النص المفهرس

صفحات 541-560

١٩ - كتاب الزكاة
(٢) باب
(٦٤٣) حديث
وما قال الزرقاني من موافقة الحنفية للمالكية فهو في مسألة الباب يعني
شركة العين فقط، وإلا ففي الحقيقة بينهما اختلاف، وأصل توافق المالكية
للحنابلة. ففي ((الشرح الكبير)) (١): خلطاء الماشية كمالك واحد، قال
الدسوقي: وأما الخلطاء في غيرها فالعبرة بملك كل واحد، انتهى.
وعند الشافعية تكون الْخُلْطَةُ في كل شيء، قال الأردبيلي في ((الأنوار)):
ولو اشترك اثنان فصاعداً في النعم بإرث أو ابتياع أو غيرهما زكَّيا زكاة واحد
بشروط ذكرها، ثم قال: ولو خلط خُلْطة الجوار، فلها شروط مع ما ذكرت أن
يتّحد المراح إلى آخره، ثم قال: تثبت في الزروع والثمار والنقدين وعروض
التجارة بشرط اتحاد الحائط إلى آخر ما قاله.
فعُلِم من ذلك أن الخلطة لا تأثير لها عند الحنفية مطلقاً، ولا تأثير لها
في غير الماشية عند الحنابلة والمالكية، وتكون في كل شيء عند الشافعية، قال
السرخسي: الشريك المفاوض والعنان وغير ذلك كلهم سواء في حكم الصدقة،
لأن وجوبها باعتبار حقيقة الملك وغنى المالك به، ولا ملك للشريك في
نصيب شريكه مفاوضاً كان أو غيره، انتهى.
وقال العيني (٢): ذكر في ((المبسوط)) وعامة كتب أصحابنا: أن الخليطين
يعتبر لكل واحد نصاب كامل كحال الانفراد، ولا تأثير للخلطة فيها، سواء
كانت شركة ملك بالإرث والهبة والشراء ونحوها، أو شركة عقد كالعنان
والمفاوضة، وقال ابن المنذر: الأصح عدم وجوب الزكاة، وقال ابن حزم في
((المحلى)): الخلطة لا تحيل حكم الزكاة، هو الصحيح، انتهى. وإليه يظهر ميل
البخاري.
(١) (٤٣٩/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٤٢/٦).
٥٤١

١٩ - كتاب الزكاة
(٢) باب
(٦٤٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ ذَهَبٌ أَوْ وَرِقٌ مُتَفَرِّقَةٌ بِأَيْدِي
أُنَاسِ شَتَّى، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخْصِيهَا جَمِيعاً، ثُمَّ يُخْرِجَ مَا وَجَبَ
عَلَيْهِ مِنْ زَكَاتِهَا كُلِّهَا .
(قال مالك: وإذا كانت لرجل ذهب أو ورق متفرقة بأيدي أناس) لغة في
الناس كما في ((الصراح)). (شتى) أي مختلفة ومتفرقة (فإنه ينبغي له أن يحصيها
جميعاً ثم يخرج ما وجب عليه من زكاتها كلها).
قال الباجي(١): هذا كما قال: من كانت عنده ذهب متفرقة بأيدي أناس
شتَّى على وجه القراض أو الوديعة أو غير ذلك من الوجوه التي يتمكن بها من
تنميتها، ولا يتعذر عليه تصريفها، فإن حكمها حكم المجتمع في يده، لأن
الاعتبار باجتماعها في ملكه، وتصرفه دون يده، انتهى.
وقال الزرقاني: هذا إجماع إذا كان قادراً على ذلك ولم تكن ديوناً في
الذمم ولا قراضاً ينتظر أن ينضَّ، قاله أبو عمر (٢)، انتهى.
قلت: واختلفت الفروع في أنواع الديون وحصولها عند المالكية كما في
((الشرح الكبير)) و((مقدمات ابن رشد))، والأوجه عندي أن مسألة الكتاب مسألة
الودائع لا الديون خلافاً لما قاله الباجي كما يدل عليه سياق الكلام، وعليه
يتفرع ما حكى الزرقاني عن أبي عمر أنه إجماع، وأما الديون فلها تفاريع كثيرة
عند المالكية لا تجب في أكثرها الزكاة إلا بعد القبض، ومع ذلك لا تجب في
بعضها إلا بعد الحول من القبض.
وفي ((الشرح الكبير)) (٣): وتعددت الزكاة على المالك بتعدد الحول في
عين مودعة قبضها المالك بعد أعوام، فإنه يزكيها لكل عام مضى بعد قبضها،
(١) ((المنتقى)) (١٦١/٢).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٥٣/٩).
(٣) (٤٥٧/١).
٥٤٢
---
--

١٩ - كتاب الزكاة
(٢) باب
(٦٤٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَفَادَ ذَهَبَاً أَوْ وَرِقاً، إِنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا
حَتَّى يَحْوَلَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، مِنْ يَوْمَ أَفَادَهَا
قال الدسوقي: قوله: ((بعد قبضها)) ظاهره أنه قبل القبض لا يزكيها، وأنها إنما
تُزَّى بعد القبض، واستظهر ابن عاشر أن المالك يزكيها كل عام وقت الوجوب
من عنده، انتهى.
وتجب الزكاة عندنا الحنفية أيضاً في الودائع ما لم تدخل في الضمار،
كما صرح به في الفروع، ففي ((البحر)) (١) في شرط النماء هو في اللغة الزيادة،
وفي الشرع نوعان: حقيقي وتقديري، فالحقيقي الزيادة بالتوالد والتناسل
والتجارات، والتقديري تمكنه من الزيادة بكون المال في يده أو يد نائبه، فلا
زكاة على ما لم يتمكن منها كمال الضمار، ثم ذكر صور الضمار، ومن جملتها
إذا أودعه ونسي المودع، قالوا: إن كان المودع من الأجانب فهو ضمار، وإن
كان من معارفه وجبت الزكاة لتفريطه بالنسيان في غير محله، انتهى.
(قال مالك: ومن أفاد ذهباً أو ورقاً) بنحو ميراث أو هبة (إنه) بكسر الهمزة
مقول القول، (لا زكاة عليه فيها حتى يحول عليها الحول من يوم أفادها) قال
الباجي: هذا كما قال: إن من أفاد فائدة لا زكاة عليه فيها حتى يحول عليها
الحول، سواء كانت جميع ماله أو انضافت إلى نصاب عنده، فإنه لا زكاة عليه
فيها، من أفاد عشرة دنانير في رجب ثم أفاد عشرة أخرى في المحرم، فإنه
يزكيها جميعاً لحول الآخرة، ولو كانت الأولى عشرين ديناراً والثانية عشرة
دنانير، فإنه يزكي الأولى لحولها ثم يزكي الثانية لحولها، وهكذا أبداً حتى
يرجعا إلى أقل من النصاب، انتهى.
وفي ((الشرح الكبير)) (٢): واستقبل حولاً بفائدة وهي التي تجددت لا عن
(١) ((البحر الرائق)) (٢٠٦/٢).
(٢) (١ / ٤٦٢).
٥٤٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٢) باب
(٦٤٣) حديث
مال، فقوله: تجددت كالجنس، وقوله: لا عن مال، أخرج به الربح والغلة،
ومثلها بقوله كعطية وميراث، أو تجددت عن مال غير مزكى كثمن عرض مقتنى
من عقار أو حيوان باعه بعين فيستقبل به حولاً من يوم قبضه، وتضم الفائدة
الأولى ناقصة لثانية، فإن حصل منهما نصاب حسب حولهما من يوم الثانية،
ويصيران كالشيء الواحد أو يضمان الثالثة إن لم يحصل من مجموع الأوليين
نصاب، انتهى.
قلت: وفي المسألة خلاف الحنفية(١) كما يظهر من تفصيل مسلكهم،
ففي ((الهداية))(٢): ومن كان له نصاب، فاستفاد في أثناء الحول من جنسه ضمه
إليه وزكّاه به، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: لا يضم، لأنه أصل في حق
الملك حتى مُلِكت بملك الأصل، ولنا أن المجانسة هي العلة في الأولاد
والأرباح؛ لأن عندها يتعسر التميّز، فيتعسر اعتبار الحول لكل مستفاد وما
شرط الحول إلا للتيسير، انتهى.
ولا يذهب عليك أن المذكور في كلام المصنف فائدة العين من الذهب
أو الورق، وفيها خلاف الحنفية عن المالكية، وهم موافقون للشافعية، بخلاف
فائدة الماشية، فحكمها عند المالكية مخالف لفائدة العين، كما سيأتي بيانها في
محلها، وحكم الفائدتين عند الحنفية واحد، وهو أنهما تضمان إلى النصاب
السابق من جنسه بأي نوع استفيدت.
وقال الموفق(٣): إن استفاد مالاً مما يعتبر له الحول، ولا مال له سواه،
وكان نصاباً، أو كان له مال من جنسه لا يبلغ نصاباً، فبلغ بالمستفاد نصاباً
(١) انظر: ((الكوكب الدري)) (١٤/٢).
(٢) (١٨٤/٢). طبع باكستان.
(٣) ((المغني)) (٧٤/٤).
٥٤٤
- --
----

١٩ - كتاب الزكاة
---
(٢) باب
(٦٤٣) حديث
انعقد عليه حول الزكاة من حينئذ، فإذا تم حول وجبت الزكاة فيه، وإن كان
عنده نصاب لم يخل المستفاد من ثلاثة أقسام؛ أحدها: أن يكون المستفاد من
نمائه كربح مال التجارة ونتاج السائمة، فهذا يجب ضمه إلى ما عنده من أصله
فيعتبر حوله بحوله، ولا نعلم فيه خلافاً، لأنه تبع له من جنسه، فأشبه النماء
المتصل، وهو زيادة قيمة عروض التجارة.
والثاني: أن يكون المستفاد من غير جنس ما عنده، فهذا له حكم نفسه لا
يضم إلى ما عنده في حول ولَانِصَابِ، بل إن كان نصاباً استقبل به حولاً وزكاه
وإلا فلا شيء عليه، وهذا قول جمهور العلماء، وروي عن ابن مسعود
وابن عباس ومعاوية: أن الزكاة تجب فيه حين استفاده، قال أحمد عن غير
واحد: يزكيه حين يستفيده، وروى بإسناده عن ابن مسعود قال: كان عبد الله
يعطينا ويزكيه، وعن الأوزاعي فيمن باع عبده أو داره: أنه يزكي الثمن حين
يقع في يده إلا أن يكون له شهر يعلم، فيؤخره حتى يزكيه مع ماله، وجمهور
العلماء على خلاف هذا القول، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
قال ابن عبد البر: على هذا جمهور العلماء، والخلاف في ذلك شذوذ.
والثالث: أن يستفيد مالاً من جنس نصاب عنده قد انعقد عليه الحول
بسبب مستقل، مثل أن يكون عنده أربعون من الغنم مضى عليها بعض الحول
فيشتري أو يَتَّهِبُ مائة، فهذا لا تجب فيه الزكاة حتى يمضي عليه حولٌ أيضاً،
وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يضُمُّه إلى ما عنده في الحول فيزكيهما
جميعاً عند تمام حول المال الذي كان عنده، انتهى.
قال القاري في ((شرح النقاية)): ويضم المستفاد وسط الحول إلى نصاب
من جنسه، سواء كان المستفاد بسبب من ذلك النصاب بأن اشترى في أثناء
الحول شيئاً، فاستفاد فيه، أو لم يكن بأن كان معه نصاب فوهب له شيء أو
ورث في أثناء الحول شيئاً من جنسه، أو حصله من كسبه، وقال مالك
٥٤٥

- -
١٩ - كتاب الزكاة
(٢) باب
(٦٤٣) حديث
والشافعي: إن كان المستفاد بسبب من النصاب ضُمَّ، وإن لم يكن بسبب منه لا
يُضَمُّ؛ لأن المستفاد أصل في حق الملك، فيكون أصلاً في حق الواجب فيه.
ولنا أن المجانسة هي العلة في المستفاد بسبب النصاب كالأولاد
والأرباح الحاصلة عنه في أثناء الحول، وهي موجودة في المستفاد الذي ليس
بسبب النصاب، وشرط مالك والشافعي للمستفاد فيه مضيَّ حولٍ تامٍّ لقوله ومَله:
((من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول)) رواه الترمذي، ولنا في
المستفاد من الجنس قوله وسلم: ((إن في السنة شهراً تؤدون فيه زكاة أموالكم،
فما حدث بعد ذلك فلا زكاة فيه حتى يجيء رأس الشهر))، رواه الترمذي، فهذا
يقتضي أنه يجب الزكاة في الحادث عند مجيء رأس السنة، وما رواه ليس
بثابت، ولئن ثبت فليس فيه ما ينافي مذهبنا، لأنا نقول: لا يجب الزكاة في
مال حتى يحول عليها الحول، إما أصالة أو تبعاً كما في الأولاد والأرباح،
انتھی .
قلت: حديث ((من استفاد مالاً)) صحح الترمذي(١) وَقْفَهُ على ابن عمر،
وتكلم على الحديث المرفوع، فقال: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف في
الحديث، ضعّفه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهما من أهل الحديث،
وهو كثير الغلط .
وقال السرخسي في ((المبسوط)): ثم الضم في خلال الحول بالعلة التي
يضم بها في ابتداء الحول، فضم بعض المال إلى البعض في ابتداء الحول
باعتبار المجانسة دون التوالد، فكذلك في خلال الحول، ثم ما بعد النصاب
الأول بناءً على النصاب الأول وتبع له، حتى يسقط اشتراط النصاب فيه،
فكذلك يسقط اعتبار الحول فيه، ويجعل حول الحول على الأصل حؤولاً على
التبع، انتهى.
(١) انظر: ((جامع الترمذي)) (١٠/٣).
٥٤٦
----
. .. -
-- ---

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
(٣) باب الزكاة في المعادن
٨/٦٤٤ _ حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيْعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ
الرَّحْمنِ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ قَطَعَ
يعني لا يشترط في المستفاد وسط الحول أن يكون نصاباً لحاله، بل يضم
إلى النصاب السابق، وقد قال النبي ◌َّر: ((ليس فيما دون خمس ذود صدقة))
الحديث، فأحرى أن يعتبر في الحول أيضاً الحول السابق.
(٣) الزكاة في المعادن
جمع معدن بكسر الدال، من عَدَنَ إذا أقام لإقامة الذهب والفضة به، أو
لإقامة الناس فيها شتاءً وصيفاً. قال ابن عابدين: معدن بفتح الميم وكسر
الدال، وفتحها إسماعيل عن النووي، وأصل المعدن المكان بقيد الاستقرار فيه
ثم اشتهر في نفس الأجزاء المستقرة التي رَكَّبها الله تعالى في الأرض يوم خلق
الأرض حتى صار الانتقال من اللفظ إليه ابتداء بلا قرينة، انتهى.
٨/٦٤٤ - (مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) فرّوخ المدني المعروف
بربيعة الرأي، وفي ((موطأ محمد))(١) بلفظ التحديث (عن غير واحد) قال ابن
عبد البر: هذا الحديث في ((الموطأ)) عند جميع الرواة مرسل، وقد وصله البزار
من طريق عبد العزيز الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث
المزني عن أبيه، قال السيوطي(٢): وأخرجه أبو داود من طريق ثور بن زيد عن
عكرمة عن ابن عباس، قلت: وسياق ((موطأ محمد)) يُغاير هذا السياق، وفيه:
أخبرنا مالك حدثنا ربيعة وغيره: أن رسول الله وَالر ... الحديث.
(أن رسول الله (3)- قطع) هكذا في جميع النسخ الموجودة من الهندية
(١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٥٦/٢).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (ص٢٤٤)، وانظر: ((شرح الزرقاني)) (١٠٠/٢).
٥٤٧

--
١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
والمصرية بدون الهمزة إلا في نسخة ((المصفّى)) ففيها بالهمزة، وفي هامش
النسخ الهندية: قوله: ((قطع))، صوابه: أقطع بالهمزة والرواية ما في الكتاب،
انتھی .
قلت: والمعروف عند أهل اللغة أيضاً الإقطاع من الإفعال، وفي
((المرقاة)) عن الطيبي: الإقطاع ما يجعله الإمام لبعض الأجناد والمرتزقة من
قطعة أرض ليرتزق من ريعها، وفي ((النهاية)): الإقطاع يكون تمليكاً وغيره، قال
ابن الملك: أعطاه ليعمل فيها، ويخرج الذهب والفضة لنفسه، وهذا يدل على
جواز إقطاع المعادن، ولعلها كانت باطنة، فإن الظاهرة لا يجوز إقطاعها،
انتھی .
قال الحافظ في ((الفتح)) (١): تقول: أقطعته أرضاً جعلتها له قطيعة،
والمراد به ما يخص به الإمام بعض الرعية من الأرض الموات، فيختص به
ويصير أولى بإحيائه ممن لم يسبق إلى إحيائه، واختصاص الإقطاع بالموات
متفق عليه في كلام الشافعية، انتهى.
وفي ((تهذيب اللغات)) للنووي: قال الجوهري: الإقطاع يكون تمليكاً
وغير تمليك، انتهى. وفي ((تهذيب اللغات))(٢) للنووي: قال الرافعي: المعادن
هي البقاع التي أودعها الله عز وجل شيئاً من الجواهر المطلوبة، وهي قسمان:
ظاهرة وباطنة، فالظاهرة هي التي يبدو جوهرها بلا عمل، وإنما السعي والعمل
لتحصيله، وذلك كالنفطة، والكبريت، والقار، والموميا، والقطران، وأحجار
الرحاء، وشبهها، وهذه لا يملكها أحد بالإحياء والعمارة، وإن أراد بها النيل
ولا يختص بها المحتجر، وليس للسلطان إقطاعها بل هي مشتركة بين الناس
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (٤/١٤).
(٢) (٩٦/٢).
٥٤٨
..--

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
كالماء والحطب، وأما الباطنة وهي التي لا يظهر جوهرها إلا بالعمل، كالذهب
والفضة والرصاص والنحاس والحديد وسائر الجواهر المبثوثة في الأرض، هل
يملك هذه بالإحياء؟ فيه وجهان: أظهرهما أنها كالظاهرة، انتهى.
قال العيني(١): الإقطاع يكون تمليكاً وغير تمليك، وإقطاع الإمام تسويغه
من مال الله تعالى لمن يراه أهلاً لذلك، وأكثر ما يستعمل في إقطاع الأرض
وهو أن يخرج منها شيئاً يحوزه، إما أن يملكه إياه فيعمره، أو يجعل له غلته،
ففي صورة التمليك يملك الذي أقطع له، وهو الذي يسمى المقطع له رقبة
الأرض، فيصير ملكاً له يتصرف فيه تصرف المُلأَّك في أملاكهم، وفي صورة
جعل الغلة له لا يملك إلا منفعة الأرض دون رقبتها، فعلى هذا يجوز للجندي
الذي يقطع له أن يؤجر ما أقطع له، لأنه يملك منافعها، وإن لم يملك رقبته،
وله نظائر في الفقه، ثم ذكر النظائر.
وفي ((الدر المختار))(٢): ليس للإمام أن يُقطع ما لا غنى للمسلمين عنه
من المعادن الظاهرة، كالملح والكحل والآبار التي يستقي منها الناس، فلو
أقطعها لم يكن لإقطاعها حكم، بل المُقْطع وغيره سواء، انتهى.
وبسط ابن عابدين الكلام على الإقطاعات، وقال: إن للإمام أن يعطي
الأرض من بيت المال على وجه التمليك لرقبتها كما يعطي المال حيث رأى
المصلحة، إذ لا فرق بين الأرض والمال في الدفع للمستحق، فاغتنم هذه
الفائدة، فإني لم أر من صرح بها، وإنما المشهور في الكتب أن الإقطاع تمليك
الخراج مع بقاء رقبة الأرض لبيت المال، انتهى.
وفي ((الشرح الكبير)) (٣) للدردير: أن الإقطاع تمليك مجرد فله بيعه وهبته
(١) ((عمدة القاري)) (٥١٢/١٠) باب ما أقطع النبيُّ ◌َّه من البحرين.
(٢) انظر: ((الدر المختار)) (٥٩/٢ - ٦٥).
(٣) (٦٨/٤).
٥٤٩

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
لِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ
ووقفه، ويورث عنه إن حازه، ولو أقطعه على أن عليه كذا أو كل عام كذا
عمل به، ومحل المأخوذ بيت المال لا الإمام لعدم ملكه، لما أقطعه، ولا
يقطع الإمام معمور أرض العنوة الصالحة للزراعة ملكاً بل إمتاعاً وانتفاعاً، وأما
ما لا يصلح لزراعة الحب وليس عقاراً للكفار، فإنه من الموات يقطعه ملكاً أو
انتفاعاً، وإنما لم يقطع المعمور ملكاً؛ لأنه يصير وقفاً بمجرد الاستيلاء عليه،
وأما أرض الصلح فليس للإمام إقطاعها مطلقاً .
قال الدسوقي: قوله: ((تمليك مجرد)) أي لا يحتاج معه إلى عمارة أي
بخلاف الإحياء، وقوله: بل إمتاعاً أي انتفاعاً مدة حياته مثلاً أو مدة أربعين
سنة، وقوله: ((ليس للإمام إقطاعها)) أي أرض الصلح؛ لأنها على ملك أهلها
لا علقة للإمام بها، وقوله: ((مطلقاً)) أي سواء كانت معمورة أو مواتاً، انتهى
بزيادة .
وبسطنا في أقوال الفروع في ذلك لينكشف الغطاء عن مسلك الإمامين
الهمامين - رحمهما الله تعالى -، ثم الظاهر أن إقطاعه بَ ير هذا لم يكن تمليكاً
لما في رواية الحاكم(١) عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه: أن
رسول الله وّ قطع لبلال بن الحارث العقيق أجمع، فلما كان عمر - رضي الله
عنه - قال لبلال: إن رسول الله وَليس لم يقطعك لتحتجره عن الناس، لم يقطعك
إلا لتعمل، قال: فأقطع عمر بن الخطاب للناس العقيق، وقال: هذا حديث
صحيح، وأقره عليه الذهبي.
(لبلال بن الحارث) بن عاصم بن عصم بن سعيد (المزني) أبو عبد الرحمن،
كان صاحب لواء مزينة يوم الفتح، كان يسكن وراء المدينة، ثم تحول إلى
البصرة، أحاديثه في السنن وغيرها، قال المدائني وغيره: مات سنة ٦١، وله
(١) ((المستدرك)) (٤٠٤/١).
٥٥٠
-- -- - ----
------- -

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ،
ثمانون سنة، قدم على النبي ◌َّ في وفد مزينة سنة خمس (معادن القبلية) قال
القاري: بفتح القاف والباء، مجرورة بالإضافة، وهي منسوبة إلى قبل اسم
موضع، وقال النووي: المحفوظ عند أصحاب الحديث بفتح القاف والباء، قال
القاري: ولعل غير المحفوظ كسر القاف وسكون الموحدة، انتهى.
قال ابن الأثير: نسبة إلى قَبَل بفتح القاف والباء، هذا هو المحفوظ في
الحديث، وفي (كتاب الأمكنة)): القِلَبَة بكسر القاف بعدها لام مفتوحة ثم باء،
وفي ((معجم البلدان)): القبلية بالتحريك، كأنه نسبة إلى قبل بالتحريك، قال
العمراني: أخبرني جار الله عن علي الشريف، قال: القبلية سراة فيما بين
المدينة وينبع، ما سال منها إلى ينبع سُمِّي بالغور، وما سال منها إلى أودية
المدينة سمي بالقبلية، وحدُّها من الشام ما بين الحث، وهو جبل من جبال بني
عرك من جهينة وما بين شرف السيالة، أرض يطأها الحُجّاج، وفيها جبال
وأودية.
وقال الطبراني في ((المعجم الكبير))(١) بسنده إلى بلال بن الحارث
المزني: أن رسول الله ◌َ﴿ أقطعه هذه القطيعة، وكتب له فيه: ((بسم الله الرحمن
الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله بلالَ بنَ الحارث، أعطاه معادن القبلية
غوريَّها وجَلْسِيَّها غَشَية وذات النُّصُب، وحيث صلُح الزرعُ من قدس إن كان
صادقاً))، وكتب معاوية، ويروى: وحيث يصح الزرع من قريش، وفي رواية:
غشية بالغين والشين معجمتين، وفي رواية بالعين والسين مهملتين، انتهى.
وفي ((المجمع)): هي ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة
أيام، ثم قال الشيخ في ((المصفَّى)) ما تعريبه: إن الظاهر أن هذه المعادن لم
تكن من الذهب والفضة، لأن أهل التاريخ قاطبة لم يذكروها، ويبعد إهمالهم
(١) (٣٧٠/١) ح (١١٤١).
٥٥١

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
أ
وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرْعِ،
ذلك، أو إخفاؤها عليهم مع كونها بقرب المدينة، فالظاهر أنها من سائر
المنطبعات كالحديد وغيره أو من غير المنطبع كالمغرّة والنورة، وهذا الأخير
أقرب، فالظاهر قول أحمد: إن الزكاة تجب في كل معدن منطبعاً كان أو غيره،
انتھی .
(وهي من ناحية الفُرْع) قال القاري: بضم الفاء وسكون الرّاء وبالعين
المهملة خلافاً لمن وهم فيه، وضبطه بالمعجمة موضع واسع بينه وبين المدينة
خمسة أيام أو أقل، وبه قرى كثيرة، انتهى.
-----
- --.. ". ..
وقال الزرقاني(١): بضم الفاء والراء كما جزم به السهيلي وعياض في
((المشارق))، وقال في كتابه ((التنبيهات)): هكذا قيّده الناس، وكذا رويناه،
وحكى عبد الحق عن الأحول إسكان الراء، ولم يذكره غيره، انتهى.
فاقتصار ((النهاية)) والنووي في ((تهذيبه)) على الإسكان مرجوح، قال في
((الروض)): بضمتين من ناحية بالمدينة فيها عينان، يقال لهما: الربض
والتحف، يسقيان عشرين ألف نخلة، انتهى.
وفي ((تهذيب النووي)): بضم الفاء وإسكان الراء، قرية ذات نخل وزرع
ومياه جامعة بين مكة والمدينة على نحو أربع مراحل من المدينة، انتهى.
ثم قال الباجي(٢): قال ابن نافع: إن القبلية لم تكن خطة لأحد، وإنما
كانت فلاة، والمعادن على ثلاثة أضرب: ضرب منها لجماعة المسلمين
كالبراري والموات وأرض العنوة، وضربٌ منها في أرض الصلح، وضربٌ منها
ظهر في ملك رجل من المسلمين، فأما ما كان لجماعة من المسلمين فإن
للإمام أن يقطعها من شاء، ومعنى الإقطاع إياها أن يجعل له الانتفاع بها مدة
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٠٠/٢)، و((بذل المجهود)) (٦/١٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٠١/٢).
٥٥٢

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
محدودة أو غير محدودة، ولا يملِّكه رقبتها؛ لأنها بمنزلة الأرض التي لجماعة
المسلمين، فللإمام حبسها لمنافعهم، ولا يبيعها عليهم، ولا يُمَلَّكُها بعضَهم.
وما ظهر منها في أرض الصلح فقال ابن حبيب: يقطعها الإمام مَنْ ذكر،
وحكى ذلك عمن لقي من أصحاب مالك، وقال ابن نافع وابن القاسم: لا حق
للإمام فيها، وهي لأهل الصلح، قال ابن القاسم: إن من أسلم من أهل الصلح
وبيده معدن أخرج عن يده، وأقطعه الإمام من شاء، وأما ما ظهر منها في
أرض رجل من أهل الإسلام، فإنه لا يُمَلَّكُه في قول ابن القاسم، وقال مالك:
ذلك له، وله منعه، فإذا ثبت ذلك، فمن أقطع من هذه المعادن شيئاً لم يكن له
بيعها؛ لأنه لا يملكها، انتهى مختصراً .
فعُلِم بذلك أن إقطاع المعادن عند المالكية يكون تمليك المنافع.
وفي ((الشرح الكبير))(١): وحكم المعدن أن للإمام ونائبه أن يُقْطعه لمن
شاء أو يجعله للمسلمين ولو بأرض مسلم أو كافر إلا أرضاً مملوكة لمصالح،
فهي للمُصالح، لا للإمام إلا أن يُسلِّم المصالح فيرجع حكمه للإمام، انتهى
بتغير .
وحكى ابن رشد في ((مقدماته))(٢) الاختلاف في المعادن هل هي تبع
للأرض التي فيها أم لا؟ فقال: اختلف فيها على قولين: أحدهما: أنها ليست
تبعاً للأرض التي هي بها مملوكة كانت أو غير مملوكة، وأن الأمر فيها إلى
الإمام، يقطعها لمن يعمل فيها حياة المقطع، أو مدة ما من الزمان من غير أن
يملك أصلها، إلا أن تكون في أرض قوم صالحوا عليها. هذا مذهب ابن
القاسم وروايته عن مالك في ((المدونة))، وهكذا في ((العتبية)). والثاني: أنها تبع
للأرض، هذا مذهب سحنون، ومثله لمالك في ((كتاب ابن المواز)) انتهى.
(١) (٤٨٦/١).
(٢) انظر: (٢٤١).
٥٥٣

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
وحكى العيني(١) عن الخطابي: المعادن التي لا يتوصل إلى نيلها
ونفعها، إلا بكدوح واعتمال واستخراج لما في بطونها، فإن ذلك لا يوجب
الملك الباتَّ، ومن أقطع شيئاً منها كان له ما دام يعمل فيه، فإذا قطع العمل
عاد إلى أصله، فكان للإمام إقطاعه غيره، انتهى.
وأما عند الحنفية فما في ((البدائع)) (٢): أما المعدن فإما إن وجده في دار
الإسلام أو في دار الحرب في أرض مملوكة أو غير مملوكة، فإن وجد في دار
الإسلام في أرض غير مملوكة فالموجود مما يذوب بالإذابة، وينطبع بالحلية
يجب فيه الخمس، فأربعة أخماسه للواجد كائناً من كان إلا الحربي المستأمن،
فإنه يسترد منه الكل إلا إذا قاطعه الإمام، فإن له أن يفي بشرط، وأما ما لا
يذوب بالإذابة أو المائع كالقير، فلا شيء فيهما بل كله للواجد.
وأما إذا وجده في أرض مملوكة فأربعة أخماسه للمالك، وجده هو أو
غيره، لأن المعدن من توابع الأرض، لأنه من أجزائها خلق فيها ومنها، وإذا
ملكها المختظُ له بتمليك الإمام ملكها بجميع أجزائها، ألا ترى أنه يدخل في
البيع، واختلف في الخمس في الدار، وإن وجده في دار الحرب، فإن وجده
في أرض غير مملوكة فهو له ولا خمس فيه، وإن وجده في أرض مملوكة فإن
دخل بأمان رُدَّ إلى صاحب الملك، وإن دخله بغير أمان فهو له ولا خمس فيه،
انتهى مختصراً .
۔ ۔
وفي ((الدر المختار))(٣): ليس للإمام أن يقطع ما لا غنى للمسلمين عنه
من المعادن الظاهرة، وهي ما كان جوهرها الذي أودعه الله بارزاً كمعادن
(١) ((عمدة القاري)) (٩٥/٩).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٢/ ١٩٣).
(٣) (٥٩/٢ - ٦٥).
٥٥٤
-----

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حدیث
فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لا يُؤْخَذُ مِنْهَا، إِلَى الْيَوْمِ، إِلَّا الزَّكَاةُ.
مرسل عند جميع الرواة.
ووصله أبو داود في: ١٩ - كتاب الخراج والإمارة والفيء، ٣٦ - باب في
إقطاع الأرضين.
الملح، والكحل، والقار، والنفط، والآبار التي يستقي منها الناس، فلو أقطع
هذه المعادن الظاهرة لم يكن لإقطاعها حكم، بل المقطع وغيره سواء، انتهى.
(فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم، إلا الزكاة) قال الباجي: دليل
واضح على أن المعدن يجب فيما يخرج منه الزكاة، انتهى. قلت: لكن للمانع
كلام في هذه الزيادة.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (١): رواه أبو داود، والطبراني، والحاكم،
والبيهقي موصولاً، وليست فيه الزيادة، قال الشافعي بعد أن روى حديث
مالك: ليس هذا مما يثبت أهل الحديث، ولم يثبتوه، ولم يكن فيه رواية عن
النبي ◌َّ إلا إقطاعه .
وأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي وَّ، وقال
البيهقي: هو كما قال الشافعي في رواية مالك، وقد روي عن الدراوردي عن
ربيعة موصولاً، ثم أخرجه عن الحاكم، والحاكم أخرجه في ((المستدرك))، (٢)
وكذا ذكره ابن عبد البر من رواية الدراوردي، قال: ورواه أبو سبرة المديني
عن مطرف عن مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن بلال
موصولاً، لكن لم يتابع عليه، قال: ورواه أبو أويس عن كثير بن عبد الله عن
أبيه عن جده، وعن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس، انتهى.
قلت: لكن الإمام الشافعي - رضي الله عنه - أنكر الرواية عن النبي
صَلى الله
(١) ((تلخيص الحبير)) (١٨١/٢).
(٢) (١/ ٤٠٤).
٥٥٥

----
١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ: أَرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنَ الْمَعَادِنِ مِمَّا
يَخْرُجُ مِنْهَا شَيْءٌ، حَتَّى يَبْلُغَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا قَدْرَ عِشْرِينَ دِينَاراً عَيْنَاً،
أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَم، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ مَكَانَهُ،
مطلقاً لا بتخصيص طريق مالك، وقال: إنما الثابت الإقطاع فقط، وإليه أشار
أبو داود إذ روى حديث الصدقة بطريق مالك المرسل فقط، وروى حديث
الإقطاع بطرق عديدة، وتعقب العيني في ((البناية)) على رفعه.
(قال مالك: أرى) بضم أوله ببناء المجهول أي أظن، أو بفتح أوله ببناء
الفاعل أي أعلم وأتيقن، (والله أعلم) بالحقيقة، جملة معترضة، (أن لا يؤخذ)
ببناء المجهول (من المعادن مما يخرج منها شيء، حتى يبلغ ما يخرج منها قدر)
بالنصب، مفعول ((يبلغ)) (عشرين ديناراً عيناً) أي ذهبا (أو مائتي درهم) فضة (فإذا
بلغ ذلك) المقدار أي النصاب، (ففيه الزكاة) أي ربع العشر (مكانه) أي في
ذلك الوقت .
قال الباجي(١): يريد وقت وجوبها، فيحتمل أن يريد بذلك عند أخذه من
المعدن واجتماعه عند العامل، ويحتمل أن يريد بذلك عند تصفيته واقتسامه،
قال أبو الوليد الباجي: والأظهر عندي أن الزكاة إنما تجب فيه عند انفصاله من
معدنه کالثمرة والزرع تجب فيه الزكاة ببدو صلاحه، انتهى.
وفي ((تحفة المحتاج)) للشافعية: وقت وجوبه حصول النيل بيده، ووقت
الإخراج بعد التنقية والتخليص، فلو تلف بعضه قبل التمكن من الإخراج سقط
قسطه، انتهى.
وقال الموفق(٢): لا يجوز إخراج زكاته إلا بعد سبكه وتصفيته كعشر
الحَبِّ، فإن أخرج ربع عشر ترابه قبل تصفيته وجب رده إن كان باقياً، أو قيمته
إن كان تالفاً، والقول في قدر المقبوض قول الآخذ لأنه غارم، فإن صفَّاه
(١) ((المنتقى)) (١٠٣/٢).
(٢) («المغني)) (٢٤٣/٤).
٥٥٦
----
--- - --- -

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
وَمَا زَادَ عَلَى ذُلِكَ، أُخِذَ بِحِسَابٍ ذُلِكَ، مَا دَامَ فِي الْمَعْدِنِ نَيْلٌ،
فَإِذَا انْقَطَعَ عِرْقُهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ نَيْلٌ، فَهُوَ مِثْلُ الأَوَّلِ يُبْتَدَأُ فِيهِ
الزَّكَاةُ، كَمَا ابْتُدِئَتْ فِي الأَوَّلِ.
الآخذ وكان قدر الزكاة أجزأ، وإن زاد ردّ الزيادة إلا أن يسمح له المخرج،
وإن نقص فعلى المخرج.
وما أنفقه الآخذ على تصفيته فهو من ماله لا يرجع به على المالك، ولا
يحتسب المالك ما أنفقه على المعدن في استخراجه من المعدن ولا في
تصفيته، وقال أبو حنيفة: لا تلزمه المؤنة من حقه، وشبّهه بالغنيمة، وبناه على
أصله أن هذا ركازٌ فيه الخمس، وعندنا الواجب فيه زكاة فلا يحتسب بمؤنة
استخراجه، فتصفیته کالحبِّ، انتهى.
(وما زاد على ذلك أخذ) ببناء المجهول (منه بحساب ذلك) أي ربع عشر
ما يخرج (ما دام في المعدن نَيْل) مصدر بمعنى الإصابة أي يضم إلى الأول
الذي بلغ النصاب، ويزكي لأنه بقية عرقه. (فإذا انقطع عرقه) بالكسر (ثم جاء
بعد ذلك نَيْل) آخر (فهو مثل) النيل (الأول يبتدأ فيه الزكاة، كما ابتدئت في
الأول) فإن كان نصاباً زكى، وإلا لا، قال الباجي: يريد أن النيل الأول لا
يضاف إلى الثاني في الزكاة سواء بلغ الأول نصاباً وقصر عنه أو زاد عليه، لأن
حكمه حكم الزرع، فكما لا يُضاف زرع عام إلى زرع عام آخر في الزكاة
كذلك لا يضاف نيل إلى نيل، فانقطاع النيل بمنزلة انقراض العام، واستئناف
النيل بمنزلة استئناف حصاد عام آخر، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع))(١): يضم بعض المخرج إلى بعض إن اتحدّ المعدن
وتتابع العمل كما يضم المتلاحق من الثمار، ولا يشترط بقاء الأول في ملكه
ولا اتصال النيل؛ لأنه لا يحصل غالباً إلا متفرقاً، فإذا قطع العمل بعذر ضُمَّ،
(١) (٣٤٦/٢).
٥٥٧

--
١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَالْمَعْدِنُ بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ، يُؤْخَذُ مِنْهُ مِثْلُ مَا يُؤْخَذُ
مِنَ الزَّرْع، يُؤْخَذُ مِنْهُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَعْدِنِ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَلَا يُنْتَظَرُ
بِهِ الْحَوْلُ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنَ الزَّرْعِ، إِذَا حُصِدَ، الْعُشْرُ، وَلا يُنْتَظَرُ أَنْ
يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ.
وإن طال الزمن، وإن قطع بلا عذر لم يُضَمَّ، طال الزمن أم لا لإعراضه،
انتھی .
وقال الموفق(١): يعتبر إخراج النصاب دفعة واحدة أو دفعات، لا يترك
العمل بينهن ترك إهمال، فإن خرج دون النصاب، ثم ترك العمل مهملاً له، ثم
أخرج دون النصاب، فلا زكاة فيهما وإن بلغا بمجموعهما نصاباً، وإن بلغ
أحدهما نصاباً دون الآخر زَّى النصاب، ولا زكاة في الآخر، وما زاد على
النصاب فبحسابه، وأما ترك العمل ليلاً، أو للاستراحة، أو بعذر من مرض،
أو لإصلاح الأداة، أو إباق عبيده ونحوه، فلا يقطع حكم العمل، ويضم ما
خرج في العملين بعضه إلى بعض في إكمال النصاب، وكذلك إن كان مشتغلاً
بالعمل، فخرج بين المعدنين تراب لا شيء فيه، انتهى.
(قال مالك: والمعدن بمنزلة الزرع) فإن الله ينبته في الأرض كما ينبت
الزرع (يؤخذ منه مثل ما يؤخذ من الزرع) ليس المراد بالمثلية المثلية في القدر
المخرج، بل في تزكيته وقت الخروج من المعدن بدون انتظار الحول، كما
أفاده بقوله: (يؤخذ منه إذا خرج من المعدن من يومه ذلك، ولا ينتظر به
الحول، كما يؤخذ من الزرع، إذا حصد العشرُ) أو نصف العشر، (ولا ينتظر به
أن يحول عليه الحول). كلام المصنف هذا يتضمن أربع مسائل فقهية خلافية
بين الأئمة .
الأولى: أن المعدن يجب فيه الزكاة، وهي المقصودة بهذا الباب،
(١) ((المغني)) (٤/ ٢٤٢).
٥٥٨
. .--
----- --

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
( ٦٤٤) حديث
واستدل عليها بحديث بلال المذكور أول الباب، وقال آخرون: فيه الخمس،
وسيأتي الكلام عليها مبسوطاً في آخر الباب.
والثانية: أن المعادن مختلفة الأنواع، واختلفت الأئمة في الأنواع التي
يجب فيها ما يجب من الزكاة والخمس.
قال العيني(١): المعدن ثلاثة أنواع: ما يذوب بالنار ولا ينطبع كالجص
وغيره، وما يوجد في الجبال كالياقوت وغيره، وما يكون مائعاً كالقار وغيره،
فالوجوب يختص بالنوع الأول عندنا دون النوعين الأخيرين، وأوجب أحمد في
الجميع، ومالك والشافعي في الذهب والفضة خاصة، انتهى مختصراً.
وفي كلام العيني اختصار مخل في بيان النوع الأول، لكن المذاهب هي
كما قال، ففي ((الشرح الكبير))(٢) للدردير: إنما يُزَكى معدنُ عينٍ ذهب أو فضة
لا غيرهما من المعادن كنحاس وحديد، انتهى.
وفي ((تحفة المحتاج)): من استخرج ذهباً أو فضة من معدن لزمه ربع
عشره، وخرج بذهب وفضة غيرهما فلا زكاة فيه، انتهى.
وفي ((شرح الإحياء)): أن هذا هو المعروف في المذهب، وقول آخر
شاذٌّ : إنه يجب زكاة كل مستخرج، انتهى.
قال الموفق(٣): المعدن الذي يتعلق به وجوب الزكاة. هو كل ما خرج
من الأرض، مما يُخْلَقُ فيها من غيرها مما له قيمة، كالذي ذكره الخرقي ونحوه
من الذهب، والورِقِ، والزِّثْبَقِ، والرصاص، والصُّفْر، والحديد، والياقوت،
والزَّبَرْ جَد، والبِلّور، والْعَقِيقِ، والكُحْلِ، والمَغْرَة. وكذلك المعادن الجارية،
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٦/ ٥٦٧).
(٢) (٤٨٦/١).
(٣) انظر: ((المغني)) (٢٣٨/٤).
٥٥٩

١٩ - كتاب الزكاة
(٣) باب
(٦٤٤) حديث
كالقار والنِّفْط، والكِبْرِيتِ ونحو ذلك، وقال مالك والشافعي: لا تتعلق الزكاة
إلا بالذهب والفضة؛ لقول النبي ◌َّيقول: ((لا زكاة في حَجَرٍ))، وقال أبو حنيفة في
إحدى الروايتين: تتعلق الزكاة بكل ما ينطبع، كالرصاص والحديد، ولنا عموم
قوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِّ﴾(١)، ولأنه معدن، فتعلقت الزكاة
بالخارج منه كالأثمان، ولأنه مال لو غنمه وجب عليه خمسه، انتهى.
وفي ((الروض المربع))(٢): المعدن إن كان ذهباً أو فضة، ففيه ربع عشره
إن بلغ نصاباً، وإن كان غيرهما، ففيه ربع عشر قيمته إن بلغت نصاباً بعد سبك
وتصفية، انتهى.
وفي فروع الحنفية: أن المعدن ثلاثة أقسام: منطبع، كالذهب والفضة
والحديد والرصاص والنحاس. ومائع، كالماء والملح والقير. وما ليس شيئاً
منهما، كاللؤلؤ والفيروز، فيجب الخمس في الأول منها دون النوعين
الآخرین.
قال ملك العلماء(٣): أما ما لا يذوب بالإذابة فلا خمس فيه، ويكون كله
للواجد؛ لأن الجص والنورة ونحوهما من أجزاء الأرض، فكان كالتراب،
والياقوت والفص من جنس الأحجار، إلا أنها أحجار مضيئة، ولا خمس في
الحجر، انتهى.
والثالثة: اشتراط النصاب في ذلك، قال العيني(٤): إنه يجب في قليله
وكثيره ولا يشترط فيه النصاب عندنا، واشترط مالك والشافعي وأحمد أن يكون
(١) سورة البقرة: الآية ٢٦٧.
(٢) (٣٧٨/١).
(٣) انظر: ((بدائع الصنائع)) (١٩٤/٢).
(٤) ((عمدة القاري)) (٦/ ٥٦٧).
٥٦٠
--------
....----