النص المفهرس

صفحات 381-400

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢١) حديث
وسط البيوتَ يسطها إذا نزل وسطها، واسم الفاعل من ذلك واسط، ويقال في
جمعه: وسط كنازل ونزل وبازل وبزل، وأما الوَسَط بفتح الواو والسين فيحتمل
أن يكون جمع أوسط، وهو جمع وسيط ككبير وأكبر أو كَبَر، ويحتمل أن يكون
اسماً لجميع الوقت على التوحيد، كما يقال: وسط الدار، ووسط الوقت
والشهر، فإن كان قرئ بفتح الواو والسين فهذا عندي معناه، انتهى.
ووقع في رواية البخاري: ((العشر الأوسط))، قال الحافظ(١): هكذا في
أكثر الروايات، والمراد بالعشر الليالي، وكان من حقها أن توصف بلفظ
التأنيث، لكن وصفت بالمذكر على إرادة الوقت أو الزمان أو التقدير الثلاث
كأنه قال: الليالي العشر التي هي الثلث.
وقال القاري(٢): ووجه الأوسط أنه جاء على لفظ العشر، فإن لفظه
مذکر، انتھی.
قال الحافظ: ووقع في ((الموطأ)) الوسط بضم الواو والسين جمع
وسطى، ويروى بفتح السين مثل كبر وكبرى، ورواه الباجي في ((الموطأ))
بإسكانها على أنه جمع واسط كبازل وبزل، وهذا يوافق رواية الأوسط، انتهى.
وقد رأيت كلام الباجي أنه لم يضبطه بالإسكان بل بضمتين، ولذا تعقب
السيوطي كلام الحافظ، اللّهم إلا أن يقال: إن الباجي ضبطه في غير
((المنتقى))، وقال القاري: ما قيل: الوُسط بضمتين جمع وسطى، غير صحيح،
لأن فُعُل بضمتين لا يكون جمعاً لفعلى بل لنحو فاعل، انتهى.
وعلم بذلك كله أن اللفظ يحتمل وجوهاً بضمتين جمع واسط، أو جمع
وسطى، كما قيل أو بفتحتين جمع أوسط، أو مفرد، وبضم أوله وفتح السين
جمع وسطى أيضاً، فتأمل.
(١) ((فتح الباري)) (٢٥٧/٤)، و((عمدة القاري)) (١٣٣/١١).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٦/٤).
٣٨١

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢١) حديث
مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَاماً، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ
(من رمضان) قال ابن عبد البر(١): فيه مداومته وّيّ على ذلك،
فالاعتكاف فيه سنة لمواظبته وعملية، انتهى.
قال الزرقاني(٢): ولعل مراده رمضان، لا بقيد وسطه إذ لم يداوم عليه،
انتھی .
قلت: وفي ((البخاري)) برواية همام عن يحيى عن أبي سلمة، قال:
انطلقت إلى أبي سعيد الخدري فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل، فتحدث؟
فخرج، قلت: حَدِّثني ما سمعت النبي ◌َّ في ليلة القدر، قال: اعتكف
رسول الله ◌َّ العشر الأول من رمضان، واعتكفنا معه، فأتاه جبرئيل، فقال:
إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط فاعتكفنا معه، فأتاه جبرئيل،
فقال: إن الذي تطلب أمامك، الحديث(٣).
(فاعتكف عاماً) مصدر ((عَامَ)) إذا سَبَحَ، فالإنسان يعوم في دنياه على
الأرض طول حياته، فإذا مات غرق فيها أي اعتكف في رمضان في عام،
والظاهر أن في الرواية اختصاراً لما في ((الفتح)) (٤) حيث قال: زاد في رواية
عمارة بن غزيّة عن محمد بن إبراهيم: ((أنه اعتكف العشر الأول ثم اعتكف
العشر الأوسط ثم اعتكف العشر الأواخر))، ومثله في رواية همام المذكورة،
وفيها: ((أن جبرئيل - عليه السلام - أتاه في المرتين، فقال له: إن الذي تطلب
أمامك».
(حتى إذا كان ليلة) بالنصب، وضبطه بعضهم بالرفع، فاعل كان التامة
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٢١/١٠).
(٢) (٢١٤/٢).
(٣) أخرجه البخاري (٢٠١٦)، ومسلم (٨٢٤/٢).
(٤) ((فتح الباري)) (٤/ ٢٥٧).
٣٨٢
---

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢١) حديث
إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنْ صُبْحِهَا مِنِ
أَعْتِكَافِهِ .
بمعنى ثبت، (إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج فيها) رسول الله ول (من
صبحها من اعتكافه)، هذا الحديث مشكل، لأن مقتضاه أن خطبته وَ ل وقعت
في أول اليوم الحادي والعشرين، وعلى هذا يكون أول ليالي اعتكافه الأخير
ليلة اثنتين وعشرين، وهو مغاير لقوله الآتي: ((فأبصرت رسول الله وَ الل وعلى
جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين))، فإنه ظاهر أن الخطبة كانت
في صبح اليوم العشرين، ووقوع المطر كان ليلة إحدى وعشرين، وهو الموافق
لبقية الروايات، وعلى هذا فمعنى رواية الباب: وهي الليلة التي يخرج من
صبيحتها، أي من الصبح الذي قبلها، ويكون في إضافة الصبح إليها تجوّزٌ.
وقد أطال ابن دحية في تقرير أن الليلة تضاف إلى اليوم الذي قبلها، ورَدَّ
على من منع ذلك، ولكن لم يُوافَقْ على ذلك، فقال ابن حزم: رواية ابن
أبي حازم والدراوردي مستقيمة، ورواية مالك مشكلة، وأشار إلى التأويل الذي
ذكرناه، ويؤيده ما في رواية للبخاري: ((فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة
تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه))، وهذا في غاية الإيضاح.
وأفاد ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (١): أن الرواة عن مالك اختلفوا عليه
في لفظ الحديث، فقال بعد ذكر الحديث: هكذا رواه يحيى بن يحيى ويحيى بن
بكير والشافعي عن مالك ((يخرج في صبيحتها من اعتكافه))، ورواه ابن القاسم
وابن وهب والقعنبي وجماعة عن مالك، فقالوا: ((وهي الليلة التي يخرج فيها
من اعتكافه))، قال: وقد روى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك: ((من
اعتكف أول الشهر أو وسطه فإنه يخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من
اعتكافه)».
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٢٠/١٠، ٣٢١).
٣٨٣

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢١) حديث
قَالَ: ((مَنِ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ،
ووجّه الإمام البلقيني رواية الباب بأن معنى قوله: ((حتى إذا كانت ليلة
إحدى وعشرين)) أي حتى إذا كان المستقبل من الليالي ليلة إحدى وعشرين،
وقوله: ((وهي الليلة التي يخرج)) الضمير يعود على الليلة الماضية، ويؤيد هذا
قوله: ((من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر))، لأنه لا يتم ذلك إلا بإدخال
الليلة الأولى، كذا في ((الفتح)).
قلت: ما قال ابن حزم: إن رواية ابن أبي حازم والدراوردي مستقيمة،
مشكل، والظاهر: أن روايتهما أشكل من رواية مالك، فإن التوجيه في رواية
مالك أسهل، وذلك لأن لفظ روايتهما عند البخاري: ((كان رسول الله وَ ل
يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان يمسي من عشرين ليلة
تمضي، ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه ورجع من كان يجاور معه،
وأنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب ثم قال))،
الحديث. فهذا أنَصُّ من رواية مالك في أن الخطبة والقول كانا بعد ليلة إحدى
وعشرين.
(قال من كان) وليس لفظ ((كان)) في النسخ المصرية. (اعتكف معي)
العشر الوسط (فليعتكف). قال الطيبي: الأمر بالاعتكاف ههنا بمعنى الثبات
والدوام، كذا في ((المرقاة))(١).
قلت: بل الظاهر أنه على معناه لتجديد هذا الاعتكاف بالنية (العشر
الأواخر) أيضاً، لما أخبر جبرئيل أن الذي تطلب أمامك، وفي مسلم من وجه
آخر عن أبي سعيد: «أنه وَّر اعتكف في قبة تركية على سَدَّتها حصير، فأخذه،
فنخّاه في ناحية القبة، ثم كلّم الناس، فقال: إني اعتكفت العشر الأول ألتمس
هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت، فقيل لي: إنها في العشر
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٦/٤).
٣٨٤

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢١) حديث
وَقَدْ رَأَيْتُ هُذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ مِنْ صُبْحِهَا فِي
مَاءٍ وَطِینِ،
الأواخر، فمن أحبّ منكم أن يعتكف، فليعتكف فاعتكف الناس)).
(وقد رأيت) وفي رواية: ((أريت)) بهمزة أوله، مضمومة، مبني للمفعول،
أي أعلمت، قاله الزرقاني، قلت: ونسخ ((الموطأ)) الهندية والمصرية متظافرة
على الأولى، ونسخة (المنتقى)) مبنية على الرواية الثانية. (هذه الليلة) مفعول به
لا ظرف أي أريت ليلة القدر. قال الباجي (١): يحتمل أن الرؤية ههنا بمعنى
العلم فيكون معناه أعلمت بها، ويحتمل أن يكون بمعنى رؤية البصر، والمراد
العلامة التي أعلمت بها، انتهى بتغير.
(ثم أنسيتها) بضم الهمزة، قال القفّال: ليس معناه أنه رأى الملائكة
والأنوار عياناً، ثم نسي في أيّ ليلة رأى ذلك، لأن مثل هذا قلّ أن ينسى،
وإنما معناه أنه قيل له: ليلة القدر ليلة كذا وكذا فنسي، قال الحافظ (٢): المراد
أنه نسي علم تعيينها في تلك السنة، وفيه أن النسيان جائز على النبي وَّ ولا
نقص في ذلك، لا سيما فيما لم يؤذن له في تبليغه، وقد يكون في ذلك
مصلحة تتعلق بالتشريع كما في قصة السهو في الصلاة أو بالاجتهاد في العبادة
كما في هذه القصة، انتهى.
(وقد رأيتُني) بضم التاء وفيه عمل الفعل في ضميري الفاعل والمفعول،
وذلك من خواصّ أفعال القلوب أي رأيت نفسي، قال الباجي: يحتمل أن
يكون ذلك رؤيا رآها حين أُعلِمَ بالليلة أو رآها فبقي ذلك في ذكره، ويحتمل أن
تكون هذه رؤيا بعد النسيان، واستدل بها عليها، انتهى. (أسجد) بالرفع،
حال، وقيل: تقديره أن أسجد، (من صبحها) أي في صبحها (في ماء وطين)
(١) ((المنتقى)) (٢/ ٨٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٥٨/٤).
٣٨٥

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢١) حديث
فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ)).
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأُمْطِرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ
٠
عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ
علامة جعلت له ليستدل بها عليها، والمراد: الأرض الرطبة، ولعل أصله في
ماء وتراب، وسمي طيناً لمخالطته به مآلاً، وللإيماء إلى غلبة الماء (فالتمسوها)
علم بأمر الالتماس أن ما وقع في الروايات من أنها رفعت لتلاحي فلان
وفلان، المراد رفع علمها لا رفع نفسها. (في العشر الأواخر) ثم خص من ذلك
الأوتار، فقال (والتمسوها في كل وتر) منه، أي أوتار ليالي العشر، والظاهر أن
المراد في تلك السنة خاصةً فلا ينافي الروايات الأخر.
(قال أبو سعيد: فأمطرت) وفي بعض الروايات: فمطرت (السماء تلك
الليلة)، قال الزرقاني(١): يقال في الليلة الماضية: الليلة إلى الزوال، فيقال:
البارحة، وفي رواية الصحيحين: ((وما نرى في السماء قرعةً، فجاءت سحابةٌ
فمطزت حتى سال سقف المسجد))، وبهذا الحديث استنبط من ذهب إلى أنها
ليلة إحدى وعشرين، وأجاب عنه السرخسي بأنه ليس فيه كبير حجة، فإنه لم
يقل: أراني أسجد في ماء وطين في ليلة القدر، انتهى.
قلت: لا حاجة إلى الجواب بعدما تحقق أنها تحتمل في الليالي المتعددة
في السنين المختلفة، فلا مانع أن تكون في هذه الليلة من هذه السنة.
(وكان المسجد على عريش)، بفتح العين، وسكون الياء، أي بني على
صوغ عريش، وإلا فالعريش هو نفس السقف، يعني أن المسجد كان مظللاً
بالخوص والجريد، ولم يكن محكم البناء بحيث يُكِنُّ من المطر، وفي رواية
للبخاري: وكان السقف من جريد النخل، (فوكف المسجد) أي سال ماء المطر
من سقفه فهو من ذكر المحل وإرادة الحال. (قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي)
(١) (٢١٥/٢).
٣٨٦

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢١) حديث
رَسُولَ اللَّهِ فَ انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ
زاده تأكيداً كقولك: أخذت بيدي، وإنما أراد إظهار التعجب من تلك الحالة
الغريبة. (رسول الله ﴿ل): انصرف) من الصلاة، (وعلى جبهته)، الجملة حالية،
واختلفت النسخ في ذكر هذا اللفظ ففي جميع النسخ المصرية والزرقاني
و ((المصفى)) و((التنوير)) بلفظ: على جبهته، وهكذا حكاه الحافظ في ((الفتح))
عن رواية مالك، وكذا في (التقصي))، وفي النسخ الهندية والباجي بلفظ: على
جبينه. قال الباجي: الجبين ما بين الصدغين والسجود يكون بوسطه، وقال
ابن قتيبة: الجبهة وسط الجارحة، والجبينان يكتنفانها، من كل جانب جبين،
انتھی .
قلت: ويكون المعنى على نسخة الجبين بيان كثرة الطين، حتى وصلت
إلى الجبين، فتأمل. (وأنفه) قال الزرقاني: فيه السجود على الجبهة والأنف
جميعاً، فإن سجد على أنفه وحده لم يجزه، وعلى جبهته وحدها أساء وأجزأه،
قاله مالك، انتهى .
وقال النووي(١): أعضاء السجود سبعة، ينبغي للساجد أن يسجد عليها
كلها وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعاً، أما الجبهة فيجب وضعها مكشوفة
على الأرض ويكفي بعضها، والأنف مستحب فلو تركه جاز، ولو اقتصر عليه
وترك الجبهة لم يجز، وهذا مذهب الشافعي ومالك والأكثرين، وقال أبو حنيفة
وابن القاسم من أصحاب مالك: له أن يقتصر على أيهما شاء، وقال أحمد
وابن حبيب من أصحاب مالك: يجب أن يسجد على الجبهة والأنف جميعاً،
كذا في ((العيني))(٢).
وفي ((الهداية))(٣): إن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة، وقالا:
(١) ((شرح مسلم)) (٤/ ٢٠٨).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٩٠/٦).
(٣) (١٠٨/١) طبع الهند.
٣٨٧

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢١) حديث
أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ، مِنْ صُبْحِ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ.
أخرجه البخاريّ في: ٣٣ - كتاب الاعتكاف، ١ - باب الاعتكاف في العشر
الأواخر.
ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٤٠ - باب فضل ليلة القدر والحث على
طلبها، حديث ٢١٣.
لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عُذر، وهو رواية عنه لقوله - عليه الصلاة
والسلام -: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظُم))، وعد منها الجبهة، ولأبي
حنيفة - رضي الله عنه - أن السجود يتحقق بوضع بعض الوجه وهو المأمور به،
إلا أن الخدَّ والذقن خارج بالإجماع، والمذكور فيما روي الوجه في المشهور،
انتهى .
(أثر الماء والطين)، قال الحافظ(١): فيه استحباب ترك الإسراع إلى إزالة
ما يصيب جبهة الساجد من غبار الأرض، وقال أيضاً: فيه ترك مسح جبهة
المصلي والسجود على الحائل، وحمله الجمهور على الأثر الخفيف لكن يُعَكِّرُ
عليه ما في رواية للبخاري: ((ووجهه ممتلئ طيناً وماءً))، وأجاب النووي: بأن
الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة، انتهى.
قال العيني (٢): الحديث محمول على أنه كان شيئاً يسيراً لا يمنع مباشرة
بشرة الجبهة الأرض، ولو كان كثيراً لم تصح صلاته، وهذا قول الجمهور،
واختلف قول مالك فيه فروى أشهب عنه: أنه لا يجوز إلا السجود على
الأرض على حسب ما يمكنه، وقال ابن حبيب: مذهب مالك أن يومئ،
انتهى. (من) صلاة (صبح ليلة إحدى وعشرين) متعلق بقوله: انصرف، وحديث
أبي سعيد هذا نص في التحري في الأوتار.
(١) ((فتح الباري)) (٢٩٨/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٦/ ٩٤).
٣٨٨

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢٢) حديث
٦٢/٦٢٢ - وحدّثني زِيَادٌ عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((تَحَرَّوْ!
ويشكل عليه ما روى أبو داود وغيره من طريق أبي نضرة عنه مرفوعاً:
((التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة))، قلت: يا أبا سعيد إنكم أعلم
بالعدد منا، قال: أجل، قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت
واحدة وعشرين فالتي تليها التاسعة، فإذا مضى ثلاث وعشرون، فالتي تليها
السابعة، الحديث.
وكتب والدي المرحوم - نوّر الله مرقده - من تقرير شيخه - رحمه الله -
على أبي داود، ظاهره مُشْعِرٌ بكون ليلة القدر عنده في المزدوج من الليالي،
وهذا مخالف لما رواه الثقات ولرواية نفسه أيضاً، فلا يصح الجواب بكون
ذلك مذهبه كما أجاب به النووي، بل الحق في الجواب؛ أنه اعتبر الشهر
ثلاثين للإفهام وتصوير المسألة وتقريراً لها في ذهن السامع، ثم العبرة لتسع
وعشرين لا محالة، فالتاسعة بذلك هي الليلة الوتر ليلة إحدى وعشرين، انتهى.
وأفاد الشيخ في ((البذل))(١): بأنه يحتمل أن يكون المعنى؛ التمسوا ليلة
القدر في الليلة التي تبقى التاسعة بعدها وفي الليلة التي تبقى السابعة بعدها
على اعتبار كون الشهر ثلاثين فلا يبقى الإشكال، انتهى.
٦٢/٦٢٢ - (مالك) زيد في النسخ المصرية في أول هذا السند أيضاً
وكذلك في الأسانيد الآتية كلها في هذا الباب لفظ: زياد، وتقدم ما فيه في
أول السند الأول من الباب (عن هشام بن عروة عن أبيه) مرسلاً(٢)، وصله
الشيخان وغيرهما بطرق عن هشام عن أبيه عن عائشة؛ (أن رسول الله وعليه قال:
تحروا) بفتح المثناة الفوقية، والحاء والراء المهملتين، وإسكان الواو، أمر من
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (١٧٤/٦).
(٢) قال ابن عبد البر: فقد وصلناه في ((التمهيد)) (٢٩٤/٢٢، ٢٩٥).
٣٨٩

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢٢) حديث
لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ».
أخرجه، موصولاً عن عائشة، البخاريّ في: ٣٢ - كتاب ليلة القدر، ٣ - باب
تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر.
ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٤٠ - باب فضل ليلة القدر والحث على
طلبها، حديث ٢١٩.
التحري، وفي بعض الروايات: التمسوا، وهما بمعنى الطلب لكن معنى
التحري أبلغ لما فيه من الطلب بالجد والاجتهاد. (ليلة القدر في العشر الأواخر
من رمضان). قال الزرقاني(١): ولم يقع في شيء من طرق حديث هشام هذا
التقييد بالوتر، لكنه محمول عليه، لما في ((الصحيح)) من رواية أبي سهيل بن
مالك عن أبيه عن عائشة مرفوعاً: ((تحروا ليلة القدر في وتر العشر الأواخر))،
الحديث. فيحمل المطلق على المقيد، انتهى. قلت: لكن من اختار دورانه في
تمام العشر يُجري الحديث على إطلاقه.
قال الحافظ (٢): كونها تنتقل في العشر الأخير كله، قاله أبو قلابة، ونص
عليه مالك والثوري وأحمد وإسحاق، وزعم الماوردي أنه متفق عليه، وكأنه
أخذه من حديث ابن عباس: أن الصحابة اتفقوا على أنها في العشر الأخير،
ثم اختلفوا في تعيينها منه، ويؤيد كونَها في العشر الأخير حديث أبي سعيد
الصحيح: أن جبرئيل قال للنبي 18ّ لما اعتكف العشر الأوسط: ((إنّ الذي
تطلب أمامك))، واختلف القائلون به، فمنهم من قال: هي فيه محتملة على حد
سواء، نقله الرافعي عن مالك، وضعَّفه ابن الحاجب، ومنهم من قال: بعض
لیالیه أرجی من بعض، انتھی.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢١٥/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٦٥/٤).
٣٩٠

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢٣) حديث
٦٣/٦٢٣ - وحدّثني زِيَادٌ عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ﴿ قَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ
فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ ».
أخرجه مسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٤٠ - باب فضل ليلة القدر والحث
على طلبها، حديث ٢٠٦.
٦٣/٦٢٣ - (مالك، عن عبد الله بن دينار، عن) مولاه (عبد الله بن عمر)
- رضي الله عنهما -؛ (أن رسول الله وَ ﴾ قال: تحروا) أي: اطلبوا بالجد
والاجتهاد (ليلة القدر في السبع الأواخر) قال ابن عبد البر: هكذا رواه مالك،
ورواه شعبة عن ابن دينار بلفظ: ليلة سبع وعشرين، قلت: لكن رواية نافع عن
ابن عمر وكذا رواية سالم عنه بعدة طرق عند البخاري وغيره بلفظ: السبع
الأواخر، فتأمل. (من رمضان) وليس لفظ من رمضان في النسخ المصرية، ثم
اختلفوا في مصداقه، فقيل: مبدؤه من ليلة أربع وعشرين على كون الشهر
ثلاثين، وهو الأصل، وقيل: من ليلة ثلاث وعشرين على كون المحقق في
الشهر تسعاً وعشرين يوماً.
قال الباجي(١): السبع الأواخر روي عن ابن عباس: أنها ليلة أربع
وعشرين على التمام، ويحتمل أنها ليلة ثلاث وعشرين على النقصان، انتهى.
وقيل: المراد السبع الرابع، فمبدؤه من ليلة الثانية والعشرين، وقيل: أراد السبع
بعد العشرين فمبدؤه من ليلة الحادية والعشرين.
قال القاري(٢): لكن فيه أن إطلاق السبع الأواخر على السبع بعد
العشرين غير منطبق، فإن الحادية والعشرين من السبع الثالث، وقال بعضهم:
إن السبع إنما يذكر في ليالي الشهر ثلاث مرات: في أول العدد، ثم في سبع
(١) ((المنتقى)) (٨٨/٢).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٤/٤).
٣٩١

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢٤) حديث
٦٢٤ /٦٤ - وحدّثني زِيَادٌ عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى
عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسِ الْجُهَنِيَّ،
عشرة، ثم في سبع وعشرين، فالمراد: الثالث، ولعل جمع الأواخر باعتبار
الجنس، كذا في تلخيص ((البذل))(١) عن شروح ((المشكاة)) مع زيادة.
قلت: وعلى هذا الأخير تكون رواية مالك هذه بمعنى رواية شعبة عن
عبد الله بن دينار، قال ابن عبد البر(٢): والمراد في ذلك العام، فلا يخالف
قوله فيما قبله: في العشر الأواخر، ويكون قوله: وقد مضى من الشهر، وما
يوجب ذلك، أو أعلم أوّلاً أنّهما في العشر، ثم أعلم أنها في السبع، أو حضّ
على العشر من به بعض القوة، وعلى السبع من لا يقدر على العشر، انتهى.
قلت: ويؤيد هذا الأخير ما ذكره الحافظ من اختلاف الروايات، فقال:
وروى أحمد من حديث علي مرفوعاً: ((إن غلبتم فلا تغلبوا في السبع البواقي))،
ولمسلم من طريق عقبة بن حريث عن ابن عمر: ((التمسوها في العشر الأواخر،
فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن على السبع البواقي))، قال: وهذا السياق
يرجح الاحتمال الأول من تفسير السبع، انتهى. وهو أن المراد منه أواخر
الأيام من الشهر.
٦٤/٦٢٤ - (مالك، عن أبي النضر) سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن
عبيد الله) بالتصغير والإضافة، القرشي التيمي؛ (أن عبد الله بن أنيس) مصغر
(الجهني) أبو يحيى المدني حليف الأنصار، شهد العقبة وأُحُداً وما بعدهما،
بعثه النبي ◌ِّ﴾ إلى خالد بن نبيح الغزي فقتله، له أربعة وعشرون حديثاً، انفرد
له مسلم بواحد، روى له الستة إلا البخاري فأخرج له تعليقاً، مات بالشام سنة
٥٤هـ، ووهم من قال سنة ٨٠هـ، فرق بينه وبين الأنصاري علي بن المديني وغيره،
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (١٧٧/٧).
(٢) ((الاستذكار)) (٣٢٨/١٠).
٣٩٢

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢٤) حديث
قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَجِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ شَاسِعُ الدَّارِ، فَمُرْنِي
لَبْلَةً أَنْزِلُ لَهَا،
وجعلهما واحداً أبو علي بن السكن وغير واحد. قال الحافظ: وهو المعتمد،
قال ابن عبد البر(١): هذا منقطع فإن أبا النضر لم يلق ابن أنيس ولا رآه،
انتھی .
قال الزرقاني(٢) تبعاً للسيوطي: وقد وصله مسلم (٣) من طريق الضحاك بن
عثمان عن أبي النضر عن بسر بن سعد عن عبد الله بن أنيس بلفظ حديث
أبي سعيد، ووصله أبو داود من طريق ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي
عن ضمرة بن عبد الله بن أنيس عن أبيه بنحو حديثه في ((الموطأ))، انتهى.
قلت: ولفظ حديث مسلم برواية أبي النضر عن بسر بن سعيد عن عبد الله بن
أنيس: أن رسول الله وَل قال: ((أريت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني صبيحتها
أسجد في ماء وطين))، قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله وَل
وانصرف، وأن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه، قال: وكان عبد الله بن
أنیس یقول: ثلاث وعشرين، انتهى.
(قال لرسول الله (18) زاد في النسخ المصرية بعد ذلك (يا رسول الله)
وليست هذه الزيادة في النسخ الهندية. (إني رجل شاسع الدار) أي بعيدها، ولفظ
رواية أبي داود(٤): قلت: يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها وأنا أصلي فيها
بحمد الله (فمرني ليلة) معينة (أنزل لها) أي: لتلك الليلة من البادية إلى المسجد،
قال القاري(٥): بالرفع على أنه صفة، وقيل: بالجزم على أنه جواب أمر.
(١) ((الاستذكار)) (٣٢٩/١٠).
(٢) (٢١٦/٢).
(٣) ((صحيح مسلم)) كتاب الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها (٢١٨).
(٤) انظر: ((سنن أبي داود)) مع ((بذل المجهود)) (١٦٩/٧).
(٥) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢٢/٤).
٣٩٣

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢٤) حديث
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ اَلِّ: «انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ)).
قال الزرقاني(١): ولأبي داود: فمرني بليلة من هذا الشهر أنزلها بهذا
المسجد أصليها فيه، قلت: وفي النسخ التي بأيدينا: فمرني بليلة أنزلها إلى
هذا المسجد، ليس فيها ذكر هذا الشهر، نعم حكى القاري هذه اللفظة عن
المصابيح.
(فقال له رسول الله وَل *: انزل ليلة ثلاث وعشرين من رمضان) قال
الباجي(٢): يحتمل أن يكون نص عليها على معنى التحري لها، وأنها عنده
أقرب إلى أن تكون فيها ليلة القدر من سائر ليالي الوتر، ويحتمل أن ينص
عليها لفضيلة ثبتت لها عنده، انتهى.
قلت: والظاهر أن الأمر كان لتلك السنة خاصة، لكنه - رضي الله عنه -
ذهب إلى عمومه كما يدل عليه الروايات، زاد أبو داود بعد ذلك قول محمد بن
إبراهيم الراوي عن ابن عبد الله بن أنيس: فقلت لابنه: فكيف كان أبوك يصنع؟
قال: كان يدخل المسجد إذا صلى العصر، فلا يخرج منه لحاجة حتى يصلي
الصبح، فإذا صلى الصبح، وجد دابته على باب المسجد، فجلس عليها فلحق
ببادیته .
قال ابن عبد البرّ: يقال: ليلة الجهني معروفة بالمدينة، ليلة ثلاث
وعشرين، وحديثه هذا مشهور عند عامتهم وخاصتهم، وروى ابن جريج هذا
الخبر لعبد الله بن أنيس، وقال في آخره: فكان الجهني يمسي تلك الليلة يعني
ليلة ثلاث وعشرين في المسجد، فلا يخرج منه حتى يصبح، لا يشهد شيئاً من
رمضان قبلها ولا بعدها ولا يوم الفطر، انتهى.
قلت: وقد ورد كون ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين في عدة روايات
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢١٦/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٨٨/٢).
٣٩٤
-----

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢٥) حديث
٦٥/٦٢٥ - وحدّثني زِيَادٌ عَنْ مَالِكِ، عَنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا
وآثار، وذهب إلى ذلك جماعة، قال الحافظ(١): وروى ابن أبي شيبة بإسناد
صحيح عن معاوية قال: ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، ورواه إسحاق في
((مسنده) من طريق أبي حازم عن رجل من بني بياضة له صحبة مرفوعاً، ورواه
عبد الرزاق من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: ((من كان متحريها .
فليتحرها ليلة سابعة))، قال: ((وكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمسُ
الطيب))، وعن ابن جريج عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس؛ ((أنه كان
يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين))، وروى عبد الرزاق(٢) من طريق يونس بن سيف
[أنه] سمع سعيد بن المسيب يقول: استقام قول القوم على أنها ليلة ثلاث
وعشرين، ومن طريق إبراهيم عن الأسود عن عائشة، ومن طريق مكحول: أنه
كان يراها ليلة ثلاث وعشرين، انتهى.
٦٥/٦٢٥ - (مالك، عن حميد) بن أبي حميد (الطويل) يقال: كان يقف
على الميت فتصل إحدى يديه إلى رأسه والأخرى إلى رجليه. (عن أنس بن
مالك أنه قال: خرج علينا) هكذا الحديث في ((الموطأ))، قال ابن عبد البر(٣):
لا خلاف عن مالك في سنده ومتنه، وإنما هو لأنس عن عبادة، انتهى.
قلت: هكذا أخرجه البخاري في ((صحيحه)) برواية خالد بن الحارث عن
حميد ثنا أنس عن عبادة قال: خرج .. الحديث، قال الحافظ (٤): كذا رواه
أكثر أصحاب حميد، ورواه مالك فلم يقل: عن عبادة، وقال ابن عبد البر:
الصواب إثباته وأن الحديث من ((مسنده))، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (٢٦٤/٤).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٧٦٨٧).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٣٣٢/١٠).
(٤) ((فتح الباري)) (٢٦٨/٤).
٣٩٥

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢٥) حديث
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: ((إِنِّي أُرِيتُ هُذِهِ اللَّيْلَةَ فِي
رَمَضَانَ، حَتَّى تَلَاحَى
(رسول الله وَخير) من حجرته الشريفة، زاد في النسخ المصرية بعد ذلك:
((في رمضان)) وليست هذه الكلمة في النسخ الهندية، وزاد في رواية البخاري:
(ليخبرنا بليلة القدر))، (فقال: إني أريت) بضم الهمزة ببناء المجهول. قال
الحافظ: هي من الرؤيا أي: أعلمت بها، أو من الرؤية أي أبصرتها، وإنما
أرى علامتها. وهو السجود في الماء والطين، انتهى. ثم اللفظ هكذا في جميع
النسخ المصرية، وفي الهندية: ((رأيت)) ببناء الفاعل (هذه الليلة) أي ليلة القدر
(في رمضان).
زاد البخاري بعده: فقال: ((خرجت لأخبركم بليلة القدر)) (حتى تلاحى)
بفتح الحاء المهملة، أي وقعت بينهما ملاحاة، وهي المخاصمة والمنازعة
والمشاتمة، والاسم اللحاء بالكسر والمد، وفي رواية أبي سعيد عند مسلم:
((فجاء رجلان يختصمان معهما الشيطان))، ونحوه في حديث القلتان عند
ابن إسحاق، وزاد: ((أنه لقيهما عند سُدَّة المسجد، فحجز بينهما))، فاتفقت هذه
الأحاديث على سبب النسيان)).
i
وروى مسلم(١) من حديث أبي هريرة: أن رسول الله وَل قال: ((أريت
ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها))، وهذا سبب آخر، فإما أن يحمل
على التعدد بأن تكون الرؤيا في حديث أبي هريرة مناماً فيكون سبب النسيان
الإيقاظ، وأن تكون الرؤية في حديث غيره في اليقظة، فيكون سبب النسيان
ما ذكر من المخاصمة، أو يحمل على اتحاد القصة، ويكون النسيان وقع مرتين
عن سببين، ويحتمل أن يكون المعنى: أيقظني بعض أهلي فسمعت تلاحي
الرجلين، فقمت لأحجز بينهما، فنسيتها للاشتغال بهما .
(١) أخرجه مسلم (١١٦٦).
٣٩٦

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢٥) حديث
رَجُلَانِ فَرُفِعَتْ،
وقد روى عبد الرزاق من مرسل سعيد بن المسيب: أنه وَلّ قال: ((ألا
أخبركم بليلة القدر؟» قالوا: بلى، فسكت ساعة ثم قال: ((لقد قلت لكم وأنا
أعلمها ثم أنسيتها)) فلم يذكر سبب النسيان، وهو مما يقوي الحمل على
التعدد، كذا في ((الفتح)) (١). قلت: لكن حمله على الوجهين الأولين غير بعيد،
فإنه رَير بعد التيقظ والتلاحي لما أراد إخبارهم علم أنه نسي، فتأمل.
(رجلان) كذا في المصرية منكراً، وفي الهندية: ((الرجلان)) معرفاً، زاد
في رواية البخاري: ((من المسلمين)). ولمحمد بن نصر: ((أنهما من الأنصار))،
وزعم ابن دحية: أنهما عبد الله بن أبي حدرد وكعب بن مالك، ولم يذكر
لذلك مستنداً، قاله الحافظ. (فرفعت) أي تعينها لا رفع عينها، لما ورد من
الأمر بالالتماس، وقيل: ((رفعت)) بركتها من تلك السنة، وقيل: التاء في رفعت
للملائكة لا لليلة .
ثم اختلفوا في أن النبي وَيّ أعلم بتعيينها بعد ذلك أم لا؟ وبالأول قال
ابن عيينة، وروي الثاني عن زينب بنت أم سلمة، واستنبط السبكي من هذه
القصة كتمانها لمن رآها، لأنه تعالى لم يقدر لنبيه أن يخبر بها أحداً، كذا في
((الفتح)).
قال الباجي(٢): قد يُذنب البعض فتتعدى عقوبته إلى غيره، فيجزى به من
لا سبب له في الدنيا، وأما في الآخرة فلا تزر وازرة وزر أخرى، انتهى.
قلت: وقد وردت في هذا المعنى روايات كثيرة شهيرة لا تخفى على
ناظر الأحاديث.
(١) ((فتح الباري)) (٢٦٨/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٨٩/٢).
٣٩٧

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢٥) حديث
فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ، وَالسَّابِعَةِ، وَالْخَامِسَةِ)).
أخرجه البخاريّ عن عبادة بن الصامت في: ٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر، ٤ -
باب رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس.
(فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة) اختلفوا في معناها على
خمسة أقوال؛ أحدها: أن المراد بالتاسعة: ليلة تسع وعشرين، وبالسابعة:
سبع وعشرين، وبالخامسة: خمس وعشرين، فيكون المعنى: التمسوها في
تاسعة تمضي من بعد العشرين، لكن يُشكل عليه ما ورد في أكثر طرق
الحديث بلفظ: ((تاسعة تبقى)). وأوّله القاري بأن المعنى: تاسعة تُرْجَى
بقاؤها من بعد العشرين، وهذا القول قال القاري(١) هو الظاهر، وقال
الحافظ: يرجح هذا القول رواية البخاري بلفظ: ((التمسوها في التسع
والسبع والخمس)) أي في تسع وعشرين وسبع وعشرين وخمس وعشرين،
انتھی .
وثانيها: ما قال الطيبي: إن ((تاسعة تبقى)) هي الليلة الثانية والعشرون،
تاسعة من الأعداد الباقية، والرابعة والعشرون سابعة منها، والسادسة والعشرون
خامسة منها، انتهى.
قلت: وعلى هذا فيكون معنى الحديث تاسعة من الليالي الباقية، والعداد
يكون من الآخر على كون الشهر ثلاثين، وتكون الليالي كلها أشفاعاً لا
أوتاراً، ويؤيد هذا المعنى ظاهر ما في رواية أبي داود(٢) عن أبي نضرة؛ أنه
قال لأبي سعيد الخدري: إنكم أعلم بالعدد منا؟ قال: أجل، قلت: ما التاسعة
والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت إحدى وعشرون فالتي تليها التاسعة، فإذا
مضت ثلاث وعشرون فالتى تليها السابعة، الحديث.
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٥/٤).
(٢). ((سنن أبي داود)) (١٣٨٣).
٣٩٨
----

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢٥) حديث
لكن تقدم أن حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - هذا محتمل للتأويل
لمخالفته روايته بنفسه، ولم أر من اختصها بأشفاع العشر الأخير، إلا أن
الحافظ قال في سرد الأقوال: القول الثالث والأربعون: أنها في أشفاع العشر
الوسط والعشر الأخير قرأته بخط مغلطاي، انتهى.
وثالثها: هو المعنى الثاني، إلا أن العداد من تسع وعشرين لكونه
المتيقن، فتكون ((تاسعة تبقى)) هي ليلة إحدى وعشرين، وكذلك الليالي كلها
أوتار، وحكي ذلك عن مالك كما سيأتي في كلام الباجي، وكونها في أوتار
العشر الأخير مختار الحافظ وجماعة من الشافعية وغيرهم، كما تقدمت
أسماؤهم في البحث الخامس من أبحاث الترجمة بعد بيان مسالك الأئمة
الأربعة، فارجع إليه.
ورابعها: ما اختاره ابن عبد البر(١): أن المراد بالتاسعة ليلة إحدى
وعشرين، وكذلك البواقي كالقول الثالث، إلا أن المعنى عنده تاسعة تبقى بعد
الليلة التي تلتمس فيها، فعلى هذا يكون العداد من ثلاثين، وتكون الليالي كلها
أوتاراً، وباعتبار المصداق هذا والذي قبله سواء، والاختلاف بينهما باعتبار
معنى الحديث.
وفي ((المدونة))(٢): قال الإمام مالك - رضي الله عنه -: أرى - والله أعلم -
أنه أراد بالتاسعة من العشر الأواخر ليلة إحدى وعشرين، وبالسابعة ليلة ثلاث
وعشرين، وبالخامسة ليلة خمس وعشرين، انتهى.
وهذا القول كما ترى يمكن حمله على القول الثالث والرابع معاً، لكن
قال الباجي(٣) بعد حكاية قول مالك هذا: وإن هذا على نقصان الشهر، انتهى.
(١) ((الاستذكار)) (٣٣٣/١٠).
(٢) (٢٠٧/١).
(٣) ((المنتقى)) (٨٩/٢).
٣٩٩

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢٦) حديث
٠
٦٦/٦٢٦ - وحدّثنِي زِيَادٌ عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
صَلَى اللهِ
عُمَرَ؛ أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ
وسلم
وهذا يدل على أنه حمله على القول الثالث، ثم قال الباجي: وروى عيسى عن
ابن القاسم: أنه قال: رجع مالك عن هذا القول، وقال مشرقي: لا أعلمه،
انتھی .
وخامسها: ما يظهر من كلام العيني (١)، أن المراد بالتاسعة ليلة إحدى
وعشرين على نقصان الشهر، والثانية والعشرين على تمامه، يعني عمومه يتناول
الصورتين معاً، وقال: وهذا دال على الانتقال من وتر إلى شفع، والنبي ◌َّر
لم يأمر أمته بالتماسها في شهر كامل دون ناقص، بل أطلق طلبها في جميعه
على التمام مرة وعلى النقص أخرى، انتهى.
٦٦/٦٢٦ - (مالك، أنه بلغه) قال الزرقاني: هكذا رواه يحيى وقوم،
ورواه القعنبي وابن بكير: مالك عن نافع عن ابن عمر، قلت: وقد ذكر السند
في جميع النسخ المصرية، وقد عرفت أنه ليس في رواية يحيى فالواجب
حذفه، وقال ابن عبد البر في ((التقصي))(٢): مالك أنه بلغه أن رجالاً من
أصحاب رسول الله المطر، الحديث.
هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك وتابعه قوم، ورواه القعنبي،
والشافعي، وابن وهب، وابن القاسم، وابن بكير، وأكثر الرواة عن مالك عن
نافع عن ابن عمر، وذكروا الحديث مثله سواء مسنداً، وهو محفوظ مشهور من
حديث نافع عن ابن عمر لمالك وغيره، ومحفوظ أيضاً لمالك عن عبد الله بن
دينار عن ابن عمر: أن رسول الله وَ ل﴿ قال: «تحرَّوا ليلة القدر في السبع
الأواخر))، انتهى.
(أن رجالاً من أصحاب رسول الله وَلة) قال الحافظ: لم أقف على تسمية
(١) ((عمدة القاري)) (١٣٦/١١).
(٢) (ص ٢٥٤) ح (٨٣٠).
٤٠٠