النص المفهرس
صفحات 501-520
١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٨) حديث ٢/٦٣٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةً قلت: ولا يبعد أن يقال: إن لفظ: ((إذا بلغ)) في هذا الحديث على تسليم صحة سنده تقييد بمنزلة التفسير من بعض الرواة، وذلك لأن طرق هذا الحديث أكثرها أو كلها خالية عن ذلك. والثامن: أيضاً ما في ((العرف)): أن ذلك محمول على العرايا، والعرية تكون في خمسة أوسق، فلما أعطى رجل ما خرج من أرضه بطريق العرية، فلا زكاة عليه فيما أعرى، لأنه مثل من وهب بجميع ماله أو بعضه أنه لا زكاة عليه فيما وهب، فصح أنه لا عشر فيما دون خمسة أوسق لأنها عرية، وفي ((كتاب الأموال)) لأبي عبيد: أن هذا حكم العرية، وأبو عبيد إمام غريب الحديث، ويروي النقول في ((غريب الحديث)) عن محمد بن الحسن الشيباني، انتهى. والتاسع: أن ذلك محمول على ما يأخذه العاشر، يعني أن ما دون خمسة أوسق يُؤدّونه بأنفسهم، ولا يجب رفعه إلى بيت المال، وهذا عمدة الأجوبة عندي . والعاشر: أن الروايات مختلفة، فالمصير إلى القياس للترجيح، وهو مؤيد للعموم بوجوه: منها: أن نظير العشر الخراج، وهو يجب في القليل والكثير فكذا العشر، ومنها: ما قاله الطحاوي: أن النظر الصحيح أيضاً يدل على ذلك، وذلك أنّا رأينا الزكاة تجب في الأموال والمواشي في مقدار منها معلوم، بعد وقت معلوم، وهو الحول. ثم رأينا ما تخرج الأرض يؤخذ منه الزكاة وقت ما تخرج، فلما سقط له الوقت ينبغي أن يسقط له المقدار، انتهى مختصراً. ومنها: ما في ((الهداية)): أنه لا معتبر بالمالك فيه فكيف بصفته وهو الغناء، انتهى. ٢/٦٣٨ - (مالك، عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة) بصادين، بعد كلِّ عين، مهملات مفتوحات إلا العين الأولى فساكنة، ٥٠١ ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٨) حديث اختلفت شُرّاح الحديث وأرباب الرجال في ذكر نسبه، قال الزرقاني(١): هكذا ليحيى وجماعة من رواة ((الموطأ)» كالشافعي، فنسب محمداً لأبيه وجدَّهِ لجده لأنه عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، وفي رواية التِّنِيسي: عن مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، فنسب محمداً إلى جده، ونسب جده إلى جده، انتهى. ومثله في ((العيني)) إذ أخرج عن البخاري: عن مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ثم قال: كذا هو في رواية مالك، والمعروف أنه محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة نسب إلى جده، وجده نسب إلى جده . وهكذا قال الحافظ في ((الفتح)) (٢)، وقال في ((تهذيبه))(٣): محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري النجّاري، أبو عبد الرحمن المدني، ومنهم من نسبه إلى جده، ومنهم من نسب عبد الله إلى جده، والجميع واحد، روى عن أبيه ويحيى بن عمارة وعباد بن تميم وسعيد بن يسار، وروى عنه محمد بن إسحاق ومالك والوليد بن كثير وابن عيينة، قال محمد بن إسحاق: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال غيره: مات سنة ١٣٩هـ. - وقال في ((تقريبه)) (٤): محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري، أبو عبد الرحمن المدني، ثقة من السادسة، وكذا قال المقدسي في (١) (٩٤/٢). (٢): ((فتح الباري)) (٣٢٣/٣). (٣) ((تهذيب التهذيب)) (٢٦٢/٩). (٤) ((تقريب التهذيب)) (١٧٨/٢). ٥٠٢ -- -- ... ------------ ٠ ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٨) حديث الأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَل﴿ قَالَ: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، ((الجمع بين رجال الصحيحين)): محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، أبو عبد الرحمن المدني، أخو عبد الرحمن وأيوب (الأنصاري ثم المازني) بالزاي المعجمة والنون، نسبة إلى مازن. (عن أبيه) عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة هكذا نسبه أهل الرجال، تقدم ذكره في محله من الجزء الأول . (عن أبي سعيد الخدري) قال الحافظ: كذا رواه مالك، وروى إسحاق بن راهويه في ((مسنده)): عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد هذا عن عمرو بن يحيى وعبّاد بن تميم كلاهما عن أبي سعيد، ونقل البيهقي عن محمد بن يحيى، الذهلي أن محمداً سمعه من ثلاثة أنفس، وأن الطريقين محفوظان، انتھی. وفي ((التنوير)): قال ابن عبد البر: حديث عمرو بن يحيى عن أبيه، - أي المذكور في أول الباب - صحيح عند جميع أهل الحديث، وحديث محمد بن عبد الله عن أبيه عن أبي سعيد خطأ في الإسناد (١)، وإنما الحديث محفوظ ليحيى بن عمارة عن أبي سعيد. قال الزرقاني(٢): وزعم ابن عبد البر أن حديث محمد عن أبيه عن أبي سعيد خطأ، وإنما هو محفوظ ليحيى بن عمارة، مردود بنقل البيهقي عن الذهلي أن الطريقين محفوظان، وأن محمداً المذكور سمعه من ثلاثة أنفس. (أن رسول الله مَّ- قال: ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة) قال ابن عبد البر: كأنه جواب لسائلٍ سأله عن نصاب زكاة التمر، فلا يمنع الزكاة (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٠/٩)، و((التمهيد)) (١١٣/١٣ -١١٦). (٢) (٩٥/٢). ٥٠٣ ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٨) حديث وَلَيْسَ فِيَمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقِيَّ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، في غيره من الثمار، والحبوب، بدليل الآثار والإجماع. (وليس فيما دون خمس أواقٍ) بدون الياء في جميع النسخ الهندية، وبعض المصرية كالرواية الماضية، وفي أكثر النسخ المصرية: أواقي بالياء، قال الزرقاني: بتشديد الياء وتخفيفها، ويقال: أواق بحذف الياء، كما في الرواية الأولى جمع أوقية، وحكي وقية كما تقدم. (من الورق) بفتح الواو وكسرها وبكسر الراء وسكونها، أي الفِضَّة مطلقاً، أو المضروبة دراهم، وإنما تطلق على غيرها مجازاً، خلافٌ في اللغة، والمراد ههنا الفضة مضروبها وغيره. قال الباجي(١): روى أشهب عن مالك ليس لأوقية الذهب وزن معلوم وأوقية الفضة أربعون درهماً. (صدقة) وقد تقدم في الحديث السابق: أن نصاب الفضة مائتا درهم إجماعاً . واختلفوا هل فيها أوقاص أم لا؟ قال الموفق(٢): إذا تمت الفضة مائتين والدنانير عشرين، فالواجب فيهما ربع عُشْرِها، ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم وه و أن زكاة الذهب والفضة ربع عشرها . وفي زيادتهما وإن قلَّت، رُوِي هذا عن علي وابن عمر - رضي الله عنهم -، وبه قال عمر بن عبد العزيز والنخعي ومالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر، وقال سعيد بن المسيب وعطاء وطاووس والحسن والشعبي ومكحول والزهري وعمرو بن دينار وأبو حنيفة: لا شيء في زيادة الدراهم حتى تبلغ أربعين، ولا في زيادة الدنانير حتى تبلغ أربعة دنانير، لقوله وسلم: ((من كل أربعين درهماً درهماً))، وعن معاذ (١) ((المنتقى)) (٩١/٢). (٢) («المغني)) (٢١٤/٤). ٥٠٤ -.. ۔۔ ----- ٠٠ - ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٩) حديث وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوُّدٍ مِنَ الإِبل صَدَفَةٌ)). أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٤٢ - باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة . ٣/٦٣٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ عن النبي ◌ّ# أنه قال: ((إذا بلغ الورق مائتين ففيه خمسة دراهم، ثم لا شيء عليه حتى يبلغ إلى أربعين درهماً))(١)، وهذا نص، ولأن له عفواً في الابتداء، فكان له عفو بعد النصاب كالماشية. ولنا: ما روي عن علي - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((هاتوا رُبْع العشر من كل أربعين درهماً درهماً، فما زاد فبحساب ذلك))، رواه الأثرم والدار قطني(٢)، ورواه أبو داود (٣) بإسناده عن عاصم بن ضمرة والحارث عن علي إلا أنه قال: أحسبه عن النبي ◌َّ، وروي ذلك عن علي وابن عمر موقوفاً عليهم، ولم نعرف لهما مخالفاً من الصحابة فيكون إجماعاً، انتهى. (وليس فيما دون خمس ذود من الإبل) بيان لذود (صدقة)، وإنما ذكر الإمام هذا الحديث عقب السابق لما فيه من زيادة قوله: ((من التمر والورق والإبل))، إذ لم يكن في الأول بيان التمييز، وقدّم الأول إذ هو الصحيح عند الكل كما تقدم عن ابن عبد البر. ٣/٦٣٩ - (مالك، أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز) المعدود من الخلفاء الراشدين (كتب إلى عماله) هكذا في الهندية، وفي جميع النسخ المصرية: إلى (١) أخرجه الدار قطني (٢/ ٩٣). (٢) (٢/ ٩٢). (٣) ((سنن أبي داود)) (١/ ٣٦٢). ٥٠٥ -- ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٩) حديث عَلَى دِمَشْقَ فِي الصَّدَقَةِ: إِنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي الْحَزْثِ، وَالْعَيْنِ، وَالْمَاشِيَةِ . عامله، (على دمشق) بكسر الدال وفتح الميم، والكسر لغة فيه، وشين معجمة وآخره قاف، البلدة المشهورة قصبة(١) الشام. وهي جنة الأرض بلا خلاف، لحُسْنِ عمارة، ونضارة بقعة، وكثرة فاكهة، ونزاهة رفعة، وكثرة مياه. واختلف في وجه تسميتها بذلك على أقوال كثيرة، ذكرها في ((معجم البلدان))، وكذا ذكر فيها الاختلاف في أوّل من بناها، وقيل: بُنيَتْ على رأس ثلاثة آلاف ومائة وخمس وأربعين سنة من جملة الدهر الذي يقولون: إنه سبعة آلاف سنة، ووُلِد إبراهيم الخليل بعد بنائها بخمس سنين، افتتحها المسلمون في رجب سنة ١٤ هـ بعد حصار ومنازلة، وبسط ابن الجوزي في ((سيرة عمر بن عبد العزيز)) في مكاتيبه (في الصدقة) أي الزكاة. (إنما الصدقة في العين) أي الذهب والفضة (والحرث) وهو كل ما لا ينمو، ولا يزكو إلا بالحرث، وفي النسخ المصرية: في الحرث، والعين، بتقديم الحرث، (والماشية) أي الإبل والبقر والغنم، قال الباجي(٢): إخبار يمنع الصدقة فيما عدا هذه الأصناف الثلاثة، لأن ((إنما)) حرف موضوع للحصر، ولذا قال عليه الصلاة: ((إنما الولاء لمن أعتق))، والصدقة ههنا الزكاة، وإن جاز أن يقع اسم الصدقة على التطوع. وقوله: في الحرث والعين والماشية، يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يريد به نفي الصدقة عما عدا هذه الثلاثة الأصناف، وإن جاز أن يكون من هذه الثلاثة الأصناف ما لا زكاة فيه، لكنه لم يقصد إلى بيانه ههنا، وإنما قصد إلى بيان ما لا زكاة فيه من غيرها . -- -- ..-- (١) أي القرية الكبيرة في الشام. (٢) ((المنتقى)) (٩١/٢). ٥٠٦ ٠٫٠ ---- ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٩) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَلَا تَكُونْ الصَّدَقَةُ إِلَّ فِي ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ: فِي الْحَرْثِ، وَالْعَيْنِ، وَالْمَاشِيَةِ. والثاني: أن يريد بذلك أن الذي تجب فيه الزكاة إنما هو من المحروث، والماشية، والعين، وأوقع على ما يجب فيه الزكاة هذه الأسماء، لأن معظم كل جنس منها تجب فيه الزكاة، فأطلق الاسم العام، والمراد معظم ما يتناوله، كقوله رَّ: ((جعلت لي الأرض مسجداً، وترابها طهوراً)). فَعَبَّرَ عن الأرض باسم التراب لما كان أعم أجزائها، انتهى. (قال مالك) نبّه بهذا القول على أن قول عمر بن عبد العزيز هو المختار عند المصنف، (ولا تكون الصدقة) أي لا تجب الزكاة (إلا في ثلاثة أشياء) المذكورة (في الحرث، والعين، والماشية) بدل من ثلاثة أشياء، قال أبو عمر(١): لا خلاف في جملة ذلك، ويختلف في تفصيله. وقال شيخ مشايخنا الدهلوي في ((المسوّى))(٢): وعليه أهل العلم أن صدقة الأموال على ثلاثة أقسام، وزكاة التجارة إنما تؤخذ بحساب القيمة، وأما صدقة الفطر فهي صدقة الرؤوس، انتهى. وقال الشيخ ابن القيم (٣): هديه ◌َ ﴿ في الزكاة أكمل هدي في وقتها، وقدرِها، ونصابها، ومن تجب عليه، ومصرفها، وراعى فيها مصلحةَ أرباب الأموال، ومصلحة المساكين، ثم إنه جعلها في أربعة أصناف من المال، وهي أكثر الأموال دوراناً بين الخلق، وحاجتهم إليها ضرورية. أحدها: الزرع والثمار. الثاني: بهيمة الأنعام الثلاثة. (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٧/٩). (٢) (٢٥٧/١). (٣) ((زاد المعاد)) (٥/٢). ٥٠٧ ١٩ - كتاب الزكاة (١) باب (٦٣٩) حديث الثالث: الجوهران اللذان بهما قوام العالم الذهب والفضة. الرابع: أموال التجارة على اختلاف أنواعها . قال ابن رشد (١): الكلام المحيط بهذه العبادة - أي الزكاة - بعد معرفة وجوبها ينحصر في خمسة جمل، الأولى: في معرفة من تجب عليه، والثانية: في معرفة ما تجب فيه من الأموال، والثالثة: في معرفة كَمْ تجب، ومِنْ كَم تجب، الرابعة: في معرفة متى تجب ومتى لا تجب، والخامسة: معرفة لمن تجب وکم یجب له، انتھی. ثم فصل هذه الجمل كلها، وقال في أثناء ذلك: الجملة الثانية: وأما ما تجب فيه الزكاة من الأموال، فإنهم اتفقوا منها على أشياء، واختلفوا في أشياء، أما ما اتفقوا عليه فصنفان من المعدن: الذهب والفضة اللتان ليستا بحلي، وثلاثة أصناف من الحيوان: الإبل والبقر والغنم، وصنفان من الحبوب: الحنطة والشعير، وصنفان من الثمر: التمر والزبيب، وفي الزيت خلاف شاذ، انتهى. ثم فصل الأنواع الخمس في ذلك، وفي ((الأنوار الساطعة)) من شرح الخرشي للمالكية: أن متعلقات الزكاة شرعاً ستة: الماشية، والحرث، والنقدان، والتجارة، والمعادن، والفطر، انتهى. وهكذا قال الغزالي في (الإحياء))(٢). وفي (البدائع))(٣): الزكاة في الأصل نوعان: فرض وواجب، فالفرض زكاة المال، والواجب زكاة الرأس وهي صدقة الفطر، وزكاة المال نوعان: زكاة الذهب والفضة، وأموال التجارة والسوائم، وزكاة الزروع والثمار، وهي العشر أو نصف العشر، انتهى. (١) ((بداية المجتهد)) (٢٤٤/١). (٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) (٢٠٩/١). (٣) ((بدائع الصنائع)) (٧٥/٢). ٥٠٨ --------- ۔ --------- ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٢) باب الزكاة في العين من الذهب والورق (٢) الزكاة في العين من الذهب والورق قال ابن نجيم: العين لفظ مشترك بين الشمس، والينبوع، والذهب، والدينار، والمال، والنقد، والجاسوس، والمطر، وولد البقر الوحشي، وخيار الشيء، ونفس الشيء، والناس القليل، وحرف من حروف المعجم، وما عن يمين قبلة العراق، وعين في الجلد وغير ذلك، انتهى. قلت: ولذا أورد المصنف بيانه لفظ الذهب والورق، وتقدم معنى الورق، وقال المجد: الذهب: التِبْر، ويؤنث واحده بهاء، وجمعه أذهاب وذهوب وذهبان بالضم، وأذهبه: طلاه به کذهبه، انتھی. وفي ((الأنوار الساطعة)) عن البجيرمي: سمي الذهب لأنه يذهب ولا يبقى، وسميت الفضة، لأنها تنفصل ولا تبقى، وسمي المضروب منهما ديناراً ودرهماً لما أنشد بعضهم: والهم آخر هذا الدرهم الجاري النار آخر دينار نطقت به معذب القلب بين الهم والنار والمرء بينهما ما لم يكن درعاً انتهى مختصراً نتعوذ به - سبحانه وتقدس - من عذابهما . قال الموفق(١): زكاة الذهب والفضة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ الآية، وأما السنة فما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله وَلير: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار)» الحديث، أخرجه مسلم، وروى البخاري وغيره في كتاب أنس: ((وفي الرقة ربع العشر))، الحديث، انتهى. (١) ((المغني)) (٢٠٨/٤). ٥٠٩ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٠) حديث ٤/٦٤٠ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ مُكَاتَبٍ لَهُ قَاطَعَهُ بِمَالٍ عَظِيم، ٤/٦٤٠ - (مالك، عن محمد بن عقبة) بالقاف، ابن أبي عياش الأسدي (مولى الزبير) هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية إلا في بعض حواشي الهندية على طريق النسخة: مولى آل الزبير، وفي ((التهذيب))(١) أيضاً: مولى آل الزبير مدني، قال الميموني: محمد وإبراهيم وموسى بنو عقبة إخوة ثقات من رواه النسائي وابن ماجه، وله في ((صحيح مسلم)) حديث واحد في الحج متابعة، قال ابن عبد البر في ((التقصي))(٢) في ترجمة أخيه: موسى بن عقبة بن أبي عياش، مولى الزبير بن العوام، أعتق الزبير جده، انتهى. (أنه سأل) كذا في النسخ الهندية والباجي و ((التنوير)) وغيرها، وفي نسخة الزرقاني: أنه سمع، قال الزرقاني: كذا لعبد الله بن يحيى، ولابن وضّاح عنه: أنه سأل، انتهى. قلت: لكن النسخ التي بأيدينا من رواية عبد الله ففيها: أنه سأل، وهكذا في رواية محمد. ----- (القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (عن مكاتب له قاطعه) هكذا في جميع النسخ الهندية، وفي المصرية: عن مكاتب له، فأقطعه بمال عظيم. قال أبو عمر(٣): معنى مقاطعة المكاتب: أخذ مال معجَّل منه دون ما كُوْتِبَ عليه ليُعَجِّل عتقه، وفي ((المجمع)): المقاطعة ضرب القطيعة، وهي الخراج على العبد أو الأرض، والمراد المكاتبة التي تتقرر على الأرض، انتھی . وقال المجد: أقطعه قطيعة أي طائفة من أرض الخراج (بمال عظيم) : (١) ((تهذيب التهذيب)) (٣٤٥/٩). (٢) (ص ١٦٥). (٣) (الاستذكار)) (٣١/٩). ٥١٠ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٠) حديث هَلْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ ے مِنْ مَالٍ، زَكَاةً، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. وصف المال بالعظيم، ليدخل فيه ما تجب فيه الزكاة (هل عليه) أي على السيد (فيه زكاة). قال الباجي(١): سؤاله عن مال عظيم قاطع به مكاتبه، يحتمل أن يكون سؤالاً عن هذا النوع من هذا المال، هل تجب فيه الزكاة، إلا أن جواب القاسم يقتضي أن سؤاله إنما كان عن وجوب الزكاة فيه في وقت دون وقت. ولذلك أجابه بقوله: (فقال القاسم بن محمد: إنّ أبا بكر الصديق) أول الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - (لم يكن يأخذ من مال زكاة حتى يحول عليه الحول) قال الباجي: احتجاجٌ بفعل أبي بكر - رضي الله عنه - وأخذٌ بالمراسيل، وإنما احتجّ بفعل أبي بكر - رضي الله عنه - في ذلك لأنه كان الخليفة، وهو الذي كان يتولَّى أخذ الصدقات من مال الصحابة، وأهل العلم لم ينكر أحد منهم فعله في ذلك مع اجتهاده في طلب الصدقات وقتاله المانعين للزكاة، فثبت أنه إجماع، ولا خلاف بين المسلمين في أنه لا يجب في مال زكاة حتى يحول عليه الحول. وقال الزرقاني(٢): المقاطعة فائدة لا زكاة فيها حتى يمرّ عليها عند مستفيدها الحول، وأجمع العلماء على اشتراط الحول في الماشية والنقد دون المعشرات، انتهى. ولا زكاة في مال الكتابة عند الشافعية أيضاً، كما حكي في ((شرح الإحياء)) عن ((روضة النووي))، وفي ((الدر المختار)): تجب الزكاة عند قبض مائتين مع حولان الحول بعد القبض من دين ضعيف، وهو بدل غير مال كمهر ودية وبدل كتابة، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٢/ ٩٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٩٦/٢). ٥١١ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٠) حديث قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَكَانَ أَبُو بَكْرِ إِذَا أَعْطَى النَّاسَ أَعْطِيَاتِهِمْ، يَسْأَلُ الرَّجُلَ، هَلْ عِنْدَكَ مِنْ مَالٍ وَجَبَتْ عَلَيْكَ فِيهِ الزَّكَاةُ؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ، أَخَذَ مِنْ عَطَائِهِ زَكَاةَ ذُلِكَ الْمَالِ، وَإِنْ قَالَ: لا، ... قلت: ولا يجب الزكاة في مال المكاتب عندنا مطلقاً، قال ابن عابدين: لأنه دائر بينه وبين الموتى، فإن أدى مال الكتابة سُلِّم له، وإن عجز سُلِّمَ للمولى، فكما لا يجب فيه على المولى شيء، كذا المكاتب، انتهى. قال الباجي(١): وإذا ثبت ذلك فما أخذه من كتابة وقطاعة فلا زكاة فيه، حتى يحول عليه الحول من يوم يقبضه، وإنما ضرب الحول من يوم قبضه المال أو قبض وكيله؛ لأنه من حينئذ يتمكن من تنميته، وإنما ضرب الحول للتنمية فيجب أن يكون الاعتبار بوقت التمكن من التنمية، وهو وقت القبض، انتهى. وفي ((الهداية)): قَدَّرَها الشرع بالحول لقوله وَّ: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))(٢)، ولأنه الممكّن به من الاستنماء لاشتماله على الفصول المختلفة، والغالب تفاوت الأسعار فيها فأدير الحكم عليه، انتهى. (قال القاسم بن محمد) أيضاً، وهذه مسألة أخرى ذكرها استطراداً (وكان أبو بكر) الصديق - رضي الله عنه - (إذا أعطى الناس) بالنصب (أعطياتهم) جمع عطايا جمع عطية، قاله الزرقاني. وقال الباجي: في اللغة اسم لما يعطيه الإنسان غيره على أي وجهٍ كان، إلا أنه في الشرع واقع على ما يعطيه الإمام الناس من بيت المال على سبيل الأرزاق، انتهى. وتكون في زمن معين، ولذلك كانوا يتبايعون إلى العطاء. (سأل الرجل) المعطى له (هل عندك من مال آخر وجبت) بسكون التاء (عليك فيه الزكاة) بأن كان نصاباً ومر عليه الحول (فإن قال) الرجل، وفي المصرية: فإذا .قال: (نعم، أخذ من عطائه زكاة ذلك المال) الذي عنده (وإن قال: لا) أي ليس (١) ((المنتقى)) (٢/ ٩٢). (٢) أخرجه ابن ماجه (١٧٩٢). ٥١٢ --- - . ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤١) حديث أَسْلَمَ إِلَيْهِ عَطَاءَهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئاً . ٥/٦٤١ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتَ قُدَامَةَ، عَنْ أَبِهَا؛ عندي مال أو لم يجب عليه الزكاة (سَلَّم) من التسليم، وفي المصرية: أسلم (إليه عطاءه ولم يأخذ منه شيئاً). لعدم الوجوب. قال الباجي(١): وفي هذا بابان: أحدهما: أن للإنسان أن يعطي زكاة ماله من غيره، ولا يلزمه أن يخرجها من عينه، والثاني: أنه يجوز أن ينوب عنه غيره في ذلك فيؤديها في مواضعها، ثم بسط الكلام على المسألتين مبسوطاً . ٥/٦٤١ - (مالك، عن عمر بن حسين) بن عبد الله الجمحي، مولاهم أبو قدامة المكي، قاضي المدينة، كان من أهل الفضل، والفقه، والمشورة في الأمور، والعبادة، وكان أشد شيء ابتذالاً لنفسه، يقرأ القرآن كل يوم مرة، من رواه مسلم والترمذي (عن) مولاته (عائشة بنت قدامة) بن مظعون، القرشية الجمحية بنت أخي عثمان بن مظعون، أمها رائطة بنت سفيان، تزوجت عائشة إبراهيم بن محمد فولدت له، صحابية، روت عن النبي ◌َّر بتصريح السماع، وهو يردّ على ابن سعد في ذكره لها فيمن لم يرو عن النبي ◌َّل، كذا في ((الإصابة))(٢). (عن أبيها) قدامة بن مظعون بالظاء، ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمع القرشي الجمحي المكي، أخو عثمان، من قدماء الصحابة، هاجر الهجرتين، وشهد بدراً، استعمله عمر - رضي الله عنه - على البحرين، وجرت له معه قصة حيث شرب الخمر متأولاً، فحدّه عمر - رضي الله عنه - ثم أمر في المنام أن يصالحه، مات سنة ٣٦هـ، وهو ابن ٦٨ سنة، كذا في ((التعجيل))(٣). (١) انظر: ((المنتقى)) (٩٢/٢). (٢) انظر: (٨/ ١٤٢). (٣) ((تعجيل المنفعة)) (ص ٣٤٣). ٥١٣ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٢) حديث أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ، إِذَا جِئْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ أَقْبِضُ عَطَائِي، سَأَلَنِي: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ مَالٍ وَجَبَتْ عَلَيْكَ فِيه الزَّكَاةُ؟ قَالَ: فَإِنْ قُلْتُ: نَعَمْ، أَخَذَ مِنْ عَطَائِي زَكَاةَ ذَلِكَ الْمَالِ، وَإِنْ قُلْتُ: لا. دَفَعَ إِلَيَّ عَطَائِي. ٦/٦٤٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا تَجِبُ فِي مَالٍ . (أنه قال: كنت، إذا جئت) أمير المؤمنين (عثمان بن عفان) في خلافته كي (أقبض عطائي، سألني: هل عندك من مال وجبت عليك فيه الزكاة؟ قال) قدامة: (فإن قلت: نعم. أخذ من عطائي زكاة ذلك المال، وإن قلت: لا). أي ليس عندي مال يجب فيه الزكاة، (دفع إليّ عطائي) كله، وفي سؤاله كالصديق الأكبر - رضي الله عنه - وقولهما: إن قلت: لا. إلى آخره، دليل على تصديق الناس في أموالهم التي فيها الزكاة، وجواز إخراج زكاة المال من غيره، ولا مخالف لهما إذا كان من جنسه، فإن كان ذهباً عن فضة أو عكسه ففيه خلاف، قاله الزرقاني(١). ٦/٦٤٢ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان - يقول: لا تجب في مال) عموم خص منه البعض، وهي المعشرات عند الكل، والمعدن عند من قال بالزكاة فيه، قال الباجي(٢): لا تجب في مال زكاة حتى يحول عليه الحول، يريد بذلك الماشية والعين، وأما الزرع والثمار وما يخرج من المعدن فإن الزكاة فيه ساعة يحصل منه النصاب، ولا يراعى في شيء من ذلك الحول. والفرق بينهما: أن الحول إنما ضرب في العين والماشية لتكامل النماء. فيهما، فإذا مرت مدة لتكامل النماء فيها وجبت الزكاة، وأما الزرع والمعدن (١) .(٢ /٩٧). . (٢) ((المنتقى)) (٩٤/٢). -- - ٥١٤ ---- ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٢) حديث زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. وما أشبههما فإن تكامل نمائه عند حصاد الحب، وخروج العين من المعدن، ولا نماء له بعد ذلك من جنس النماء الأول، وإنما له نماء بعد ذلك من جنس آخر، وهو تصريف الزكاة التي يعتبر فيها الحول، فلذلك وجبت الزكاة في الحب يوم الحصاد، قال الله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، انتهى. وهكذا بسطه الموفق(١)، وقال: إن قوله عليه السلام: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)) غير مُبْقىَ على عمومه، فإن الأموال خمسة: السائمة، والأثمان أي الذهب والفضة، وقيم عروض التجارة، وهذه الثلاثة الحولُ شرط في وجوب زكاتها. لا نعلم فيه خلافاً سوى ما نذكره في المستفاد، والرابع: ما يكال ويُدَّخَرُ من الزروع والثمار، والخامس: المعدن، وهذان لا يعتبر لهما حول، انتھی. (زكاة حتى يحول عليه الحول) رواه مالك موقوفاً، وأخرجه في ((التمهيد)) عن ابن عمر مرفوعاً، وفي إسناده بقية بن الوليد مدلِّس، وقد رواه بالعنعنة عن إسماعيل بن عَيَّاش، وإسماعيل ضعيف في غير الشاميين، قال الدارقطني: الصحيح وقفه، وأخرجه الدارقطني في ((الغرائب)) مرفوعاً وضَعَّفَه، وأخرجه أيضاً من حديث أنس وضعّفه، وأخرجه ابن ماجه عن عائشة، لكن الإجماع عليه أغنى من إسناده، قاله الزرقاني(٢). وفي ((شرح الإحياء)): رواه أبو داود من حديث علي بإسناد جيد، وابن ماجه من حديث عائشة بإسناد ضعيف، ثم بسط الكلام على طرقه، وقد علمت مما سبق أنه لا خلاف بين المسلمين أنه لا يجب في مال زكاة حتى يحول عليه الحول، واختلفوا في جواز إخراجها قبل الحول، فذهب مالك إلى (١) انظر: ((المغني)) (٧٣/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢/ ٩٧). ٥١٥ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٢) حديث أن ذلك غير جائز، حكاه ابن عبد الحكم عنه، وقال أشهب في ((العتبية)): من أخرج زكاته قبل الحول أعاد، قاله الباجي. وقال ابن رشد في ((المقدمات))(١): اختلف فيمن أخرج زكاة ماله قبل حلول الحول على قولين: أحدهما: لا يجزئه، وهو رواية أشهب عن مالك، والثاني: يجزئه إذا كان بقرب ذلك، واختلف في حدِّ القرب على أربعة أقوال: اليوم، واليومان قول ابن المواز، وعشرة أيام ونحوها قول ابن حبيب، والشهر ونحوه رواية عيسى عن ابن القاسم، والشهران فما دونهما رواية زياد عن مالك، انتهى. قال الباجي(٢): وقال أبو حنيفة والشافعي: ذلك جائز، والدليل على ما يقوله مالك: أن الحول شرط من شروط وجوب الزكاة، فلم يجز تقديمها قبل وجوبه، قال ابن المؤَّاز: احتجّ مالك والليث في ذلك بالصلاة، انتهى. قلت: وفي مذهب الشافعية اختلاف، ففي (الإحياء)): تعجيل الزكاة جائز بشرط أن يقع بعد كمال النصاب، وانعقاد الحول، ومهما عجل فمات المسكين قبل الحول، أو ارتدّ، أو صار غنياً بغير ما عجل إليه، أو تلف مال المالك، أو مات فالمدفوع لیس بزكاة، انتهى. وفي ((شرح الإحياء)) عن (الوجيز)): في تعجيل صدقة عامين فصاعداً وجهان، أحدهما نعم، والثاني لا، ثم ذكر من ذهب إليهما من الشافعية ثم قال: والمشهور الثاني، ولذا قالوا في كتبهم(٣): قال الشافعي: لا يجوز التقديم إلا لسنة واحدة، لأن حوله لم ينعقد، انتهى مختصراً. (١) (ص ٢٣٤، ٢٣٥). .(٢) ((إحياء علوم الدين)) (٢١٢/١). (٣) انظر قول الشافعي في ((المجموع)) (٨٩/٦) و((الروضة)) (٢١٢/٢) و((مغني المحتاج)) (٤١٦/١). ٥١٦ -------- ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٢) حديث 4 ومذهب الحنابلة كما في ((الروض))(١): يجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل، لما روي عن علي - رضي الله عنه - أن النبي ◌َّ تعجّل من العباس صدقة سنتين، ويعضده رواية مسلم: ((فهي علي ومثلها معها)) (٢)، وإنما يجوز تعجيلها إذا كمل النصاب ولا يستحب التعجيل، انتهى. قال الشوكاني: قال مالك وربيعة والثوري وداود وأبو عبيد بن الحارث: إنه لا يجزئ حتى يحول الحول، للروايات التي فيها تعليق الوجوب بالحول، وتسليم ذلك لا يضر من قال بصحة التعجيل، لأن الوجوب متعلق بالحول بلا نزاع، وإنما النزاع في الإجزاء قبله، انتهى. قال الموفق(٣): الجملة أنه متى وُجِد سبب وجوب الزكاة، وهو النصاب الكامل، جاز تقديم الزكاة، وبهذا قال الحسن، وسعيد بن جبير، والزهري والأوزاعي، وأبو حنيفة، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وحكي عن الحسن: أنه لا يجوز، وبه قال ربيعة، ومالك، وداود، لأنه روي عن النبي ◌َّ: ((لا تُؤَدَّى زكاة قبل حلول الحول))(٤)، ولنا ما روى علي: ((أن العباس سأله ◌َ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك)). رواه أبو داود(٥)، وقال يعقوب بن شيبة: هو أثبتها إسناداً. وروى الترمذي(٦) عن علي عن النبي ◌َلّ أنه قال لعمر - رضي الله عنه -: ((إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام))، وفي لفظ: ((قال: إنا كنا تعجَّلَنا (١) ((الروض المربع)) (٣٩٨/١). (٢) أخرجه مسلم (٩٨٣). (٣) انظر: ((المغني)) (٧٩/٤) و((الشرح الكبير)) (٧٠٠/١) و((فتح القدير)) (١٥٤/٢ - ١٥٦). (٤) أخرجه ابن ماجه (٥٧١/١)، والبيهقي (٩٥/٤)، والدار قطني (٩١/٢). (٥) ((سنن أبي داود)) (٣٧٦/١). (٦) ((سنن الترمذي)) (٦٧٩). ٥١٧ ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٢) حديث صدقة العباس لعامنا هذا عام أول)) رواه سعيد عن عطاء وابن أبي مليكة والحسن بن مسلم عن النبي ◌َّ مرسلاً. ولا يجوز تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب بغير خلاف علمناه، ولو ملك نصاباً فعجل زكاته، وزكاة ما يستفيده، وما ينتج منه، أو يربحه فيه، أجزأه عن النصاب دون الزيادة، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يجزئه؛ لأنه تابع لما هو مالكه، وإذا عجل الزكاة لأكثر من حول ففيه روايتان؛ إحداهما: لا يجوز، لأن النص لم يرد بتعجيلها لأكثر من حول، والثانية: يجوز. وروي عن الحسن: أنه كان لا يرى بأساً أن يخرج الرجل زكاة ماله قبل حَلِّها لثلاث سنين، لأنه تعجيل لها بعد وجود النصاب، أشبه تقديمها على الحول الواحد، وما لم يرد به النص يقاس على المنصوص عليه إذا كان في معناه . وفي ((البدائع)) (١): أما حولان الحول فليس من شرائط جواز أداء الزكاة عند عامة العلماء، وعند مالك من شرائط الجواز، فيجوز تعجيل الزكاة عند عامة العلماء خلافاً لمالك - رحمه الله -. والكلام في التعجيل في مواضع؛ في بيان أصل الجواز، وفي بيان شرائطه، وفي بيان حكم المعجل إذا لم يقع زكاة، أما الأول فهو على الاختلاف الذي ذكرنا، وجه قول مالك: أن أداء الزكاة أداء الواجب، ولا وجوب قبل الحول، ولنا: ما روي أن النبي ◌َل﴿ استسلف من العباس زكاة سنتين، وأدنى درجات فعل النبي ◌ُّ الجواز. وأما قوله: إن أداء الزكاة أداء الواجب، ولا وجوب قبل الحول، فالجواب عنه من وجهين، أحدهما: ممنوع أنه لا وجوب قبل الحول، بل (١) ((بدائع الصنائع)) (٢/ ٥٠، ٥١). ٥١٨ ----- مصـ ! - - - ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٢) حديث الوجوب ثابت قبله لوجود سبب الوجوب، وهو ملك نصاب كامل نام أو فاضل عن الحاجة الأصلية لحصول الغناء به، ولوجوب شكر نعمة المال على ما بُيِّنَ في محله. ثم من المشايخ من قال: بالوجوب توسعاً وتأخيرِ الأداء إلى مدة الحول ترفيهاً، وتيسيراً على أرباب الأموال كالدين المؤجل، فإذا عجّل فلم يترفه فيسقط الواجب كما في الدين المؤجل، فمنهم من قال: بالوجوب لكن لا على سبيل التأكيد، وإنما يتأكد الوجوب بآخر الحول، ومنهم من قال: بالوجوب في أول الحول لكن بطريق الاستناد، وهو أن يجب أولاً في آخر الحول، ثم يستند الوجوب إلى أوله لاستناد سببه، وهو كون النصاب حولياً، فيكون التعجيل أداء بعد الوجوب لكن بالطريق الذي قلنا . والثاني: إن سلمنا أنه لا وجوب قبل الحول لكن سبب الوجوب موجود وهو ملك النصاب، ويجوز أداء العبادة قبل الوجوب بعد وجود سبب الوجوب، كأداء الكفارة بعد الجرح قبل الموت، انتهى. وقال القاري في ((شرح النقاية)): جاز تقديم الزكاة لحول وأكثر، وبه قال الشافعي، ولنُصُبٍ لذي نصاب خلافاً لزفر، وقال مالك: لا يجوز إخراج الزكاة قبل الوجوب، لما في ((موطئه)) عن ابن عمر: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))، ولنا: ما روى أحمد وأبو داود والترمذي من حديث حجية عن علي: أن العباس سأل النبي ◌َ ل* في تعجيل زكاته قبل أن يحول عليه الحول مسارعة إلى الخير، فأذن له في ذلك. وفي رواية: أن العباس سأل رسول الله وَله في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك، رواه ابن ماجه، وفي رواية للترمذي: أن النبي وَل قال لعمر: ((إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام)). فإن قيل: قال البيهقي: اختلف في هذا الحديث، والأصح أنه مرسل، أجيب: بأن المرسل حجة عندنا وعند الجمهور، انتهى. ٥١٩ --- ١٩ - كتاب الزكاة (٢) باب (٦٤٣) حديث ٧/٦٤٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَعْطِيَةِ الزَّكَاةَ، مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ(١). قال السرخسي: ولنا: حديث عباس المذكور، وأيضاً حولان الحول تأجيل، وتعجيل الدين المؤجل صحيح، وأيضاً سبب الوجوب تقرر، وهو المال، والأداء بعد تقرر سبب الوجوب جائز، كالمسافر إذا صام في رمضان، انتهى بتغير . وذكر الحافظ في ((الفتح)) هذه الروايات، وتكلم عليها، ثم قال: وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق، انتھی . ٧/٦٤٣ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (أنه قال: أول من أخذ من الأعطية) قال الزرقاني (٢): جمعُ جمعِ لعطية، وقال في ((المجمع))(٣): العطاء: ما يعطيه الأمراء للناس من قراراتهم وديوانهم الذي يقررونه لهم في بيت المال، وكان يصل إليهم في أوقات معينة من السنة، انتهى. وفي ((مختار الصحاح)): العطية: الشيء المعطى، والجمع العطايا، وقال المجد: العطاء: نول السمح وما يعطى كالعطية، جمعه أعطية، وجمع الجمع أعطيات. (الزكاة، معاوية بن أبي سفيان) أمير المؤمنين، قال الباجي(٤): يريد أنه كان يأخذ من نفس الأعطية الزكاة، ويعتقد أن الزكاة فيها واجبة على من خرجت إليه، لأنها كانت لهم قبل دفعها إليهم، فجرت عنده مجرى الأموال (١) رواه الشافعي في ((الأم)) (١٧/٢) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٠٩/٤). (٢) (٩٦/٢). (٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٦٢١/٣). (٤) ((المنتقى)) (٩٥/١). ٥٢٠ سعــ --- -