النص المفهرس

صفحات 361-380

١٧ - كتاب الصيام
(٢٢) باب
(٦٢٠) حديث
القول الثالث: إنه يكره إفراده، فإن صام يوماً قبله أو بعده لم يكره، وهو
قول أبي هريرة ومحمد بن سيرين وطاووس وأبي يوسف، واختاره ابن المنذر،
وحكاه الترمذي عن أحمد وإسحاق، قلت: هو المنصوص عن الإمام.
ففي ((المغني)) (١): يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يوافق ذلك
صوماً كان يصومه، مثل من يصوم يوماً ويفطر يوماً فيوافق صومه يوم الجمعة.
نص عليه أحمد في رواية الأثرم، انتهى. وسيأتي نحو ذلك عن ((نيل المآرب)) ..
واختلف عن الشافعي، فحكى المزني عنه جوازه، وحكى أبو حامد في
(تعليقه)) عنه كراهته، هذا هو الصحيح الذي يدل عليه حديث أبي هريرة، وبه
جزم الرافعي والنووي في ((الروضة)).
وقال في ((شرح مسلم)): به قال جمهور أصحاب الشافعي، وممن صححه
من المالكية ابن العربي، فقال: وبكراهته يقول الشافعي، وهو الصحيح.
القول الرابع: ما حكاه القاضي عن الداودي أن النهي إنما هو عن تحريه
واختصاصه دون غيره، فإنه متى صام مع صومه يوماً غيره فقد خرج عن النهي،
لأن ذلك اليوم قبله أو بعده، إذ لم يقل اليوم الذي يليه، قال القاضي عياض:
وقد يرجّح ما قاله قولُهُ(٢) في الحديث الآخر: ((لا تخصوا يوم الجمعة بصيام
ولا ليلته بقيام)) وهذا ضعيف جداً، ويرده حديث جويرية في ((البخاري))(٣)،
وقوله لها: ((أصُمْتِ أمس؟)) قالت: لا، قال: ((تصومين غداً؟)) قالت: لا،
قال: ((فأفطري))، فهذا صريح في أن المراد بما قبله يوم الخميس، وبما بعده
يوم السبت .
(١) (٤٢٦/٤).
(٢) أي قول النبي ◌َّ.
(٣) أخرجه البخاري (١٩٨٣).
٣٦١

١٧ - كتاب الصيام
(٢٢) باب
(٦٢٠) حديث
الخامس: يحرم صومه إلا لمن صام يوماً قبله أو يوماً بعده، أو وافق
عادته، بأن كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فوافق يوم الجمعة، وهو قول ابن حزم
لظواهر الأحاديث الواردة في النهي، انتهى.
وحكى الحافظ في ((الفتح)»: منعَ الإفراد عن أحمد وابن المنذر وبعض
الشافعي، وقول ابن المنذر يشعر بأنه يرى تحريمه، وقال: ذهب الجمهور إلى
أن النهي فيه للتنزيه، وعن مالك وأبي حنيفة: لا يكره، والمشهور عند الشافعية
وجهان؛ أحدهما - ونقله المزني عن الشافعي -: أنه لا يكره، إلا لمن أضعفه
صومه عن العبادة التي تقع فيه من الصلاة والدعاء والذكر، والثاني: وهو الذي
صححه المتأخرون كقول الجمهور، انتهى.
قلت: وقد حصل من كلام الحافظ (١) قولان آخران لم يذكرهما العيني،
أحدهما: التحريم، والثاني: الكراهية لمن أضعفه الصوم، فصارت الأقوال
سبعة، والثامن: الندب ولو منفرداً، كما سيأتي في ((الفروع))، وهو مختار
الغزالي في ((الإحياء)) إذ عدّه في الأيام الفاضلة التي يتأكد استحبابها .
وفي ((شرح الإقناع)) (٢): ويكره إفراد يوم الجمعة بالصوم للحديث، وفي
((حاشيته)): أي بلا سبب، بأن كان نفلاً مطلقاً، قال النووي: إنما نهي عنه
مفرداً، لأنه يوم عبادة وتبكير وذكر وغسل، فيُسَنّ فطره معاونة عليها، ولا يقدح
فيه زوال الكراهة بصوم قبله أو بعده، لأن ما يحصل بسببه من الفتور في تلك
الأعمال يجبره الصوم قبله، أو بعده.
وفي ((نيل المآرب)): وكره إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يوافق عادة،
مثل من يفطر يوماً ويصوم يوماً فيوافق صومه يوم الجمعة، انتهى.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٣٤/٤، ٢٣٥).
(٢) (٤٠٦/٢).
٣٦٢

١٧ - كتاب الصيام
(٢٢) باب
(٦٢٠) حديث
٠٠٠٠٠٠
٠
وفي ((الشرح الكبير)) (١) للدردير: يندب صوم جمعة فقط لا قبله يوم ولا
بعده يوم، قال الدسوقي: وأما صوم الجمعة بخصوصها مع ورود النهي عن
ذلك وهو قوله ◌َلّ: ((لا يصومن أحدكم يوم الجمعة)) الحديث. فمحل النهي
على خوف فرضه، وقد انتفت هذه العلة بوفاته عليه الصلاة والسلام، انتهى.
واختلفت فروع الحنفية في ذلك أيضاً ففي ((نور الإيضاح)) وشرحه: كره
إفراد يوم الجمعة بالصوم لحديث مسلم مرفوعاً: ((ولا تخصوا يوم الجمعة
بصيام)) الحديث، انتهى مختصراً.
وفي ((البدائع))(٢): كره بعضهم صوم يوم الجمعة بانفراده، وكذا صوم يوم
الاثنين والخميس، وقال عامتهم: إنه مستحب، لأن هذه الأيام من الأيام
الفاضلة، فكان تعظيمها بالصوم مستحباً، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٣): والمندوب كأيام البيض، ويوم الجمعة ولو
منفرداً .
قال ابن عابدين: صرح به في ((النهر))، وكذا في ((البحر))، فقال: إن
صومه بانفراده مستحب عند العامة كالاثنين والخميس، وكره الكل بعضهم،
ومثله في ((المحيط)) معللاً بأن لهذه الأيام فضيلة، ولم يكن في صومها تشبّهٌ
بغير أهل القبلة، فما في ((الأشباه)) وتبعه في ((نور الإيضاح)) من الكراهة قول
البعض.
وفي ((الخانية)): لا بأس بصوم يوم الجمعة عند أبي حنيفة ومحمد، لما
روي عن ابن عباس: أنه كان يصومه ولا يفطر، وظاهر الاستشهاد بالأثر أن
(١) (٥٣٤/١).
(٢) (٢١٨/٢).
(٣) (٣٩٠/٣).
٣٦٣

١٧ - كتاب الصيام
(٢٢) باب
(٦٢٠) حديث
المراد بلا بأسِ الاستحبابُ، وفي ((التجنيس)): قال أبو يوسف: جاء حديث في
كراهته إلا أن يصوم قبله أو بعده، فكان الاحتياط أن يضمَّ إليه يوماً آخر.
قال الطحطاوي: ثبت بالسنة طلبه والنهي عنه، والآخر منهما النهي، كما
أوضحه شراح ((الجامع الصغير))، لأن فيه وظائف، فلعله إذا صام ضعف عن
فعلها، انتهى. وفي ((رسائل الأركان)): أن المنع عندنا للتنزيه، انتهى.
وقال ابن القيم في ((الهدي))(١): كان من هديه ◌َّ كراهةُ تخصيصٍ يوم
الجمعة بالصوم فعلاً منه وقولاً، فصح النهي عن إفراده بالصوم من حديث
جابر بن عبد الله وأبي هريرة وجويرية بنت الحارث وعبد الله بن مسعود وجنادة
الأزدي وغيرهم: ((وشرب يوم الجمعة، وهو على المنبر يُرِيْهُم أن لا يصوم يوم
الجمعة))، ذكره الإمام أحمد، وعلّل المنع من صومه بأنه يوم عيد، فإن قيل:
يوم العيد لا يصام مع ما قبله ولا بعده، قيل: لما كان يوم الجمعة مشبَّهاً
بالعيد أخذ من شبههه النهي عن تحري صيامه، فإذا صام ما قبله أو ما بعده لم
يكن قد تحرّاه.
فإن قيل: فما تصنعون بحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ((ما
رأيت رسول الله ◌َو يفطر يوم الجمعة))، رواه أهل السنن(٢)، قيل: نقبله إن
كان صحيحاً، ويتعين حمله على صومه مع ما قبله أو بعده، ونرده إن لم
يصح، فإنه من الغرائب، قال الترمذي: هذا حديث غريب، انتهى.
ا
واحتجّ من ندبه بحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - هذا، أخرجه
الترمذي وقال: حسن غريب، وصححه ابن عبد البر، وكذا ابن رشد في
(١) ((زاد المعاد)) (٨١/٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٨٢٢/٢)، والترمذي (١٠٩/٣)، والنسائي (٩٤/٤). وقال ابن عبد
البر: وهو حديث صحيح، انظر: ((الاستذكار)) (٢٦٠/١٠).
٣٦٤

١٧ - كتاب الصيام
(٢٢) باب
(٦٢٠) حديث
(البداية))، وروى ابن أبي شيبة(١) بسنده عن ابن عمر، قال: ((ما رأيت
رسول الله وَ مفطراً يوم جمعة قط))، وأخرج أيضاً عن طاووس عن ابن عباس.
قال: ((ما رأيته مفطراً يوم جمعة قط)). ذكرها العيني، وتقدم ما قاله مالك أنه
رأى بعض أهل العلم يصومه ويتحرّاه، قال الزرقاني(٢): ولحديث(٣): ((من
صام يوم الجمعة كتب له عشرة أيام غُرِّ زُهرٍ من أيام الآخرة، لا تشاكلهن أيام
الدنيا))، ثم إنهم اختلفوا أيضاً في الحكمة في النهي عن صوم يوم الجمعة
مفرداً .
قال التوربشتي (٤): سُئِلتُ عن وجه النهي عن صوم يوم الجمعة مفرداً
فأعملنا الفكر فيه مستعيناً بالله تعالى، فرأينا أن الشارع لم يكره أن يصام منضماً
إلى غيره، وكره أن يصام وحده، فعلمنا أن علة النهي ليست للتقوي على إتيان
الجمعة وإقام الصلاة كما رآه بعضهم، إذ لا مزية في هذا المعنى بين من صام
الجمعة والسبت، وبين من صامها وحدها، فعلمنا أنه بمعنى آخر إلى آخر ما
قاله .
وجملة ما وقفت في ذلك أقوالٌ؛ الأول: ما نقله النووي عن العلماء أن
ذلك اليوم فيه عبادات كثيرة، فاستحب الفطر ليكون أعون له على هذه الوظائف
وأدائها بنشاط وانشراح لها والتذاذ بها من غير ملل، وهو نظير الحاج يوم
عرفة، فإن السنة له الفطر، قال النووي: فإن قيل: لو كان كذلك لم يزل النهي
والكراهة بصوم يوم قبله أو بعده لبقاء المعنى.
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٤٦/٣).
(٢) (٢٠٣/٢).
(٣) أخرجه أبو الشيخ والبيهقي، ((كنز العمال)) (٨/ ٢٤١٧٢) وفيه: ((كتب له عشرة أيام
عددهنّ من أيام الآخرة، إلخ.
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٩٤/٤).
٣٦٥

١٧ - كتاب الصيام
(٢٢) باب
(٦٢٠) حديث
ثم أجاب عن ذلك: بأنه يحصل له بفضيلة هذا الصوم الذي قبله أو بعده
ما يجبر ما يحصل له من فتور أو تقصير في وظائف اليوم.
قال العيني(١): فيه نظر، إذ جبر ما فاته من أعمال يوم الجمعة بصوم يوم
آخر، لا يختص بكون الصوم قبله بيوم أو بعده بيوم، بل صوم الاثنين أفضل
من صوم يوم السبت، وأيضاً فإن الجبر لا ينحصر في الصوم بل يحصل بجميع
أفعال الخير، فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيراً كثيراً يقوم مقام صيام
يوم قبله أو بعده، كمن أعتق فيه رقبة مثلاً، ولا قائل بذلك، قاله الحافظ(٢).
الثاني: كونه شبهَ عيدٍ، ولا يَرِد الإذن بالصيام مع غيره للفرق بين كونه
يوم عيد وشبه عيد كما تقدم في كلام ابن القيم، وهو مختار الحافظ وغيره،
كما سيأتي في آخر الأقوال.
الثالث: مخافة المبالغة في تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت،
واعترض عليه بثبوت تعظيمه بغير الصيام. الرابع: مخالفة اليهود في أنهم
يعظمون السبت يوم عيدهم بالصوم، كما حكى القاري عن التوربشتي، ورُدَّ
بأنهم لا يعظمون سبتهم بالصيام، فلو كان الملحوظ ترك موافقتهم لتحثَّم
الصوم، قاله الحافظ والعيني.
الخامس: مخالفة النصارى، لأنه يجب عليهم صومه، ونحن مأمورون
بمخالفتهم، نقله القمولي، قال الحافظ: وهو ضعيف، وقال العيني: لم يبين
وجه الضعف. السادس: خوف اعتقاد وجوبه، واعترض عليه بصوم الاثنين
والخميس. والسابع: خشية أن يفرض عليهم، كما خشي ◌ّ من قيام الليل،
قيل: وهو منتقض بإجازة صومه مع غيره، ولأنه لو كان ذلك لجاز بعده وَله
لارتفاع السبب، كذا في ((الفتح)) و ((العيني)) وغيرهما مع تغير.
(١) ((عمدة القاري)) (٢١٦/٨).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٣٥/٤).
٣٦٦

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٢٣) باب ما جاء في ليلة القدر
والثامن: ما حكى القاري عن التوربشتي: أن الله تعالى قد استأثر الجمعة
بفضائل لم يستأثر بها غيرها، فلم ير النبي ◌ُّ أن يخصه بشيء من الأعمال
غير ما خص به، قال القاري: لئلا يجر إلى هجران باقي الأيام، ولذا منع عن
تخصيص ليلتها بالقيام.
ورجح الحافظ في ((الفتح)) القول الثاني من هذه الأقوال، وقال: هو
أقواها وأولاها بالصَّواب، ورد فيه صريحاً حديثان، أحدهما: رواه الحاكم
وغيره عن أبي هريرة مرفوعاً: ((يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم
صومكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده))، والثاني: رواه ابن أبي شيبة بإسناد
حسن عن علي - رضي الله عنه - قال: ومن كان منكم متطوعاً من الشهر فليصم
يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذكر، انتهى، وهكذا
في ((العيني))(١) .
(٢٣) ما جاء في ليلة القدر
اعلم أولاً: أن النسخ مختلفة في ذكر هذا الباب ففي الشروح الثلاثة
وجميع النسخ المصرية ذكرههنا كتاب الاعتكاف(٢)، وذكر ليلة القدر بعد ذكر
جميع أبواب الاعتكاف، والنسخ الهندية متظافرة على ذكر ليلة القدر ههنا وبعد
ذلك ذكروا الاعتكاف.
وثانياً: اختلفوا في وجه التسمية بذلك، فنقل عن الزهري أن القدر ههنا
بمعنى التعظيم، كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾(٣) والمعنى: أنها ذات
قدر عظيم لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من تنزّل الملائكة، أو لما ينزل
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٢١٧/٨).
(٢) كذلك في نسخة ((الاستذكار)).
(٣) سورة الأنعام: الآية ٩١.
٣٦٧

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو لأن الذي يُحْيِيْهَا يكون ذا قدر جسیم،
وقيل: لأن كل عمل صالح يوجد فيها من المؤمن يكون ذا قدر وقيمة لكونه
مقبولاً فيها، وقيل: لأنه ينزل فيها إلى الأرض ثلاثةٌ من الملائكة أولي قدر
وعظمة .
وقيل: القدر ههنا بمعنى التضييق، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيَّهِ رِزْقُهُ﴾(١)
الآية، ومعنى التضييق فيها إخفاؤها عن العلم بتعيينها، أو لأن الأرض تضيق فيها
عن الملائكة، وقيل: القدر ههنا بمعنى القدر، بفتح الدال الذي هو مؤاخي
القضاء، والمعنى: أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة، لقوله عز اسمه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ
أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾﴾(٢) وبه صدَّر النووي كلامه فقال: قال العلماء: سُمِّيَت بها لما
تكتب فيها الملائكة من الأقدار، وصححه في ((شرح المهذب)) فقال: هذا هو
الصحيح المشهور، ورواه عبد الرزاق وغيره من المفسرين بأسانيد صحيحة عن
مجاهد، وعكرمة وقتادة وغيرهم، وبه جزم الموفق، وقال: يروى ذلك عن
ابن عباس، وقال التوربشتي: إنما جاء القدر بسكون الدال وإن كان الشائع في
القدر الذي هو مؤاخي القضاء فتح الدال، ليعلم أنه لم يُرَدْ به ذلك، وإنما أريد به
تفصيل ما جرى به القضاء، وإظهاره وتحديده في تلك السنة، لتحصيل ما يلقي
إليهم فيها مقداراً بمقدار. كذا في ((الفتح)) (٣) وغيره.
وقيل: القدر بسكون الدال ويجوز فتحها، مصدر قدر الله الشيء قَدْراً
وقَدَراً، كالنَّهْرِ والنَّهَرِ، لغتان، قال الرازي في ((تفسيره)): القَدْر والقَدَر واحد
لأنه بالتسكين مصدر، وبالفتح اسم.
(١) سورة الطلاق: الآية ٧.
(٢) سورة الدخان: الآية ٤.
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (٢٥٥/٤)، و((عمدة القاري)) (١٢٨/١١)، و((شرح الزرقاني))
(٢١٣/٢).
٣٦٨

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
وثالثاً: أن الجمهور على أن تلك الليلة الفاضلة مختصة بهذه الأمة، ولم
تكن في الأمم قبلهم، قال الحافظ: وبه جزم ابن حبيب وغيره من المالكية،
ونقله عن الجمهور، وحكاه صاحب ((العدة)) من الشافعية، ورجحه، وهو
معترض بحديث أبي ذر عند النسائي حيث قال فيه: قلت: يا رسول الله،
أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت؟ قال: ((لا بل هي باقية))، وعمدتهم قول
مالك في ((الموطأ)): بلغني أن رسول الله وَ لل تقاصر أعمار أمته عن أعمار
الأمم الماضية، فأعطاه الله ليلة القدر، وهذا يحتمل التأويل، فلا يدفع الصريح
في حديث أبي ذر، انتهى.
قال الزرقاني(١): وبالأول جزم ابن عبد البر وغيره، وقال النووي: إنه
الصحيح المشهور الذي قطع به أصحابنا كلهم وجماهير العلماء، وتعقب
السيوطي(٢) كلام الحافظ بأن حديث أبي ذر أيضاً يقبل التأويل، وهو أن مراد
السؤال هل يختص بزمن النبي قل﴾ أو ترفع بعده بقرينة مقابلته أم هي إلى يوم
القيامة؟ فلا يكون فيه معارضة لأثر ((الموطأ))، وقد ورد ما يعضده، ففي ((فوائد
أبي طالب المزكي)) من حديث أنس: أن الله وهب لأمتي ليلة القدر ولم يعطها
من كان قبلهم، انتهى. وقال الباجي أيضاً بالاختصاص.
ورابعاً: اختلفت الروايات والأقاويل في سبب هذه العطية الجسيمة، قال
السيوطي: أخرج مالك في ((الموطأ))، وعنه البيهقي في ((الشعب)): أنه بلغه أن
رسول الله وَ﴿ أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر
أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر،
فأعطاه الله ليلة القدر خيراً من ألف شهر.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٩/٢).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (٣٠٦/١).
٣٦٩

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
وأخرج ابن جرير عن مجاهد، قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم
الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر،
فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾﴾ قيام تلك الليلة خير
من عمل ذلك الرجل ألف شهر.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ((سننه)) عن مجاهد: ((أن
النبي 18َ ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر،
فعجب المسلمون من ذلك فأنزل الله ليلة القدر))، الحديث.
قال العيني(١): وذكر بعض المفسرين أنه كان في الزمن الأول نبيٌّ يقال
له: شمسون - عليه السلام - قاتل الكفرة في دين الله ألف شهر، ولم ينزع
الثياب والسلاح، فقالت الصحابة: يا ليت لنا عمراً طويلاً حتى نقاتل مثله،
فنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب عن مسلمة بن علي عن علي بن
عروة، قال: ذكر رسول الله وَ ﴿ يوماً أربعة من بني إسرائيل عبدوا الله ثمانين
عاماً، لم يعصوه طرفة عين، فذكر أيوب وزكريا وحزقيل بن العجوز ويوشع بن
نون، فعجب أصحاب رسول الله وَّر من ذلك، فأتاه جبرئيل، فقال: يا محمد،
عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة، فقد نزَّلَ الله عليك خيراً من
ذلك، فقرأ عليه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾﴾، هذا أفضل مما عجبت أنت
وأمتك، فسُرَّ بذلك رسول الله مَّل والناس معه.
وأخرج الخطيب في ((تاريخه)) عن ابن عباس، قال: ((رأى رسول الله،وَله
بني أمية على منبره فساءه ذلك، فأوحى الله إليه إنما هو مُلْكٌ يصيبونه، ونزلت:
﴿إِنَّ أَنْزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾﴾ وأخرج الخطيب عن ابن المسيب مرفوعاً:
(١) ((عمدة القاري)) (٢٥٠/٨).
٣٧٠

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
((أريت يصعدون منبري فشق ذلك عليّ، فأنزل الله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ
اُلْقَدْرِ )))))، وأخرج الترمذي وضعفه وابن جرير والطبراني وابن مردويه،
والبيهقي في ((الدلائل)) عن يوسف به مازن الرواسي قال: قام رجل إلى
الحسن بن علي - رضي الله عنه - بعدما بايع معاوية فقال: سوّدتَ وجوه
المؤمنين، فقال: لا تُؤَنّبني - رحمك الله - فإن النبي بَّ رأى بني أمية يخطبون
على منبره فساءه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ ﴾﴾ ونزلت: ﴿إِنَّ
أَنْزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴿٣َ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
®﴾ يملكها بعدك بنو أمية يا محمد، قال القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر
لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً، انتهى.
وقال العيني: يقال: إن الرجل فيما مضى كان لا يستحق أن يقال له:
فلان عابد، حتى يعبد الله ألف شهر، فجعل الله لأمة محمد ول# ليلة خيراً من
ألف شهر كانوا يعبدون فيها .
(تنبيه): فيا لَها من ليلةٍ تزيد على ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر، فلو
تقابل ليالي رمضان الثلاثون ليلة بألف شهر تقابل كل ليلة بالسنتين وتسعة أشهر
وعشرة ليال، فيا خيبة لمن يُضيِّعُ بإضاعة ليلة من رمضان هذه المدة الكثيرة،
رزقنا الله تعالى بمزيد فضله هذه النعمة الجليلة، فإنه وهاب کریم.
وخامساً: اختلفوا في تعيين هذه الليلة على أقوال كثيرة شهيرة وغريبة،
بسطها الحافظ في ((الفتح))(١) إلى قريب من خمسين قولاً، وتبعه الشيخ في
((البذل))(٢)، والشوكاني في ((النيل))(٣)، وإيرادها كلها خارج عن وظائف هذا
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٦٢/٤ - ٢٦٣).
(٢) ((بذل المجهود)) (١٦٣/٧).
(٣) ((نيل الأوطار)) (٢٦٢/٣ - ٢٦٦).
٣٧١

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
الوجيز، فلنقتصر منها على الأقوال الشهيرة، لا سيما على مختار الأئمة في
فروعهم ومشايخ السلوك في كشوفهم.
ففي ((الروض المربع)) (١): ترجى ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان،
وأوتاره آكد، وليلة سبع وعشرين أبلغ أي أرجاها، انتهى.
قلت: وسيأتي في كلام الحافظ: أن الإمام أحمد نص على أنها تنتقل في
العشر الأخير كله، وفي ((شرح الإحياء)»: أنها تنتقل في جميع الشهر، هو
مقتضى كلام الحنابلة.
قال ابن قدامة في ((المغني))(٢): يستحب طلبها في جميع ليالي رمضان،
وفي العشر الأواخر آكد، وفي ليالي الوتر منه آكد، ثم حكى قول أحمد: هي
في العشر الأواخر في وتر من الليالي لا تخطئ إن شاء الله، ومقتضاه
الاختصاص بالعشر الأواخر، انتهى.
وفي (شرح الإقناع))(٣): هي منحصرة في العشر الأخير، كما نص عليه
الإمام الشافعي - رضي الله عنه -، وعليه الجمهور، وأنها تلزم ليلة بعينها،
وقال المزني وابن خزيمة: إنها منتقلة في ليالي العشر، جمعاً بين الأحاديث،
واختاره في ((المجموع))، والمذهب الأول وميل الشافعي - رحمه الله - إلى أنها
ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين، انتهى.
وقال الحافظ: كونها أول ليلة من العشر الأخير، إليه ميل الشافعي،
وجزم به جماعة من الشافعية، ولكن قال السبكي: ليس مجزوماً به عندهم
لاتفاقهم على عدم حنث من علق يوم العشرين عتق عبده في ليلة القدر أنه لا
يعتق بتلك الليلة، بل بانقضاء الشهر على الصحيح، بناءً على أنها في العشر
(١) (٤٤٢/١).
(٢) (٤٤٩/٤).
(٣) (٤٠٩/٢).
.
٣٧٢

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
الأخير، وقيل: بانقضاء السنة، بناءً على أنها لا تختص بالعشر الأخير بل هي
في رمضان، انتهى.
وفي ((شرح الإحياء)): قال المحاملي في ((التجريد)): مذهب الشافعي أنها
تُلْتَمَسُ في جميع شهر رمضان وآكده العشر الأواخر، وآكده ليالي الوتر من
العشر الأواخر، والمشهور من مذهب الشافعي اختصاصها بالعشر الأواخر،
انتھی .
وفي ((الشرح الكبير))(١) للدردير: ندب الاعتكاف برمضان لكونه سيد
الشهور وبالعشر الأواخر منه لليلة القدر الغالبة به أي في رمضان أو في العشر
الأواخر، وذكر الضمير باعتبار الزمن، وفي كونها دائرة بالعام كله أو برمضان
خاصة خلافٌ، وانتقلت (٢) على كل من القولين، فلا تختص بليلة معينة في
العام على الأول ولا في رمضان على الثاني، وقيل: تختص بالعشر الأواخر
من رمضان، وتنتقل أيضاً.
قال الدسوقي: قوله: ((في كونها دائرة بالعام)) هو ما صححه في
((المقدمات)) حيث قال: وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأكثر أهل العلم، وهو
أولى الأقاويل، وقوله: ((أو دائرة في رمضان)» هو الذي شهره ابن غلّب،
انتھی .
وتمام كلام (المقدمات)) بعد ذكر الأقاويل المختلفة ما نصه؛ الثالث:
أنها ليست في ليلة بعينها، وأنها تنتقل في الأعوام، وإلى هذا ذهب مالك
والشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم، وهو أصح الأقاويل وأولاها
بالصواب، لأن الأحاديث كلها تستعمل على هذا، واستعمالها كلها أولى من
(١) (١/ ٥٥٠).
(٢) كذا في الأصل، والظاهر ((تنتقل)) بلفظ المضارع.
٣٧٣

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
استعمال بعضها واطراح سائرها، لا سيما وهي كلها أحاديث صحاح ثابتة، لا
مطعن فيها لأحد، فيحمل حديث أبي سعيد على ذلك العام بعينه، وحديث
عبد الله بن أنيس على ذلك العام بعينه، وأمره عليه السلام بالتماسها في العشر
الأواخر على ذلك العام بعينه، وكذلك الأمر بالتماسها في السبع الأواخر في
ذلك العام بعينه، انتهى مختصراً .
وقال الزرقاني(١) في بيان الأقاويل: كونها في جميع السنة قول مشهور
المالكية والحنفية، وجزم ابن الحاجب بكونها مختصة برمضان رواية عن
مالك، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٢): وليلة القدر دائرة في رمضان اتفاقاً إلا أنها تتقدم
وتتأخر، خلافاً لهما، وثمرته فيمن قال بعد ليلة منه: أنت حر أو أنت طالق
ليلة القدر، فعنده لا يقع حتى ينسلخ شهر رمضان الآتي لجواز كونها في الأول
في الأولى، وفي الآتي في الأخيرة، وقالا: يقع إذا مضى مثل تلك الليلة في
الآتي، ولا خلاف أنه لو قال قبل دخول رمضان وقع بمضيه، قال ابن عابدين:
ما ذكر عن الإمام هو قول له، وذكر في ((البحر)) عن ((الخانية)): أن المشهور
عن الإمام أنها تدور في السنة كلها، قد تكون في رمضان، وقد تكون في
غيره، انتهى.
قال الحافظ(٣): كونها ممكنة في جميع السنة هو قول مشهور عن
الحنفية، حكاه قاضيخان وأبو بكر الرازي منهم، وروي مثله عن ابن مسعود
وابن عباس وعكرمة، وكونها مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه، وهو قول
ابن عمر .
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٢٠/٢).
(٢) (٤٩٨/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٢٦٣/٤).
٣٧٤

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
وفي ((شرح الهداية)): الجزم به عن أبي حنيفة - رحمه الله -، وقال به
ابن المنذر والمحاملي وبعض الشافعية، ورجحه السبكي في ((شرح المنهاج»،
وحكاه ابن الحاجب رواية، وقال السروجي في ((شرح الهداية)): قول
أبي حنيفة: إنها تنتقل في جميع رمضان، وقال صاحباه: إنها في ليلة معينة
مبهمة، انتھی.
وقال الحافظ: كونها ليلة سبع وعشرين هو الجادة من مذهب أحمد.
ورواية عن أبي حنيفة، وبه جزم أُبيّ بن كعب وحلف عليه، كما أخرجه
مسلم، وروى مسلم أيضاً من طريق أبي حازم عن أبي هريرة، قال: تذاكرنا
ليلة القدر، فقال رسول اللّه وَالر: ((أيّكم يذكر حين طلع القمر كأنه شق جفنة؟))
قال أبو الحسن الفارسي: أي ليلة سبع وعشرين، فإن القمر يطلع فيها بتلك
الصفة، ورواه ابن أبي شيبة عن عمر وحذيفة وناس من الصحابة.
وفي الباب عن ابن عمر عند مسلم: ((رأى رجل ليلة القدر ليلة سبع
وعشرين))، ولأحمد من حديثه مرفوعاً: ((ليلة القدر ليلة سبع وعشرين))، ولابن
المنذر: ((من كان متحرِّها فليتحرَّها ليلة سبع وعشرين))، وعن جابر بن سمرة
نحوه، أخرجه الطبراني في ((أوسطه))، وعن معاوية نحوه، أخرجه أبو داود،
وحكاه صاحب ((الحلية)) من الشافعية عن أكثر العلماء.
واستنباط ابن عباس(١) عند عمر - رضي الله عنه - فيه وموافقته له على
قوله: سابعة تبقى أو تمضي، بقوله: ((خلق الله سبع سموات وسبع أرضين،
وسبعة أيام، والدهر يدور في سبع، والإنسان خلق من سبع، ويأكل من سبع،
ويسجد على سبع، والطواف والجمار)) وذكر أشياء معروفة.
وزعم ابن قدامة(٢): أن ابن عباس استنبط ذلك من عدد كلمات السورة،
(١) انظر ((الاستذكار)) (٣٣٨/١٠).
(٢) («المغني)) (٤٥١/٤).
٣٧٥

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
وقد وافق قوله فيها ((هي)) (١) سابع كلمة بعد العشرين، وهذا نقله ابن حزم عن
بعض المالكية، وبالغ في إنكاره(٢)، وقال: إنه من طرائف الوسواس، ولو لم
يكن فيه أكثر من دعواه أنه وقف على ما غاب من ذلك عن رسول الله وَله،
كذا في ((شرح الإحياء)).
وقال أيضاً: بكونها سبع(٣) وعشرين قال جمع كثير من الصحابة
وغيرهم، وكان أُبيّ بن كعب يحلف عليه، وفي ((مصنف ابن أبي شيبة)) عن
زِرّ بن حبيش: كان عمر وحذيفة وأناس من أصحاب رسول الله وَل لا يشكّون
فيها، وحكاه الشاشي في ((الحلية)) عن أكثر العلماء، وقال النووي في ((شرح
المهذب)): إنه مخالف لنقل الجمهور، انتهى.
وفي ((الدر المختار)) وهامشه: إذا علَّق عامي غير فقيه طلاقَ امرأته بليلة
القدر يقع ليلة سبع وعشرين، لأن العوام يسمونها ليلة القدر، فينصرف حلفه
إلى ما تعارف عنده، كما هو أحد الأقوال فيها، وله أدلة كثيرة من الحديث،
وأجاب عنها الإمام بأن ذلك كان في ذلك العام، انتهى.
وقال الحافظ بعد سرد الأقوال: وأرجحها كلِّها: أنها في وتر من العشر
الأخير، وأنها تنتقل، كما يفهم من أحاديث هذا الباب، وأرجاها أوتار العشر،
وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين،
وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين.
وقال الغزالي في ((الإحياء)): الاعتكاف في المسجد لا سيما في العشر
٠ -
(١) أي كلمة ((هي)) يعني أن ضمير ليلة القدر ((هي)) فيها إشارة إلى أنها ليلة ٢٧.
(٢) ((فتح الباري)) (٢٦٥/٤) حكاه النووي في ((المجموع)) (٤٦٠/٦)، وانظر: ((القبس))
(٥٣٦/٢)، و((تفسير القرطبي)) (١٣٦/٢٠).
(٣) أي ليلة سبع وعشرين.
٣٧٦
.----

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
الأخير هو عادة رسول الله وَل#، إذ فيها ليلة القدر، والأغلب أنها في أوتارها،
قلت: وهذا القول يعني أنها تنتقل في أوتار العشر الأواخر هو مختار شيخنا
الشاه عبد العزيز في ((تفسيره)).
وقال الحافظ: عليه يدل حديث عائشة وغيرها في هذا الباب، وهو
أرجح الأقوال وصار إليه أبو ثور والمزني وابن خزيمة وجماعة من علماء
المذهب، انتهى.
وقال شارح ((الإحياء)): وفي ((كتاب الشريعة)) للشيخ الأكبر: منهم من
قال: إنها في السنة كلها تدور، وبه أقول، فإني رأيتها مرتين في شعبان في ليلة
النصف منه، وفي ليلة تسعة عشر منه بالبيت المقدس، كما أني قد رأيتها في
ليلتين في العشر الأوسط من شهر رمضان في ليلة ثلاثة عشر، وفي ليلة ثمانية
عشر، فما ندري أشيء كان في رؤية الهلال؟ فوقع الأمر على خلاف الرؤية أم
تكون أيضاً في ليلة سبع من الشهر، وقد رأيتها في كل وتر من العشر الأخير
من شهر رمضان، فأنا على يقين من أنها في السنة تدور، وهي في رمضان أكثر
وقوعاً على ما رأيت، والله أعلم.
وفي (حجة الله البالغة)) (١) لشيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي: اعلم
أن ليلة القدر ليلتان؛ إحداهما: ليلة فيها يُفرق كل أمر حكيم، وفيها نزل القرآن
جملة واحدة، ثم نزل نجماً، نجماً، وهي ليلة في السنة، لا يجب أن تكون في
رمضان، نعم رمضان مظنة غالبة لها، واتفق أنها كانت في رمضان عند نزول
القرآن .
والثانية: يكون فيها نوع من انتشار الروحانية ومجيء الملائكة إلى
الأرض، فيتفق المسلمون فيها على الطاعات، فتعاكس أنوارهم فيما بينهم،
(١) (١٤٤/٢).
٣٧٧

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
١
ويتقرب منهم الملائكة، ويتباعد منهم الشياطين، ويستجاب منهم أدعيتهم
وطاعاتهم، وهي ليلة في كل رمضان في أوتار العشر الأواخر، تتقدم وتتأخر
فيها، ولا تخرج منها، فمن قصد الأولى قال: هي في كل السنة، ومن قصد
الثانية، قال: هي في العشر الأواخر من رمضان، انتهى.
وسادساً: اختلفوا في حكمة إخفائها، قال الرازي(١): إنه تعالى أخفى
هذه الليلة لوجوه: أحدها: أنه تعالى أخفاها كما أخفى سائر الأشياء، فإنه
أخفى رضاه في الطاعات حتى يرغبوا في الكل، وأخفى سخطه في المعاصي
ليحترزوا عن الكل، وأخفى وليّه فيما بين الناس حتى يعظموا الكل، وأخفى
الإجابة في الدعاء ليُبالغوا في كل الدعوات، وأخفى الاسم الأعظم ليُعَظِّموا
كل الأسماء، وأخفى الصلاة الوسطى ليُحافظوا على الكل، وأخفى قبول التوبة
ليواظب المكلف على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت الموت ليخاف
المكلف، فكذا أخفى هذه الليلة ليعظموا جميع ليالي رمضان.
وثانيها: كأنه تعالى يقول: لو عينت هذه الليلة وأنا أعلم بتجاسركم على
المعصية، فربما دعتك الشهوة في تلك الليالي إلى المعصية، فوقعت في
الذنب، فكانت معصيتك مع علمك أشدّ من معصيتك لا مع علمك.
روي أنه عليه السَّلام دخل المسجد، فرأى نائماً، فقال: ((يا علي نبِّهه
ليتوضأ)»، فأيقظه علي - رضي الله عنه -، ثم قال علي - رضي الله عنه -: يا
رسول الله إنك سبّاق إلى الخيرات، فلِمَ لم تنبِّهْه؟ فقال: ((لأن ردّه عليّ كفر،
وردّه عليك ليس بكفر، ففعلت ذلك لتخِفَّ جنايته لو أبى))، فإذا كان هذا رحمة
الرسول فقس رحمة الرب، فكأنه تعالى يقول: إذا علمت ليلة القدر فإن أطعت
فيها اكتسبت ثواب ألف شهر، وإن عصيت فيها اكتسبت عقاب ألف شهر،
ورفع العقاب أولى من جلب الثواب.
(١) ((تفسير الرازي)) (٢٧/٣٢ - ٣٠).
٣٧٨

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
وثالثها: أُخْفِيت هذه الليلة حتى يجتهد المكلف في طلبها، فيكتسب
ثواب الاجتهاد.
ورابعها: أن العبد إذا لم يتيقن، فإنه يجتهد في الطاعة في جميع ليالي
رمضان على رجاء أنه ربما كانت هذه الليلة هي ليلة القدر، فيباهي الله تعالى
بهم للملائكة ويقول: كنتم تقولون فيهم: يفسدون ويسفكون، فهذا جِدُّه
واجتهاده في الليلة المظنونة فكيف لو جعلتها معلومة، انتهى.
وسابعاً: اختلفوا في هل يحصل الثواب المترتب عليها لمن قامها وإن لم
يظهر له شيء؟ وذهب إليه الطبري والمهلب وابن العربي وجماعة، أو يتوقف
على كشفها له؟ وإليه ذهب الأكثر، ويستدل له بما في مسلم عن أبي هريرة:
((من يقم ليلة القدر فيوافقها)). قال النووي: أي يعلم أنها ليلة القدر. وهو
أرجح في نظري، ويحتمل أن المراد في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك،
وفرعوا على اشتراط العلم أنه يختص بها شخص دون آخر، وإن كانا في بيت
واحد، قاله الزرقاني(١).
وقال أيضاً في موضع آخر: قال في ((شرح التقريب)): معنى توفيقها له أو
موافقته لها أن يكون الواقع أن تلك الليلة التي قام فيها بقصد ليلة القدر، هي
ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك، وقول النووي: معنى
الموافقة: أن يعلم أنها ليلة القدر، مردود، وليس في اللفظ ما يقتضيه ولا
المعنى يساعده، وقال الحافظ(٢): الذي يترجح في نظري ما قاله النووي، ولا
أنكر الثواب الجزيل لمن قام لابتغائها، وإن لم يعلم بها، ولم توفَّق له، وإنما
الكلام على حصول الثواب المعين الموعود، انتهى.
(١) (٢٢١/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٢٦٧).
٣٧٩

١٧ - كتاب الصيام
(٢٣) باب
(٦٢١) حديث
٦٢١/ ٦١ - حَدّثني زِيَادٌ عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن
الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ
حَالحاليه
وسلم
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوُسُطَ
٦١/٦٢١ - (مالك) هكذا في جميع النسخ الهندية والزرقاني (١)، وفي
النسخ المصرية غير نسخة الزرقاني: زيد قبل ذلك ((حدثني زياد))، وهذا مبني
على أن الثابت في الروايات أن يحيى لم يسمع عن مالك من آخر الاعتكاف،
فمن ذكر باب القدر بعد أبواب الاعتكاف ذكر فيه واسطة زياد، ومن ذكره قبل
الاعتكاف لم يذكرها، والأوجه حذفها لأن المذكور في المقدمة أن يحيى لم
يسمع ثلاثة أبواب من آخر الاعتكاف، والأبواب الثلاثة تتم من باب خروج
المعتكف، وزيدت في النسخ المصرية في هذه الأبواب الثلاثة أيضاً واسطة
زياد، فلو صحت الواسطة ههنا لزيدت الأبواب التي لم يسمعها يحيى على
ثلاث، فتأمل.
(عن يزيد) بتحتية قبل الزاي (ابن عبد الله بن الهاد) بدون الياء بعد الدال
عند المحدثين، (عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي) القرشي المدني (عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف) وليست في النسخ المصرية زيادة ابن عوف
ولا ضير في ذلك (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك؛ (أنه قال: كان
رسول الله (*) قال ابن عبد البر: هذا أصح حديث يروى في هذا الباب، كذا
في ((التنوير)) (٢). (يعتكف) أي في مسجده وَّ (العشر الوسط) قال الباجي(٣):
وقع في كتابي مقيداً بضم الواو والسين، ويحتمل عندي أن يكون جمع واسط،
قال صاحب ((العين)): واسط الرجل ما بين قادمته وآخرته، وقال أبو عبيد:
(١) وهكذا في نسخة ((الاستذكار)) (٣١٩/١٠) أيضاً.
(٢) ((تنوير الحوالك)) (٢٩٧/١٠).
(٣) ((المنتقى)) (٨٧/٢).
٣٨٠