النص المفهرس
صفحات 401-420
١٧ - كتاب الصيام (٢٣) باب (٦٢٦) حديث أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ، فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَ: (إِنِّي أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاَطَأَتْ أحد من هؤلاء، (أروا) بضم الهمزة، (ليلة القدر في المنام) أي: أراهم الله تعالى ذلك، وقال ابن الملك: أي خُيّلَ لهم في المنام ذلك، تبعاً للطيبي في أنه من الرؤيا، فحينئذ يحتاج إلى التجريد، كذا في ((المرقاة)) (١) (في السبع الأواخر) قال الحافظ(٢): أي قيل لهم في المنام: إنها في السبع الأواخر، وتعقبه بعضهم بأنه ليس ظرفاً للإراءة، بل صفة للمنام أي المنام الواقع أو الكائن في السبع الأواخر. والأوجه عندي ما قاله الحافظ، وأنت خبير بأنه لم يقل إنه ظرف للإراءة، بل كلامه صريح في أنه ظرف للمقدَّر، ويدل عليه ما في تعبير البخاري: ((أن ناساً أروا ليلة القدر في السبع الأواخر))، و((أن ناساً أروا أنها في العشر الأواخر)»، الحديث. وأمر الالتماس في السبع الأواخر صريح في أنه كان قبل السبع الأواخر. (فقال رسول الله وجل: إني أرى) بفتح الهمزة والراء، أي أعلم (رؤياكم) بالإفراد. قال عياض: كذا جاء بالإفراد، والمراد: مرائيكم، لأنها لم تكن رؤيا واحدة، وإنما أراد الجنس، وقال ابن التين: المحدثون يروونه بالتوحيد وهو جائز، وأفصح منه ((رؤاكم)) جمع ((رؤيا)) ليكون جمعاً في مقابلة جمع، وتُعُقِّب بإضافته إلى ضمير الجمع يعلم منه التعدد ضرورة، وإنما عبّر بأرى ليجانس ((رؤياكم)) وهي المفعول الأول لأرى، والثاني قوله: (قد تواطأت) بالهمز، أي: توافقت وزناً ومعنىَ، ويوجد في نسخ بطاء، ثم ياء، وينبغي أن يكتب بالألف، ولا بد من قراءته مهموزاً، قال تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ﴾، قاله النووي، وقال ابن التين: روي بلا همز، والصواب الهمز، وفي ((المصابيح)): يجوز ترك الهمز. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٤/٤). (٢) (فتح الباري)) (٢٥٦/٤). ٤٠١ ١٧ - كتاب الصيام (٢٣) باب (٦٢٦) حديث فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ)). أخرجه البخاريّ في: ٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر، ٢ - باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر. ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٤٠ - باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها، حديث ٢٠٥. قال القاري(١): قيل: أصله بالهمزة فقلبت ألفاً وحذفت، انتهى. (في) رؤيتها أنها في ليالي (السبع الأواخر، فمن كان متحريها) أي طالبها وقاصدها (فليتحرها في السبع الأواخر) من رمضان. وتقدم قريباً عن البخاري: أن بعضاً رأوها في العشر، وبعضاً في السبع، قال الحافظ: وكأنه ◌َّه نظر إلى المتفق عليه من الرؤيتين فأمر به، ويحتمل تعدد الأمر، كما تقدم قريباً بلفظ: ((التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يُغْلَبَنَّ على السبع البواقي)). ثم ظاهر الحديث أن مستندها الرؤيا، وهو مشكل، لأنه إن كان المعنى أنه قيل: لكل واحد هي في السبع فشرط التحمل التمييز، وهم كانوا نياماً. وإن كان معناه أن كل واحد رأى الحوادث التي تكون فيها في منامه في السبع، فلا يلزم منه أن يكون في السبع، كما لو رأيت حوادث القيامة في المنام، فإنه لا تكون تلك الليلة محلاً لقيامها . والجواب أن الإسناد إلى الرؤيا إنما هو من حيث الاستدلال بها على أمر وجودي غير مخالف لقاعدة الاستدلال، لأنه استند إليها في أمر ثبت استحبابه مطلقاً وهو طلب ليلة القدر، لا أنها أُثْبِتَ بها حكم، وإنما ترجح السبع لسبب المرائي الدالة على كونها فيها، وهو استدلال على أمر وجودي لزمه استحباب (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٤/٤). ٤٠٢ -- ١٧ - كتاب الصيام (٢٣) باب (٦٢٧) حديث ٦٧/٦٢٧ - وحدّثني زِيَادٌ عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ بِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذُلِكَ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ شرعي مخصوص بالتأكيد بالنسبة إلى هذه الليالي، أو أن الإسناد إلى الرؤيا إنما هو من حيث إقراره وَل# لها كأحد ما قيل في رؤيا الأذان، ذكره الأبي، كذا في ((الزرقاني))(١). وقال الباجي(٢): الظاهر أن قول النبي ◌ّ إنما كان على غلبة الظن الرؤيا أصحابه، ولعله أن يكون هو ◌َ ليل قد رأى أيضاً ما قوي ذلك أو بلغه اليقين، فأمره بتحريها في السبع، انتهى. ٦٧/٦٢٧ - (مالك، أنه سمع من يثق به) أي: من يعتمد على قوله (من أهل العلم يقول) قال ابن عبد البر في ((التقصي))(٣): هذا أحد الأحاديث التي انفرد بها مالك لا يوجد مسنداً ولا مرسلاً فيما علمت إلا من ((الموطأ))، وهذا أحد الأحاديث الأربعة التي لا توجد مسندة ولا مرسلة من إرسال تابعي ثقة، انتھی . (إن رسول الله لا أري) بضم الهمزة مبنياً للمفعول، أي أراه الله تعالى (أعمار الناس) بالراء المهملة في جميع النسخ من المتون والشروح، فما حكى السيوطي وغيره عن رواية ((الموطأ)) بلفظ: ((أعمال الناس)) وهمٌّ من الناسخ (قبله) أي قبل زمانه ◌َ ﴾ (أو ما شاء الله من ذلك) أي: مقدار ما أراد الله تعالى عن أعمارهم، أي: أري جميع أعمارهم أو مقداراً خاصاً من ذلك. (فكأنه) ◌َّ (تقاصر أعمار أمته) إذ هي ما بين الستين إلى السبعين، وقليل (١) (٢١٨/٢). وانظر ((الإكمال)) (١٢٧/٤). (٢) ((المنتقى)) (٨٩/٢). (٣) (ص٢٥٣) ح (٨٢٧). ٤٠٣ ١٧ - كتاب الصيام (٢٣) باب (٦٢٨) حديث أَنْ لَا يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ، مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. ٦٨/٦٢٨ - وحدّثني زِيَادٌ عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ: مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا . من يجوز ذلك، كما ورد (أن لا يبلغوا) لقصر أعمارهم (من العمل) الصالح (مثل الذي) بفتح اللام (بلغ غيرهم) من الأمم السابقة (في طول العمر، فأعطاه الله) - عز وجل - محل أعمارهم الطويلة (ليلة القدر، خير من ألف شهر). قال ابن عبد البر: هذا أحد الأحاديث الأربعة التي لا توجد في غير ((الموطأ)) لا مسنداً ولا مرسلاً، وليس منها حديث منكر ولا ما يدفعه أصل، انتهى. وتقدم ذكرها في مرسلات ((الموطأ)) من المقدمة، قال السيوطي(١): ولهذا شواهد من حيث المعنى مرسلة، فأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب عن مسلمة بن علي عن علي بن عروة، قال: ((ذكر رسول الله وله يوماً أربعة من بني إسرائيل، عبدوا الله ثمانين سنة لم يعصوه طرفة عين))، الحديث. وروي عن مجاهد: ((أن رسول الله ◌َ ◌ّ ذكر رجلاً من بني إسرائيل كان يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد))، الحديث. تقدم ذكرها في البحث الرابع من ترجمة الباب، قال العيني: وعن ابن عباس: ((تفكر النبي وَلّ في أعمار أمته وأعمار الأمم السابقة، فأنزل الله هذه السورة، وخص هذه الأمة بتضعيف الحسنات لقصر أعمارهم) انتهى. ٦٨/٦٢٨ - (مالك، أنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يقول: من شهد العشاء) أي حضرها وصلاها بجماعة (من ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها). أي (١) انظر: ((تنوير الحوالك)) (٢٩٩/١). ٤٠٤ --------- -- ١ ١٧ - كتاب الصيام (٢٣) باب (٦٢٨) حديث أخذ نصيبه من ثوابها. قال ابن عبد البر(١): قول ابن المسيب لا يكون رأياً ولا يؤخذ إلا توقيفاً، ومراسيله أصح المراسيل. وقال الباجي(٢): هو بمعنى الحديث المتقدم: ((من شهد العشاء بجماعة فكأنما قام نصف ليلة))، وخصّها لأنها من الليل دون الصبح فليس منه، وروى البيهقي عن أبي هريرة، والطبراني عن أبي أمامة مرفوعاً: ((من صلى العشاء في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر))، وروى الخطيب عن أنس رفعه: ((من صلى ليلة القدر العشاء والفجر في جماعة فقد أخذ من ليلة القدر بالنصيب الوافر)). وفي ((روضة المحتاجين)): ويحصل أصل إحيائها بصلاة العشاء الأخيرة في جماعة مع نية صلاة الصبح في جماعة، فقد ورد عن أبي هريرة: ((أن من صلى العشاء الأخيرة في جماعة من رمضان فقد أدرك ليلة القدر))، وعن الشافعي - رضي الله عنه -: العشاء والصبح، انتهى. (كمل) كتاب (الصيام بحمد الله) عز وجل (و)حسن (عونه) نسأله تعالى أن يجعل صيامنا لنفسه (١) انظر: ((تنوير الحوالك)) (٢٩٩/١). (٢) ((المنتقى)) (٨٩/٢). ٤٠٥ ١٨ - كتاب الاعتكاف (١٨) كتاب الاعتكاف (١٨) كتاب الاعتكاف يذكرونه عقب الصيام لأنه من توابعه، لأن المقصود من كل منهما واحد، وهو كِفُّ النفس عن شهواتها، وتزكية النفس، ولأن الذي يبطل الصوم قد يبطل الاعتكاف، ولأنه يسن للمعتكف الصيام، ولأن الصوم شرط في بعض أنواعه عند الجمهور، وفي كل أنواعه عند المصنف، والشرط مقدم على المشروط، ولأن الاعتكاف يطلب مؤكداً في العشر الأخير من رمضان فيختم الصوم به، فناسب ختم كتاب الصوم بذکر مسائله، قاله ابن عابدين. قال الباجي: الاعتكاف: اللزوم، يقال: فلان عاكف على أمر كذا إذا لازمه، وفي الشرع: ملازمة المسجد للعبادة، انتهى. وقال الراغب: العكوف: الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له، وفي الشرع: هو الاحتباس في المسجد على سبيل القُرْبة، ويقال: عكفته على كذا، أي حبسته عليه، انتھی . وقال القسطلاني: هو لغةً: اللبث والحبس، والملازمة على الشيء خيراً كان أو شراً، قال تعالى: ﴿فَأَتَوْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمْ﴾(١)، انتهى. وفي ((البحر)): هو افتعال من ((عكف)) إذا دام، من باب طلب، وعكفه حبسه، انتھی . قال الموفق(٢): هو في اللغة لزوم الشيء وحبس النفس عليه براً كان أو غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّعَائِلُ الَّ أَنْتُمْ لَهَا عَكِّفُونَ﴾(٣). (١) سورة الأعراف: الآية ١٣٨. (٢) ((المغني)) (٤٥٥/٤). (٣) سورة الأنبياء: الآية ٥٢. ٤٠٦ - - -- ١٨ - كتاب الاعتكاف قال ابن رشد(١): يشتمل على عمل مخصوص، وفي زمان مخصوص، وبشروط مخصوصة، انتهى. قال الموفق: هو قربة وطاعة، قال تعالى: ﴿أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَّبِفِينَ وَالْمَكِفِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ﴾(٣). ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أنه مسنون، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه سنة لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجبه المرء على نفسه نذراً فيجب، انتهى. قال الحافظ: هو ليس بواجب إجماعاً إلا على من نذره، وكذا من شرع فيه فقطعه عامداً عند قوم، انتهى. قال ابن عابدين: الصحيح أنه سنة مؤكدة؛ لأن النبي و ل﴿ واظب عليه ولم ينكر على من تركه، والمواظبة إنما تفيد الوجوب إذا اقترنت بالإنكار على التارك، انتهى. وقال ابن رشد: الاعتكاف مندوبٌ إليه بالشرع، واجبٌ بالنذر، ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن مالك: أنه كره الدخول فيه مخافة أن لا يوفي شرطه، وهو في رمضان أكثر منه في غيره، وبخاصة في العشر الأواخر منه، إذ كان ذلك هو آخر اعتكافه ژ، انتهى. وقال الحافظ(٤): أما قول ابن نافع عن مالك: فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم للأثر، فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن، انتهى. (١) ((بداية المجتهد)) (٣١٢/١). (٢) سورة البقرة: الآية ١٢٥. (٣) سورة البقرة: الآية ١٨٧. (٤) ((فتح الباري)) (٢٧٢/٤). ٤٠٧ ١٨ - كتاب الاعتكاف (١) باب (٦٢٩) حديث (١) باب ذكر الاعتكاف ١/٦٢٩ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةَ فكأنه أراد صفة مخصوصة وإلا فقد حكيناه عن غير واحد من الصحابة، ومن كلام مالك أخذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائز، وأنكر ذلك عليهم ابن العربي، وقال: إنه سنة مؤكدة، وكذا قال ابن بطال في مواظبة النبي وَلل ما يدل على تأكده، وقال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافاً أنه مسنون، انتهى. وفي ((البدائع)) (١) عن الزهري: أنه قال: عجباً للناس، تركوا الاعتكاف وقد كان رسول الله ولم يفعل الشيء ويتركه، ولم يترك الاعتكاف منذ دخل المدينة إلى أن مات ◌َ﴾، انتهى. بسم الله الرحمن الرحيم هكذا ذكر التسمية في جميع النسخ من الشروح والمتون المصرية والهندية . (١) ذكر الاعتكاف ذكر المصنف في هذا الباب الأحكام المتفرقة من الاعتكاف أي: الأعمال التي يجوز فعلها والتي لا يجوز. . .- ١/٦٢٩ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري، (عن عروة بن الزبير، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة) - رضي الله عنها - قال ابن عبد البر(٢): كذا رواه جمهور رواة ((الموطأ))، ورواه عبد الرحمن بن مهدي وجماعة عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، فلم يذكروا عمرة في هذا الحديث، (١) (بدائع الصنائع)) (٢٧٣/٢). (٢) انظر: ((التمهيد)) (٣١٧/٨ - ٣٢٣). ٤٠٨ ١٨ - كتاب الاعتكاف (١) باب (٦٢٩) حديث وكذا لم يذكر عمرة أكثر أصحاب ابن شهاب، منهم: معمر وسفيان بن حسين وزياد بن سعد والأوزاعي، انتهى. قال السيوطي: ورواه الترمذي عن أبي مصعب عن مالك عن الزهري عن عروة وعمرة، كلاهما عن عائشة، وقال: هكذا روى غير واحد عن مالك، وروى بعضهم عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عمرة عن عائشة - رضي الله عنها - والصحيح عن عروة وعمرة عن عائشة، وكذا أخرجه الستة من طريق الليث عن الزهري عن عروة وعمرة كلاهما عن عائشة. قال جمال الدين المِزّي في ((الأطراف)) (١): قال البخاري: هو صحيح عن عروة وعمرة، ولا أعلم أحداً قال: عن عروة عن عمرة غير مالك وعبيد الله بن عمر. وقال الحافظ ابن حجر: رواه الليث عن الزهري، فجمع بين عروة وعمرة، ورواه يونس والأوزاعي عن الزهري عن عروة وحده، ورواه مالك عنه عن عروة عن عمرة، قال أبو داود وغيره: لم يتابع عليه، وذكر البخاري: أن عبيد الله بن عمر تابع مالكاً، وذكر الدارقطني: أن أبا أويس رواه كذلك عن الزهري، واتفقوا على أن الصواب قول ليث، وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد، ورواه بعضهم عن مالك فوافق الليث، أخرجه النسائي أيضاً، انتهى ما في ((التنوير))(٢)، والبسط في ((شرح الإحياء))، وذكر فيه اختلافات أخر على مالك، فارجع إليه لو شئت. قال الحافظ بعد ذكر الاختلاف المذكور: له أصل من حديث عروة عن (١) ((تحفة الأشراف)) (٤١٢/١١). (٢) انظر: ((تنوير الحوالك)) (٢٩١/١). ٤٠٩ ١٨ - كتاب الاعتكاف (١) باب (٦٢٩) حديث زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َّ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ، إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ عائشة، كما عند البخاري من طريق هشام عن أبيه، وهو عند النسائي من طريق تميم بن سلمة عن عروة، انتهى. (زوج النبي ◌ّلير أنها قالت: كان رسول الله وَّ إذا اعتكف يُدني) أي يقرب (إليّ) بشدة الياء أي إلى حجرتي (رأسه) بالنصب، وفيه تصريح بتسريح شعر الرأس، وفي بعض ألفاظ الحديث ما يدل على احتمال تسريح اللحية، لكنه وَل ما يكله إلى أحد، وإنما كان يتعاطى ذلك بنفسه، بخلاف شعر الرأس، فإنه يعسر مباشرة تسريحه لا سيما في مؤخر الرأس، فلذلك كان يستعين بأزواجه، كذا في ((شرح الإحياء)). زاد في ((المشكاة)) برواية المتفق عليه: وهو في المسجد، وفي ((شرح الإحياء)) برواية الترمذي والنسائي: وهي في حجرتها . (فأرجله) الترجيل تسريح الشعر، وهو استعمال المشط في الرأس أي: أمشط شعره وأنظفه، فهو من مجاز الحذف، لأن الترجيل للشعر لا للرأس، أو من إطلاق اسم المحل على الحال، وفيه دليل على أن المعتكف لو أخرج بعض أجزائه من المسجد لا يبطل اعتكافه، وفي ((شرح الإحياء)»: فيه استحباب تسريح الشعر، وإذا لم يترك النبي ◌َّر ذلك في زمن اعتكافه مع قصره واشتغاله بالعبادة ففي غيره أولى، انتهى. قال الباجي(١): فيه إباحة تناول المرأة رأس زوجها وترجيله ولمس جلده بغير لذة، وإنما يمنع مباشرتها بلذة، انتهى. قلت: وأيضاً فيه دليل على أن للمعتكف أن يُرَجِّل شعره ويُنَظّف بدنه، ويتنظف بأنواع التنظف ويتطيب، زاد في رواية: ((وأنا حائض)). (وكان لا يدخل (١) ((المنتقى)) (٧٧/٢). ٤١٠ --- - ..--- ١٨ - كتاب الاعتكاف (١) باب (٦٢٩) حديث الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ. أخرجه البخاريّ فى: ٣٣ - كتاب الاعتكاف، ٣ - باب لا يدخل البيت إلا لحاجة. ومسلم في: ٣ - كتاب الحيض، ٣ - باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجیله، حدیث ٦. البيت إلا لحاجة الإنسان). قال الحافظ (١): فسرها الزهري بالبول والغائط، واتفقوا على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، ولو خرج لهما فتوضأ خارج المسجد لم يبطل، ويلتحق بها القيء والفصد لمن احتاج إليه، انتھی. قال الباجي: تريد: لا يدخل بيته إلا لضرورة قضاء الحاجة، وأفعال النبي ◌ّلي﴾ على الوجوب، وهذا يقتضي أن المعتكف لا يدخل بيته إلا لضرورة حاجة الإنسان، وما يجري مجراه من طهارة الحدث وغسل الجنابة والجمعة مما تدعو الضرورة إليه، ولا يفعل في المسجد ولا يدخله لأكل ولا نوم ولا غيره من الأفعال التي يباح فعلها في المسجد، انتهى. وها أنا ألخص لك محظورات الاعتكاف وما يجوز فعله فيه من فروع المالكية تتميماً للفائدة، ففي ((الشرح الكبير)(٢): يجب خروجه للجمعة، ويبطل به اعتكافه بخروج رجليه معاً، سواء شرط الخروج أم لا، فإن لم يخرج أثم لترك الجمعة ولا يبطل الاعتكاف، وكذلك يخرج وجوباً لمرض أحد الأبوين، ويبطل به، لا لجنازتهما معاً، فلا يجوز الخروج لهما، أما جنازة أحدهما فإن كان الثاني حياً يخرج لما فيه من مَظِنَّةِ عقوقه، ويبطل الاعتكاف، ولا يجوز الخروج للشهادة، ويبطل لو خرج وإن وجبت الشهادة، ويبطل بإفساد الصوم ولو نفلاً، ولو لحيض ونحوه لا يبطل، بل يقضي ما حصل فيه متصلاً باعتكافه الأول، ويبطل باستعمال مسكر ولو ليلاً. (١) ((فتح الباري)) (٢٧٣/٤). (٢) (٥٤٣/١) و((الشرح الصغير)) (٧٢٥/١). ٤١١ ١٨ - كتاب الاعتكاف (١) باب (٦٢٩) حديث وهل يبطل بارتكاب الكبائر؟ تأويلان، ويبطل بالوطء والمباشرة والقبلة بالشهوة، ويكره أكله خارج المسجد بقرب منه كفنائه، أما خارجاً من ذلك أيضاً فمبطل، وكره اعتكافه غير مَكفيّ، فيندب أن يتحصل ما يحتاج إليه من مأكل ومشرب، فإن اعتكف غير مَكفيّ، جاز له أن يخرج لشرائه لا يتجاوز أقرب مكان وإلا فسد، كاشتغاله خارجه بقضاء دينه، وتَحَدُّثٍ مع أحد، وكره دخوله منزله القريب وبه أهله، وإلا بطل في الأول، ولا يكره في الثاني. . ولا يشتغل في المسجد أيضاً بعيادة المريض وغيره كالتعليم، بل يشتغل بالصلاة والذكر والتلاوة، لأن المقصود صفاء القلب، ويكره الكتابة والترتب للإمامة، ويجوز النكاح والإنكاح، ويجوز إذا خرج لغسل جنابة أو جمعة أو عيد أن يأخذ ظفراً أو شارباً، ويكره حلق الرأس مطلقاً، إلا أن يتضرر فيخرج رأسه خارج المسجد، والحلّاق خارجه. وإذا خرج لغسل ثوبه من نجاسة يجوز له انتظار تجفيفه إذا لم يكن له أحد وإلا كُرِهِ، انتهى مختصراً بتغير. وفي ((المدونة))(١): قال مالك: أكره للمعتكف أن يخرج لحاجة الإنسان في بيته، ولكن يتخذ مخرجاً في غير بيته قريباً من المسجد، وذلك أن خروجه إلى بيته ذريعة إلى النظر إلى أهله وضيعته يشتغل بهم، انتهى. قال الدسوقي: ولا يرد عليه جواز مجيء زوجته إليه في المسجد وأكلها معه، لأن المسجد مانع عن الجماع ومقدماته، انتهى. وفي (الأنوار الساطعة)) من ((شرح العزية)): ويبطل الاعتكاف بالكبائر كالزنا وشرب الخمر والكذب والقذف، وبالجماع ومقدماته كالقبلة ليلاً أو نهاراً، وبالحيض والخروج من المسجد لغير معيشة أو لغير حاجة الإنسان، انتهى. (١) (٢٠٥/١). ٤١٢ ...-- ١٨ - كتاب الاعتكاف (١) باب (٦٣٠) حديث ٢/٦٣٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ إِذَا اعْتَكَفَتْ، لَا تَسْأَلُ عَن الْمَرِيضِ، إِلَّا وَهِيَ تَمْشِي، لَا تَقِفُ. ٢/٦٣٠ - (مالك، عن ابن شهاب، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أن عائشة) - رضي الله عنها - (كانت إذا اعتكفت لا تسأل عن المريض) أي لا تعوده، (إلا وهي تمشي) يعني تعوده ماشية، (لا تقف) لذلك، إتباعاً لما روته هي بنفسها عن فعل النبي ◌َّر مثل ذلك، أخرجها أبو داود. قال الباجي(١): تريد أنها كانت تخرج لحاجتها فتمر بأهل المريض أو بموضعه، فلا تقف للسؤال، لكنها كانت تسأل عنه ماشية، لأن الوقوف عليه من معنى العيادة له، ولا يجوز للمعتكف عيادة مريض، ولا حضور جنازة، ولا طلب دين، ولا استيفاء حد وجب له، فإن خرج لشيء من ذلك بطل اعتكافه، لأن ذلك قطع لما يقتضيه الاعتكاف من الملازمة والمواصلة، انتهى. وصرح في فروعهم: أن الخروج للعيادة ولو لأحد أبويه، وكذا الخروج للجنازة ولو لهما مبطل للاعتكاف، وفي ((شرح الإقناع)) (٢): لو عاد مريضاً في طريقه لقضاء حاجته لم يضر ما لم يعدل عن طريقه ولم يطل وقوفه، فإن طال أو عَدَل انقطع بذلك تتابعه، ولو صلى في طريقه على جنازة فإن لم ينتظرها ولم يعدل إليها عن طريقه جاز وإلا فلا، وفي ((حاشيته)): قوله: ولو عاد مريضاً إلى آخره، صنيعه يقتضي أن الخروج ابتداء لعيادة المريض يقطع التتابع، ومثله الخروج لصلاة الجنازة، انتهى. وسيأتي أن الشرط مبيح عنده، وفي ((الروض المربع)): لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة، حيث وجب عليه الاعتكاف متتابعاً ما لم يتعين عليه ذلك لعدم من يقوم به، إلا أن يشترطه في ابتداء اعتكافه، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٧٧/٢، ٧٨). (٢) (٤١٥/٢). ٤١٣ ١٨ - كتاب الاعتكاف (١) باب (٦٣٠) حديث قال الخرقي: لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة إلا أن يشترط ذلك. قال الموفق(١): الكلام في هذه المسألة في فصلين: أحدهما: في الخروج للعيادة وشهود الجنازة مع عدم الاشتراط، واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك، فروي عنه: ليس له فعله، وهو قول عطاء وعروة ومجاهد والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وروى عنه الأثرم ومحمد بن الحكم: أن له أن يعود المريض ويشهد الجنازة، وهو قول علي وسعيد بن جبير والنخعي والحسن . ثانيهما: إذا اشترط ذلك فله فعله، واجباً كان الاعتكاف أو غير واجب، وكذلك ما كان قربة كزيارة أهله أو رجل صالح أو عالم، وكذلك ما كان مباحاً مما يحتاج إليه كالعشاء في منزله والمبيت فيه فله فعله، وممن أجاز العشاء في أهله الحسنُ والعلاء والنخعي وقتادة، ومنع منه أبو مجلز ومالك والأوزاعي، وقال مالك: لا يكون في الاعتكاف شرط، انتهى. قلت: وسيأتي في ((الموطأ)) عن الإمام مالك الإنكار على الشرط، وقال الشيخ في ((البذل)) (٢): ومذهب الحنفية: أن المعتكف لا يخرج لعيادة المريض ولا لصلاة جنازة، لأنه لا ضرورة إلى الخروج، فإنّ العيادة ليست من الفرائض، وصلاة الجنازة ليست بفرض عين، بل فرض كفاية، تسقط عنه بقيام الباقين بها، وما روي عن النبي ◌ّ من الرخصة في عيادة المريض أو صلاة الجنازة، فقد قال أبو يوسف: ذلك محمول عندنا على الاعتكاف الذي يتطوع به من غير إيجاب، فله أن يخرج متى شاء، ويجوز أن تحمل الرخصة على ما إذا كان خرج المعتكف لوجه مباح، كحاجة الإنسان، ثم عاد مريضاً أو صلى على جنازة من غير أن كان خروجه لذلك قصداً، انتهى. (١) ((المغني)) (٤٦٩/٤). (٢) ((بذل المجهود)) (٣٦٠/١١). ٤١٤ ... ١٨ - كتاب الاعتكاف (١) باب (٦٣٠) حديث ٠ ٫ ٠ قال الحافظ(١): وروينا عن علي والنخعي والحسن البصري: إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضاً أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون، وابن المنذر في الجمعة، وقال الثوري والشافعي وإسحاق: إن شرط شيئاً من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله، وهو رواية عن أحمد، انتھی . وقال النووي في (شرح المهذب)) في الاعتكاف الواجب: لا يعود مريضاً ولا يخرج لجنازة سواء تعينت عليه أم لا في الصحيح، وفي التطوع يجوز لعيادة المريض وصلاة الجنائز، وقال صاحب ((الشامل)): هذا يخالف السنة، فإنه ◌َ ل ﴿ كان لا يخرج من الاعتكاف لعيادة المريض، وكان اعتكافه نفلاً لا نذراً، وإن تعين عليه أداء الشهادة وخرج له يبطل اعتكافه. كذا في ((العيني)). قلت: وأخرج أبو داود عن القاسم عن عائشة قالت: كان النبي وَلا يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو ولا يُعرّج يسأل عنه، وأخرج(٢) أيضاً برواية عروة عن عائشة قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة، الحديث. قال أبو داود: غير عبد الرحمن لا يقول فيه: ((قالت: السنة)) - جعله قول عائشة -، وقال المنذري في ((مختصره)): عبد الرحمن بن إسحاق أخرج له مسلم، ووثقه يحيى بن معين، وأثنى عليه غيره، وتكلم فيه بعضهم . وقال الزيلعي(٣): رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب به، وقال: أخرجاه في ((الصحيح)) دون قوله: والسنة في (١) (فتح الباري)) (٢٧٣/٤). (٢) انظر: ((نصب الراية)) (٤٨٧/٢). (٣) ((نصب الراية)) (٤٨٦/٢). ٤١٥ ١٨ - كتاب الاعتكاف (١) باب (٦٣٠) حديث قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَأْتِي الْمُعْتَكِفُ حَاجَتَهُ، وَلَا يَخْرُجُ لَهَا، وَلَا يُعِينُ أَحَداً، إِلَّ أَنْ يَخْرُجَ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ، المعتكف، وذكر الاختلاف في أنه من قول عروة أو عائشة، وطريق آخر: أخرجه الدارقطني في ((سننه)): عن إبراهيم بن معشر ثنا عبيدة بن حميد ثنا القاسم بن معن عن ابن جريج عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة عن عائشة: ((أن رسول الله ﴾ كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان))، الحدیث. وفيه: أن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان، ولا يتبع جنازة، ولا يعود مريضاً، قال الدارقطني: يقال: إن قوله: ((والسنة للمعتكف)) ليس من قول النبي ◌َل﴾ وأنه من كلام الزهري، قلت: لكن له متابعات كما رأيت، ولو سُلِّم فلا أقل من أنه مرسل، وهو حجة عند الجمهور. (قال يحيى: قال مالك: لا يأتي المعتكف حاجة) بالتنكير في النسخ الهندية، وبالإضافة إلى الضمير بلفظ: ((حاجته)) في المصرية، والمؤدى واحد، والأوجه الأول، وبالتعميم فسره شيخنا في ((المصفّى))، أي: لا يخرج لحاجة غير الحوائج التي لابد منها (ولا يخرج لها) أي لتلك الحوائج التي له منها بُدُّ، (ولا يعين أحداً) أي: لا يعينه في شيء من الأمور، لأن المعتكف مستغنٍ عنها (إلا أن يخرج لحاجة الإنسان) كالأخبثين ونحوهما مما لا بد منه، قال الزرقاني: فيجوز له قص ظفره أو شاربه وإزالة عانته، تبعاً لخروجه للحاجة، ولا يخرج لذلك استقلالاً . وفي ((الشرح الكبير))(١): وأخذُه إذا خرج لكغسل جمعة أو جنابة أو عيد ظُفُراً أو شارباً أو عانة أو إبطاً خارج المسجد، وكره فيه كحلق رأسه مطلقاً، إلا أن يتضرر فليُخْرج رأسه عن المسجد والحلاق خارجه، قال الدسوقي: (١) (٥٤٩/١). ٤١٦ ٠٠٠ ٠٠ ١٨ - كتاب الاعتكاف (١) باب (٦٣٠) حديث وَلَوْ كَانَ خَارِجاً لِحَاجَةِ أَحَدٍ، لَكَانَ أَحَقَّ مَا يُخْرَجُ إِلَيْهِ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَائِزِ وَاتِّبَاعُهَا . قَالَ يَحْيَىُ: قَالَ مَالِكٌ: لا يَكُونُ الْمُعْتَكِفُ مُعْتَكِفاً، حَتَّى يَجْتَنِبَ مَا يَجْتَنِبُ الْمُعْتَكِفُ، مِنْ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ، قوله: إذا خرج يعني لا يخرج لمجرد قصّ الشارب والظفر وما معهما، لا حلق الرأس، كما يفيده أبو الحسن، خلافاً لما في خش من أنه إذا خرج لغسل الجمعة جاز له حلق الرأس، ولا يخرج له استقلالاً . وفي ((المدونة)): قال مالك: لا يقص المعتكف أظفاره، ولا يأخذ من شعره في المسجد، ولا يدخل إليه حجام، قلنا له: إنه يجمع ذلك حتى يلقيه؟ قال: لا يعجبني وإن جمعه، انتهى. قال الدسوقي: وذلك لحرمة المسجد، انتھی . (ولو كان) المعتكف (خارجاً لحاجة أحد) أي: لو كان له جائزاً أن يخرج لمعونة أحد (لكان أحق) بالنصب والرفع، (ما يخرج إليه عيادة المريض) بالنصب والرفع، وذلك لأن عيادة المسلم من حقوق المسلم، (والصلاة على الجنائز) فإنها فرض كفاية، (واتباعها) أي اتباع الجنائز، عطف على عيادة المريض . قال الباجي(١): يعني لو كان خارجاً لمعونة أحد أو شيء من الأمور المعتدّ بها لكان أحق ما يخرج إليه عيادة المريض وشهود الجنازة، لأنها عبادات مأمور بها مع ما شرع من التشارك فيها، والاحتفال بها، فإذا كان المعتكف ممنوعاً عنها فأن يُمنَع من غيرها أولى وأحرى، انتهى. (قال يحيى: قال مالك: ولا يكون المعتكف معتكفاً) أي لا يبقى في اعتكافه (حتى يجتنب ما) أي الأشياء التي (يجتنب) عنها (المعتكف من عيادة المريض والصلاة على الجنائز). (١) ((المنتقى)) (٧٨/٢). ٤١٧ ١٨ - كتاب الاعتكاف (١) باب (٦٣١) حديث وَدُخُولِ الْبَيْتِ، إِلا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ. ٣/٦٣١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الرَّجُلِ يَعْتَكِفُ، هَلْ يَدْخُلُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقْفٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، لَا بأُسَ بِذلِكَ. وتقدم عن ((الشرح الكبير)): أنه لو مات أحد الأبوين وثانيهما حي يجب عندهم الخروج له ويبطل به اعتكافه، وكذلك لعيادتهما أو أحدهما، (ودخول البيت) بالجر، عطف على العيادة (إلا لحاجة الإنسان) استثناء من دخول البيت، يعني إذا فعل شيئاً من هذه الأمور لا يبقى معتكفاً بل يبطل اعتكافه، ثم أوقات الخروج لقضاء الحاجة لا يجب تداركها . وله مأخذان: أحدهما: أن الاعتكاف مستمر، ولذلك لو جامع في أوقات الخروج بطل اعتكافه على الصحيح، والثاني: أن زمان الخروج لقضاء الحاجة جعل كالمستثنى لفظاً عن المدة المنذورة، فاشتراط التتابع في الابتداء رابطة لجميع ما سوى تلك الأوقات، كذا في ((شرح الإحياء)). ٦٣١/ ٣ - (مالك، أنه سأل ابن شهاب عن الرجل يعتكف، هل يدخل لحاجته) بالتنكير في الهندية، وبالإضافة إلى الضمير في المصرية، وهو الأوجه ههنا لحمل عامة الشراح الأثر على حاجة الإنسان، كما سيأتي في كلامهم. (تحت سقف) قال الباجي(١): يريد بذلك قضاء حاجة الإنسان، فلا بأس أن يدخل تحت سقف، وقد كان النبي ◌َل# يدخل بيته تحت سقف لقضاء حاجة الإنسان. (فقال) الزهري: (نعم، لا بأس بذلك) يعني الدخول تحت السقف لا ينافي الاعتكاف. قال الزرقاني(٢): وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة، وقال جماعة: إن (١) ((المنتقى)) (٧٨/٢). (٢) (٢٠٥/٢). ٤١٨ ----- ١٨ - كتاب الاعتكاف (١) باب (٦٣١) حديث قال مالك: الأمر مِلْتنا الَّذِي لاَ امْهِلَافِ فِيهِ، أَنَّهُ لا يُعْرُ الاعتكاف في كلّ مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فِهِ، ولا أراهُ كُرِهَ الإِسْتِكَافُ في يُجَمَعُ فِيهَا، إِلَّا تَرَاهِيَةً أَنْ يَخْرُجَ الْمُعْكِفُ مِنْ المساجد التي سيد الَّذِى اعْتَكْفَ فِيهِ، إِلَى الْجُمْعَةِ دخل تحته بطل، انتهى. وكذا قال ابن رشد في ((البداية))(١): رخّص فيه الأكثر مالك والشافعي وأبو حنيفة، ورأى بعضهم أن ذلك يبطل اعتكافه، انتهى. قلت: أخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر: إذا أراد أن يعتكف ضرب خباءً أو فسطاطاً، فقضى فيه حاجته، ولا يأتي أهله، ولا يدخل سقفاً، وعن عكرمة قال: المعتكف لا يدخل بيتاً مسقفاً، وعن إبراهيم قال: لا يدخل سقفاً، وعن الشعبي قال: لا يدخل بيتاً، انتهى. (قال يحيى: قال مالك: الأمر) المحقق (عندنا الذي لا اختلاف فيه) بين أهل العلم (أنه لا يكره الاعتكاف في كل مسجد يجمَّع فيه) بالتشديد، من التجميع، أي: يصلى فيه الجمعة. (ولا أون، كثره) هكذا في جميع النسخ الموجودة من الشروح والمتون الهندية والمصرية، ولم يتعرض له الشراح، فالظاهر أن لفظ ((كره)) ببناء المجهول بيان للضمير المنصوب في ((أراه)). وفسر شيخنا الدهلوي في ((المصفّى)) لفظ ((كره)) بالبناء للمجهول، وهكذا أعرب في النسخ المصرية، ويحتمل أن يكون هو مقولة يحيى، والضمير المنصوب، وكذا ضمير الفاعل في ((كره)) إلى الإمام مالك، لكن فيه أن العبارة هكذا في ((المدونة)) وليس هناك يحيى، اللَّهم إلا أن يقال: إن القائل فيها ابن القاسم، فتأمل. (الاعتكاف في المساجد التي لا يُجَمّع فيها) أي: لا يصلى فيها الجمعة (إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة) وجوباً، (١) ((بداية المجتهد)) (٣١٧/١). ٤١٩ ١٨ - كتاب الاعتكاف (١) باب (٦٣١) حديث أَوْ يَدَعَهَا ، ويبطل اعتكافه على المشهور، قاله الزرقاني. وفي ((المسؤَّى))(١): الاعتكاف جائز في كل مسجد، فإن لم يكن المسجد جامعاً، فالخروج للجمعة واجب إجماعاً، فإذا خرج يبطل اعتكافه عند الشافعي، فيحتاج إلى نية جديدة لما يستقبله إن كان تطوعاً، ولا يبطل عند أبي حنيفة، انتهى. قلت: وبالأول قال مالك وبالثاني أحمد كما سيأتي (أو يدعها) أي يدع الجمعة، قال الزرقاني: فيحرم عليه وفي بطلان اعتكافه قولان، انتهى. قال الباجي(٢): أما المساجد التي لا يصلى فيها الجمعة، فإنما يكره الاعتكاف فيها إذا كان الاعتكاف يتصل إلى وقت صلاة الجمعة، لأنه يقتضي أحد أمرين ممنوعين، أحدهما: التخلف عن الجمعة، والثاني: الخروج عن الاعتكاف إلى الجمعة، وذلك يبطل اعتكافه في المشهور من مذهب مالك، وقد روى ابن الجهم عن مالك الخروج إلى الجمعة ولا ينتقض اعتكافه، انتھی . وفي ((الشرح الكبير)) (٣) للدردير: صحته بمطلق مسجد مباح لا بمسجد بيت إلاَّ لمن فرضه الجمعة، والحال أنها تجب في زمن اعتكافه، فالجامع هو المتعين، فإن اعتكف من تجب عليه الجمعة في غير الجامع خرج لها وجوباً، وبطل اعتكافه، ويقضيه، فإن لم يخرج أثم ولا يبطل على الظاهر، انتهى. وقريب من ذلك ما قالته الشافعية، ففي ((شرح الإقناع))(٤): الركن الثالث: المسجد فلا يصح في غيره، والجامع أولى لكثرة الجماعة، ولئلا (١) (٣١٧/١). (٢) ((المنتقى)) (٧٩/٢). (٣) (٥٤٢/١). (٤) (٢ /٤١٢). ٤٢٠