النص المفهرس
صفحات 261-280
١٧ - كتاب الصيام (١٧) باب (٦٠٩) حديث أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ مُجَاهِدٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ. فَجَاءَهُ إِنْسَانٌ فَسَأَلَهُ عَنْ صِيَامٍ أَيَّامِ الْكَفَّارَةِ أَمُتَتَابِعَاتٍ أَمْ يَقْطَعُهَا؟ قَالَ حُمَيْدٌ: ... فَقُلْتُ لَهُ: نَعَمْ. يَقْطَعُهَا إِنْ شَاءَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: لا يَقْطَعُهَا وقال: قال ابن حبان: مات سنة ١٣٠هـ، وقال ابن سعد: توفي في خلافة أبي العباس، وفي ((رجال جامع الأصول)): مات سنة ١٤٢ هـ. (أنه أخبره، قال: كنت مع مجاهد) بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة، أبو الحجاج المخزومي مولاهم، المكي التابعي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، ورواة الستة، مات سنة ١٠٤هـ أو قبلها وله ٨٣ سنة. (وهو) أي مجاهد، (يطوف بالبيت، فجاءه إنسان فسأله) أي مجاهداً، قال الباجي: يقتضي أن الكلام عندهم في الطواف مباح، وسيأتي ذكره إن شاء الله، انتهى. قلت: وكذلك عند الحنفية وغيرهم، وقد ورد من حديث ابن عباس مرفوعاً: ((الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى قد أحلّ فيه النطق، فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير))، أخرجه ابن حبان والحاكم والترمذي، واختلف في رفعه ووقفه كما بسطه الزيلعي(١). (عن صيام أيام الكفارة) في كفارة اليمين، كما يظهر من الجواب (أمتتابعات) بهمزة الاستفهام، أي: هل صيام كفارة اليمين متتابعات، (أم) كذا في النسخ المصرية، وفي الهندية بدلها: ((أو))، والأوجه الأول (يقطعها) أي يُفَرِّقها (قال حميد: فقلت له: نعم يقطعها) أي يفرقها. (إن شاء) لما كان يعتقد حميد فيها جواز التفريق، قال الزرقاني: فيه جواب المتعلم بين يدي المعلم. (قال مجاهد) راداً على حميد (لا يقطعها) بل يجب التتابع، والمسألة مختلفة عند الأئمة الأربعة، والتتابع مستحب عند الإمام مالك كما سيصرح به في کلا مه . (١) انظر: ((نصب الراية)) (٥٧/٣ - ٥٨). ٢٦١ ١٧ - كتاب الصيام (١٧) باب (٦٠٩) حدیث قال الزرقاني(١): وكذا استحب الجمهور التتابع في كفارة اليمين ولا يوجبونه إلا في شهري كفارة القتل، والظهار، والوطء عامداً في رمضان، ويستحبون ما استحب مالك، انتهى. ولا تغترّ بما قال الزرقاني: وكذا استحب الجمهور، لأن عادة شراح الحديث ينسبون مختارهم إلى الجمهور، وفي مسألة الباب الإمام الشافعي ومالك - رضي الله عنهما - متوافقان على الاستحباب، والحنفية والإمام أحمد متوافقون على الوجوب، ففي ((الروض المربع)): فمن لم يجد شيئاً مما ذكر فصيام ثلاثة أيام متتابعة وجوباً، لقراءة ابن مسعود: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات))، انتهى. قال أبو بكر الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢): روى مجاهد عن عبد الله بن مسعود وأبو العالية عن أبي: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات))، وقال إبراهيم النخعي: في قراءتنا: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾، وقال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وطاووس: هن متتابعات لا يجزئ فيها التفريق، فثبت التتابع بقول هؤلاء، ولم تثبت التلاوة لجواز كون التلاوة منسوخة، والحكم ثابتاً وهو قول أصحابنا، وقال مالك والشافعي: يجزئ فيه التفريق، وقد بينا ذلك في الأصول، انتهى. وفي ((البدائع)) (٣): ولنا؛ قراءة ابن مسعود - رضي الله عنه -: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ وقراءته كانت مشهورة في الصحابة، فكانت بمنزلة الخبر المشهور، لقبول الصحابة - رضي الله عنهم - إياها تفسيراً للقرآن العظيم إن لم (١) ((شرح الزرقاني)) (١٨٨/٢). (٢) انظر: (٢٠٩/١). (٣) (بدائع الصنائع)) (٤/ ٢٧٤). ٢٦٢ ١٧ - كتاب الصيام (١٧) باب (٦٠٩) حدیث فَإِنَّهَا فِي قِرَاءَةٍ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ «ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ)). يقبلوها في كونها قرآناً، فكانت مشهورة في حق حكم الصحابة - رضي الله عنهم - إياها في حق وجوب العمل، فكانت بمنزلة الخبر المشهور، والزيادة على الكتاب الكريم بالخبر المشهور جائزة بلا خلاف، ويجوز بخبر الواحد، كذا عند بعض مشايخنا على ما عرف في أصول الفقه. (فإن) هكذا في النسخ الهندية، وفي المصرية بزيادة ضمير المؤنث الراجع إلى الآية بلفظ: فإنها (في قراءة أبيّ بن كعب) سيد القراء، وأقرأ الصحابة، (ثلاثة أيام متتابعات) احتج مجاهد بذلك على ما اختاره من وجوب التتابع، وتقدم أنه هكذا قراءة ابن مسعود والنخعي، وفي ((المنتقى)) عن أبيّ بن كعب وابن مسعود: أنهما قرآ: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات)) حكاه أحمد ورواه الأثرم بإسناده . قال الشوكاني: أثر أُبيّ بن كعب أخرجه الدارقطني وصححه، قال الزرقاني(١): فيه الاحتجاج بما ليس في مصحف عثمان - رضي الله عنه -، وبه قال جمهور العلماء، ويجري عندهم مجرى خبر الواحد في العمل به دون القطع، قاله ابن عبد البر، وقال الباجي: الصحيح ما ذهب إليه القاضي أبو بكر الباقلاني أنه لا يحتجُّ به، لأنه إذا لم يتواتر فليس بقرآن، وحينئذ لا يصح التعلق به، انتهى. قلت: ما قال: إذا لم يتواتر فليس بقرآن، فمسلمٌ، لكنّ ما قال: إنه لا يصح التعلق به، فمردود، لأنه لم يقل أحد: لا يصح الاحتجاج بغير المتواتر من أخبار الآحاد، كيف وقد تقدم أن جمهور العلماء على الاحتجاج به، ويجري عندهم مجرى الخبر الواحد؟، قال الشوكاني: قراءة الآحاد منزلةً، منزلةُ أخبار الآحاد صالحة لتقييد المطلق وتخصيص العام، كما تقرر في الأصول، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (١٨٨/٢). ٢٦٣ ١٧ - كتاب الصيام (١٧) باب (٦٠٩) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ، مَا سَمَّى اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ، يُصَامُ مُتَتَابِعاً. وَسُئِلَ مَالِكٌ، عَنِ الْمَرْأَةِ (قال يحيى: قال مالك: وأحبّ إليّ أن يكون ما سمّى الله في القرآن) أي: كل صوم ذكره الله تعالى في القرآن (يصام متتابعاً) سوى كفارة القتل والظهار، فالتتابع فيهما واجب بالنص. قال الباجي(١): وقد قال أبو هريرة وابن عباس: إن كل صوم مذكور في القرآن فالأفضل فيه أن يكون متتابعاً، إلا أنه ما لم يشترط فيه التتابع، فإنه يجزئ عندهما تفريقه، وبه قال مالك، وكذلك في كفارة الأيمان والثلاثة الأيام في الحج والسبعة بعد الرجوع، انتهى. قلت: وهكذا في قضاء رمضان، قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ وقد تقدم قريباً، قال الكاساني في ((البدائع))(٢): الكفارات المعهودة في الشرع خمسة أنواع: كفارة اليمين، وكفارة الحق، وكفارة القتل، وكفارة الظهار، وكفارة الإفطار، والكل واجبة، إلا أن أربعة منها عُرِف وجوبها بالكتاب العزيز، وواحدة منها عرف وجوبها بالسنة، انتهى. وفي ((المراقي))(٣): أربعة متتابعة بالنص: أداء رمضان، وكفارة الظهار، والقتل، واليمين، لقراءة ابن مسعود المشهورة، والمخير فيه قضاء رمضان، وفدية الحلق لأذى، والمتعة، والقران، وجزاء الصيد، وثلاثة لم تذكر في القرآن، وثبت بالأخبار صوم كفارة الإفطار، وهو متتابع، والتطوع متخير فيه، والنذر، وهو على أقسام، انتهى. (قال يحيى: وسُئِل) ببناء المجهول (مالك) - رضي الله عنه - (عن المرأة (١) ((المنتقى)) (٦٦/٢). (٢) بدائع الصنائع)) (٢٤٩/٤). ٢٦٤ ---- ١٧ - كتاب الصيام (١٧) باب (٦٠٩) حديث نُصْبِحُ صَائِمَةً فِي رَمَضَانَ، فَتَدْفَعُ دَفْعَةً مِنْ دَم عَبِيطٍ فِي غَيْرِ أَوَانٍ حَيْضِهَا. ثُمَّ تَنْتَظِرُ حَتَّى تُمْسِيَ أَنْ تَرَى مِثْلَ ذُلِكَ. فَلَا تَرَى شَيْئاً. ثُمَّ نُصْبِحُ يَوْماً آخَرَ فَتَدْفَعُ دُفْعَةً أُخْرَى وَهِيَ دُونَ الأَولَى. ثُمَّ يَنْقَطِعُ ذَلِكَ عَنْهَا قَبْلَ حَيْضَتِهَا بِأَيَّامٍ. فَسُئِلَ مَالِكٌ: كَيْفَ تَصْنَعُ فِي صِيَامِهَا ... وصَلَاتِهَا؟ قَالَ مَالِكٌ: ذُلِكَ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ، فَإِذَا رَأَنْهُ فَلْتُفْطِرْ. تصبح صائمة في رمضان فتدفع دُفعة) بضم الدال المهملة اسم لما يدفع بمرة وبفتحها المرة، قال ابن فارس: الدفعة من المطر والدم وغيرهما مثل الدفقة، قاله الزرقاني (من دم عبيط) بعين مهملة أي: طري خالص لا خلط فيها (في غير أوان) أي وقت (حيضتها) لكن يشترط فيه - كما سيأتي من كلام الباجي - أن يكون بين هذا وبين ما تقدم من الحيض زمن يصح أن يكون طهراً كاملاً، وسيأتي بيان الطهر الكامل، (ثم تنظر) المرأة (حتى تمسي أن ترى مثل ذلك) الدم مرة أخرى. (فلا ترى شيئاً) وكذلك الحكم لو ترى مرة أخرى في ذلك اليوم بل هو الأولى. (ثم تصبح يوماً آخر فتدفع دفعة أخرى وهي) الدفعة (دون) الدفعة (الأولى) أي أقل منها، وذلك ليس باحتراز، بل الأقل والأكثر سواء. (ثم ينقطع ذلك) الدم (عنها قبل حيضتها) المعتاد (بأيام فسئل) ببناء المجهول، أعاد هذا الكلام توضيحاً للسؤال (مالك: كيف تصنع) هذه المرأة (في صيامها وصلاتها؟ قال مالك). رضي الله عنه - مجيباً للسؤال: (ذلك الدم من الحيضة) بفتح الحاء وكسرها (فإذا رأته فلتفطر). قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن المرأة إذا رأت الدم في وقت يصح أن يكون حيضها، لأنه تخلَّل بينه وبين الحيض الذي كان قبله من زمن الطهر ما يكون طهراً كاملاً، فإنه يكون حيضاً، سواء كان في وقت حيضها المعتاد أو (١) ((المنتقى)) (٦٦/٢). ٢٦٥ ١٧ - كتاب الصيام (١٧) باب (٦٠٩) حديث في غيره، فإذا رأته المرأة ولو دفعة في اليوم أفطرت لما قدمناه في كتاب الحيض من أن الدم إذا رؤي في زمن الحيض، فهو حيض كثيراً كان أو قليلاً، انتھی . وقال أيضاً في الحيض عن مالك - رضي الله عنه - في مقدار أقل الطهر روايتان، روى عنه ابن القاسم: أن ذلك غير مقدر، وأن الرجوع فيه إلى العرف والعادة، ووجه ذلك أن كل أمر احتيج إلى تحديده، ولم يرد في الشرع تحديده، فإن الرجوع فيه إلى العرف والعادة كالعمل في الصلاة، والرواية الثانية: أنه مقدَّرٌ، واختلف في التقدير، فروى في ((المبسوط)) ابن الماجشون: أقل الطهر خمسة أيام، وقال ابن حبيب: عشرة، وقال محمد بن مسلمة: خمسة عشر يوماً، ورجح الباجي هذه الرواية. وتقدم في الحيض من ((الأوجز)) أن لا حدَّ لأقل الحيض عند الإمام مالك، فإذا رأت المرأة دماً ولو مرة واحدة والزمان يصلح أن يكون حيضاً لتخلل الطهر الكامل، فينبغي أن يكون حائضاً لعدم المانع، فلا بد أن تفطر، وعندنا الحنفية لا يكون الأقل من ثلاثة أيام حيضاً كما هو معروف، فإذا رأت المرأة دماً يوماً أو يومين لا يكون حيضاً بل استحاضة، فلا يجوز لها أن تفطر إذا رأت يوماً أو يومين. ... - نعم إذا رأت ثلاثة أيام ولياليهن، وتقدم قبل ذلك زمن الطهر الكامل وهو خمسة عشر يوماً عندنا أيضاً كالمالكية، فيجوز لها أن تفطر، ((لأن الحيض يمنع صحة الصوم) دليل لما أمرها قبل ذلك بالفطر، ولا يوجد الدليل إلا في نسخة الزرقاني(١)، وأما غيرها من جميع النسخ الهندية والمصرية فخالية عنها، والظاهر أنه من كلام الشارح. (١) ((شرح الزرقاني)) (١٨٩/٢). ٢٦٦ ١٧ - كتاب الصيام (١٧) باب (٦٠٩) حديث وَلْتَقْضِ مَا أَقْطَرَتْ. ٠٠٠ ثم قال الموفق (١): أجمع أهل العلم على أن الحائض والنفساء لا يحلّ لهما الصوم، وأنهما يفطران رمضان ويقضيان، وأنهما إذا صامتا لم يجزئهما الصوم، وقد قالت عائشة - رضي الله عنها -: ((كنا نحيض على عهد رسول الله (صَلّ فنؤمر بقضاء الصوم))، الحديث متفق عليه، وقال أبو سعيد: قال النبي ◌ّ: ((أليس إحداكن إذا حاضت لم تصل ولم تصم فذلك من نقصان دينها)) رواه البخاري، والحائض والنفساء سواء، لأن دم النفاس هو دم الحيض وحكمه حكمه، ومتى وجد الحيض في جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم، سواء وجد في أوله أو في آخره، انتهى. (ولتقض) وجوباً (ما أفطرت) من الصيام. قال الشيخ في ((البذل))(٢): نقل ابن المنذر والنووي وغيرهما إجماع المسلمين على أنه لا يجب على الحائض قضاء الصلاة ويجب عليها قضاء الصيام، وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج: أنهم كانوا يوجبون على الحائض قضاء الصلاة، وعن سمرة: أنه كان يأمر بها فأنكرت عليه أم سلمة، قال الحافظ: لكن استقر الإجماع على عدم الوجوب، كما قاله الزهري وغيره، والفرق بين الصوم والصلاة أنها كثيرة متكررة فيشق قضاؤها بخلاف الصوم، فإنه يجب في السنة مرة، انتهى. وفي ((العيني))(٣): قال معمر: قال الزهري: تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة، قلت: عمن؟ قال: أجمع المسلمون عليه، وليس في كل شيء تجد الإسناد القوي، أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصلاة ولا الصوم في الحال، وعلى أنه لا يجب عليهما قضاء الصلاة، وعلى أنه عليهما قضاء الصوم، انتهى. (١) ((المغني)) (٣٩٧/٤). (٢) ((بذل المجهود)) (٢٧٦/٢). (٣) ((عمدة القاري)) (١٦٠/٣) رقم الحديث (٣٢١). ٢٦٧ ١٧ - كتاب الصيام (١٧) باب (٦٠٩) حدیث وأخرج البخاري في صحيحه(١) تعليقاً، قال أبو الزناد: إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرأي، فما يجد المسلمون بداً من اتباعها، من ذلك أن الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة، قال الحافظ: قال الزين بن المنير: نظر أبو الزناد إلى الحيض فوجده مانعاً من هاتين العبادتين، وما سلب الأهلية استحال أن يتوجّه به خطاب الاقتضاء، وما يمنع صحة الفعل يمنع الوجوب، فلذلك استبعد الفرق بين الصَّلاة والصَّوم، فأحال بذلك على اتباع السنة والتعبد المحض. وقد تقدم في كتاب الحيض ((من البخاري)) (٢) سؤال امرأة من حديث معاذة من عائشة عن الفرق المذكور فأنكرت عليها عائشة السؤال، وخشيت عليها أن تكون تلقته من الخوارج الذين جرت عادتهم باعتراض السنن بآرائهم ولم تزدها على الحوالة على النص، وكأنها قالت لها: دعي السؤال عن العلة إلى ما هو أهم من معرفتها، وهو الانقياد إلى الشارع، وقد تكلم بعض الفقهاء في الفرق، واختار إمام الحرمين أن المتبع في ذلك هو النص، وأن كل شيء ذكروه من الفرق ضعيف، انتهى. وكتب والدي المرحوم - نوّر الله مرقده - فيما علّقه على ((الترمذي))(٣) في الفرق بينهما لما فيه من تضاعف الصلاة، والحرج مدفوع شرعاً بخلاف الصيام، ولما في الدم والتنجس من المضادة الظاهرة للصلاة، وليس كذلك في الصيام، فإن ركنه الإمساك بالنية، فلا يبعد أن يقتضي شهود رمضان وجوب صيامها إلا أنه صار متراخياً لعلّة، لعل عقولنا لم تبلغ إلى إدراك كنهها، انتهى. (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٩١/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٥٥٤/١) الحديث (٣٢١). (٣) ((الكوكب الدري على الترمذي)) (١٦٩/١). ٢٦٨ ١٧ - كتاب الصيام (١٧) باب (٦٠٩) حديث فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهَا الدَّمُ فَلْنَعْتَسِلْ. وَنَصُومُ. وَسُئِلَ عَمَّنْ أَسْلَمَ فِي آخِرٍ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ: هَلْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ كُلِّهِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى. (فإذا ذهب عنها الدم فلتغتسل) فإن الحائض يلزمها الغسل عند انقطاع الدم، لتطهر به من حدث حيضها. (ولتصم) وفي النسخ المصرية: وتصوم، أي: تعود إلى ما كانت عليه من الصوم في اليوم الثاني، لأن اليوم الذي كانت حائضة في أوله لا يصح أن تصوم شيئاً منه وإنما تصوم ما بعده. (قال يحيى: وسئل مالك عمن أسلم في آخر يوم من رمضان: هل عليه قضاء رمضان كله) وكذلك إذا أسلم في أثناء رمضان وقد مضى بعض الشهر، هل يجب عليه قضاء ما مضى من الأيام. (وهل يجب) وفي النسخ المصرية: أو يجب. (عليه قضاء اليوم الذي أسلم فيه؟ فقال) مالك - رضي الله عنه - مجيباً: (ليس عليه قضاء ما مضى) من رمضان كله أو بعضه حال كفره، وذلك ظاهر، لأن الإسلام شرط الوجوب، وحكى الباجي والزرقاني فيه خلافاً للحسن وعطاء وعكرمة في أنه يجب قضاء الماضي. قال أبو عمر (١): من أوجب على الكافر يسلم أو الصبي يحتلم صوم ما مضى، فقد كلف غير مكلف، لأن الصيام إنما يجب على المؤمن البالغ بقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾(٢) وبحديث: ((رفع القلم عن ثلاث)) فذكر منها الغلام حتى يحتلم، والجارية حتى تحيض، انتهى. قال الباجي(٣): والأصل في ذلك أن الأداء قد فات لمضي زمنه، (١) ((الاستذكار)) (١٩٣/١٠). (٢) سورة البقرة: الآية ١٨٣. (٣) ((المنتقى)) (٦٧/٢). ٢٦٩ ١٧ - كتاب الصيام (١٧) باب (٦٠٩) حديث وَإِنَّمَا يَسْتَأْنِفُ الصِّيَامَ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ. وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْضِي الْيَوْمَ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ . والقضاء لا يجب إلا بأمرٍ ثانٍ، ولا فرق بين ما مضى من هذا الشهر وبين سائر الشهور المتقدمة من السنين الماضية في أن وقت الأداء قد فات فيها، فإذا لم يجب قضاء ما مضى من الأعوام فيها، فكذلك من شهر هذا العام. قلت: وفي ((جمع الفوائد)) عن سفيان بن عطية الثقفي قال: قدم وفدنا من ثقيف على رسول الله وَلة، فأسلموا في النصف من رمضان، فأمرهم فصاموا معه، واستقبلوا، ولم يأمرهم بقضاء ما فاتهم. للكبير بلِيْنٍ. (وإنما يستأنف الصيام فيما يستقبل) من ذلك الشهر وغيره، لأنه صار مخاطباً بالصَّوم على وجه الانحتام بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾ . قال الخرقي: إذا أسلم الكافر في شهر رمضان صام ما يستقبل من بقية شهره. قال الموفق (١): أما صوم ما يستقبله من بقية شهره فلا خلاف فيه، وأما قضاء ما مضى من الشهر قبل إسلامه فلا يجب، وبهذا قال الشعبي وقتادة ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال عطاء: عليه قضاؤه، وعن الحسن كالمذهبين . ولنا، أن ما مضى عبادة خرجت في حال كفره، فلم يلزمه قضاؤه، كرمضان الماضي. أما اليوم الذي أسلم فيه فإنه يلزمه إمساكه ويقضيه. هذا المنصوص عن أحمد. وبه قال ابن الماجشون وإسحاق، وقال مالك وأبو ثور وابن المنذر: لا قضاء عليه، لأنه لم يدرك من زمن العبادة ما يمكنه التلبس بها فيه، فأشبه ما لو أسلم بعد خروج اليوم، وقد روي ذلك عن أحمد، انتهى. (وأحبُّ إليّ أن يقضي اليوم الذي أسلم فيه) اختلفت الأئمة في ذلك، والأئمة الثلاثة ما خلا الإمام أحمد متفقة في عدم الوجوب مع الخلاف فيما (١) ((المغني)) (٤١٤/٤، ٤١٥). ٢٧٠ --- ..---- ١٧ - كتاب الصيام (١٧) باب (٦٠٩) حديث ٠ بينهم في الندب، ففي ((الشرح الكبير)) (١) للدردير: وندب إمساك بقية اليوم لمن أسلم وندب قضاؤه ولم يجب، انتهى. واختلفت فروع الشافعية في الندب مع اتفاقها في عدم الوجوب، ففي ((التحفة)): ولو بلغ في النهار مفطراً أو أسلم فلا قضاء في الأصح، ولا يلزمهم إمساك بقية النهار في الأصح، لأنهم أفطروا لعذر فأشبهوا المسافر والمريض، انتهى. وفي ((شرح الإقناع))(٢) وحاشيته: وشرائط وجوب الصيام أربعة: الأول: الإسلام ولو فيما مضى، فلا يجب على الكافر الأصلي، فلو قضاه بعد إسلامه لم ينعقد، والكلام في غير اليوم الذي أسلم فيه، أما هو فيستحب قضاؤه رعاية للخلاف القوي عندنا، انتهى. وكذا لا يجب القضاء عند الحنفية، ففي ((الهداية))(٣): إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر في رمضان أمسكا بقية يومهما ولم يقضيا يومهما ولا ما مضى لعدم الخطاب، وهذا بخلاف الصلاة، لأن السبب فيها الجزء المتصل بالأداء، فوجدت الأهلية عنده، وفي الصوم الجزء الأول والأهلية منعدمة عنده، انتهى. ولم أر التصريح في الفروع بندب القضاء، وأوجب الحنابلة القضاء في ذلك، ففي ((نيل المآرب)): وإن أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو بلغ الصغير أو عقل المجنون في أثناء النهار وهم مفطرون لزمهم الإمساك والقضاء، لحرمة الوقت كقيام البينة فيه بالرؤية ولإدراكه جزءاً من الوقت كالصلاة، انتهى. وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد، وعنه رواية أخرى موافقة للجمهور، كما تقدم عن ((المغني)). (١) (٥١٦/١). (٢) (٣٧٤/٢). (٣) (٢٢٣/١) ط الهند. ٢٧١ ١٧ - كتاب الصيام (١٨) باب (١٨) باب قضاء التطوع (١٨) قضاء التطوع مختلف فيه عند الأئمة والفقهاء - رضي الله عنهم -، قال الموفق(١): من دخل في صیام تطوع استُحِبَّ له إتمامه، فإن خرج منه فلا قضاء عليه، روي عن ابن عمر وابن عباس: أنهما أصبحا صائمين ثم أفطرا، وقال ابن عمر: لا بأس به ما لم يكن نذراً أو قضاء رمضان، وهذا مذهب أحمد والثوري والشافعي وإسحاق، وقد روى حنبل عن أحمد: إذا أجمع على الصيام فأوجبه على نفسه، فأفطر من غير عذر أعاد يوماً مكانه، وهذا محمول على أنه استحب ذلك أو نذره ليكون موافقاً لسائر الروايات عنه، وقال النخعي وأبو حنيفة ومالك: يلزم في الشروع فيه، ولا يخرج منه إلا بعذر، فإن خرج قضی. وعن مالك: لا قضاء علیه، انتهى. قلت: وما ذكر من التأويل لرواية حنبل لا يتمشى فيما سيأتي عن الإمام أحمد من ((كتاب الصَّلاة)) له، فالظاهر أنه له رواية أيضاً، قال الحافظ(٢): جواز الفطر من صوم التطوع هو قول الجمهور، ولم يجعلوا عليه قضاء إلا أنه يستحب له ذلك. وعن مالك: الجواز وعدم القضاء بعذر، والمنع وإثبات القضاء بغير عذر، وعن أبي حنيفة: يلزمه القضاء مطلقاً، ذكره الطحاوي وغيره، وشبّهه من أفسد حج التطوع فإن عليه قضاء اتفاقاً. وتُعقِّب بأن الحج امتاز بأحكام لا يقاس عليه غيره فيها، فمن ذلك أن الحج يؤمر مُفْسِدُه بالمضي في فاسده، والصيام لا يؤمر مفسده بالمضي فيه، فافترقا، قلت: وسيأتي الكلام عليه في كتاب الحج، ثم قال الحافظ: ولأنه قياس في مقابلة النص فلا يعتبر به، وأغرب ابن عبد البر(٣) فنقل الإجماع على عدم وجوب القضاء عمن أفسد صومه بعذر، انتهى. (١) ((المغني)) (٤١٠/٤)، وانظر: ((فتح القدير)) (٨٥/٢، ١٠٥)، و((الدر المختار)) (١٦٤/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٢١٢). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٠٢/١٠). ٢٧٢ --- ١٧ - كتاب الصيام (١٨) باب ٠٠ قلت: ما قال الحافظ من أنه قياس في مقابلة النص بعيد من مثل الحافظ، لأنه ليس بقياس، بل هو النص بعينه، كما سترى مع أن لا نص عند من ينفي القضاء إلا عدم الذكر وهو ليس بحجة. وقال العيني(١): مذهب مجاهد وطاووس وعطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق: أن المتطوع بالصوم إذا أفطر بعذر أو بغير عذر لا قضاء عليه، إلا أن يحب هو أن يقضيه، وروي ذلك عن سلمان وأبي الدرداء، وروي وجوب القضاء عن أبي بكر وعمر وعلي وابن عباس وجابر بن عبد الله وعائشة وأم سلمة، وهو قول الحسن البصري وسعيد بن جبير في قول وأبي حنيفة ومالك وأبي يوسف ومحمد - رحمهم الله -، انتهى. قلت: والصواب في مسلك الإمام مالك - رضي الله عنه - هو التفريق(٢) كما حكاه الحافظ، ففي ((الشرح الكبير)) للدردير: وقضى في النفل بالفطر العمد الحرام لا بالفطر نسياناً أو إكراهاً ولا بحيض ونفاس إلى آخر ما قاله. وفي فروع الحنابلة من ((نيل المآرب)) وغيره سُنِّية القضاء خروجاً عن الخلاف، لكن نصّ ((كتاب الصلاة)) للإمام أحمد بن حنبل: أنه من دخل في التطوع فقد صار واجباً عليه لازماً له يجب عليه إتمامه وإحكامه، كما أن الرجل لو أحرم بحجة تطوعاً وجب عليه قضاؤها، وكما أن الرجل لو صام تطوعاً يوماً ثم أفطر عند العصر وجب عليه قضاء ذلك اليوم، فكل تطوع دخل فيه لزمه، ووجب عليه أداؤه تاماً محكماً، لأنه حين دخل فيه فقد أوجبه على نفسه، ولو لم يدخل فيه لم يكن عليه شيء، انتهى. (١) ((عمدة القاري)) (٧٩/١١). (٢) قال مالك وأصحابه: من أصبح صائماً متطوعاً، ثم أفطر عامداً فعليه القضاء. كذا في «الاستذكار)). ٢٧٣ ١٧ - كتاب الصيام (١٨) باب (٦١٠) حدیث ٥٠/٦١٠ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةً قلت: ففي هذا الكلام لا يتمشى التأويل الذي سبق عن الموفق، والظاهر عندي أن للإمام أحمد رواية لإيجاب الإتمام والقضاء أيضاً، وقد ذكر الموفق في الصلاة قريباً منها، فقال: وسائر النوافل من الأعمال حكمها حكم الصيام في أنها لا تلزم بالشروع. ٥٠/٦١٠ - (مالك، عن ابن شهاب، أن عائشة وحفصة) مرسل، وصله ابن عبد البر عن عبد العزيز بن يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وقال(١): لا يصح عن مالك إلا المرسل، وله طرق كثيرة عند الترمذي والنسائي والطحاوي وغيرهم، وبسط السيوطي في ((التنوير)) والحافظ في ((الفتح)) (٢) وغيرهما الكلام على إرسال الحديث واتصاله وصحته وخطئه، وأجاب عنه العلامة العيني في ((شرح البخاري)) بأشد البسط لا يسعه هذا المختصر . والجملة أنهم لم يختلفوا في تصحيح المرسل، وإنما أنكروا اتصاله، فلا بد أن يكون دليلاً لمن احتجّ بالمرسل، سيما إذا توبع بالمراسيل العديدة على أن من أنكر الاحتجاج بالمرسل سَلّم الاحتجاج بمرسل تأيد بمرسل آخر فضلاً بعدة مراسيل، هذا وقد ذكر العيني(٣) فيمن روى الحديث متصلاً عن الزهري عن عروة عن عائشة جماعة، منهم: جعفر بن برقان وسفيان بن حسين ومحمد بن أبي حفصة وصالح بن أبي الأخضر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وصالح بن كيسان وحجاج بن أرطأة، ثم قال: وإذا دار الحديث بين الانقطاع (١) انظر: ((التمهيد)) (٦٨/١٢). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٢١٢/٤). (٣) ((عمدة القاري)) (١٧٨/٨). ٢٧٤ ------ -- ١٧ - كتاب الصيام (١٨) باب (٦١٠) حديث والاتصال فطريق الاتصال أولى وهو قول الأكثرين، وذلك لأن طريق الانقطاع ساكت عن الراوي وحاله أصلاً، وفي طريق الاتصال بيان له، ولا معارضة بين الساكت والناطق. ولئن سلّمنا أنه رُوي مرسلاً أنه أصح، فقد وافقه حديث متصل، وهو حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة - رضي الله عنها - أم المؤمنين، رواه الطحاوي، انتهى. وسيأتي حديث عائشة هذا قريباً، وحديث الباب هذا أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي بطرق، ذكرها العيني في شرحه وغيرهم. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (١): وبسند الترمذي رواه أحمد في ((مسنده)) ورواه ابن حبان في ((صحيحه)): عن جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين، الحديث، ورواه عبد الرزاق في ((مصنفه)): حدثنا معمر عن الزهري: أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين، الحديث، ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)): عن خصيف عن سعيد بن جبير: أن عائشة وحفصة، الحديث. وله طريق آخر: رواه الطبراني في ((معجمه)) من حديث خصيف عن عكرمة عن ابن عباس أن عائشة وحفصة كانتا صائمتين، الحديث. وطريق آخر: رواه الطبراني في ((معجمه الوسط)) عن أبي هريرة، قال: أهديت لعائشة وحفصة هدية، وهما صائمتان، فأكلتا منها، فذكرتا ذلك لرسول الله وَل﴾، فقال: ((اقضيا يوماً مكانه ولا تعودا)) وكذا بسط طرق من اتصل الحديث القاري في ((المرقاة))(٢). (١) (٤٦٦/٢). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٢/٤). ٢٧٥ ١٧ - كتاب الصيام (١٨) باب (٦١٠) حديث زَوْجَي النَّبِيِّ وَلَ أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأَهْدِيَ لَهُمَا طَعَامٌ، فَأَقْطَرَتَا عَلَيْهِ. (زوجي النبي (18) وأمي المؤمنين (أصبحتا صائمتين متطوعتين) قال الباجي(١): يحتمل أن يكون هذا في يوم لم يكن عندهما فيه رسول الله والآ، ويحتمل أن يكون ذلك بإذنه، وذلك أن المرأة إذا علمت أن زوجها لا حاجة له بها في الغالب نهاراً جاز لها أن تصوم دون إذنه، فإن علمت أنه يحتاج إليها لم تصم إلا بإذنه، وكذلك السُّرِّيَّة وأم الولد، لأن الاستمتاع حق من حقوق الزوج والسيد، فليس لها المنع بالنوافل، انتهى. وقال العيني: وقد اتفق العلماء على أن المرأة يحرم عليها صوم التطوع وبعلها حاضر إلا بإذنه لحديث أبي هريرة الثابت في مسلم: ((ولا تصوم إلا بإذنه))، انتهى. (فأهدي) ببناء المجهول (لهما) وفي النسخ المصرية: إليهما، (طعام) أي: شاة، كما في رواية أحمد عن عائشة. (فأفطرتا عليه) قال الباجي: يحتمل أن يكون للضرورة والحاجة إليه أو النسيان لصومهما، ويحتمل أن يكون لاعتقاد جواز ذلك، ثم شكتا فيه. وقد اختلف الفقهاء في جواز فطر التطوع لغير ضرورة، فقال مالك: لا يجوز ذلك، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يفطر كما شاء، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿أَوَفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾ وهذا قد عقد الصوم، فوجب أن يفي به، والدليل على ذلك من جهة السنة قوله للأعرابي الذي سأله عما يجب عليه من الصّوم، فقال له: شهر رمضان، فقال: هل عليّ غيره؟ قال: لا إلا أن تطوّع، وهذا يدل على أن عليه أن يطّوّع، ودليلنا من جهة القياس: أن هذا صوم، فلم يجز فيه الفطر لغير ضرورة بعد التلبس به، كقضاء رمضان، انتهى. وقال الحافظ(٢): قد أنصف ابن المنير في ((الحاشية)) فقال: ليس في (١) ((المنتقى)) (٦٧/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٢١٣/٤). ٢٧٦ --- ١٧ - كتاب الصيام (١٨) باب (٦١٠) حديث فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ٠ تحريم الأكل في صورة النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة، كقوله تعالى: ﴿وَلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ إلا أن الخاص يقدم على العام، انتهى. لكنه مخصوص بمن قال: إن الخاص يقدم على العام، ومن قال: إن العام يوجب الحكم فيما يتناوله حتى يجوز نسخ الخاص به، كما ثبت في الأصول، فلا يكون كلام ابن المنير إنصافاً عنده. وقال ابن عبد البر(١): أما من احتج في هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ فجاهل بأقوال أهل العلم، وذلك أن العلماء فيها على قولين: فيقول أكثر أهل السنة: لا تبطلوها بالرياء، أخلصوها لله تعالى، وقال آخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر. وقال العيني(٢): من أين له هذا الحصر؟ وقد اختلفوا في معناه، فقيل: لا تبطلوا الطاعات بالكبائر، وقيل: لا تبطلوا أعمالكم بمعصية الله، ومعصية رسوله، وعن ابن عباس: لا تبطلوها بالرياء والسمعة، وعنه: بالشك والنفاق، وقيل: بالعجب، وقيل: ((لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى))، على أن قوله تعالى: ﴿وَلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ عام يتناول كل من يبطل، سواء كان في صوم أو صلاة أو نحوهما، انتهى. قلت: وقد ثبت في الأصول: أن العبرة لعموم المعنى لا لخصوص المبنى . (فدخل عليهما) ليس في النسخ الهندية لفظ: عليهما (رسول الله وَل﴾) قال الباجي: يحتمل أن يكون دخوله عليهما بأن كان اليوم لغيرهما؛ لأنهما كانتا في بيت التي كان يومها، ويحتمل أن يكون ذلك بإذنها، ويحتمل أن يكون اليوم لواحدة منهما فصامت بإذنه، انتهى. (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٠٨/١٠). (٢) ((عمدة القاري)) (١٧٨/٨). ٢٧٧ ١٧ - كتاب الصيام (١٨) باب (٦١٠) حديث قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَتْ حَقْصَةُ - وَبَدَرَتْنِي بِالْكَلَامِ، وَكَانَتْ بِنْتَ أَبِيهَا -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصْبَحْتُ أَنَا وَعَائِشَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنٍ. فَأُهْدِيَ إِلَيْنَا طَعَامٌ فَأَفْطَرْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ مِ﴿: ((اقْضِيَا مَكَانَهُ قلت: لا حاجة إلى شيء من ذلك، بعد أن ثبت أن رسول الله ول* يدور عليهن في كل يوم مرة، قال الشيخ ابن القيم: وفي ((السنن)) عن عائشة - رضي الله عنها -: كان النبي ◌ََّ لا يُفَضِّل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قلَّ يومٌ إلا وهو يطوف علينا جميعاً، فيدنو من كل امرأة من غير مسيسٍ، حتى يبلغ إلى التي هو في نوبتها فيبيت عندها، وفي ((صحيح مسلم)) : أنهن كن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها، انتهى. (قالت عائشة) - رضي الله عنها -: (فقالت حفصة - وبدرتني) أي سبقتني حفصة (بالكلام)، إلى السؤال من النبي وَ الر (وكانت) أي حفصة (بنت أبيها -) عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تريد أنها كانت جريئة على الكلام وجلدةً في سؤال النبي ◌َّر، وهذا غاية في مدحها لها. (يا رسول الله، إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين). قال الباجي: إن كان بإذنه ◌َّلّ فيحتمل أن يكون أذن لهما في الصوم، ولم يعلم هل تطوٌّ أو غيره، فأعلمته بأنه تطوعٌ، ويحتمل أنه مَّ علم بأن صومهما تطوع، فأرادتا إذكاره. (فأهدي لنا) في المصرية: ((إلينا)) (طعام فأفطرنا عليه). قال الباجي(١): يحتمل أن يكون علم ◌َّ من ضرورتهما وحالهما ما أغناهما عن أن تخبراه أن فطرهما وقع لضرورة، انتهى. قلت: بل هذا معلوم لكل أحد من شدة حال ذلك الزمان وكثرة احتياجهم إلى الأكل، والحال إذ ذاك دون، (فقال رسول الله وَالو: اقضيا مكانه (١) ((المنتقى)) (٦٨/٢). ٢٧٨ ١٧ - كتاب الصيام (١٨) باب (٦١٠) حديث يَوْماً آخَرَ )). وصله أبو داود في: ١٤ - كتاب الصوم، ٧٣ - باب من رأى عليه القضاء. والترمذيّ في: ٦ - كتاب الصوم، ٦٣ - باب ما جاء في إيجاب القضاء. يوماً آخر) والأصل في الأمر الوجوب. قال ابن عبد البر: ومن حجة مالك - رضي الله عنه - مع هذا الحديث قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنِعُوْ اَلْصِيَامَ إِلَى أَبْلِّ﴾ فَعَمَّ الفرضَ والنفلَ، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَيٍِّ﴾(١)، وليس من تعمَّد الفطر بمعظم لحرمة الصوم، وحديث: ((إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطراً فليأكل))، وروي: ((فإن شاء أكل، وإن كان صائماً فليدع))، وروي: ((فإن كان صائماً فلا يأكل)). فلو جاز الفطر في التطوع لكان أحسن في إجابة الدعوة، وحديث: ((لا تصم امرأة، وزوجها شاهد يوماً من غير شهر رمضان إلا بإذنه))، يدل على أن المتطوع لا يفطره ولا يفطر غيره، ولو كان مباحاً كان إذنه لا معنى له. قال القاري(٢): روى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة، بلفظ: ((إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطراً فليأكل، وإن صائماً فليصل))، واستدل بذلك من قال: إن الضيافة ليست بعذر، واستدل الآخرون بحديث سلمان وأبي الدرداء عند البخاري إذ قال: ((ما أنا آكل حتى تأكل»، الحدیث . قال العيني (٣): وروى الطحاوي بسنده عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة زوج النبي ◌َّة قالت: دخل عليّ رسول الله وَ له (١) سورة الحج: الآية ٣٠. (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٩/٤). (٣) ((عمدة القاري)) (١٧٨/٨). ٢٧٩ ١٧ - كتاب الصيام (١٨) باب (٦١٠) حديث فقلت له: يا رسول الله إنا قد خبأنا لك حيساً(١)، فقال: ((أما إني كنت أريد الصوم، ولكن قَرِّبيه سأصوم يوماً مكان ذلك))، قال محمد بن إدريس الشافعي - رضي الله عنه -: سمعت سفيان عامة مجالستي إياه لا يذكر فيه: ((سأصوم يوماً مكان ذلك))، قال: ثم إني عرضت عليه الحديث قبل أن يموت بسنة، فأجاب فيه: ((سأصوم يوماً مكان ذلك)). قلت: وقد علم أن من لم يذكر هذا اللفظ في الحديث فهو من الروايات القديمة له، فلعله ذكر أولاً مختصراً، لأن وجوب القضاء ظاهر، أو علم هو بنفسه بهذه الزيادة في آخر عمره. وفي ((العرف الشذي)) (٢): مر عليه الحافظ في ((تلخيص الحبير))(٣) وقال: اختلط ابن عيينة قبل وفاته بسنة، وأنكره الذهبي من الأول إلى الآخر، ثم ذكر منشأ قول الحافظ وردَّه، هذا، وقد رواه غير الشافعي أيضاً، أحدهما في (النسائي الكبرى))، وثانيهما في ((سنن الدارقطني))، انتهى. قال القاري: وفي رواية لمسلم: فأكل، ثم قال: كنت أصبحت، قال الشمُنِّي: وزاد النسائي: ((ولكن أصوم يوماً مكانه))، وصحح عبد الحق هذه الزيادة، انتهى. وقد بسط العيني الكلام على مستدلات الحنفية في ذلك، وفيما ذكرنا غناءٌ لهذا ((الأوجز)) في إثبات القضاء. وقال العيني(٤) والزيلعي: روى الدارقطني من حديث جابر: قال: صنع (١) الحيس: هو التمر مع السمن. (٢) انظر: ((معارف السنن)) (٥١٠/٥). (٣) (٢٠١/٢). (٤) انظر: ((عمدة القاري)) (١٨٠/٨)، و((نصب الراية)) (٤٦٥/٢)، و((سنن الدارقطني)) (٢/ ١٧٨). ٢٨٠ ---- .... .---