النص المفهرس
صفحات 581-600
١٩ - كتاب الزكاة (٥) باب البر، وقيل: هو شجر ينبت في البحر، فيتكسر فيلقيه الموج إلى الساحل، وقيل: يخرج من عين، قاله ابن سينا، قال: وما يُحْكَى أنه روث دابة، أو قيؤها، أو من زبد البحر بعيدٌ. وقال ابن البيطار في ((جامعه)): هو روث دابة بحرية، وقيل: هو شيء ينبت في قعر البحر، انتهى. زاد العيني(١): وقيل: إنه من كور النخل يخرج في السنبل ببعض الجزائر، وأخرج البخاري عن ابن عباس تعليقاً: هو شيء دَسَرَه البَحْرُ. وفي ((الشامي)): قال الشيخ داود الأنطاكي في ((تذكرته)): الصحيح أنه عيون بقعر البحر تقذف دهنية، فإذا فارت على وجه الماء جمدت فيلقيها البحر على الساحل، انتهى. ثم قال العيني(٢): عن ابن قدامة: لا زكاة في المستخرج من البحر، كاللؤلؤ، والمرجان، والعنبر، ونحوه في ظاهر قول الخرقي، وروي نحو ذلك عن ابن عباس، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعطاء، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، والشافعي، وأبو حنيفة، ومحمد، وأبو ثور، وأبو عبيد. وعن أحمد رواية أخرى: فيه الزكاة؛ لأنه خارج من معدن التبر، وبه قال أبو يوسف، وإسحاق. وقال الأوزاعي: إن وجد عنبرة في ضَفَّةِ البحر خمّست. وإن غاص عليها في مثل بحر الهند، فلا شيء فيها لا خمس ولا نفل ولا غيره، وروى ابن أبي شيبة عن جابر: ليس في العنبر زكاة، إنما هو غنيمة لمن أخذه، انتهى. هكذا في ((المغني))(٣) بزيادة، وزاد هو، ويُحْكَى عن عمر بن عبد العزيز، (١) ((عمدة القاري)) (٦/ ٥٥٧). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٥٨/٦). (٣) (٤/ ٢٤٤). ٥٨١ ١٩ - كتاب الزكاة (٥) باب (٦٤٦) حديث ١٠/٦٤٦ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌ََّ كَانَتْ تَلِي بَنَاتِ أَخِيهَا أنه أخذ من العنبر الخمس، وهو قول الحسن والزهري، وزاد الزهري في اللؤلؤ يُخْرَج من البحر، ولنا؛ أن ابن عباس قال: ليس في العنبر شيء، إنما هو شيء ألقاه البحر، وعن جابر نحوه، رواهما أبو عبيد، ولأنه كان يخرج على عهد رسول الله صَل﴿ وخلفائه، فلم يأت فيه سنة عنه، ولا عن أحمد من خلفائه من وجه یصح، انتھی. وفي ((مختصر الخليل)): ما لفظه البحر كعنبر فلواجده بلا تخميس، قال الدسوقي: قوله: كعنبر أي ولؤلؤ ومرجان ويسر، انتهى. وقال القاري في ((شرح النقاية)): ولا شيء في لؤلؤ، ومرجان، وعنبر، وكل مستخرج من البحر، ولو كان ذهباً أو فضة، وقال أبو يوسف آخراً - وهو قول أبي حنيفة أولاً -: فيه الخمس؛ لما روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة في ((مصنفيهما)): أن عمر بن عبد العزيز أخذ من العنبر الخمس، وهو قول الحسن البصري والزهري، ولهما ما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: ليس العنبر بركاز، إنما هو شيء دسره البحر أي دفعه. ولفظ ابن أبي شيبة عنه ليس في العنبر زكاة، إنما هو شيء دسره البحر، ولفظ أبي عبيد عنه أنه قال: ليس في العنبر خمس، وعن جابر نحوه، فهذا أولى بالاعتبار من قول من دونهما، ممن ذكرنا من التابعين، ولأن قعر البحر لا ید علیه، فلا یکون المأخوذ منه غنیمة، فلا یکون فیه خمس، انتھی. ١٠/٦٤٦ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) القاسم بن محمد بن الصديق الأكبر - رضي الله عنه - (أن عائشة زوج النبي (وَلّ كانت تلي) أي ولاية النظر (بنات أخيها) قال الباجي(١): وأخوها الذي كانت تلي بناته هو (١) ((المنتقى)) (١٠٦/٢). ٥٨٢ ..-- -------- --------.. -.--- -- ---- ١٩ - كتاب الزكاة (٥) باب (٦٤٦) حديث يَتَامَى فِي حَجْرِهَا، لَهُنَّ الْحَلْيُّ، فَلَا تُخْرِجُ مِنْ حُلِيُّهنَّ الزَّكَاةَ. محمد بن بكر، ولم يكن شقيقها، وإنما كان شقيقها عبد الرحمن، ويحتمل أن تكون ولايتها بإيصائه بهن إليها، أو بتقديم الإمام لها على ذلك، ولا تكون لها الولاية بالأخوة، انتهى. (يتامى في حجرها) قال الباجي: الحجر المنع، يقال: فلان في حجر فلان إذا كان قد منعه من التصرف، انتهى. وتبعه الزرقاني إذ شرح قوله: ((في حجرها)) أي منعها لهن من التصرف، انتهى. والأوجه عندي أنه في معنى الحضن والحفظ، قال المجد: الحجر: المنع وحضن الإنسان، ونشأ في حجره، أي في حفظه وستره، انتهى. (لهن الحلي) يقتضي ملكهن له، قاله الباجي. (فلا تخرج من حليهن الزكاة)؛ لما أنه لا زكاة في الحلي عند المصنف ومن وافقه في ذلك، ولذا أورد الأثر في باب لا زكاة في الحلي، والأثر مخالفٌ لمن قال بوجوب الزكاة فيها، كالحنفية ومن وافقهم. واعتذروا عنه بوجوه: الأول: بما هو المشهور أنه لا زكاة في مال اليتيم، وأشار إليه الإمام محمد في ((موطئه))(١)، ويشكل عليه ما سيأتي في الباب الآتي من إخراج عائشة - رضي الله عنها - الزكاة من مال بني أخيها الأيتام وسيأتي الجواب عنه. والثاني: بما أشار إليه أيضاً الإمام محمد - رحمه الله - في ((موطئه)) إذ قال بعد ذكر هذا الأثر والأثر الآتي: قال محمد: أما ما كان من حلي جوهر ولؤلؤ، فليست فيه الزكاة على كل حال، وأما ما كان من حلي ذهب أو فضة، ففيه الزكاة إلا أن يكون ليتيم أو يتيمة لم يبلغا، فلا تكون في مالها زكاة، انتھی . (١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٤٠/٢). ٥٨٣ ١٩ - كتاب الزكاة (٥) باب (٦٤٦) حديث والثالث: باحتمال أنه لا يبلغ النصاب في ملك كل واحد منهن، ولا دليل في الأثر يدفعه. والرابع: بما قاله ابن الهمام(١): إن عمل الراوي بخلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ عندنا، إذا لم يعارض مقتضى النسخ معارض يقتضي عدمه، وهو ثابت ههنا، فإن كتابة عمر إلى الأشعري (الآتي ذكرها) تدل على أنه حكم مقرر، وكذا من ذكر معه من الصحابة، فإذا وقع التردد في النسخ، والثبوت متحقق لا يحكم بالنسخ، هذا كله على رأينا، وأما على رأي الخصم، فلا يرد ذلك أصلاً، إذ قصارى فعل عائشة - رضي الله عنها - قول صحابي، وهو عنده ليس بحجة، وعمل الراوي بخلاف روايته لا يدل على النسخ، بل العبرة لما روى لا لما رأى عنده، انتهى. والخامس: بما سنح في خاطري القاصر، أنها واقعة حال لا عموم لها، وقد ثبت مذهب عائشة - رضي الله عنها - بخلافها، فإنها رويت عنها مرفوعاً وموقوفاً الزكاة في الحلي، فقد أخرج أبو داود من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل عليّ رسول الله ◌َيلي فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ((ما هذا يا عائشة؟))، فقلت: صنعتهن أتزيّن لك يا رسول الله، قال: ((أتؤدين زكاتهن؟))، قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: ((هو حسبك من النار))، وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. : قال الزيلعي في ((نصب الراية))(٢): وأخرجه الدارقطني في ((سننه)) عن محمد بن عطاء، فنسبه إلى جده دون أبیه، ثم قال: ومحمد بن عطاء مجهول، قال البيهقي في ((المعرفة)): هو محمد بن عمرو بن عطاء، لكنه لما نسب إلى (١) ((فتح القدير)) (١٦٥/٢). (٢) (١٧٠/٢). ٥٨٤ ------------- ----- ١٩ - كتاب الزكاة (٥) باب (٦٤٦) حديث ٠٠. جده، ظن الدارقطني أنه مجهول، وليس كذلك، ثم بسط الكلام على تصحيحه . قال ابن الهمام: أخرجه الحاكم وصححه، وأعلّه الدارقطني بأن محمد بن عطاء مجهول، وتعقبه البيهقي وابن القطان بأنه محمد بن عمرو بن عطاء أحد الثقات، لكن لما نسب في سند الدارقطني إلى جده ظن أنه مجهول، وتبعه عبد الحق، وقد جاء مبيناً في حديث أبي داود، بَيَّنَه أبو حاتم الرازي إمام الجرح والتعديل. وقال الحافظ في ((التلخيص)) (١): روى الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن عروة عن عائشة أنها قالت: لا بأس بلبس الحلي إذا أعطي زكاته، ويقويه ما رواه أبو داود(٢) والدارقطني(٣) والحاكم (٤) والبيهقي(٥) من حديث عائشة، فذكر حديث الفتخات المذكور، وقال: إسناده على شرط الصحيح، ثم ذكر أثر ((الموطأ))، وقال: يمكن الجمع بينهما بأنها كانت ترى الزكاة فيها، ولا ترى إخراج الزكاة مطلقاً عن مال الأيتام، انتهى. قلت: وأثر الدارقطني عن عائشة - رضي الله عنها - أخرجه البيهقي أيضاً في ((سننه)) وهو أولى من أثر ((الموطأ)) عنها، كيف؟ وهو موافق لروايته المرفوعة الصحيحة الثابتة، ويبعد كل البعد أنها - رضي الله عنها - لا ترى الزكاة في الحلي بعدما سمعت الوعيد عن النبي وقَلّ، على أن أثر الدارقطني قولي يقدم على الفعل. (١) (٧٦٤/٢). (٢) رواه أبو داود (١٥٦٥). (٣) رواه الدارقطني (١٠٥/٢، ١٠٦). (٤) رواه الحاكم (٣٨٩/١، ٣٩٠). (٥) رواه البيهقي (١٣٩/٤). ٥٨٥ ١٩ - كتاب الزكاة (٥) باب (٦٤٧) حدیث ١١/٦٤٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُحَلِّ بَنَاتَهُ وَجَوَارِيَهُ الذّهَبَ، ثُمَّ لا يُخْرِجُ مِنْ حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ . ١١/٦٤٧ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان يحلي بناته) أي يلبسهن الحلي (وجواريه) جمع جارية (الذهب)(١). قال الباجي: دليل على أنه كان يجيز أن يحلي النساء الذهب، ولا خلاف في جواز ذلك، انتهى. قلت: وما ورد في أبي داود وغيره من أحاديث منع الذهب للنساء منسوخ أو مؤول. (ثم لا يخرج) أي ابن عمر (من حليهن الزكاة) حجة لمن أنكر وجوب الزكاة في الحلي، إلا أن الظاهر أن الروايات عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مختلفة لما تقدم في كلام العيني، إذ حكى فيمن رُوِي عنه إيجاب الزكاة عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، ويؤيده ما في ((البدائع)) إذ حكى عنه أولاً: أن زكاة الحلي إعارته، ثم قال: والمروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - معارض بالمروي عنه أيضاً أنه زكى حلي بناته ونسائه، انتهى. ولو سُلِّمَ فالآثار المروية عن الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - مع معارضتهم بالآثار الأخر لا تقاوم الثابت بالكتاب والسنة، وتقدم ما قال ابن المنذر وابن حزم: الزكاة واجبة بظاهر الكتاب والسنة، وما قال الخطابي: الظاهر من الكتاب، يشهد لقول من أوجبها . قال ابن الهمام(٢): وأما الآثار عن ابن عمر وعائشة وأسماء - رضي الله عنهم -، فموقوفات ومعارضات بمثلها عن عمر - رضي الله عنه - أنه كتب إلى (١) قال أبو عمر: ظاهر حديث عائشة وابن عمر هذان سقوط الزكاة عن الحلي، وبذلك ترجم مالكٌ هذا الباب ((الاستذكار)) (٦٧/٩). (٢) ((فتح القدير)) (١٦٥/٢). -------------- ٥٨٦ ----- ----------- -- ١٩ - كتاب الزكاة (٥) باب (٦٤٧) حديث أبي موسى الأشعري: أن مُرْ من قبلك من نساء المسلمين أن يزكين حليهن. رواه ابن أبي شيبة، وعن ابن مسعود قال: في الحلي الزكاة، رواه عبد الرزاق، وعن عبد الله بن عمرو: أنه كان يكتب إلى خازنه سالم أن يخرج زكاة حلي بناته كل سنة. رواه الدارقطني، وروى ابن أبي شيبة عنه: أنه كان يأمر نساءه أن يزكين حليهن، وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، وطاووس، وعبد الله بن شداد؛ أنهم قالوا: ((في الحلي الزكاة))، وأخرج عن عطاء وإبراهيم؛ أنهم قالوا: مضت السنة أن في الحلي الذهب والفضة الزكاة . وفي المطلوب أحاديث كثيرة مرفوعة غير أنا اقتصرنا منها على ما لا شبهة في صحته، والتأويلات المنقولة عن المخالفين مما ينبغي صون النفس عن أخطارها والالتفات إليها، وفي بعض الألفاظ ما يصرح بردها، انتهى. قلت: والروايات في الباب شهيرة بسطها أصحاب المطولات. منها ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - مرفوعاً وموقوفاً، وتقدم قريباً . ومنها ما أخرجه أبو داود بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة أتت رسول الله وَي ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: ((أتعطين زكاة هذا؟)) قالت: لا، قال: ((أيسرّك أن يسوّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار))، الحديث. قال ابن القطان: إسناده صحيح. وقال الترمذي(١): لا يصح في هذا الباب عن النبي ◌ُّ شيء، قال المنذري: لعل الترمذي قصد الطريقين اللذين ذكرهما، وإلا فطريق أبي داود لا مقال فيه، ثم ذكر المنذري توثيق رواته، وقال في آخره: وهذا إسناد يقوم به (١) ((سنن الترمذي)) (٣٠/٣). ٥٨٧ ١٩ - كتاب الزكاة (٥) باب (٦٤٧) حديث الحجة إن شاء الله، قال ابن الهمام: تضعيف الترمذي مؤول وإلا فخطأ. ومنها ما في أبي داود(١) عن أم سلمة [قالت]: كنت ألبس أوضاحاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: ((ما بلغ أن تؤدى زكاتُه فزكي فليس بكنز))، وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، ولفظه: ((إذا أديت زكاته فليس بكنز)). وقال الحافظ في ((الدراية)): قوّاه ابن دقيق العيد، وقال في ((الفتح)): صححه ابن القطان أيضاً، وذكر شيخنا في ((شرح الترمذي)): أن سنده جيد، وقال العيني: إسناده جيد، ورجاله رجال البخاري. قال ابن الهمام(٢): أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) وصححه على شرط البخاري، قال البيهقي: تفرد به ثابت بن عجلان، قال صاحب ((تنقيح التحقيق)): وهذا لا يضر، فإن ثابت بن عجلان روى له البخاري، ووثقه ابن معين، وقول عبد الحق: لا يحتجّ به قولٌ لم يقله غيره، وممن أنكر عليه ابن دقيق العيد، ونسبه في ذلك إلى التحامل، وقول ابن الجوزي: محمد بن المهاجر قال ابن حبان: يضع الحديث، قال صاحب ((التنقيح)): هذا وهم قبيح، الكذاب ليس هو هذا، فهذا الذي يروي عن ثابت ثقة شامي، أخرج له مسلم، وثّقه أحمد وابن معين وأبو زرعة ودحيم وغيرهم. ومنها: حديث أسماء بنت يزيد عند أحمد، قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي ◌َّلَه وعلينا أسورة من ذهب، فقال لنا: ((أتعطيان زكاتهما؟)) فقلنا: لا، فقال: ((أما تخافان أن يُسَوِّرَكما الله أسورة من نار؟ أديا زكاتها))، قال المنذري في ((الترغيب)): إسناده حسن، وبسط الكلام عليه العيني، وقال في (١) رواه أبو داود (١٥٦٤). (٢) انظر: ((فتح القدير)) (١٦٤/٢). ٥٨٨ .- --- -- - - ١٩ - كتاب الزكاة (٥) باب (٦٤٧) حديث آخره: فظهر من هذا كله سقوط كلام ابن الجوزي وصحة الحديث، انتهى. قلت: ولو سلم المقال فلا يسقط من الاستشهاد، وأخرج محمد في ((الآثار)): أبو حنيفة ثنا حماد عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود أن امرأة قالت له: إن لي حلياً فهل عليّ فيه زكاة؟ قال: نعم، فقالت: إن لي ابني أخ يتامى أفتجزئ عني أن أجعل ذلك فيهما؟ قال: نعم. على أن عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَاُلْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾(١) الآية، وعموم قوله ◌َّ: ((في الرقة ربع العشر)) رواه البخاري وغير ذلك من العمومات لا يتقيدون بالروايات الضعيفة والآثار المتعارضة. قال الرازي في «تفسيره)): الصحيح عندنا وجوب الزكاة في الحلي، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ﴾ الآية. وأيضاً العمومات الواردة في إيجاب الزكاة موجودة في الحلي المباح، قال عليه السلام: ((في الرقة ربع العشر))، وقال: ((يا علي ليس عليك زكاة فإذا ملكت عشرين مثقالاً فأخرج نصف مثقال))، وغير ذلك، فهذه الآية مع جميع هذه الأخبار توجب الزكاة في الحلي المباح. ثم نقول: ولم يوجد لهذا الدليل معارض من الكتاب، وهو ظاهر، لأنه ليس في القرآن ما يدل على أنه لا زكاة في الحلي المباح، ولم يوجد في الأخبار أيضاً معارض إلا أن أصحابنا نقلوا فيه خبراً، وهو قوله عليه السلام: ((لا زكاة في الحلي المباح)) إلا أن الترمذي(٢) قال: لم يصح عن رسول الله وَل في الحلي خبر صحيح. وأيضاً بتقدير أن يصح هذا الخبر فنحمله على اللآلي، لأن الحلي في (١) سورة التوبة: الآية ٣٤. (٢) انظر: ((سنن الترمذي)) (٣٠/٣). ٥٨٩ ١٩ - كتاب الزكاة (٥) باب (٦٤٧) حديث قَالَ مَالِكٌ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ تِبْرٌ، أَوْ حَلْيٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لِلَبْسِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةَ فِي كُلِّ عَامِ، يُوزَنُ فَيُؤْخَذُ رُبُعُ عُشْرِهِ، إِلَّا أَنْ يَنْقُصَ مِنْ وَزْنِ عِشْرِينَ دِينَاراً عَيْنَاَ، أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَم، فَإِنْ نَقَصَ مِنْ ذُلِكَ، فَلَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ، الحديث مفرد محلى بالألف واللام، وقد دللنا على أنه لو كان هناك معهود سابق وجب انصرافه إليه، والمعهود في القرآن في لفظ الحلي اللآلي؛ قال تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾(١)، وإذا كان كذلك انصرف لفظ الحلي إلى اللآلي، فسقطت دلالته، وأيضاً الاحتياط في القول بوجوب الزكاة. وأيضاً لا يمكن معارضة هذا النص بالقياس، لأن النص خير من القياس، فثبت أن الحق ما ذكرنا، انتهى. قال السرخسي: والمعنى فيه: أن الزكاة حكم تعلق بعين الذهب والفضة، فلا يسقط بالصنعة، كحكم التقابض في المجلس عند بيع أحدهما بالآخر، وجريان الربا، وبيان الوصف أن صاحب الشرع ما اعتبر في الذهب والفضة مع اسم العين وصفاً آخر الإيجاب الزكاة، فعلى أي وجه أمسكها المالك للنفقة أو لغير النفقة تجب عليه الزكاة، انتهى. (قال يحيى: قال مالك: من كان عنده تبر) بكسر التاء (أو حلي من ذهب أو فضة) مع كونهما نصاباً (لا ينتفع به للبس، فإن عليه فيه الزكاة في كل عام) لأن الذهب والفضة من الأموال المعدة للتنمية، فإذا لم يوجد نية اللبس فهي فارغة من الحوائج (يوزن) في كل عام (فيؤخذ ربع عشره، إلا أن ينقص من عشرين ديناراً عيناً) نصاب الذهب إن كان ذهباً (أو مائتي درهم) أي ينقص من نصاب الفضة إن كان الحلي من فضة (فإن نقص من ذلك المقدار) أي النصاب (فليس فيه زكاة) لعدم شرط الزكاة. (١) سورة النحل: الآية ١٤. --------- ---- ٥٩٠ ---- ١٩ - كتاب الزكاة (٥) باب (٦٤٧) حديث وَإِنَّمَا تَكُونُ فِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا كَانَ إِنَّمَا يُمْسِكُهُ لِغَيْرِ اللُّبْسِ، فَأَمَّا النَّبْرُ وَالْحَلْيُ الْمَكْسُورُ، الَّذِي يُزِيذُ أَهْلُهُ إِصْلَاحَهُ وَلُّبْسَهُ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَتَاعِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ أَهْلِهِ، فَلَيْسَ عَلَى أَهْلِهِ فِيهِ زَكَاةٌ. قَالَ مَالِكٌّ: لَيْسَ فِي اللُّؤْلُوِ، وَلا فِي الْمِسْكِ، وَلَا الْعَنْبَرِ، زَكَاةٌ . (وإنما تكون فيه) أي في الحلي (الزكاة) بالرفع (إذا كان إنما يمسكه لغير اللبس) يعني إذا كان يمسكه لغرض آخر غير اللبس (فأما التبر والحلي المكسور الذي يريد أهله إصلاحه) في النسخ الهندية: صلاحه بدون زيادة في أوله (وليسه) بعد الإصلاح (فإنما هو بمنزلة المتاع) أي حوائج البيت (الذي يكون عند أهله، فليس على أهله فيه زكاة) وتقدم الكلام على مسألة التبر والحلي. (قال مالك) الإمام - رضي الله عنه -: (ليس في اللؤلؤ) بهمزتين أو واحدة في أوله أو آخره، وبلا همز، كذا في ((المجمع))، قال النووي: أربع لغات، قال العيني(١): لا يقال لتخفيف الهمزة لغة، قال المجد: اللؤلؤ: الدر، واحده بهاء، قال الزرقاني (٢): هو مطر الربيع يقع في الصدف، وقال القهستاني: هو جوهر مُضيء يخلقه الله تعالى من مطر الربيع الواقع في الصدف الذي قيل: إنه حيوان من جنس السمك، كذا في ((رد المحتار)). (ولا في المسك) بكسر الميم، الطيب المعروف، قال الجوهري: هو مُعَرَّبٌ، وكانت العرب تسميه المشموم وهو مذكر، وأنشد الجوهري في تأنيثه: جديدٌ ومن أردانِها المِسْكُ تَنْفَحُ لقد عاجلَتْني بالسِّبَابِ وثوبُها قال القاري في ((شرح النقاية)): ولا شيء في الماء، ولا فيما يؤخذ من الحيوان، كظبي المسك، انتهى. (ولا في العنبر) تقدم تحقيقه (زكاة) بالرفع (١) ((عمدة القاري)) (٥٥٨/٦). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٠٣/٢). ٥٩١ ١٩ - كتاب الزكاة (٦) باب (٦) باب زكاة أموال اليتامى والتجارة لهم فيها اسم ليس، وتقدم الكلام في زكاة العنبر، وأما اللؤلؤ فتقدم أيضاً في كلام ((المغني) وغيره. وفي ((الدر المختار)): لا زكاة في اللآلي والجواهر، وإن ساوت ألوفاً اتفاقاً إلا أن تكون للتجارة، انتهى. واستدل الفقهاء لذلك بحديث: ((لا خمس في الحجر))، لكنه ضعيف عند المحدثين، كما في ((الزيلعي)) (١) وغيره، وروى ابن أبي شيبة عن عكرمة: ليس في حجر اللؤلؤ ولا حجر الزمرد إلا أن يكون للتجارة، فإن كانت للتجارة ففيه الزكاة. موقوف، كذا في ((الدراية)). (٦) زكاة أموال اليتامى والتجارة لهم فيها أي في أموال اليتامى، وذكر المصنف في هذا الباب مسألتين: أما الأولى فقال الترمذي(٢): قد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فرأى غير واحد من أصحاب النبي ◌َّ في مال اليتيم زكاةً، منهم عمر وعلي وعائشة وابن عمر، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقالت طائفة من أهل العلم: ليس في مال اليتيم زكاة، وبه قال سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك. قال العيني(٣): وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول أبي وائل وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي والحسن البصري، وحكي عنه إجماع الصحابة، وقال سعيد بن المسيب: لا تجب الزكاة إلا على من تجب عليه الصلاة والصيام، وذكر حميد بن زنجويه النسائي: أنه مذهب ابن عباس، وفي ((المبسوط)): وهو قول علي أيضاً، وعن جعفر بن محمد عن أبيه مثله، وبه قال شریح، انتهى. -- --- -- (١) انظر: ((نصب الراية)) (٣٨٢/٢). (٢) ((سنن الترمذي)) (٣٣/٣). (٣) ((عمدة القاري)) (٣٢٦/٦). ------ ---- ٥٩٢ ۔ ۔ ...... . .. ..----. ١٩ - كتاب الزكاة (٦) باب وفي ((الجوهر)) و((شرح الإحياء)): قال ابن المنذر في ((الأشراف)): لا يزكي الصبي حتى يصلي ويصوم. وهو قول النخعي وأبي وائل والحسن وسعيد بن المسيب، وهذا لأن الزكاة عبادة، فلا تجب على الصبي، لارتفاع القلم عنه كالحج والصلاة، انتهى. قلت: وحكى السرخسي في المسألة مذهباً ثالثاً، فقال: وكان ابن مسعود يقول: يحصي الولي أعوام اليتيم، فإذا بلغ أخبره، وهو إشارة إلى أنه تجب عليه الزكاة، وليس للولي ولاية الأداء، وهو قول ابن أبي ليلى حتى قال: إذا أداه الولي من ماله ضمن، انتهى. وذكر هذا المذهب الموفق(١) أيضاً إذ قال: والجملة أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون لوجود الشرائط الثلاث فيهما، روي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وعائشة والحسن بن علي وجابر، وبه قال جابر بن زيد وابن سيرين وربيعة ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور. ويحكى عن ابن مسعود والثوري والأوزاعي أنهم قالوا: تجب الزكاة ولا تخرج حتى يبلغ الصبي ويفيق المعتوه، قال ابن مسعود: أحصى ما يجب في مال اليتيم من الزكاة، فإذا بلغ أعلمه، فإن شاء زكى، وإن شاء لم يُزَكِّ، وروي نحو هذا عن إبراهيم، وقال الحسن، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وأبو وائل، والنخعي، وأبو حنيفة: لا تجب الزكاة في أموالهما، وقال أبو حنيفة: يجب العشر في زروعهما وثمرتهما، وتجب صدقة الفطر عليهما، انتھی . قال ابن رشد (٢): وسبب اختلافهم هو اختلافهم في مفهوم الزكاة (١) ((المغني)) (٦٩/٤)، وانظر: ((الاستذكار)) (٨٣/٩). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢٤٥/١). ٥٩٣ ١٩ - كتاب الزكاة (٦) باب (٦٤٨) حديث ١٢/٦٤٨ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: الشرعية، هل هي عبادة، كالصلاة، والصيام، أم هي حق واجب للفقراء على الأغنياء؟ فمن قال: هي عبادة اشترط فيها البلوغ، ومن قال: هي حق للفقراء على الأغنياء، لم يعتبر في ذلك بلوغاً، انتهى. قال ابن الهمام(١): وأما القياس فنمنع كون ما عَيَّنَه تمام المناط، فإنه منقوضٌ بالذمي لا يؤخذ من ماله الزكاة، فلو كان وجوبها بمجرد كونها حقاً مالياً يثبت للغير لصح أداؤها منه بدون الإسلام، بل وأجبر عليه كما يجبر على دفع نفقة زوجته ونحو ذلك، وحين لم يكن كذلك عُلِمَ أنه اعتبر فيها وصفٌ آخر لا يصح مع عدمه، وهو وصف العبادة الزائل مع الكفر، قال عليه السلام: ((بني الإسلام على خمس))، وعدّ منها الزكاة كالصلاة والحج والصوم، فتكون موضوعة عن الصبي، وقال عليه الصلاة والسلام: ((رفع القلم عن ثلاثة)) الحديث، سيأتي ذكره. ١٢/٦٤٨ - (مالك، أنه بلغه أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (قال) قال العيني(٢)، روى الدارقطني والبيهقي من رواية حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قال: ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة، وقد اختلف في سماع ابن المسيب عن عمر بن الخطاب، والصحيح أنه لم يسمع منه، انتهى. وقال ((شارح الإحياء)): ذكر البيهقي في ((المدخل)) بسنده إلى مالك: أنه سئل هل أدرك ابن المسيب عمر - رضي الله عنه -؟ قال: لا، قال: ولذا لم يخرج الشيخان عنه عن عمر - رضي الله عنه - شيئاً .. (١) انظر: ((فتح القدير)) (١١٥/٢). (٢) ((عمدة القاري)) (٣٢٦/٦). ٥٩٤ -- --- - --- - ١٩ - كتاب الزكاة (٦) باب (٦٤٨) حديث إنَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَنَامَى، لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ. قلت: لكن ذكر الحافظ في ((التلخيص))(١) لهذا الأثر عدة طرق عن عمر - رضي الله عنه -، لكن شارح ((الإحياء)) حكى عن الدارقطني في ((علله)) الاختلاف في هذا الأثر، ثم قال: إن ابن المسيب خالف هذا الأثر، وحكى عن مذهبه أن لا يزكي الصبي حتى يصلي ويصوم. (اتّجروا) بتشديد المثناة الفوقية، أمر من افتعال التجارة، (في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة) حجة لمن قال بإيجاب الزكاة في مال الصبي. ومن أنكره حمله على النفقة لوجهين: أحدهما: أن الزكاة لا تفني جميع المال، فعُلِمَ أن المراد به النفقة التي تستغرق جميع المال، قال السرخسي: ألا ترى أنه أضاف الأكل إلى جميع المال، والنفقة هي التي تأتي على جميع المال دون الزكاة. والثاني: أن اسم الصّدقة ينطلق على النفقة؛ لما روي عن النبي وَل أنه قال: ((إن المسلم إذا أنفق على أهله كانت له صدقة))، وتعقب بأن اسم الزكاة لا يطلق على النفقة لغة ولا شرعاً، ولا يقاس على لفظ صدقة؛ لأن اللغة لا تؤخذ بالقیاس. قلت: لكن الروايات مختلفة بلفظ: الصدقة، وبلفظ: الزكاة، ولو سُلِّم فالصحابة مختلفة في ذلك كما تقدم، وحكي عن الحسن إجماع الصحابة، ولا أقل من ذلك أنه قول صحابي عارضه قول صحابي آخر. وفي ((الكوكب))(٢): تأويله عندنا الإنفاق على نفس اليتيم، فإنه قد يسمى صدقة، لما قال النبي 18 في غير هذا الحديث: ((تصدق على نفسك))، ومن روى ههنا بلفظ: ((الزكاة))، فرواية بالمعنى عنده مع أن ظاهر ((تأكله الصدقة)) (١) ((تلخيص الحبير)) (٧٣٤/٢). (٢) ((الكوكب الدري)) (١٥/٢ - ١٦). ٥٩٥ ١٩ - كتاب الزكاة (٦) باب (٦٤٩) حدیث ١٣/٦٤٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَلِينِي، وَأَخَاَ لِي، يَتِيمَيْنِ في حَجْرِهَا، فَكَانَتْ تُخْرِجُ مِنْ أَمْوَالِنَا الزَّكَاةَ. إحاطة الصدقة كل ماله، وذلك لا يكون في الزكاة، فإنها لا تجب بعود المال إلى أقل من النصاب، وإن لم يكن نصاباً من أول الأمر لم تأكله الصدقة رأساً، وأما إذا أريد بها النفقة سواء كانت نفقة نفسه، أو أحد ممن تجب عليه نفقته، كان ظاهراً في معناه، انتهى. ١٣/٦٤٩ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، قال البخاري: قتل أبوه وبقي القاسم يتيماً في حجر عائشة، كذا في ((التهذيب))(١) (أنه قال: كانت عائشة تليني) أي تتولى أمري (أنا وأخاً لي) وليست في النسخ المصرية زيادة لفظ ((أنا))، والمراد بالأخ على الظاهر عبد الله بن محمد بن أبي بكر، قال ابن سعد في ((الطبقات)): قتل يوم الحرة، وليس له عقب، وفي ((التهذيب)): قتل بالحرة، وكانت الحرة سنة ٦٣ هـ (يتيمين في حجرها) تقدم معنى الحجر في الباب السابق، أي بعد قتل أبيهما بمصر، وفي ((التقريب)) (٢): قتل سنة ٣٨هـ. (فكانت تخرج من أموالنا الزكاة) صريح في إيجاب الزكاة مع ما لعائشة - رضي الله عنها - من علو الشأن، لكن تقدم في الباب السابق أنها تلي بنات أخيها، فلا تخرج من حليهن الزكاة. قال الحافظ في ((التلخيص))(٣): ويمكن الجمع بينهما بأنها ترى الزكاة في الحلي، ولا ترى إخراج الزكاة مطلقاً عن مال الأيتام. (١) ((تهذيب التهذيب)) (٣٣٣/٨). (٢) (٤٤٦/١). (٣) (٧٦٤/٢) . ٥٩٦ .-- ٠٠ =-. ..------ -- .. . ١٩ - كتاب الزكاة (٦) باب (٦٤٩) حديث قال ابن الهمام(١): وما روي عن عمر وابنه وعائشة - رضي الله عنهم - من القول بوجوبها في مالهما - أي الصبي والمجنون - لا يستلزم كونه عن سماع، إذ قد علمت إمكان الرأي، فيجوز كونه بناءً عليه، انتهى. على أنه يحتمل أن يكونا بالغين، وإطلاق اليتيم مجاز، وهذان الأثران استدل بهما من قال بإيجاب الزكاة في مال الصبي، ومن أنكره استدل بما قاله القاري في ((شرح النقاية)): ولنا، ما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم، وقال: على شرط مسلم، أن النبي ◌ّر قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل)). وفي (آثار(٢) محمد بن الحسن)): أخبرنا أبو حنيفة ثنا ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن مسعود قال: ليس في مال اليتيم زكاة، وليث كان أحد العلماء العباد، لكن اختلط في آخر عمره، ومعلوم أن أبا حنيفة لم يكن ليذهب فيأخذ عنه حال اختلاطه، ويرويه مع تشديد أمره في الرواية ما لم يشدد غيره على ما عرف، وروى البيهقي عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن مسعود قال: من ولي مال اليتيم، فلْيُخْصِ عليه السنين، وإذا دفع إليه ماله أخبره بما فيه من الزكاة، فإن شاء زكى وإن شاء ترك. وروي عن ابن عباس أيضاً، إلا أنه تفرد بإسناده ابن لهيعة، ولأن من شروطها النية، وهي لا تتحقق من الصبي، ولا يعتبر نية الولي؛ لأن العبادات الواجبات لا تتأدى بنية الغير، انتهى. قلت: وتكلموا في ليث بن أبي سليم باختلاطه في آخره، لكنه من رواة الستة، أخرج له البخاري تعليقاً والبواقي في صحاحهم موصولاً . (١) ((فتح القدير)) (١١٥/٢). (٢) (كتاب الآثار)) (ص٦٠). ٥٩٧ ١٩ - كتاب الزكاة (٦) باب (٦٥٠ - ٦٥١) حديث ١٤/٦٥٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وََّ كَانَتْ تُعْطِي أَمْوَالَ الْيَتَامَى الَّذِينَ فِي حَجْرِهَا، مَنْ يَتَّجِرُ لَهُمْ فِيهَا . ١٥/٦٥١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ اشْتَرَى لِبَنِي أَخِيهِ، يَتَامَى فِي حَجْرِهِ، مَالاَ، فَبِيعَ ذَلِكَ الْمَالُ، بَعْدُ، بِمَالٍ کَثِيرٍ . وقال الزيلعي في ((نصب الراية))(١): اعلم أن ابن حبان ترجم عليه ليث بن أبي سليم بن زنيم الليثي، وتعقبه المنذري في حاشيته بخطه، فقال: ليث بن أبي سليم ليس هو ابن زنيم الليثي، فرقهما إمام أهل الحديث البخاري في ترجمتين، وكذلك ابن أبي حاتم والعقيلي وابن عدي في كتبهم، وابن أبي سليم قرشي مولاهم، والليثي إنما هو ابن زنیم، انتهى. قلت: وأقوال من جرحه أو عدله مبسوطة في محله، لا يسعها هذا المختصر، ويكفي للحنفية حجة رواية الإمام لهذا الحديث. ١٤/٦٥٠ - (مالك، أنه بلغه أن عائشة زوج النبي ◌ّير كانت تعطي أموال اليتامى) زاد في النسخ المصرية (٢) (الذين في حجرها) وليست هذه الزيادة في النسخ الهندية (من يتجر لهم فيها) لئلا تأكلها الصدقة، أو لتنمو فيفضل لهم ما يقوم بهم، ويبقى لهم ما ينفعهم بعد البلوغ، والجملة مفعول لقوله: ((تعطي)) ولا ذكر في الأثر للزكاة، واستدل المصنف بذلك وبالأثر الآتي على المسألة الثانية، أي جواز التجارة في مالهم. ١٥/٦٥١ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه اشترى لبني أخيه) عبد ربه بن سعيد (يتامى في حجره مالاً، فبيع) ببناء المجهول من الماضي (ذلك المال بعد) بالضم على البناء أي بعد ذلك (بمال كثير) بمثلثة، وقيل: بموحدة. (١) (٣٣٤/٢). (٢) كذا في نسخة ((الاستذكار)) (٨١/٩). ٥٩٨ ۔۔ = ..-- -- ---------- - ١٩ - كتاب الزكاة (٦) باب (٦٥١) حديث قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِالتّجَارَةِ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَهُمْ، إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ مَأْذُوناً، فَلَا أَرَى عَلَيْهِ ضَمَاناً . (قال مالك: لا بأس بالتجارة في أموال اليتامى لهم) لمنفعة اليتامى لا لنفسه (إذا كان الولي مأموناً) هذا شرط في إذن التجارة، واللفظ مفعول من الأمن بالهمزة والميم في جميع النسخ الهندية والشروح المصرية، وفي أكثر متونها من الإذن بالهمزة والذال، والأوجه الأول، فإن خسرت أموالهم في التجارة أو تلفت (فلا أرى عليه ضماناً) ذكر شيخنا الدهلوي بعد ذكر هذه الآثار: وعليه الشافعي، ففي ((المنهاج)): وله أي للولي بيع ماله بقرض، ونسيئة للمصلحة، ويزكي ماله، وينفق عليه بالمعروف، انتهى. قلت: وعلم من ذلك أن الأمر بالتجارة في ماله عندهم ليس للوجوب، بل للإباحة ومكارم الأخلاق، وهكذا عند المالكية. قال الباجي(١): قوله: ((اتّجروا)) إذن منه في إدارتها وتنميتها، وذلك أن الناظر لليتيم إنما يقوم مقام الأب له، فمن حكمه أن يُنَمِّي ماله ويُثْمِرَه له، ولا يثمره لنفسه؛ لأنه حينئذ لا ينظر لليتيم، وإنما ينظر لنفسه، فإن استطاع أن يعمل فيه لليتيم، وإلا فليدفعه إلى ثقة يعمل فيه لليتيم على وجه القراض بجزء يكون له فيه من الربح، وسائره للیتیم، انتھی. وهكذا عند الحنفية، ففي ((الدر المختار)): ولا يتّجر الوصي في ماله - أي اليتيم - لنفسه، وجاز لو اتّجر في مال اليتيم لليتيم، قال ابن عابدين: قوله ((جاز)) أفاد أنه لا يجبر الوصي على التجارة والتصرف بمال اليتيم، وبه صرح في ((نور العين))، انتهى. وفي ((درر الحكام)): وله - أي للوصي - التجارة بمال اليتيم لليتيم لا لنفسه به أي لا يجوز له التجارة لنفسه بمال اليتيم، انتهى. وبسط ما يجوز له من التصرفات في مال الصبي وما لا يجوز. (١) ((المنتقى)) (١١٠/٢). ٥٩٩ ١٩ - كتاب الزكاة (٧) باب (٦٥٢) حديث (٧) باب زكاة الميراث ١٦/٦٥٢ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا هَلَكَ، وَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاةَ مَالِهِ، إِنِّي أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ ذُلِكَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَلَا يُجَاوَزُ بِهَا الثُّلُثُ، وَتُبَدَّى عَلَى الْوَصَايَا، (٧) زكاة الميراث ذكر المصنف في هذا الباب مسألتين: إحداهما: من مات وعليه زكاة هل تؤخذ من تركته أم لا؟ والثانية: من ورث مالاً عن أحد متى تجب عليه الزكاة؟، وسيأتي الفقه فيهما . ١٦/٦٥٢ - (مالك، أنه قال: إن الرجل إذا هلك) أي مات (ولم يؤد) في حياته (زكاة ماله، إني أرى أن يؤخذ ذلك) أي الزكاة (من ثلث ماله) بشرط الوصية كما سيأتي. (ولا يجاوز بها) أي بالزكاة (الثلث) أي لا يؤخذ في الزكاة أكثر من ثلث تركته، لأنه لا حق للميت في أكثر من الثلث. قلت: لكن استثني في فروع المالكية بعض الصور من قيد الثلث، بل يخرج فيها من رأس المال، كما في صدقة الماشية، إذ مات ربها بعد مجيء الساعي قبل الأداء، صرح بذلك في زكاة ((الشرح الكبير))(١). وكذلك في زكاة العين إذا اعترف بحلولها وبقائها في ذمته، وأوصى بإخراجها كما صرح به الدسوقي، ولا وصية في الزائد على الثلث مطلقاً عند الحنفية كما في فروعهم، إلا أن يجيزها الورثة. (وتُبَدَّى) أي الزكاة، وفي النسخ الهندية: يبتدأ أي أداؤها . (على الوصايا) المتفرقة، لكن في الفروع ذكر تقديم بعض الوصايا على الزكاة، ففي ((الشرح الكبير))(٢): ولو أوصى بوصايا، أو لزمه أمور تخرج من (١) انظر: (٤٤٤/١). (٢) (٤٤١/٤). ٦٠٠ :