النص المفهرس

صفحات 301-320

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١٣) حديث
٥٣/٦١٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ كَانَ عَلَيْهِ فَضَاءُ رَمَضَانَ فَلَمْ
يَقْضِهِ، وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى صِيَامِهِ، حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ، فَإِنَّهُ يُظْعِمُ،
مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ، مِسْكِيناً، مُدَّاً مِنْ حِنْطَةِ، وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْقَضَاءُ.
٥٣/٦١٣ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن الصديق
الأكبر - رضي الله عنه - (عن أبيه) القاسم بن محمد أحد الفقهاء بالمدينة، (أنه
كان يقول: من كان عليه قضاء رمضان فلم يقضه)، في سائر السنة. (وهو قوي
على صيامه)، أي: قادر على قضائه، ولم يمنعه عذر عن القضاء، (حتى جاء
رمضان آخر، فإنه يطعم) وجوباً عند المصنف، (مكان كل يوم، مسكيناً، مداً
من حنطة، وعليه مع ذلك) أي مع إيجاب الفدية (القضاء) أيضاً واجب، وإذا
لم يصم أحد رمضان لعذر، ولم يفرط في القضاء بأن اتصل عذره إلى رمضان
آخر، فقيل: يصوم الثاني إن أدركه صحيحاً، ويطعم عن الأول ولا قضاء عليه.
ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور: يصوم الثاني، ثم يقضي الأول، ولا
فدية عليه، لأنه لم يفرط، ولأن تأخير الأداء للعذر جائز، فالقضاء أولى، قاله
الزرقاني.
قال الموفق (١): من عليه صوم من رمضان فله تأخيره ما لم يدخل رمضان
آخر، لما روت عائشة: ((يكون عليّ الصيامُ من شهر رمضان، فما أقضيه حتى
يجيء شعبان))، متفق عليه، ولا يجوز له التأخير إلى رمضان آخر من غير عذر،
لأن عائشة لم تؤخر، ولو أمكنها لأخرت، فإن أخّره عن رمضان آخر نظرنا،
فإن كان لعذر فليس عليه إلا القضاء، وإن كان لغير عذر فعليه مع القضاء إطعام
مسكين لكل يوم، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق، وقال
الحسن والنخعي وأبو حنيفة: لا فدية عليه، انتهى.
(١) ((المغني)) (٤٠٠/٤).
٣٠١

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١٣) حديث
وفي ((الشرح الكبير))(١) للدردير: وجب إطعام قدر مده وّ لمفرِّط في
قضاء رمضان لمثله أي: إلى أن دخل رمضان الثاني، ولا يتكرر المدُّ بتكرر
المثل، انتهى. قال الدسوقي: فإذا كان عليه يومان من رمضان، ومضى على
ذلك ثلاث رمضانات أو أكثر فإنه إنما يلزمه مدان، انتهى.
وفي ((الروض المربع))(٢): لا يجوز تأخير قضائه إلى رمضان آخر بغير
عذر، فإن فعل حرم، وعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم ما يجزئ في
كفارة .
وفي ((شرح الإقناع))(٣): ومن أخّر قضاء رمضان مع إمكانه حتى دخل
رمضان آخر لزمه مع القضاء لكل يوم مُدّ، ويتكرر المدُّ إذا لم يخرجه بتكرر
السنين، انتهى.
قال الحافظ(٤) بعد ذكر من قال بالفدية من الصحابة: وهو قول
الجمهور، وخالف في ذلك إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه، ومال
الطحاوي إلى قول الجمهور في ذلك.
قال الشوكاني(٥): واختلف القائلون بالفدية: هل يسقط القضاء بها أم
لا؟ فذهب الأكثر منهم إلى أنه لا يسقط، وقال ابن عباس وابن عمر وقتادة
وسعيد بن المسيب: إنه يسقط، قال الحافظ: روى عبد الرزاق وابن المنذر
وغيرهما من طرق صحيحة عن نافع عن ابن عمر، قال: من تابعه رمضانان
(١) (١/ ٥٣٧).
(٢) (٤٣٥/١).
(٣) (٤٠٠/٣).
(٤) ((فتح الباري)) (١٩٠/٤).
(٥) ((نيل الأوطار)) (٢٧٨/٤).
٣٠٢

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١٣) حديث
٠ ٠
وهو مريض لم يصح بينهما، قضى الآخر منهما بصيام، وقضى الأول منهما
بإطعام مُدٍّ من حنطة كل يوم، ولم يصم، قال الطحاوي: تفرد ابن عمر بذلك،
قال الحافظ: لكن عند عبد الرزاق عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد قال:
بلغني مثل ذلك عن عمر - رضي الله عنه - إلا أن المشهور عن عمر - رضي الله
عنه - خلافه، ونقله ابن المنذر عن ابن عباس وقتادة، انتهى.
قال الخطابي(١): وممن ذهب إلى إيجاب الكفارة على من أخّر القضاء
إلى أن يدركه شهر رمضان من قابلٍ، أبو هريرة وابن عباس، وهو قول عطاء
والقاسم بن محمد والزهري، وإليه ذهب مالك والثوري والشافعي وأحمد بن
حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال الحسن والنخعي: يقضي وليس عليه فدية،
وإليه ذهب أصحاب الرأي، وقال سعيد بن جبير وقتادة: يطعم ولا يقضي،
انتهى .
قلت: ومال البخاري إلى قول الحنفية في ذلك، واستدل عليه بقوله:
ولم يذكر الله الإطعام، وإنما قال: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾. قال الحافظ(٢):
لكن إنما يقوى ما احتج به إذا لم يصح في السنة دليل الإطعام، إذ لا يلزم من
عدم ذكره في الكتاب أن لا يثبت بالسنة، ولم يثبت فيه شيء مرفوع، إنما جاء
فيه عن جماعة من الصحابة، ونقل الطحاوي عن يحيى بن أكثم، قال: وجدته
عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم فيه مخالفاً، انتهى.
قال الشوكاني (٣): لم يثبت في ذلك عن النبي ◌ّ شيء، وأقوال الصحابة
لا حجة فيها، وذهاب الجمهور إلى قول لا يدل على أنه الحق، والبراءة
(١) ((معالم السنن)) (٣٢٧/٢).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (١٩٠/٤).
(٣) ((نيل الأوطار)) (٢١٢/٣).
٣٠٣

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١٣) حديث
الأصلية قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية، حتى يقوم الدليل
الناقل عنها، ولا دليل ههنا، فالظاهر عدم الوجوب، انتهى.
قلت: لا شك أن الظاهر عدم الوجوب، لكن قوله: أقوال الصحابة لا
حجة فيها مردود، وباطل كيف؟ وأقوالهم فيما لا يُدْرك به في حكم المرفوع،
وكذا قوله: ذهاب الجمهور إلى قول لا يدل على أنه الحق، عدول عن الحق،
إلا أن في المسألة التي نحن فيها لا حجة في قول الجمهور، لما أن مخالفيهم
أيضاً جماعة مثلهم بل من أكابرهم، فالأوجه في الاستدلال ما احتج به الإمام
البخاري، كما تقدم.
والأصل في ذلك أن قوله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ مطلق، لا
يختص بزمان دون زمان، وتقييده بأخبار الآحاد نسخ لإطلاق الكتاب، لا يصح
إلا بالمتواتر أو المشهور ولم يوجد.
قال الجصاص في ((أحكام القرآن))(١): قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾(٢)
قد دل على جواز التفريق، وعلى جواز التأخير، وعلى أن لا فدية عليه، لأن
في إيجاب الفدية مع القضاء زيادة في النص، ولا تجوز الزيادة في النص إلا
بنص مثله، وقد اتفقوا على أن تأخيره إلى آخر السنة لا يوجب الفدية، وإن
الآية إنما أوجبت قضاء العدة دون غيرها من الفدية، ومعلوم أن قضاء العدة في
السنة الثانية واجب بالآية، فغير جائز أن يكون المراد في بعض ما انتظمته الآية
القضاء دون الفدية، وفي بعضه القضاء والفدية مع دخولهما فيه على وجه
واحد .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال رجل: يا رسول الله، عليّ أيام
(١) انظر: (٢١٠/١).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٥.
٣٠٤

١٧ - كتاب الصيام
(١٩) باب
(٦١٣) حديث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ مِثْلُ ذَلِكَ .
من رمضان، أفأُفَرِّق بينه؟ قال: ((نعم، أرأيت لو كان عليك دَيْنٌ فقضيته متفرقاً
أكان يجزئك؟)) قال: نعم، قال: ((فإن الله أحق بالتجاوز والعفو))، ففيه أن
تأخيره لا يوجب الفدية من وجهين؛ أحدهما: أنه لم يذكر الفدية عند ذكر
التفريق، ولو كان تأخيره يوجب الفدية لبَيَّنَه بَله، والثاني: تشبيهه إياه بالدين،
ومعلوم أن تأخير الدين لا يُلزمه شيئاً غير قضائه، فكذلك ما شبّهه به من قضاء
رمضان، انتهى بتغير واختصار.
وقال صاحب ((البدائع)): القول بالفدية باطل، لأنها تجب خلفاً عن
الصوم عند العجز عن تحصيله، عجزاً لا ترجى معه القدرة عادة، كما في حق
الشيخ الفاني، ولم يوجد العجز، لأنه قادر على القضاء، فلا معنى لإيجاب
الفدية، انتهى. وفي ((الجوهر النقي)) (١) عن ((الاستذكار)): قال داود: من أوجب
الفدية على من أخّر القضاء حتى دخل رمضان آخر، ليس معه حجة من كتاب
ولا سنة ولا إجماع.
(مالك، أنه بلغه عن سعيد بن جبير) من فقهاء التابعين (مثل ذلك) أي
المذكور عن القاسم بن محمد، وقد أخرج ابن أبي شيبة في قضاء رمضان في
العشر عن عطاء وطاوس ومجاهد، قالوا: اقض رمضان متى شئت، وقال
سعيد بن جبير: لا بأس به، وذكر البخاري في ((صحيحه)): قال إبراهيم: إذا
فرَّط حتى جاء رمضان آخر يصومهما، ولم ير عليه إطعاماً .
قال الحافظ (٢): وصله سعيد بن منصور من طريق يونس عن الحسن،
ومن طريق الحارث العكلي عن إبراهيم، قال: إذا تتابع عليه رمضانان
صامهما، فإن صح بينهما فلم يقض الأول فبئس ما صنع، فليستغفر الله
(١) (الجوهر النقي)) على هامش ((السنن الكبرى)) (٢٥٢/٤)، و((الاستذكار)) (٢٢٦/١).
(٢) ((فتح الباري)) (١٩٠/٤).
٣٠٥

١٧ - كتاب الصيام
(٢٠) باب
(٦١٤) حديث
(٢٠) باب جامع قضاء الصيام
٥٤/٦١٤ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
صَلَى اللّهِ
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ
تَقُولُ: إِنْ كَانَ لَيَكُوْنُ عَلَيَّ
وسام
وليصم، وقال البيهقي: روينا عن ابن عمر وأبي هريرة في الذي لم يصم حتى
أدرك رمضان: يطعم ولا قضاء عليه، وعن الحسن وطاووس والنخعي: يقضي
ولا كفارة عليه، كذا في ((العيني))(١).
(٢٠) جامع قضاء الصيام
٥٤/٦١٤ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري، وفي رواية البخاري:
عن يحيى فقط، بدون نسبة إلى أبيه، قال الحافظ: هو ابن سعيد الأنصاري، ووهم
الكرماني تبعاً لابن التين، فقال: هو يحيى بن أبي كثير، وغفل عما أخرجه مسلم،
فقال في نفس السند: عن يحيى بن سعيد، وهذا هو الأنصاري، وذهل مغلطاي،
فنقل عن الحافظ الضياء: أنه القطان، وليس كما قال، فإن الضياء حكى قول من
قال: إنه يحيى بن أبي كثير، ثم ردّه، وجزم بأنه يحيى بن سعيد، ولم يقل:
القطان، ولا جائز أن يكون القطان، لأنه لم يدرك أبا سلمة، انتهى.
قلت: وما قال العيني: الحديث أخرجه النسائي (٢) برواية يحيى القطان،
مراده رواية يحيى القطان عن يحيى بن سعيد الأنصاري.
(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف، وفي رواية الإسماعيلي:
سمعت أبا سلمة، كذا في ((الفتح))، قلت: وهكذا بتصريح السماع أخرجه
النسائي وغيره (أنه سمع عائشة) - رضي الله عنها - (زوج النبي ◌ُّ تقول: إن)
بكسر الهمزة، وسكون النون مخففة من المثقلة (كان ليكون عليّ) بشد الياء
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (١٤٨/٨).
(٢) ((سنن النسائي)) (١٩١/٤).
٣٠٦

١٧ - كتاب الصيام
(٢٠) باب
(٦١٤) حديث
الصِّيَامُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَصُومُهُ حَتَّى بَأْتِيَ شَعْبَانُ.
أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٤٠ - باب متى يقضي قضاء
رمضان .
ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٢٦ - باب قضاء رمضان في شعبان،
حديث ١٥١.
وتكرير الكون، لتحقق القصّة وتعظيمها، والتعبير بلفظ الماضي أوَّلاً،
والمضارع ثانياً، لإرادة الاستمرار وتكرر الفعل، قاله الزرقاني (١).
قال العيني: وتقديره كان الشأن يكون كذا، وقيل: لفظة ((يكون)) زائدة،
انتهى. (الصيام) أي قضاؤه (من رمضان) تريد أياماً من رمضان لم يمكنها
صومها فيها بحيض أو مرض أو غير ذلك، (فما أستطيع) أي أقدر (أن أصومه
حتى يأتي شعبان) زاد البخاري: قال يحيى - أي ابن سعيد -: الشغل من
النبي ◌َّ أو بالنبي ◌َّل، أي يمنعني الشغل، لأنها كانت مهيئة نفسها لاستمتاعه
بها في جميع أوقاتها إن أراد ذلك، ولا تعلم متى يريده، ولم تستأذنه في
الصوم مخافة أن يأذن، وقد يحتاجها، فتفوتها عليه، وهذا من الأدب، وفي
رواية مسلم: قال يحيى: ((فظننت أن ذلك لمكانها من النبي (وَ لَ)).
قال ابن عبد البر(٢): وهذا التعليل ليس بشيء؛ لأن شغل سائر أزواجه
كشغلها أو قريب منه، لأنه أعدل الناس، حتى قال: ((اللَّهم هذا قسمي فيما
أملك، فلا تلمني فيما لا أملك)»، وإنما أخّرت ذلك للرخصة والتوسعة،
واستدل من أنكر التعليل بأن ذكر الشغل إنما هو من قول يحيى، لا من قولها،
كما في رواية البخاري بلفظ: قال يحيى: الشغل برسول الله وَّ﴾، وكذا في
مسلم من حديث ابن رافع عن يحيى قال: فظننت ذلك لمكان النبي وَلا،
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٩٣/٣).
(٢) ((الاستذكار)) (٢٢٩/١٠).
٣٠٧

١٧ - كتاب الصيام
(٢٠) باب
(٦١٤) حدیث
ولسقوط هذه العلة جملةً من حديث سفيان، كذا في ((الإكمال))(١).
وتُعُقِّب بأن في رواية مسلم والنسائي عن عائشة: إن كانت إحدانا لتفطر
في رمضان في زمان رسول الله وَلّر، فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله وَل حتى
يأتي شعبان، ولذا قال عياض: هذا نص منها على علة ذلك، وردّ على من
ضعف التعليل به، وقال: إنما فعلته للرخصة لا للشغل.
واستشكل بأنه وَّر كان يقسم ويعدل، وله تسع نسوة فما تأتي نوبة
الواحدة إلا بعد ثمانية أيام، فكان يمكن كل واحدة أن تقضي في تلك الأيام،
وأجاب عنه القرطبي بأن القسم لم يكن واجباً عليه فهن يتوقعن حاجته في كل
الأوقات، قاله الزرقاني(٢).
قلت: والأوجه في الجواب ما في الحاشية عن ((المحلى)): أن القسم في
المبيت في الليل دون النهار، وقال القاري(٣): الشغل المانع كان ثابتاً من جهته
أو اشتغالها بخدمته وير هو المانع من القضاء، انتهى.
واختلفوا في معنى قولها: ((حتى يأتي شعبان))، فقيل: ذلك لأن تأخير
القضاء غير ممنوع قبل شعبان، وأنه ممنوع في شعبان، فيقتضي ذلك أن يكون
هذا آخر وقت القضاء لغير المفرط، وأن المؤخر بعده يُعَدُّ مفرطاً، وهذا مختار
الباجي، وأكثر الشُّراح على أنه وُ ◌ّر كان يصوم شعبان كله أو أكثره، فتتفرغ فيها
لقضاء صومها .
... .. . .
وفي الحديث: أن حق الزوج من العشرة والخدمة يُقدَّم على سائر
الحقوق ما لم يكن فرضاً محصوراً في الوقت، وقيل: قول عائشة: ((فما
(١) (٨٩/٤) .
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٩٤/٢).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨١/٤).
٣٠٨

١٧ - كتاب الصيام
(٢٠) باب
(٦١٤) حديث
٠ ٠
أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان)) يدل على أنها كانت لا تتطوع بشيء من
الصيام لا في عشر ذي الحجة، ولا في عاشوراء ولا في غيرهما، وهو مبني
على أنها ما كانت ترى جواز صيام التطوع لمن عليه دين من رمضان، ولكن
من أين ذلك لمن يقول به والحديث ساكت عن هذا؟، قاله العيني(١).
قلت: ويحتاج إلى القول بذلك من قال: إنه لا يجوز التطوع بصوم لمن
يجب عليه قضاؤه، ومن لم يقل بذلك كالحنفية فلا إشكال لهم بذلك الاحتمال
أنها - رضي الله عنها - تتطوع ولا تقضي، والفرق بينهما: أن المتطوع أمير
نفسه، فيفطر إذا احتاج إليه، بخلاف القاضي لرمضان فلا يجوز له الفطر، ولذا
قال ◌َّ لأم هانئ - رضي الله عنها -: ((أكنت تقضين شيئاً؟))، قالت: لا، قال:
((فلا يضرك إن كان تطوعاً))(٢).
وأخرج أبو داود(٣) وغيره عن عائشة قالت: أهدي لي ولحفصة طعام،
وكنا صائمتين فأفطرنا، ثم دخل رسول الله مَل﴾، فقلنا له: يا رسول الله إنا
أهديت لنا هدية، فاشتهيناها فأفطرنا، فقال رسول الله وَ ل: ((لا عليكما، صوما
يوماً مكانه)).
وقد أخرج ابن أبي شيبة (٤) عن سعد بن إبراهيم قال: كان ممن يكثر
الصَّوم ابن عمر وعائشة وسعيد بن المسيب، وفي الحديث حجة للجمهور: أن
القضاء لا يجب على الفور، إذ لو منع التأخير لم يقرها وَلجر، وأوجبه داود من
ثاني شوال، فإن أخّره أثم، وحديث الباب يرد عليه، قاله الزرقاني.
(١) ((عمدة القاري)) (١٥٠/٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٤٥٦).
(٣) أخرجه أبو داود (٥٤٥٧).
(٤) انظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٤٢٥/٣).
٣٠٩

١٧ - كتاب الصيام
(٢٠) باب
(٦١٤) حديث
وفي ((نيل المآرب)): من فاته رمضان كله قضى عدد أيامه، وسُنَّ القضاء
على الفور والتتابع لمن فاته عدد من أيام رمضان، إلا إذا بقي من شعبان بقدر
ما عليه من الأيام فيجب التتابع، وفي ((الشرح الكبير)) (١) للدردير: ندب تعجيل
القضاء لما فات من رمضان، لأن المبادرة إلى الطاعة أولى، انتهى.
قال الأبي(٢): كونه ليس على الفور ذكر ابن بشير أنه متفق عليه في
المذهب، ثم ذكر بعض الخلاف فيه.
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٣): قال تعالى: ﴿فَعِذَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ
أُخَرَّ﴾، فأوجب العدَّة في أيام غير معيّنة في الآية، فقال أصحابنا: جائز له أن
يصوم أي وقت شاء، ولا يحفظ عنهم رواية في جواز تأخيره إلى انقضاء
السنة، والذي عندي: أنه لا يجوز تأخيره إلى أن يدخل رمضان آخر، وهو
عندي على مذهبهم، وذلك لأن الأمر عندهم إذا كان غير موقَّت فهو على
الفور، وقد بيّنا ذلك في أصول الفقه.
وإذا كان كذلك فلو لم يكن قضاء رمضان موقتاً بالسنة لما جاز له التأخير
عن ثاني يوم الفطر، إذ غير جائز أن يلحقه التفريط بالتأخير من غير علم منه
بآخر وقت وجوب الفرض الذي لا يجوز له تأخيره عنه، وإذا كان كذلك، وقد
علمنا أن مذهبهم جواز تأخير قضاء رمضان عن أول أوقات إمكان قضائه، ثبت
أن تأخيره موقت بمضي السنة، انتهى مختصراً.
قلت: لكنه خلاف ما في عامة الفروع، ففي ((الدر المختار)): وقضوا ما
قدروا بلا فدية ولا ولاء، لأنه على التراخي ولذا جاز التطوع قبله، ولو جاء
رمضان الثاني قدم الأداء على القضاء ولا فدية، انتهى.
(١) (١/ ٥١٦).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٦٠/٣).
(٣) (٢٠٩/١).
٣١٠
11-
.---

١٧ - كتاب الصيام
(٢١) باب
(٢١) باب صيام اليوم الذي يشك فيه
وفي ((المراقي)): المستحب التتابع وعدم التأخير عن زمان القدرة مسارعة
إلى الخير وبراءة للذمة، انتهى.
وفي ((شرح النقاية)): ولنا: إطلاق قوله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ من
غير قيد، فكان وجوب القضاء على التراخي، ولا يلزمه بالتراخي شيء غير أنه
تارك الأولى.
وقال ملك العلماء في ((البدائع)) (١): أما وقت وجوبه - أي القضاء - سائر
الأيام خارج رمضان، سوى الأيام الستة، لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾
أمر بالقضاء مطلقاً عن وقت معين، فلا يجوز تقييده ببعض الأوقات إلا بدليل.
والكلام في كيفية وجوب القضاء أنه على الفور أو على التراخي،
كالكلام في كيفية الوجوب في الأمر المطلق عن الوقت أصلاً، كالأمر
بالكفارات والنذور المطلقة ونحوها، وذلك على التراخي عند عامة مشايخنا،
ومعنى التراخي عندهم أنه يجب في مطلق الوقت غير معين، وخيار التعيين إلى
المكلف، ففي أي وقت شرع فيه تَعَيَّنَ ذلك الوقت للوجوب. وإن لم يشرع
يتضيَّقُ الوجوبُ عليه في آخر عمره في زمان يتمكن فيه من الأداء قبل موته،
وحكى الكرخي عن أصحابنا: أنه على الفور، والصحيح هو الأول، وعند
عامة أصحاب الحديث: الأمر المطلق يقتضي الوجوب على الفور، على
ما عرف في أصول الفقه، انتهى.
(٢١) صيام اليوم الذي يشُكُّ فيه
قال ابن الجوزي في ((التحقيق))(٢): لأحمد - رضي الله عنه - في هذه
(١) ((بدائع الصنائع)) (٢٦٤/٢).
(٢) انظر: ((نيل الأوطار)) (٢٢٨/٤).
٣١١

١٧ - كتاب الصيام
(٢١) باب
.----
المسألة - وهي ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قَتَر ليلة الثلاثين من
شعبان - ثلاثة أقوال؛ أحدها: يجب صومه على أنه من رمضان، ثانيها: لا
يجوز فرضاً ولا نفلاً مطلقاً، بل قضاء وكفارة ونذراً ونفلاً يوافق عادة، وبه قال
الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز عن فرض رمضان، ويجوز عما
سوى ذلك. ثالثها: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر، كذا في
((الفتح)).
وتوضيح ذلك أن السماء ليلة الثلاثين إن كانت مصحية، ولم يُرَ الهلال،
فهذا مصداق يوم الشك في المشهور عن الإمام أحمد، ولا يجوز صومه كما
تقدم في رؤية الهلال، وإن كانت السماء في هذه الليلة مُغَيَّمة، فعنه في ذلك
ثلاث روايات.
قال الخرقي: إن حال دون منظره غيمٌ أو قَتَرٌ وجب صيامه، وقد أجزأ
إذا كان من شهر رمضان. قال الموفق(١): اختلفت الرواية عن أحمد، فروي
عنه مثل ما نقل الخرقي، اختارها أكثرُ شيوخ أصحابنا، ورُوي عنه: أن الناس
تبعٌ للإمام، فإن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا، وهذا قول الحسن
وابن سيرين، لقول النبي ◌ُّر: ((الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون))،
قيل: معناه: أن الصوم والفطر مع الجماعة، ومعظم الناس. قال الترمذي:
هذا حديث حسن غريب، وعن أحمد رواية ثالثة: لا يجب صومه، ولا يجزئه
عن رمضان، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي
ومن تبعهم، انتهى.
وقال الخطابي (٢): اختلف الناس في معنى النهي عن صيام يوم الشك،
(١) ((المغني)) (٣٣٠/٤).
(٢) ((معالم السنن)) (٢٨٨/٢).
....
٣١٢

١٧ - كتاب الصيام
(٢١) باب
فقال قوم: إنما نهي عن صيامه إذا نوى به أن يكون عن رمضان، فأما من نوى
به عن صوم يوم شعبان فهو جائز، هذا قول مالك بن أنس وأصحاب الرأي
والأوزاعي، وقالت طائفة: لا يصام ذلك اليوم عن فرض ولا تطوع للنهي،
وليقع الفصل بذلك من شعبان ورمضان، هكذا قال عكرمة، وروي معناه عن
أبي هريرة وابن عباس، وكانت عائشة وأسماء تصومان ذلك اليوم، وكانت
عائشة تقول: لأن أصومَ يوماً من شعبان أحبُّ إليّ من أن أفطر يوماً من
رمضان، وكان مذهب ابن عمر صوم يوم الشك، إذا كان في السماء علة، وإليه
ذهب أحمد بن حنبل، وقال الشافعي: إن وافق يوم الشك يوماً يعتاد صومه
صامه وإلا لم یصمه، انتھی.
واختلفت نقلة المذاهب في ذلك بحيث يناقض بعضهم بعضاً، والعمدة
في ذلك ما في فروع الأئمة، ففي ((الروض المربع)) (١): إن لم ير الهلال مع
الصحو ليلة الثلاثين من شعبان أصبحوا مفطرين، وكره الصوم، لأنه يوم الشك
المنهي عنه، وإن حال دونه غيم أو قَتَرٌ، فظاهر المذهب: يجب صومه حكماً
ظنياً، احتياطاً بنية رمضان.
قال في ((الإنصاف)): وهو المذهب عند الأصحاب، ونصروه وصنفوا فيه
التصانيف، وردّوا حجج المخالف، وقالوا: نصوص أحمد تدل عليه، انتهى. وفي
((شرح الإقناع))(٢): ويكره صوم يوم الشك كراهة تنزيه، قال الأسنوي: وهو
المعروف المنصوص الذي عليه الأكثرون، والمعتمد في المذهب تحريمه كما في
((الروضة)) و((المنهاج)) و((المجموع))، إلا أن يوافق عادة له في تطوعه، وله صومه
عن قضاء أو نذر، فلو صامه بلا سبب لم يصح كيوم العيد بجامع التحريم.
فإن قيل: هلاّ استُحِبَّ صوم يوم الشك إذا أطبق الغيم، خروجاً من
(١) (٤١٠/١).
(٢) (٢٨٥/٢).
٣١٣

١٧ - كتاب الصيام
(٢١) باب
خلاف الإمام أحمد - رضي الله عنه - حيث قال بوجوب صومه حينئذ؟ أجيب
بأنّا لا نراعي الخلاف، إذا خالف سنة صريحة، وهي ههنا خبر: ((إذا غُمَّ
عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)) ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا
تحدث الناس برؤيته، أو شهد بها عدد ترد شهادتهم، كصبيان أو نساء أو عبيد
أو فَسقة، وظن صدقهم، وإنما لم يصح صومه عن رمضان، لأنه لم يثبت كونه
منهم، نعم من اعتقد صدقه يجب عليه الصوم، انتهى.
وقال الدردير(١): وإن غيمت السماء ليلة الثلاثين ولم ير الهلال فصبيحته
يوم الشك الذي نهي عن صومه على أنه من رمضان، وأما لو كانت السماء
مصحية لم يكن يوم شك، لأنه إن لم ير كان من شعبان جزماً، واعترضه ابن
عبد السلام بأن قوله عليه السلام: ((فإن غُمَّ عليكم فاقْدُروا له)) أي: أكملوا عدّة
ما قبله ثلاثين يوماً، يدل على أن صبيحة الغيم من شعبان جزماً، فالوجه أن
يوم الشك صبيحة ما تَحَدَّث فيه برؤية الهلال من لم تقبل شهادته، كعبد وامرأة
وفاسق، كما عند الشافعي، وصِيْم يوم الشك عادة وتطوعاً، أي بلا عادة
وقضاء، ولِنذرٍ صادفَ، لا احتياطاً على أنه إن كان من رمضان احتسب به،
وإلا كان تطوعاً، فلا يجوز أي يكره على الراجح، قال الدسوقي: وإذا صامه
وصادف أنه من رمضان فلا يجزئه لتزلزل النية، انتهى.
وأما عند الحنفية على المشهور في المذهب فيوم الشك هو يوم الثلاثين
من شعبان، وإن لم يكن في السماء علة لعدم اعتبار اختلاف المطالع وجواز
الرؤية ببلدة أخرى، كذا في ((الدر المختار))(٢) وشرحه، وفي ((الهداية)): لا
يصومون يوم الشك إلا تطوعاً، لقوله {وَ فيه: ((لا يُصَام اليوم الذي يُشكّ فيه أنه
من رمضان إلا تطوعاً)).
(١) ((الشرح الصغير)) (٦٨٦/١)، و((الشرح الكبير)) (٥١٣/١).
(٢) (١١٩/٢) و((فتح القدير)) (٥٣/١) و((مرقاة المفاتيح)) (٢٤٦/٤).
٣١٤
....

١٧ - كتاب الصيام
(٢١) باب
٠
+
وهذه المسألة على وجوه؛ أحدها: أن ينوي صوم رمضان، وهو مكروه،
لما روينا، ولأنه تشبُّه بأهل الكتاب، لأنهم زادوا في مدة صومهم، ثم إن ظهر
أن اليوم من رمضان يجزئه، لأنه شهد الشهر وصامه، وإن ظهر أنه من شعبان
كان تطوعاً، وإن أفطر لم يقضه، لأنه في معنى المظنون، والثاني: أن ينوي عن
واجب آخر، وهو مكروه أيضاً، لما روينا، إلا أن هذا دون الأول في
الكراهة، ثم إن ظهر أنه من رمضان يجزئه لأصل النية، وإن ظهر أنه من شعبان
فقد قيل: يكون تطوعاً، لأنه منهي عنه، فلا يتأدى به الواجب.
وقيل: يجزئه عن الذي نواه، وهو الأصح، لأن المنهي عنه وهو التقدم
على صوم رمضان، بصوم رمضان لا يقوم بكل صوم، بخلاف يوم العيد، لأن
المنهي عنه وهو ترك الإجابة يلازم كل صوم.
والثالث: أن ينوي التطوع، وهو غير مكروه لما روينا، وهو حجة على
الشافعي في قوله: يكره على سبيل الابتداء، والمراد بقوله {وَ له: ((لا تتقدَّمُوا
رمضان بصوم يوم ولا بصوم يومين)). الحديث، نهي التقدم بصوم رمضان، لأنه
يؤديه قبل أوانه، ثم إن وافق صوماً كان يصومه، فالصوم أفضل بالإجماع،
وكذا إذا صام ثلاثة أيام من آخر الشهر فصاعداً، وإن أفرده، فقيل: الفطر
أفضل احترازاً عن ظاهر النهي، وقيل: الصوم أفضل اقتداءً بعلي وعائشة -
رضي الله عنهما - فإنهما كانا يصومانه.
والمختار أن يصوم المفتي بنفسه أخذاً بالاحتياط، ويفتي العامة بالتلوم(١)
إلى وقت الزوال، ثم بالإفطار، نفياً للتهمة، انتهى.
ثم ذكر المصنف صور التردد في النية، ليس هذا محله، وقد علم من
كلام هؤلاء الفحول أن الأئمة الأربعة - رضي الله عنهم - اختلفوا ههنا في عدة
(١) التلوم: تلوَّم في الأمر: تمكث وانتظم.
٣١٥

١٧ - كتاب الصيام
(٢١) باب
(٦١٥) حديث
٥٥/٦١٥ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْم
يَنْهَوْنَ أَنْ يُصَامَ الْيَوْمُ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ شَعْبَانَ، إِذَا نَوَى بِهِ صِيَامَ
رَمَضَانَ، وَيَرَوْنَ أَنَّ عَلَى مَنْ صَامَهُ، عَلَى غَيْرِ رُؤْيَةٍ، ثُمَّ جَاءَ الثَّبْتُ
أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ؛ أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ،
مسائل؛ الأولى: في تعريف يوم الشك، والثانية: في حكم صومه، والثالثة: لو
صامه بنية رمضان أو واجب آخر أو نية النفل، فماذا حكمه؟ ومن خلط بين
هذه المسائل في نقل المذاهب فقد أخطأ .
٥٥/٦١٥ - (مالك، أنه سمع أهل العلم) من فقهاء أوانه (ينهون أن يصام
اليوم الذي يُشَكُّ فيه) أنه من رمضان أو (من شعبان) نهي كراهة على أرجح
الروايتين عن مالك أو حرمة على الأخرى، قاله الزرقاني(١).
(إذا نوى به صيام رمضان) يعني أن النهي والكراهة إذا نوى به صوم
رمضان لا التطوع كما سيأتي، ومثله تقدم عن ((الشرح الكبير)) للدردير، وبه
قالت الحنفية كما تقدم عن ((الهداية)) (ويرون أن على من صامه) أي يوم الشك
(من غير رؤية) وفي النسخ المصرية: على غير رؤية، (ثم جاء الثبت) بفتح الباء
وسكونها (أنه) أي ذلك اليوم (من رمضان) لثبوت الرؤية (أن عليه قضاءه) لأنه
لم يصمه بنية جازمة أنه من رمضان، قاله الزرقاني.
وخالف في ذلك الحنفية، إذ صوم رمضان يتأدى عندهم بنية النفل
وغيره، قال في ((الهداية))(٢) في الصوم الواجب الذي يتعلق بزمان بعينه كصوم
رمضان: إنّ هذا الضرب من الصوم، يتأدى بمطلق النية، وبنية النفل، وبنية
واجب آخر، وقال الشافعي: في نية النفل عابث، وفي مطلقها له قولان،
انتهى. وفي هامشه عن ((البناية)): في قول يقع عن الفرض، وفي قول لا يقع،
وهو الأصح، وبه قال مالك وأحمد، انتهى.
---------
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢/ ١٩٤).
(٢) ((الهداية)) (٢١٢/١) طبع الهند.
٣١٦
--
. . -

١٧ - كتاب الصيام
(٢١) باب
(٦١٥) حديث
وَلَا يَرَوْنَ، بِصِيَامِهِ تَطَوُّعَاً، بَأْساً.
قَالَ مَالِكٌ: وَهْذَا الأَمْرُ عِنْدَنَا، وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ
بَلَّذِنَا .
وفي ((شرح الإقناع)): لو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد عن
رمضان إن كان منه فكان منه، لم يقع عنه، إلا إذا اعتقد كونه منه، بقول من
يثق به من عبد أو امرأة أو فاسق فيصح ويقع عنه، انتهى.
(ولا يرون بصيامه تطوّعاً بأساً) وكذلك قالت الحنفية، كما تقدم عن
((الهداية))، خلافاً للشافعية، كما تقدم عن (شرح الإقناع)) أن صومه بلا سبب لا
يصح، كصوم العيد بجامع التحريم، ويكره صوم يوم الشك عند الحنابلة أيضاً،
إلا أن يوم الشك عندهم غير يوم الشك عند الجمهور، ففي ((نيل المآرب)):
وكره صوم يوم الشك وهو الثلاثون من شعبان إذا لم يكن في السماء في مطلع
الهلال غيم أو قَتَرٌ أو غير ذلك، انتهى.
(قال مالك: وهذا الأمر) هو المحقق (عندنا و) هذا الأمر هو (الذي
أدركت عليه أهل العلم ببلدنا). قال الزرقاني: وعليه الجمهور، حملاً للنهي
الوارد عن صوم يوم الشك على تحرّيه من رمضان، لا لغيره، لخبر
(الصحيحين)) مرفوعاً: ((لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان
يصوم صوماً فليصمه))، قال عياض: أشار بقوله: ((إلاّ رجل)) إلى أن النهي
محمول على التقدم، تعظيماً وتحرياً للشهر، وفي رواية: ((لا تتحرّوا رمضان))،
أما من كانت عادته الصيام قبله أو صيام الاثنين ونحوه فلا يمنع، انتهى.
قلت: وروي عن عمر - رضي الله عنه -: أنه كان يصوم إذا كانت
السماء في تلك الليلة مغيمة، ويقول: ليس هذا بالتقدم، ولكنه التحري، وقد
روي عن علي وابن عمر وأنس بن مالك وأبي هريرة ومعاوية وعمرو بن
العاص والحكم بن أيوب الغفاري وعائشة وأسماء بنت أبي بكر - رضي الله
عنهم -.
٣١٧

١٧ - كتاب الصيام
(٢٢) باب
(٦١٦) حديث
(٢٢) باب جامع الصيام
٥٦/٦١٦ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى
عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ
النَّبِيِّ ◌َلآ؛
ذكر الآثار عن هؤلاء ابن القيم في ((الهدي)) (١)، وحكى الصوم أيضاً عن
سالم بن عبد الله ومجاهد وطاووس وأبي عثمان النهدي ومطرف بن الشخِّر
وميمون بن مهران وبكر بن عبد الله المزني، انتهى.
وقد أخرج ابن أبي شيبة (٢) عن أم سلمة - رضي الله عنها - أن النبي وَال
كان يصل شعبان برمضان، وللشيخين وأبي داود عن عمران بن حصين: قال
لي رسول الله وَله: ((أما صمت من سرر (٣) هذا الشهر؟)) يعني شعبان، قال:
لا، قال: ((إذا أفطرت فصم يومين))، كذا في ((جمع الفوائد)).
(٢٢) جامع الصيام
أي: الروايات المتفرقة من أبواب الصيام كالفضائل وغيرها، وذكر فيها
بعض أحكام الصيام أيضاً كجواز السواك وغيره.
٥٦/٦١٦ _ (مالك، عن أبي النضر) بفتح النون، وسكون المعجمة،
سالم بن أبي أمية (مولى عمر) بضم العين، (ابن عبيد الله) بالتصغير،
والإضافة، (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن عائشة) أم المؤمنين
(زوج النبي ◌ّ﴾) هكذا قال أبو النضر، ووافقه يحيى بن أبي كثير في
(١) انظر: ((زاد المعاد)) (٤١/٢).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٤٣٨/٢).
(٣) سرر هذا الشهر: وهو بفتح المهملة وكسرها آخره. ((مرقاة المفاتيح)) (٢٤٥/٤).
٣١٨
و

١٧ - كتاب الصيام
(٢٢) باب
(٦١٦) حديث
أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ
حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ،
٠٠
((الصحيحين)) (١)، ومحمد بن إبراهيم، وزيد بن أبي عتّاب عند النسائي(٢)،
ومحمد بن عمرو عند الترمذي(٣) كلهم عن أبي سلمة عن عائشة، وخالفهم
يحيى بن سعيد وسالم بن أبي الجعد، فروياه عن أبي سلمة عن أم سلمة،
أخرجهما النسائي، وقال الترمذي عقب طريق سالم بن أبي الجعد: هذا إسناد
صحيح، ويحتمل أن يكون رواه عن كل من عائشة وأم سلمة، قال الحافظ (٤):
ويؤيده أن محمد بن إبراهيم التيمي رواه عن أبي سلمة عن عائشة تارة، وعن
أم سلمة تارة أخرى، أخرجهما النسائي، انتهى.
(أنها قالت: كان رسول الله ( لر يصوم) في بعض الأوقات (حتى نقول: لا
يفطر)، أي: ينتهي صومه إلى غاية، نقول ونظن أنه يسرد الصوم ولا يفطر أبداً
أو من هذا الشهر، (ويفطر) كذلك أي يسرد الإفطار (حتى نقول: لا يصوم)
أبداً أو من هذا الشهر، قال الباجي: وإنما كان كذلك - والله أعلم - لأن هذا
أفضل الصوم وأشهره لمن استطاع عليه .
وقال شيخ مشايخنا الدهلوي في (حجة الله))(٥): اختلف سنن الأنبياء -
عليهم السَّلام - في الصّوم، فكان نوح - عليه السَّلام - يصوم الدهر، وكان
داود - عليه السَّلام - يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان عيسى - عليه السلام -
يصوم يوماً ويفطر يومين أو أياماً، وكان النبي ◌َّ في خاصة نفسه يصوم حتى
يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم، ولم يكن يستكمل صيام شهر إلا
(١) أخرجه البخاري حديث (١٩٦٩) ومسلم (٣٢٤/٢).
(٢) انظر: ((السنن الكبرى)) للنسائي (٢٤٩٨ و٢٩٢١).
(٣) ((سنن الترمذي)) (٧٣٧).
(٤) ((فتح الباري)) (٢١٤/٤).
(٥) ((حجة الله البالغة)) (٥٤/٢).
٣١٩

١٧ - كتاب الصيام
(٢٢) باب
(٦١٦) حديث
رمضان، وذلك أن الصيام ترياق، والترياق لا يستعمل إلا بقدر المرض، وكان
قوم نوح - عليه السلام - شديدي الأمزجة حتى روي عنهم ما روي.
وكان داود - عليه السلام - ذا قوة ورزانة، وهو قوله - عليه السَّلام -:
وكان لا يفرّ إذا لاقى، وكان عيسى - عليه السَّلام - ضعيفاً في بدنه فارغاً، لا
أهل له ولا مال، فاختار كل واحد ما يناسب الأحوال.
وكان نبينا ◌َّر عارفاً بفوائد الصوم والإفطار، مطلعاً على مزاجه، وما
يناسبه، فاختار بحسب مصلحة الوقت ما شاء، واختار لأمته صياماً، منها يوم
عاشوراء، وصوم عرفة، وستة الشوال، وغير ذلك، انتهى مختصراً.
وقال الغزالي(١): العارف بدقائق الباطن ينظر إلى أحواله، فقد يقتضي
حاله دوام الصوم، وقد يقتضي دوام الفطر، وقد يقتضي مزج الإفطار بالصوم،
وإذا فهم المعنى وتحقّق حده في سلوك طريق الآخرة بمراقبة القلب لم يخف
عليه صلاح قلبه، وذلك لا يوجب ترتيباً مستمراً، ولذلك روي ((أنه وُ لّ كان
يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم، وينام حتى يقال: لا
يقوم، ويقوم حتى يقال: لا ينام))، وكان ذلك بحسب ما ينكشف له بنور النبوة
من القيام بحقوق الأوقات.
وقد كره بعض العلماء من أهل الله أن يوالي بين الإفطار أكثر من أربعة
أيام تقديراً بيوم العيد وأيام التشريق، وذكروا أن ذلك يقسي القلب، ويُوَلِّد
رديءَ العادات، ويفتح أبواب الشهوات، ولعمري هو كذلك في حق أكثر
الخلق، لا سيما من يأكل في اليوم والليلة مرتين، انتهى. وذكر في ((شرحه))
الطرائق المختلفة للسالكين في ذلك فعليك بكتب أهل الفن.
ثم قال الحافظ: ولا يُشكل على هذا قول عائشة: ((وكان إذا صلى صلاة
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) (٢٣٨/١).
٣٢٠