النص المفهرس
صفحات 461-480
١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٥) حديث أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْنَكِفَ فِيهِ، وَجَدَ أُخْبِيَةً: خِبَاءَ عَائِشَةَ، وَخِبَاءَ حَفْصَةً، . عمرة عن عائشة، وسقط قوله: عن عائشة، في رواية النسفي والكشميهني، وكذا هو في ((الموطآت)) كلها . ثم ذكر الاختلاف على مالك في إرساله ووصله، وقال: قال الترمذي: رواه مالك وغیر واحد عن یحیی مرسلاً، انتهى. (أراد أن يعتكف) أي: في العشر الأواخر من رمضان (فلما انصرف إلى المكان) أي إلى خبائه (الذي أراد أن يعتكف فيه) قال الباجي: وذلك يقتضي أن للمعتكف موضعاً يلزمه في مدة اعتكافه من مسجده، وليس لزومه له شرطاً في صحة اعتكافه، لأن ذلك يمنعه من الإمامة والنبي وير كان يؤم قومه في مدة اعتكافه، انتهى. (وجد أُخبية) جمع خباء، وفي رواية للبخاري: فلما انصرف من الغداة أبصر أربع قباب، يعني قبة له، وثلاثة للثلاثة أي الآتية أسماؤها (خباء عائشة) - رضي الله عنها - بكسر الخاء المعجمة ثم موحدة ممدودة أي: خيمة من وبر أو صوف على عمودين أو ثلاثة. (وخباء حفصة) وفي رواية للبخاري: فاستأذنته عائشة، فأذن لها، فسألت حفصةُ عائشةَ أن تستأذن لها ففعلت، وله في أخرى: فاستأذنته عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت قبّة، فسمعت بها حفصة فضربت قبة لتعتكف معه . وهذا يشعر بأنها ضربت بلا إذن، وليس بمراد، ففي رواية النسائي: ((ثم استأذنته حفصة، فأذن لها))، وظهر من رواية البخاري أن استئذانها - رضي الله عنها - كان على لسان عائشة. قلت: وبهذا استدل من قال باعتكاف المرأة في المسجد . قال الموفق(١): للمرأة أن تعتكف في كل مسجد، ولا يشترط إقامة (١) ((المغني)) (٤/ ٤٦٤). ٤٦١ ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٥) حديث الجماعة فيه، لأنها غير واجبة عليها، وبهذا قال الشافعي، وليس لها الاعتكاف في بيتها، وقال أبو حنيفة، والثوري: لها الاعتكاف في مسجد بيتها، واعتكافها فيها أفضل، لأن صلاتها فيه أفضل، وحكي عن أبي حنيفة: أنها لا يصح اعتكافها في مسجد الجماعة، لأنه وَ ل ترك الاعتكاف في المسجد، لمّا رأى أبنية أزواجه فيه، ولأن مسجد بيتها موضع فضيلة صلاتها فكان موضع اعتكافها كالمسجد في حق الرجل، انتهى. وقال الدردير(١): صحته بمسجدٍ مباح لا بمسجد بيتٍ ولو لامرأة، انتھی. قال ابن رشد (٢): أما سبب اختلافهم في اعتكاف المرأة فمعارضة القياس الأثر، وذلك أنه ثبت أن حفصة وعائشة وأزواج النبي ◌َّله استأذَنّ رسول الله وَل في الاعتكاف في المسجد، فأذن لهن حين ضربن أخبيتهن فيه، فكان هذا الأثر دليلاً على جواز اعتكاف المرأة في المسجد، وأما القياس المعارض لهذا الأثر فهو قياس الاعتكاف على الصلاة، وذلك أنه لما كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل منها في المسجد على ما جاء الخبر، وجب أن يكون الاعتكاف في بيتها أفضل، قالوا: إنما يجوز للمرأة أن تعتكف في المسجد مع زوجها فقط على نحو ما جاء في الأثر من اعتكاف أزواجه - عليه السلام - معه، انتهى. --- قلت: وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - وهي رَوَتْ حديث الاعتكاف: لو رأى رسول الله ربَّ ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما مُنِعَتْ نساء بني إسرائيل، على أنه روي عن النبي وَلفر: ((لا تمنعوا النساء المساجد، وبيوتهن خير لهن))، فهذا نص في أن البيوت أفضل لهن من المسجد، وهذا بعمومه يشمل الاعتكاف والصلاة وغيرهما . (١) ((الشرح الكبير)) (٥٤٢/١). (٢) ((بداية المجتهد)) (٣١٤/١). ٤٦٢ ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٥) حديث وقال ابن عبد البر(١): لولا في حديث الباب أنهن استأذنّ النبي صَالجلية وَسَلام لقطعتُ بأن اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة غير جائز، كذا في ((الفتح))، وقال أيضاً: أطلق الشافعي كراهيته لهن في المسجد الذي تصلى فيه الجماعة، واحتج بحديث الباب، فإنه دالٌّ على كراهة الاعتكاف للمرأة إلا في مسجد بيتها؛ لأنها تتعرض لكثرة من يراها، انتهى. وفي ((العيني))(٢): قال ابن بطال: قال الشافعي: تعتكف المرأة والعبد والمسافر حيث شاؤوا، وقال أصحابنا: المرأة تعتكف في مسجد بيتها، وبه قال النخعي والثوري وابن علية، ولا تعتكف في مسجد جماعة، ذكره في الأصل، وفي ((المنية)): لو اعتكف في المسجد جاز. وفي ((المحيط)): روى الحسن عن أبي حنيفة جوازه وكراهته في المسجد، وفي ((البدائع)) (٣): لها أن تعتكف في مسجد الجماعة، في رواية الحسن عن أبي حنيفة، ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حَيِّها، ومسجد حيها أفضل من المسجد الأعظم، انتهى. ولأحمد: أن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي قالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، قال: ((قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي)). قال ابن العربي: معتكف المرأة مسجد بيتها، لأنه مسجدها شرعاً في (١) ((الاستذكار)) (٣٠٤/١٠). ((عمدة القاري)) (١١/ ١٤٢). (٢) (٣) ((بدائع الصنائع)) (٣٨١/٢). ٤٦٣ ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٥) حديث وَخِبَاءَ زَيْنَبَ، فَلَمَّا رَآهَا، سَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ لَهُ: هُذَا خِبَاءُ عَائِشَةَ، وَحَقْصَةَ، وَزَيْنَبَ . الصلاة، وما أقواه من دليل، لولا حديث الأخبية هذا، قلت: لكنه لا يدل على الحصر والوجوب، بل على الجواز، (وخباء زينب) بنت جحش، وفي رواية للبخاري: فلما رأته زينب ضربت لها خباء، وله في أخرى: وسمعت بها زينب فضربت قبة أخرى، وعند أبي عوانة: فلما رأته زينب ضربت معهن وكانت امرأة غيوراً، قال الحافظ (١): ولم أقف في شيء من الطرق على أن زينب استأذنت، وكأن هذا أحد ما بعث على الإنكار الآتي. (فلما رآها) أي: رأى رسول الله وي ليه الأخبية العديدة (سأل عنها، فقيل له: هذا خباء عائشة وحفصة وزينب) وفيه تصريح بأن الأخبية كانت ثلاثة غير خبائه والآ، ووقع في رواية لمسلم وأبي داود: ((فأمرت زينب بخبائها، فضُرب وأمر غيرها من أزواج النبي ( # بخبائها، فضرب))، وهذا يقتضي تعميم الأزواج، وليس بمراد لتفسيرها في الروايات الأخرى بالثلاثة، وبيَّنَ ذلك قوله: ((أربع قبابٍ)). وللنسائي: إذا هو بأربعة أبنية. كذا في الزرقاني تبعاً للحافظ في ((الفتح)). وليس في رواية مسلم وأبي داود، والروايات المفسرة تعارُضٌ، بل وقع الإجمال في روايتهما مع تغاير سياقهما، فلفظ رواية مسلم: ((وأنه وَلّ أمر بخبائه فضرب، فأمرت زينب بخبائها فضرب، وأمر غيرها من أزواج النبي ◌َّة بخبائها فضرب))، الحديث. ليس فيه ذكر عائشة ولا حفصة، ولفظ رواية أبي داود: «فأمر ببنائه فضرب، فلما رأيت ذلك أمرت بينائي فضرب، قالت: وأمر غيري من أزواج النبي وَلّ ببنائه فضرب))، الحديث، ليس فيه ذكر حفصة ولا زينب، فعلم أن المراد بالأزواج في السياقين معاً بقية الثلاثة لا غير، فلا تعارض بالروايات المفسرة سيما إذا في رواية مسلم وأبي داود بلفظ: غيرها من أزواج النبي ◌َّل، بمن التبعيضية، وهو لا يقتضي التعميم. (١) ((فتح الباري)) (٢٧٦/٤). ٤٦٤ ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٥) حديث فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((الْبَرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ؟)»، (فقال رسول الله وَل﴾: آلبر) بهمزة استفهام ممدودة، وبغير مدِّ، منصوب على أنه مفعول مقدم لقوله (تقولون) أي: تظنون (١) والقول يطلق على الظن، والخطاب للحاضرين من الرجال والنساء، ولفظ البخاري: آلبرَّ تُرَوْنَ (بهن) أي: متلبساً بهن وهو المفعول الثاني لتقولون، وفي رواية للنسائي(٢): أكبر تقولون: يُرِدْنَ بهذا؛ قال الباجي(٣): يحتمل أن يكون النبي ◌َّ قذرهن، وخاف عليهن أن يكون منهن من حملها على ذلك الحرص على القرب منه، والغيرة على سائر أزواجه أن يفعلن مثل فعله، فلا تسلم نيتها للاعتكاف، فكره اعتكافها على هذا الوجه، ومنع جميعهن، لأنه لم يتعين له منهن من قصد هذا القصد، انتهى . وقال عياض: سبب إنكاره وَ * وقد كان أَذِن لبعضهن أنه خاف أن يكنَّ غير مخلصات في الاعتكاف بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه، فكره ملازمتهن المسجد مع أنه يجمع الناس، وتحضره الأعراب والمنافقون، وهن محتاجات إلى الخروج والدخول لما يعرض لهن، فيبتذلن بذلك. قال الحافظ(٤): أو لما أذن لعائشة وحفصة أولاً كان ذلك خفيفاً بالنسبة إلى ما يُفضي إليه الأمر من توارد بقية النسوة على ذلك، فيضيق المسجد على المصلين أو بالنسبة إلى أن اجتماع النسوة عنده يُصيِّر كالجالس في بيته، وربما شغلنه عن التخلي لما قصد من العبادة، فيفوت مقصود الاعتكاف، انتهى. (١) قال ابن عبد البر: فمعناه تظنون بهن البرّ، ((الاستذكار)) (٣٠٤/١٠). (٢) قال الحافظ: وفي رواية ابن عيينة: ((آلبرَّ تقولون يُرِدْن بهذا)) ((فتح الباري)) (٢٧٦/٤)، وفي سنن النسائي (٤٥/٢): ((آلبرَّ تُردْن)) الاستفهام للإنكار، كما قال السيوطي. (٣) ((المنتقى)) (٨٣/٢). (٤) (فتح الباري)) (٢٧٦/٤). ٤٦٥ ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٥) حديث ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ، ثم قال ابن المنذر(١): في الحديث أن المرأة لا تعتكف حتى تستأذن زوجها، وأنّها إذا اعتكفت بغير إذنه كان له أن يخرجها، وإن كان بإذنه فله أن يرجع فيمنعها، وعن أهل الرأي: إذا أذن الزوج ثم منعها أثم بذلك وامتنعت، وعن مالك: ليس له ذلك، وهذا الحديث حجة عليهم، كذا في ((الفتح))(٢). واستدل بالحديث السرخسي في ((مبسوطه)) بأن كل اعتكاف المرأة موضع صلاتها، فقال: فإذا كره لهن الاعتكاف في المسجد مع أنهن كُنَّ يخرجن إلى الجماعة في ذلك الوقت فلأن يُمْنَعْنَ في زماننا أولى، انتهى. (ثم انصرف) مَّر (فلم يعتكف). قال الباجي(٣): يريد أن انصرافه كان قبل التزامه الاعتكاف والدخول فيه، ويحتمل أن يكون انصرف لمانع عَزلهن أو لقُرْبة أخرى رآها أولى من الاعتكاف، ويحتمل أن يكون انصرف عن ذلك لما أراد من صرف جميعهن، فرأى انصرافه أقرب لاستصلاحهن تطييب أنفسهن، وكان بالمؤمنين رحيماً، انتھی . قلت: وما قال الباجي: إن انصرافه ◌َل18 كان قبل التزامه الاعتكاف مشكلٌ، بل خلاف ما عليه الجمهور كما سيأتي. قال الحافظ(٤): وفي الحديث جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه، وأنه لا يلزم بالنية ولا بالشروع، ويستنبط منه سائر التطوعات خلافاً لمن قال باللزوم، وفي الحديث: أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٧٨/٨). (٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٢٧٧). (٣) ((المنتقى)) (٨٣/٢). (٤) ((فتح الباري)) (٤/ ٢٧٧). ٤٦٦ ---- - ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٥) حديث حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْراً مِنْ شَوَّالٍ . أخرجه البخاريّ في: ٣٣ - كتاب الاعتكاف، ٧ - باب الأخبية في المسجد. ومسلم في: ١٤ - كتاب الاعتكاف، ٢ - باب متى يدخل من أراد الاعتكاف في معتكفه، حديث ٦. الصبح، وقال الأئمة الأربعة وطائفة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأوَّلُوا الحديث على أنه دخل أول الليل، ولكن إنما تخلَّى في المعتكف بعد صلاة الصبح. وهذا الجواب يشكل على من منع الخروج من العبادة بعد الدخول فيها، وأجاب عن هذا الحديث بأنه ولو لم يدخل المعتكف ولا شرع الاعتكاف وإنما هَمَّ به، ثم عرض له المانع المذكور فتركه، فعلى هذا فاللازم أحد الأمرين، إما أن يكون شرع في الاعتكاف، فيدل على جواز الخروج منه، وإما أن لا يكون شرع، فيدل على أن أول وقته بعد صلاة الصبح، انتهى. قلت: وأراد الحافظ بذلك بعض المالكية كما تقدم عن الباجي، وإليه مال ابن عبد البر(١) إذ قال: أدخل مالك هذا الحديث في قضاء الاعتكاف؛ لأنه مَّ كان قد عزم على الاعتكاف، فلما رأى تنافس زوجاته انصرف، ثم وقَّى بما نواه، انتهى. وأنت خبير بأن تبويب المصنف على الحديث بقضاء الاعتكاف صريح في أنه حمله على الشروع وإيجاب القضاء بعد ذلك. وفي ((المدونة)): قلت لابن القاسم: أرأيت المعتكف إذا انتقض اعتكافه أعليه القضاء في قول مالك؟ قال: نعم، انتهى. ولا شك في أن النبي وَل قضى هذا الاعتكاف، والخلاف بينهم في تخريج القضاء هل كان ندباً أو وجوباً؟ ولا حجة في ذلك لأحد الفريقين على الآخر. ومن قال بالمنع عن الخروج بعد الدخول في ذلك احتجَّ بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ . (حتى اعتكف عشراً من شوال) وفي رواية للبخاري: ((فلم يعتكف في (١) ((الاستذكار)) (٣٠٤/١٠). ٤٦٧ ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٥) حديث رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال))، وفي رواية مسلم: ((حتى اعتكف في العشر الأول من شوال))، وجمع الحافظ بأن المراد بقوله: ((آخر العشر)) انتهاء اعتكافه، انتهى. قلت: لم أتحصَّل بعد، كيف جمع الحافظ بينهما، وما أراد بانتهاء اعتكافه، فإن انتهاء الاعتكاف أيضاً لا يصل إلا إلى العشر الأوسط، بل الجمع بين الروايتين كما لا يخفى على ناظر الأحاديث أنه وسير اعتكف أي: بدأ الاعتكاف في آخر العشر الأُوَلِ من شوال، وحينئذ فما قال الإسماعيلي: فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن أول شوال هو يوم العيد، وصومه حرام، انتهى؛ باطل بلا شبهة. كيف؟ وفي بعض طرق الحديث كما حكاه في ((المنتقى)) وأقره عليه الشوكاني في ((النيل)) (١): حتى اعتكف في العشر الأواخر من شوال. وفي أبي داود ورواه مالك عن يحيى بن سعيد قال: اعتكف عشرين من شوال، ففي جمع الروايات الثلاثة بمنزلة التصريح بأنه ويهلتر بدأ الاعتكاف في آخر العشر الأول يعني قبيل الغروب من اليوم العاشر، وختم بعد الغروب من عشرين لتجتمع الروايات الثلاثة، فبدايته في العشر الأول إذا كان يوم العاشر واعتكف إلى عشرين، وختم بعد الغروب من ليلة الحادي والعشرين، فكان انتهاؤه في العشر الأواخر من شوال. وقال العيني(٢): ليس فيه دليل لما قاله الإسماعيلي، لأن المراد من قوله: ((اعتكف في العشر الأول)) أي: كان ابتداؤه في العشر الأول، فإذا اعتكف من اليوم الثاني من شوال يصدق عليه أنه ابتدأ في العشر الأول، واليوم (١) انظر: ((نيل الأوطار)) (٢٥٢/٣). (٢) ((عمدة القاري)) (٢٨٦/٨) فيه: ((يوم أكل وشرب ويقال))، والصواب ((بعال)) كما في ((الأوجز)). ٤٦٨ ----------- -- ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٥) حديث وَسُئِلَ مَالِكٌ: عَنْ رَجُلِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِعُكُوفِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاجِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَقَامَ يَوْماً أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ مَرِضَ، فَخْرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَيَجِبُّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ مَا بَقِيَ مِنَ الْعَشْرِ، إِذَا صَحَّ، أَ لَا يَجِبُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَفِي أَيِّ شَهْرٍ يَعْتَكِفُ، إِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: يَقْضِي مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ شُكُوفٍ، إِذَا صَحَّ فِي رَمَضَانَ ٠٠٠٠ الأول منه يوم أكل وشرب وبعال(١)، كما ورد في الحديث، والاعتكاف هو التخلي للعبادة، فلا يكون اليوم الأول محلاً له بالحديث، انتهى. (قال يحيى: قال زياد: وسكل) ببناء المجهول (مالك عن رجل دخل المسجد لعكوف) قال الليث: يقال: عكف يعكف عكفاً وعكوفاً، ويقال: مصدر اللازم عكوف، ومصدر المتعدي عكف، كذا في ((تهذيب اللغات)) للنووي (في العشر الأواخر من رمضان فأقام) معتكفاً (يوماً أو يومين) مثلاً (ثم مرض) مرضاً يشق عليه فيه المكث في المسجد (فخرج من المسجد) ولم يعتكف (أيجب عليه أن يعتكف ويقضي (ما بقي من العشر إذا صح، أم لا يجب ذلك عليه و) أيضاً (في أي شهر يعتكف) للقضاء (إن وجب ذلك) أي القضاء (عليه، فقال مالك: يقضي ما وجب عليه من عكوف) أي: اعتكاف وجب عليه بالنذر أو بالدخول فيه (إذا صح) من مرضه (في رمضان أو غيره). قال الباجي (٢): وهذا كما قال: إن من لزمه اعتكاف في رمضان وطرأ عليه مانع فإن عليه قضاءه، والمعاني المانعة من الاعتكاف: المرض، والحيض، والإغماء، والجنون، وفي الجملة كل أمر غالب لا يصح معه فعله، ولا ينسب إلى المكلف فيه التفريط، انتهى. (١) قوله: بعال؛ وقاع النساء، كما في ((التلخيص)) (٧٩١/٢) والله أعلم بالصواب. (٢) ((المنتقى)) (٨٣/٢). ٤٦٩ ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٥) حديث قال الموفق(١): كل موضع فسد اعتكافه فإن كان تطوعاً فلا قضاء عليه، لأن التطوع لا يلزم بالشروع فيه في غير الحج، وإن كان نذراً نظرنا، فإن كان نذر أياماً متتابعة فسد ما مضى من اعتكافه، واستأنف، لأن التتابع وصف في الاعتكاف، وقد أمكنه الوفاء به فلزمه، وإن كان نذر أياماً معينة كالعشر الأواخر من رمضان. ففيه وجهان، أحدهما: يبطل ما مضى، ويستأنفه، لأنه نذر اعتكافاً متتابعاً فبطل بالخروج منه، كما لو قيده بالتتابع بلفظه، والثاني: لا يبطل، لأن ما مضى منه قد أدَّى العبادة فيه أداءً صحيحاً فلم يبطل بتركها في غيره، ولأن وجوب التتابع من حيث الوقت لا من حيث النذر، فالخروج في بعضه لا يبطل ما مضى منه، فعلى هذا يقضي ما أفسد فيه فحسب، وعليه الكفارة على الوجهين جميعاً، لأنه تارك لبعض ما نذره. وإذا وقعت فتنة خاف منها ترك اعتكافه، فإذا أمن بنى على ما مضى، إذا كان نذر أياماً معلومةً، وقضى ما ترك، وكفّرَ كفارة يمين، وكذلك إن تعذر عليه المقام في المسجد لمرض لا يمكنه المقام معه فيه أو سلس البول أو الإغماء، وإن كان المرض خفيفاً كالصداع ووجع الضرس ونحوه، فليس له الخروج، فإن خرج بطل اعتكافه، انتهى. وذكر أهل الفروع المالكية في ذلك فروعات كثيرة ليس هذا محلها، حتى عدَّ الدسوقي خمساً وسبعين صورةً في ذلك، فارجع إليها لو شئت. ويُوَضِّح مرام المصنف ما في ((المدونة)) (٢): قيل لابن القاسم: ما قول مالك في المعتكف إن أفطر متعمداً أينتقض اعتكافه؟ فقال: نعم، قلت: فإن (١) ((المغني)) (٤٧٦/٤). (٢) (١٩٦/١). ٤٧٠ ...---- ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٥) حديث أصابه مرض لا يستطيع معه الصوم فخرج، قال: فإذا صح بنى على ما كان اعتكف، وإن هو صح فلم يبن على ما كان اعتكف وفرط فليستأنف ولا يبن عليه . قال ابن نافع: قال مالك في المعتكف في العشر الأواخر من رمضان يمرض، ثم يصح قبل الفطر: إنه يرجع إلى معتكفه فيبني على ما مضى، فإن غشيه العيد قبل أن يفرغ من أيام اعتكافه، فإنه يفطر ذلك اليوم، ويخرج إلى العيد مع الناس، ولا يرجع إلى بيته، ولكن يكون في المسجد ذلك اليوم، ولا يعتدّ به فيما بقي عليه، انتهى. والحاصل: أن الفساد إن كان لجماع ولو ناسياً أو بتعمد أكل وشرب فيستأنف الاعتكاف ولا يبني، وإن كان لمرض أو حيض فيبني، ويقضي ما فات متصلاً، فإن فرط ولم يرجع متصلاً بعد زوال العذر فيستأنف، كذا في ((الشرح الكبير)) (١) وغيره. ومسلك الحنفية في ذلك ما في ((البحر)) ونصه: قد علمت أن الفساد لا يتصور إلاَّ في الواجب، وإذا فسد وجب عليه القضاء بالصوم عند القدرة جبراً لما فاته، إلا في الردة خاصة، غير أن المنذور به إن كان اعتكاف شهر بعينه يقضي قدر ما فسد لا غير، ولا يلزمه الاستقبال كالصوم المنذور بشهر بعينه إذا أفطر يوماً وجب قضاؤه، ولا يلزمه الاستقبال كما في صوم رمضان. وإن كان اعتكاف شهر بغير عينه يلزمه الاستقبال، لأنه لزمه متتابعاً فيراعي فيه صفة التتابع، وسواء فسد بصنعه بغير عذر كالخروج، والجماع، والأكل، والشرب في النهار إلا الردة، أو فسد بصنعه لعذر كما إذا مرض فاحتاج إلى الخروج فخرج، أو بغير صنعه رأساً كالحيض، والجنون، والإغماء الطويل، انتهى. (١) انظر: (٥٤٤/١). ٤٧١ ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٥) حديث وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَرَادَ الْعُكُوفَ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ بَعْتَكِفْ، حَتَّى إِذَا ذَهَبَ رَمَضَانُ، اعْتَكَفَ عَشْراً مِنْ شَوَّالٍ. وَالْمُتَطَوِّعُ فِي الإِعْتِكَافِ فِي رَمَضَانَ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الإِعْتِكَافُ، أَمْرُهُمَا وَاحِدٌ، فِيمَا يَحِلُّ لَهُمَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا، وذكر ابن رشد(١) في ذاك الخلاف فقال: ومنهم من قال: إذا قطع المرض الاعتكاف بنى المعتكف، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، ومنهم من قال: يستأنف الاعتكاف، وهو قول الثوري، ولا خلاف فيما أحسب عندهم أن الحائض تبني، انتهى. (قال يحيى: قال زياد: قال مالك) هكذا في النسخ الهندية كلها، وليست هذه الزيادة في النسخ المصرية، والأولى حذفها، لأن هذا بمنزلة الدليل لما قاله أولاً من إيجاب القضاء، وليس بكلام مستأنف حتى يحتاج إلى السند، (وقد بلغني أن رسول الله ﴾ أراد العكوف في رمضان، ثم رجع) عن معتكفه (فلم يعتكف) إذ ذاك (حتى إذا ذهب رمضان، اعتكف عشراً من شوال) كما تقدم قريباً في الحديث المسند، ويعلم من ذلك أنه - رضي الله عنه - يطلق البلاغ على الذي وصل إليه مسنداً متصلاً، ولذا قالت المشايخ: إن بلاغه صحيح. ۔۔۔ (قال يحيى: قال زياد: قال مالك: والمتطوع في الاعتكاف) هكذا في جميع النسخ الهندية وبعض المصرية، وفي بعض المصرية: ((والمتطوع في رمضان))، وفي نسخة ((التنوير)): ((والمتطوع في الاعتكاف في رمضان))، والأوجه ما في الهندية، فإن التطوع لا يختص برمضان (والذي) يجب (عليه الاعتكاف) أي الناذر به (أمرهما واحد، فيما يحل لهما، ويحرم عليهما). قال الباجي(٢): وهذا كما قال: إن الذي تطوّع بالاعتكاف فلزمه بالدخول (١) ((بداية المجتهد)) (٣١٧/١). (٢) ((المنتقى)) (٨٤/٢). ٤٧٢ ----- -- --------- - ----- ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٥) حديث وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾: كَانَ أْتِكَافُهُ إِلَّا تَطَوُّعَاً. قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمَرْأَةِ: إِنَّها إِذَا اعْتَكَفَتْ، ثُمَّ حَاضَتْ فِي انْتِكَافِهَا، إِنَّها تَرْجِعُ إِلَى بَيْنِهَا، ...... فيه، والذي نذره فلزمه قبل الدخول فيه، حكمهما واحد فيما يحل لهما، ويحرم عليهما، لأن ما ينافي العبادة ينافيها إذا تطوَّع بها، كالصوم والحج والصلاة، ولا يلزم على ذلك التنفل في السفر على الراحلة؛ لأن ذلك لا ينافي الصلاة، بل هو هيئة من هيئاتها تسقط لعذر، والذي ينافي الصلاة الكلام والحدث وغيرهما، انتهى. وأما عند الحنفية فأحكام التطوع والواجب مختلفة، قال في ((البدائع)) (١): أما بيان حكمه إذا فسد، فالذي فسد لا يخلو إما أن يكون واجباً وأعني به المنذور، وإما أن يكون تطوعاً، فإن كان واجباً يقضي إذا قدر على القضاء، وأما التطوع إذا قطعه قبل تمام اليوم فلا شيء عليه، في رواية الأصل، وفي رواية الحسن: يقضي، بناءً على أن اعتكاف التطوع غير معتدٍّ في رواية محمد عن أبي حنيفة، وفي رواية الحسن عنه: مقدَّرٌ بيوم. وفي ((الدر المختار)) (٢): حرم على المعتكف اعتكافاً واجباً الخروج منه إلا لحاجة الإنسان طبعية أو شرعية، أما النفل فله الخروج، لأنه مُنْهٍ(٣) لا مبطل، انتهى. (ولم يبلغني أن رسول الله (صل﴾ كان اعتكافه إلا تطوعاً) ومع ذلك قد قضاه في عشر من شوال كما تقدم، واختلفوا هل كان قضاؤه تطوعاً أو وجوباً؟ على ما تقدم من اختلافهم في وجوب القضاء إذا أفسد. (قال يحيى: قال زياد: قال مالك في المرأة: إنها إذا اعتكفت ثم حاضت في اعتكافها، إنها ترجع إلى بيتها) وجوباً لحرمة مكثها في المسجد، قال (١) (بدائع الصنائع)) (٢٢٨/٢). (٢) (٥٠١/٣). (٣) قوله: لأنه مُنْهِ، اسم فاعل من أنهى، أي: متمِّمُ للنفل. ٤٧٣ . ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٥) حديث الخرقي: إذا حاضت المرأة خرجت من المسجد وضربت خباءً في الرحبة. قال الموفق(١): أما خروجها من المسجد فلا خلاف فيه؛ لأن الحيض حدثٌ يمنع اللبث في المسجد، فهو كالجنابة وآكد منه، وقد قال النبي وَلاير: ((لا أُحِلُّ المسجد لحائض ولا جنب)) رواه أبو داود(٢)، وإذا ثبت هذا فإن المسجد إن لم يكن له رحبةٌ رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت فأتمت اعتكافها، وقضت ما فاتها، ولا كفارة عليها، نص عليه أحمد، لأنه خروج معتاد واجب، أشبه(٣) الخروج للجمعة أو لما لا بد منه، وإن كان له رحبة خارجة من المسجد يمكن أن تضرب فيها خباءَها . فقال الخرقي: تضرب خباءَها فيها مدة حيضها، وهو قول أبي قلابة، وقال النخعي: تضرب فسطاطها في دارها، فإذا طهرت قضت تلك الأيام، وإن دخلت بيتاً أو سقفاً استأنفت، وقال الزهري وعمرو بن دينار ومالك والشافعي: ترجع إلى منزلها، فإذا طهرت فلترجع لأنه وجب عليها الخروج من المسجد، فلم يلزمها الإقامة في رحبته كالخارجة لعدة أو خوف فتنة. ووجه قول الخرقي ما روى المقدام بن شريح عن عائشة قالت: كن معتكفات إذا حضن، أمر رسول الله صل* بإخراجهن من المسجد، وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن، رواه أبو حفص بإسناده، والظاهر أن الإقامة في الرحبة مستحب، وليس بواجب، وإن لم تقم في الرحبة، ورجعت إلى منزلها أو غيره، فلا شيء عليها، لأنها خرجت بإذن الشرع، ومتى طهرت رجعت إلى المسجد، فقضت وبنت، ولا كفارة عليها، لا نعلم فيه خلافاً، لأنه (١) («المغني)) (٤٨٧/٤). (٢) أخرجه أبو داود (٢٣٢/١). (٣) في الأصل: أشبهت، وهو تحريف. ٤٧٤ ------ --- ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٥) حديث فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ، أَيَّةَ سَاعَةٍ طَهُرَتْ، ثُمَّ تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنَ اعْتِكَافِهَا ، خروج لعذر معتاد، أشبه الخروج لقضاء الحاجة، وقول إبراهيم تحكمٌ لا دليل علیه، انتهى. (فإذا طهرت رجعت إلى المسجد أية ساعة طهرت) زيدت في النسخ الهندية بعد ذلك: (ولا تؤخر ذلك) وليست هذه الزيادة في النسخ المصرية غير الباجي، والمعنى: لا تؤخر الرجوع إلى المسجد بعد الطهر، فإن أخرت تأخيراً كثيراً، وهو ما يُعَدُّ به الرجل متوانياً، بطل اعتكافه، ووجب الاستئناف، كذا في ((الشرح الكبير))(١). (ثم تبني) بفتح أوله (على ما قد مضى من اعتكافها). قال الباجي(٢): وهذا كما قال: إن الحائض المعتكفة إذا حاضت خرجت من معتكَفها، لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، والحائض لا تدخل المسجد، فإذا طهرت رجعت إلى معتكفها أية ساعة طهرت، لا تؤخر رجوعها عن وقت طهرها أي وقت كان من ليل أو نهار، لأن من شرط الاعتكاف التتابع، فإذا أخّرت ذلك بطل التتابع، وبطل بعدمه الاعتكاف، فإن رجعت نهاراً، فإنها لا تمسك عن الأكل بقية نهارها، ولا يحتسب لها به في أيام اعتكافها، فإن رجعت ليلاً قبل طلوع الفجر ونوت الصوم، ففي ((المجموعة)) من رواية ابن وهب عن مالك: يجزئها، وقال سحنون: لا تحتسب بذلك حتى يكون دخولها في أول الليل كابتداء الاعتكاف، انتهى. وأما عند الحنفية فقال السرخسي في ((مبسوطه)): إذا نذرت المرأة اعتكاف شهر، فحاضت فيه، فعليها أن تقضي أيام حيضها، وتصلها بالشهر، (١) انظر: ((الشرح الكبير)) (٥٥٢/١). (٢) ((المنتقى)) (٨٥/٢). ٤٧٥ ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٦) حديث وَمِثْلُ ذُلِكَ الْمَرْأَةُ يَجِبُ عَلَيْهَا صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَتَحِيضُ، ثُمَّ تَظْهُرُ، فَتَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهَا، وَلَا تُؤْخِّرُ ذُلِكَ. ٨/٦٣٦ - وحدّثني زِيَادٌ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ كَانَ يَذْهَبُ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ فِي الْبُيُوتِ. فإن لم تصلها به فعليها أن تستقبله، لأن هذا القدر من التتابع في وسعها، وما سقط عنها معلوم بأنه ليس في وسعها، ولذا قلنا: لو نذرت اعتكاف عشرة أيام، فحاضت فيها فعليها الاستقبال، انتهى. (قال يحيى: قال زياد: قال مالك) اختلفت النسخ ههنا أيضاً في ذكر هذا السند، وليس ذلك في النسخ المصرية وهو الأوجه، ويوجد في الهندية. (ومثل ذلك) أي المذكور قبلُ من حيض المعتكِفة (المرأة يجب عليها صيام شهرين متتابعين) الكفارة قتل أو فطر في رمضان (فتحيض) في أثناء الكفارة (ثم تطهر، فتبني على ما مضى من صيامها، ولا تؤخر ذلك) فإن أخَّرته استأنفت، بذلك قالت الحنفية، ففي (الدر المختار)): إن أفطر بعذر كسفرٍ ونفاسٍ بخلاف الحيض إلا إذا أيست أو بغير عذر استأنفت الصوم. قال ابن عابدين: قوله: بخلاف الحيض، فإنه لا يقطع كفارة القتل والإفطار، لأنها لا تجد شهرين خاليين عنه بخلاف كفارة اليمين، وعليها أن تصل ما بعد الحيض بما قبله، فلو أفطرت بعده يوماً استقبلت لتركها التتابع بلا ضرورة، وأما النفاس فيقطع التتابع في صوم كل كفارة، انتهى. ٨/٦٣٦ - (وحدثني زياد، عن مالك، عن ابن شهاب) مرسلاً(١)، وقد تقدم موصولاً في أول الكتاب، وكان حق العبارة أن لا يذكر ههنا: حدثني زياد، لأنه دليل للكلام السابق فملحقٌ به، لكنه موجود في جميع النسخ. (أن رسول اللهـ كان يذهب لحاجة الإنسان في البيوت) زاد في النسخ الهندية ٠٠٠ --- -- (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢١٢/٢). ٤٧٦ ١٨ - كتاب الاعتكاف (٤) باب (٦٣٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: لا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مَعَ جَنَازَةٍ أَبَوَيْهِ، وَلَا مَعَ غَغْرِهَا . و(المنتقى))(١) بعد ذلك: (وهو معتكف) وليست هذه الزيادة في المصرية غير ((المنتقى)). وغرض المصنف عندي بذكر هذا الحديث مع تقدم ذكره في محله إثبات أن المرأة يجوز لها الخروج عن المسجد لضرورة الحيض، فإنها من حوائج الإنسان، فدخوله وَّل لحاجة الإنسان في البيوت دليل على جواز الدخول لما لا يجوز فعله في المسجد من التغوط والطهارة والغسل من الجنابة، وكذا الحيض والنفاس وغيرهما من الحوائج الضرورية . (قال يحيى: قال زياد) هكذا في النسخ الهندية، وليست هذه الزيادة في المصرية، والأولى إثباتها كما لا يخفى. (قال مالك: لا يخرج المعتكف مع جنازة أبويه) قيّده في فروع المالكية إذا ماتا معاً كما سيأتي، فإن مات أحدهما، والآخر منهما حيٌّ خرج وجوباً وبطل اعتكافه، (ولا) مع جنازة (غيرهما) أي غير الأبوين، وفي النسخ المصرية: ((ولا مع غيرها)) أي غير الجنازة، فإن خرج بطل اعتكافه. قال الدردير (٢): مرض أحد أبويه دنية، فيخرج لبرهما الآكد من الاعتكاف المنذور، ويبطل اعتكافه ويقضيه، فإن لم يخرج، بطل للعقوق على أحد التأويلين، لا جنازتهما معاً، فلا يجوز خروجه، وأما لجنازة أحدهما، فإن كان الآخر حياً خرج؛ لأن عدم الخروج مظنة عقوق الحي، وإن لم يكن الآخر حياً، فلا يخرج لجنازة ذلك الذي مات منهما، انتهى بزيادة. قال الدسوقي: قوله: ((دنيةً)) خرج الأجداد والجدات، فلا يجب الخروج (١) (٨٥/٢). (٢) ((الشرح الكبير)) (٥٤٣/١). ٤٧٧ ١٨ - كتاب الاعتكاف (٥) باب (٥) باب النكاح في الاعتكاف قَالِ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِنِكَاحِ الْمُعْتَكِفِ نِكَاحَ الْمِلْكِ، مَا لَمْ يَكُنِ الْمَسِیسُ، من المعتكف لعيادتهم، وقوله: يبطل اعتكافه، لأن الخروج لذلك ليس من جنس الاعتكاف، ولا من الحوائج الأصلية، وقوله: على أحد التأويلين، أي: من بطلانه بالكبائر وعدم بطلانه، والعقوق من جملة الكبائر، انتهى. وتقدم في أول الاعتكاف أن لا يجوز الخروج للجنازة عند الأربعة إلا عند الحنابلة، حيث يتعين عليه لعدم من يقوم به. (٥) النكاح في الاعتكاف أي: هل يجوز عقد النكاح في حالة الاعتكاف أم لا؟. (يحيى عن زياد عن مالك: لا بأس بنكاح المعتكف نكاح الملك) أي العقد، قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن المعتكف يجوز له أن يعقد نكاحه ونكاح غيره بما خفّ من الكلام، لأن عقد النكاح لا ينافي الاعتكاف، كما لا ينافيه دواعي النكاح من التطيب والتزين، وإنما ينافيه نفس المباشرة والجماع، قال الموفق(٢): وإنما كان كذلك؛ لأن الاعتكاف عبادة لا تحرم الطيب، فلم تحرم النكاح كالصوم، ولأن النكاح طاعة وحضوره قربة، ومدته لا تتطاول، فيتشاغل به عن الاعتكاف فلم يكره كتشميت العاطس، انتهى. (ما لم يكن المسيس) أي: الجماع فهو حرام إجماعاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾(٣) وتقدم الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع . (١) ((المنتقى)) (٨٦/٢). (٢) ((المغني)) (٢٠٥/٣). (٣) سورة البقرة: الآية ١٨٧. ٤٧٨ ١٨ - كتاب الاعتكاف (٥) باب وَالْمَرْأَةُ الْمُعْتَكِفَةُ أَيْضاً، تُنْكَحُ نِكَاحَ الْخِطْبَةِ، مَا لَمْ يَكُنِ الْمَسِيسُ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ مِنْ أَهْلِهِ بِاللَّيْلِ، مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْهُنَّ بِالنَّهَارِ. قَالَ يَحْيَى: قَالَ زِيَادٌ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَمَسَّ أُمْرَأَتَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، وَلَا يَتَلَذَّذُّ مِنْهَا بِقُبْلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدَأَ يَكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ وَلَا لِلْمُعْتَكِفَةِ أَنْ يَنْكِحَا فِي اعْتِكَافِهِمَا، (والمرأة المعتكفة أيضاً تنكح) بضم أوله أي: تخطب ويعقد عليها (نكاح الخطبة) بكسر الخاء، ولعل تخصيصها بالخطبة؛ لأنها لا تحضر في مجلس العقد عادة (ما لم يكن المسيس) فهو حرام كما تقدم (ويحرم على المعتكف من أهله) أي: حليلته من الزوجة والأمة (بالليل ما يحرم عليه منهن بالنهار) من الجماع ونحوه. قال الباجي: يريد أن حال الليل والنهار مما يمنع منه الاعتكاف سواء، وإنما ذلك لأن من حكمه التتابع كشهري صوم التظاهر، انتهى. (قال يحيى: قال زياد: قال مالك: ولا يحل للرجل) وفي المصرية: لرجل بالتنكير (أن يمس امرأته وهو معتكف) مسَّ التذاذٍ وشهوةٍ، أما بدون الشهوة، فكانت عائشة تُرجِّل رأس رسول الله وَّل وهو معتكف (ولا يتلذذ منها بشيء بقبلة ولا غيرها) هكذا في جميع النسخ الهندية، ونسخة ((التنوير))، وليس في غيرها من المصرية، والمعنى: لا يتلذّذ بها بغير القبلة أيضاً كجَسَّة، فإن فعل بطل اعتكافه عند المالكية(١) بخلاف الأئمة الثلاثة كما تقدم، فيما لا يجوز الاعتكاف إلا به. (قال يحيى: قال زياد: قال مالك: ولم أسمع أحداً يكره للمعتكف ولا للمعتكفة) أي الذكر ولا الأنثى (أن يَنْكحا في اعتكافهما) أي يعقدا بدليل قوله: (١) انظر: ((الاستذكار) (٣١٧/١٠)، و((أحكام القرآن)) للجصاص (٢٤٧/١). ٤٧٩ ١٨ - كتاب الاعتكاف (٥) باب مَا لَمْ يَكُنِ الْمَسِيسُ فَيُكْرَهُ، وَلَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَنْكِحَ فِي صِيَامِهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ نِكَاحِ الْمُعْتَكِفِ، وَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ، أَنَّ الْمُحْرِمَ يَأْكُلُ، وَيَشْرَبُ، وَيَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَشْهَدُ الْجَنَائِزَ، وَلَّا يَتَطَيِّبُ. وَالْمُعْتَكِفُ وَالْمُعْتَكِفَةُ يَدَّهِنَانِ، وَيَتَطَيِّبَانِ، (ما لم يكن المسيس) زاد في النسخ المصرية بعد ذلك: فيكره، وليس هذا في النسخ الهندية، ولفظ: ((يكره)) إن صحّ ههنا فهو بمعنى يحرم لإبطال الاعتكاف. قال الباجي(١): هذا كما قال: إن المعتكف يجوز له أن يعقد نكاحه ونكاح غيره بما خفّ من الكلام، لأن عقد النكاح لا ينافي الاعتكاف، كما لا ينافيه دواعي النكاح من التطيّب والتزيّن، قال الدسوقي: إذا قَبَّلَ وقصد اللذة أو لمس بشهوة أو باشر بقصدها أو وجدها بطل اعتكافه، واستأنفه من أوله، انتهى . (ولا يكره للصائم أن ينكح في صيامه) وإن لم يكن معتكفاً (وفَرْقٌ) مصدر مرفوع على الابتداء، وقوله: أن المحرم، خيره. (بين نكاح المعتكف) حيث يجوز، (وبين نكاح المحرم) بحج أو عمرة، حيث لا يجوز عند المصنف، وغرضه بيان أن المعتكف والمحرم مختلفان في أحكام كثيرة، ومن ذلك نكاح المعتكف والمحرم فيجوز أولهما دون الآخر، (أن المحرم يأكل، ويشرب، ويعود المريض، ويشهد) أي يحضر (الجنائز) أي: تجوز له هذه الأفعال كلها، ولا تجوز هذه الأفعال للمعتكف. (ولا يتطيب) أي يحرم عليه التطيّب ويجوز للمعتكف . : (والمعتكف والمعتكفة يدّهنان ويتطيبان) وفي ((الإحياء)) وشرحه: ولا بأس للمعتكف في المسجد بالتطيب بأي طيب كان، وعقد النكاح لنفسه ولغيره، (١) ((المنتقى)) (٨٦/٢). ٤٨٠