بخلاف ما سيأتي من حكم أهل الذمة. (فدعها
ولا تأخذ منها شيئاً) لنقصه عن النصاب، لكن إن نقص عن العشرين أقل من
ثلث دينار، فخذ منها وهذا هو الظاهر.
وقال الباجي(١): ليس فيه دليل على أنه إذا نقصت أقل من ثلث دينار
تجب فيها الزكاة؛ لأنه لم يتعرض لذلك ولا ذكره، وقد تعلق قوم بهذا،
وقالوا: إن مذهب عمر بن عبد العزيز أنها إذا نقصت أقل من ثلث دينار أن
الزكاة فيها، وما قالوه غير صحيح، ولا يجب أن يظن هذا به، انتهى.
وقال الزرقاني (٢): قال ابن القاسم: لم يأخذ مالك بهذا، وقال: لا زكاة
في الناقصة ولو قلّ، إلا مثل الحبة والحبتين، وقال أبو عمر: اشتراطه نقص
ثلث دينار رأي واستحسان، فهو يضارع قول مالك فيما مضى: ناقصة بينة
النقصان، والأولى ظاهر حديث: ((ليس فيما دون خمس أواق صدقة)) فما صح
أنه دون ذلك قل أو كثر، لا زكاة فيه، انتهى. قلت: وبه قال الجمهور.
قال الشيخ في ((المسوّى))(٣): اتفقوا على أن العاشر يأخذ ممن مرّ عليه
من المسلمين، من مال التجارة إذا كان قيمته عشرين ديناراً ربعَ عشره، انتهى.
وقال ابن رشد(٤): النصاب في العروض على مذهب القائلين به هو النصاب في
العين إذا كانت هذه هي قيمة المتلفات ورؤوس الأموال، انتهى. وقد تقدم
الكلام على النقص اليسير مفصلاً .
(ومن مر بك من أهل الذمة) الذمة والذمام العهد، وهما بمعنى العهد
(١) ((المنتقى)) (١٢١/٢).
(٢) (١٠٨/٢).
(٣) (٢٦٩/١).
(٤) ((بداية المجتهد)) (٢٦٩/١).
٦٣٥

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
(٦٥٦) حديث
فَخُذْ مِمَّا يُدِيرُونَ مِنَ التِّجَارَاتِ، مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَاراً، دِينَاراً،
والأمان والضمان والحرمة والحق، وسُمي أهل الذمة لدخولهم في عهد
المسلمين، وأمانهم، كذا في ((المجمع)).
(فخذ مما يديرون من التجارات من كل عشرين ديناراً ديناراً) ذكر في
(الحاشية)) عن ((المحلى)): بهذا قال أبو حنيفة وأحمد: إنه يؤخذ منه نصف
العشر، ومذهب مالك كما في ((الرسالة)): أنه يؤخذ ممن اتجر عشر ثمن ما
يبيعونه، وإن اختلفوا في السنة مراراً، وإن حملوا الطعام إلى مكة أو المدينة
خاصة، يؤخذ منهم نصف العشر من ثمنه، انتهى.
وقال محمد في ((موطئه)) (١): يؤخذ من أهل الذمة مما اختلفوا فيه للتجارة
نصف العشر لكل سنة، ومن أهل الحرب إذا دخلوا بأمان العشر، كذلك أمر
عمر بن الخطاب زياد بن حدير وأنس بن مالك حين بعثهما على عشور الكوفة
والبصرة، وهو قول أبي حنيفة، انتهى.
:
وفي ((التعليق الممجد))(٢) عن ((البناية)): ذهب إلى هذا التفصيل ابن
أبي ليلى والشافعي والثوري وأبو عبيد، وقال مالك: يؤخذ من تجار أهل الذمة
العشر إذا اتّجروا إلى غير بلادهم مما قل أو كثر، انتهى.
قال القاري في ((شرح النقاية)): الأصل فيه ما في ((معجم الطبراني)) (٣) عن
ابن سيرين عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: فرض رسول الله وَّ في
أموال المسلمين في كل أربعين درهماً درهمٌ، وفي أموال أهل الذمة في عشرين
درهماً درهم(٤)، وفي أموال من لا ذِمّة له في كل عشرة دراهم درهم، وقال:
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٤٤/٢).
(٢) (١٤٤/٢).
(٣) انظر: ((مجمع الزوائد)) (٤٣٨٣).
(٤) كذا في الأصل، انتهى ((ش)).
٦٣٦
------
-------
-

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
(٦٥٦) حديث
لم يسند هذا الحديث إلا محمد بن العلاء، تفرد به رزنيح(١)، وقد رواه أيوب،
وسلمة بن علقمة، ويزيد بن إبراهيم، وجرير بن حازم، وحبيب بن الشهيد،
والهيثم الصيرفي، وجماعة، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك: أن عمر بن
الخطاب فرض، فذكر الحديث.
وروى محمد بن الحسن في ((كتاب الآثار)) (٢): أخبرنا أبو حنيفة عن
أبي صخرة المحاربي عن زياد بن حدير، قال: بعثني عمر بن الخطاب إلى
عين التمر مصدقاً فأمرني أن آخذ من المسلمين في أموالهم إذا اختلفوا بها
للتجارة ربع العشر، ومن أموال أهل الذمة نصف العشر، ومن أموال أهل
الحرب العشر، وبهذا السند رواه أبو عبيد في ((كتاب الأموال)).
وروى محمد في ((الآثار)): عن أبي حنيفة عن الهيثم عن أنس بن سيرين
قال: بعثني أنس بن مالك على الأبلة، فأخرج إليّ كتاباً من عمر بن الخطاب:
(خذ من المسلمين من كل أربعين درهماً درهماً، ومن أهل الذمة من كل
عشرين درهماً درهماً، وممن لا ذمة له من كل عشرة دراهم درهماً))، رواه
عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٣) عن هشام بن حسان (٤) عن أنس بن سيرين، انتهى.
وروى أبو الحسن القدوري في ((شرح مختصر الكرخي)»: أن عمر -
رضي الله عنه - نصب(٥) العشّار، وقال لهم: خذوا من المسلم ربع العشر،
ومن الذمي نصف العشر، ومن الحربي العشر، وكان هذا بمحضر من
الصحابة، فكان إجماعاً سكوتياً، انتهى.
(١) كذا في الأصل، والصواب: زُنيج، بزاي ونون وجيم مصغراً، اسمه: محمد بن عمرو،
انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٣٦٩/٩).
(٢) (ص٦٣).
(٣) (٨٨/٤) ح (٧٠٧٢).
(٤) في الأصل ((حسام)) وهو تحريف.
(٥) أي ولَّاهم.
٦٣٧

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
(٦٥٦) حديث
فَمَا نَقَصَ، فَبِحِسَابٍ ذُلِكَ، حَتَّى يَبْلُغَ عَشَرَةَ دَنَانِير،
قال السرخسي: العاشر يأخذ مما يمر به المسلم عليه الزكاة، إذا
استجمعت شرائط الوجوب؛ لأن عمر - رضي الله عنه - لما نصب العشار قال
لهم: خذوا مما يمر به المسلم ربع العشر، ومما يمر به الذمي نصف العشر،
فقيل له: فكم نأخذ مما يمر به الحربي؟ قال: كم يأخذون منا؟ فقالوا:
العشر، فقال: خذوا منهم العشر.
وفي رواية: خذوا منهم مثل ما يأخذون منا، فقيل له: فإن لم يعلم كم
يأخذون منا؟ فقال: خذوا منهم العشر، وأن عمر بن عبد العزيز كتب إلى
عماله بذلك، وقال: أخبرني به من سمعه من رسول الله وَّل، ثم المسلم حين
أخرج مال التجارة يحتاج إلى حماية الإمام، فكذلك الذمي بل أكثر، لأن طمع
اللصوص في أموال أهل الذمة أكثر وأبين، وأما أهل الحرب، فالأخذ منهم
بطريق المجازاة، كما أشار إليه عمر - رضي الله عنه -، وإذا لم نعلم كم
يأخذون منا؟ نأخذ منهم العشر؛ لأن حال الحربي مع الذمي كحال الذمي مع
المسلم، انتھی.
(فما نقص فبحساب ذلك، حتى يبلغ عشرة دنانير) قال الشيخ في
((المسوّى))(١): قال أحمد بقول عمر بن عبد العزيز: إن نصابه عشرة دنانير،
وقال أبو حنيفة: نصابه كنصاب المسلم. كذا في ((الإفصاح))، انتهى.
-------
وتقدم عن ((البناية)) قول مالك: إنه يؤخذ منهم مما قل أو كثر.
قال الباجي(٢): يحتمل أن يكون هذا اجتهاداً منه، وأنه رأى ما دون
العشرة لا يؤخذ منه شيء، فإن ذلك من جملة اليسير الذي يجري مجرى
النفقة، والذي عليه جمهور الفقهاء أنه يؤخذ مما يحملونه للتجارة قليلاً كان أو
كثيراً، انتهى.
(١) (٢٦٩/١) .
(٢) ((المنتقى)) (١٢٢/٢).
٦٣٨
---

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
(٦٥٦) حديث
فَإِنْ نَقَصَتْ ثُلُثَ دِينَارٍ فَدَعْهَا وَلا تَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئاً، وَاكْتُبْ لَهُمْ، بِمَا
تَأْخُذُ مِنْهُمْ، كِتَاباً إِلَى مِثْلِهِ مِنَ الْحَوْلِ .
قلت: لكن الجمهور مختلفة كما عرفت، وفي ((الهداية)): أن المأخوذ من
المسلم والذمي زكاة أو ضعفها، فلا بد من النصاب، وحكى الموفق اختلاف
الروايات عندهم في ذلك، ورجح إثبات النصاب، فقال بعدما حكى الاختلاف
عن الإمام أحمد: وقال ابن حامد: يؤخذ عشر الحربي، ونصف عشر الذمي
مما قل أو كثر، لأن عمر - رضي الله عنه - قال: خذ من كل عشرين درهماً
درهماً، ولنا، أنه عشر أو نصف عشر، وجب بالشرع، فاعتبر له نصاب، ولأنه
حق يتقدّرُ بالحول، فاعتبر له النصاب كالزكاة، وأما قول عمر - رضي الله عنه -
فالمراد به - والله أعلم - بيان قدر المأخوذ، انتهى.
(فإن نقصت ثلث دينار) هكذا بإفراد الثلث في جميع النسخ المصرية من
المتون والشروح، ووقع في أكثر النسخ الهندية ههنا: ثلثا دينار بتثنية الثلث،
وهو تحريف على الظاهر (فدعها ولا تأخذ منها شيئاً) وتقدم الكلام على ذلك
(واكتب لهم بما تأخذ منهم كتاباً) براءة (إلى مثله من الحول) هذا نص في أن
يكون هذا براءةً لهم مما أخذ، ومنعاً من أن يؤخذ منهم شيء آخر، إلى انقضاء
الحول، وبه قال أبو حنيفة والشافعي: لا يؤخذ عليهم في العام الواحد إلا
مرة، قاله الزرقاني، كما سيأتي قبيل عشور أهل الذمة، وسيأتي فيه: أن في
مذهب الحنفية في ذلك تفصيلاً.
قال الباجي(١): والذي عليه مالك وأصحابه أنه يؤخذ منهم في كل مرة
يأتون تجاراً إلى غير أفقهم، وإن كان ذلك مائة مرة في عام واحد، فلا تكن
لهم براآت إلى الحول، انتهى.
وقال أبو عمر (٢): سلك عمر بن عبد العزيز طريق عمر بن الخطاب، فإنه
(١) ((المنتقى)) (١٢٢/٢).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٠٢/٩، ١٠٣).
٦٣٩

١٩ - كتاب الزكاة
(٩) باب
(٦٥٦) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا يُدَارُ مِنَ الْعُرُوضِ لِلتِّجَارَاتِ، أَنَّ
الرَّجُلَ إِذَا صَدَّقَ مَالَهُ، ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ
كتب إلى عامل أبلة: خذ من المسلمين من كل أربعين درهماً درهماً، ثم اكتب
له براءة إلى السنة، وخذ من التاجر المعاهد من كل عشرين درهماً درهماً،
وليس في كتاب ابن الخطاب أن يكتب للذمي بما يؤخذ منه كتاب إلى الحول،
وهو دليل مالك، أنه يؤخذ منه كلما تجر من بلده إلى غير بلده، قاله الزرقاني.
قلت: أثر عمر بن عبد العزيز نص في الباب، وغاية ما في أثر عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه - أنه ساكت عنه لا أنه مبيح للتكرار، بل الظاهر أنه
اكتفى بأول الكلام لآخره، على أنه قد روي عن عمر - رضي الله عنه - بعدة
طرق؛ أنه قال بالعشر مرة في السنة.
فقد أخرج ابن أبي شيبة(١) عن زياد بن حدير، قال: استعملني عمر -
رضي الله عنه - على المارّة، فكنت أعشر من أقبل وأدبر، فخرج إليه رجل،
فأعلمه، فكتب إليّ: لا تعشر إلا مرة واحدة، يعني في السنة، فهذا بعمومه
يتناول الذمي والمسلم.
----
وأصرح منه ما أخرجه عن إبراهيم، قال: جاء نصراني إلى عمر، فقال:
إن عاملك عشر في السنة مرتين، فقال: من أنت؟ فقال: أنا الشيخ النصراني،
فقال له عمرُ: وأنا الشيخ الحنيف، فكتب إلى عامله أن لا تُعَشِّرْ في السنة إلا
مرة .
(قال مالك: الأمر عندنا فيما يدار من العروض للتجارات، أن الرجل إذا
صدّق ماله) بتشديد الدال، أي أعطى صدقته وزكاه، قال الراغب: يقال: صدق
وتصدق، قال تعالى: ﴿فَلَ صَدَّقَ وَلَ صَلَّى ®﴾(٢) الآية (ثم اشترى به) أي بماله
(١) رواه ابن أبي شيبة (٨٩/٣).
(٢) سورة القيامة: الآية ٣١.
٦٤٠
----
------ --
---