النص المفهرس

صفحات 221-240

١٧ - كتاب الصيام
(١٤) باب
(٦٠٠) حديث
قلت: والأوجه أن الإشارة إلى الكل، والتكرار للتأكيد، وحاصله: أن
من شرع في صيام شهري التتابع، فعرض له عذر يمنع الصوم، كالحيض أو
المرض، أمسك عن الصوم حتى يمكنه، ولا يوجب هذا الاستئناف، لكن لا
يؤخر بعد رفع العذر، فإن أخّر بعده استأنف، والمسألة مختلفة عند الأئمة،
والمذكور هو مسلك المالكية. وهكذا في فروعهم.
ففي ((الشرح الكبير)): وانقطع بفطر السفر أو بفطر بمرض هاجه سفره، لا
أن تحقق أنه لم يهجه بل هاج بنفسه، كحيض ونفاس وإكراه لا بفطر نسيان،
وانقطع بالعيد إن تعمّده بأن صام ذا القعدة وذا الحجة، لا أن جهله أي: جهل
كون العيد يأتي في أثنائه، انتهى.
وقريب منه بل أوسع منه مسلك الحنابلة، ففي ((نيل المآرب)): الكفارة في
الظهار والوطء في نهار رمضان على الترتيب، عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام
شهرين متتابعين وينقطع التتابع بفطر بلا عذر، وفي ((الروض)): يجب التتابع في
الصوم وينقطع بصوم غير رمضان، ويقع عما نواه، فإن تخلّله رمضان لم ينقطع
التتابع، أو تخلّله فطر يجب كعيد وأيام تشريق وحيض ومرض، أو أفطر ناسياً
أو لعذر مُبيح الفطر كسفر لم ينقطع التتابع، انتهى.
والحنفية والشافعية كأنهما متوافقان في ذلك، ففي ((روضة المحتاجين)):
فلو أفطر يوماً ولو الأخير، ولو بعذر، كسفر ومرض، انقطع التتابع ووجب
الاستئناف، وفي ((شرح الإقناع)): ويفوت التتابع بفوات يوم بلا عذر ولو كان
اليوم الأخير، أما إذا فات بعذر، فإن كان كجنون لا يضر، لأنه يُنَافي الصوم،
أو كمرض مسوغ للفطر أضرّ، لأن المرض لا ينافي الصوم، قال في ((هامشه)):
مثل الجنون حيض ونفاس وإغماء مستغرق، انتهى.
وفي ((الهداية)): وإن أفطر منها يوماً بعذر أو بغير عذر استأنف لفوات
التتابع وهو قادر عليه، وفي ((هامشه)): ((وهو قادر عليه)) احتراز عن المرأة إذا
أفطرت للحيض.
٢٢١

١٧ - كتاب الصيام
(١٥) باب
(١٥) باب ما يفعل المريض في صيامه
وفي ((الدر المختار)): صام شهرين متتابعين ليس فيهما رمضان وأيام نهي
عن صومها، فإن أفطر بعذر كسفر ونفاس، بخلاف الحيض، إلا إذا يئست أو
بغير عذر استأنف الصوم، قال ابن عابدين: أما الحيض فلأنها لا تجد شهرين
خاليين عنها، وأما النفاس فيقطع التتابع.
(١٥) ما يفعل المريض في صيامه
يعني بيان جواز الفطر للمريض، ونوع المرض الذي يجوز به الفطر. قال
الخرقي: للمريض أن يفطر إذا كان الصوم يزيد في مرضه، فإن تحمل وصام
كره له ذلك وأجزاه.
قال الموفق(١): أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة،
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنَكُمْ فَرِيضًا﴾(٢) الآية، والمرض المبيح
للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه، قيل لأحمد: متى
يفطر المريض؟ قال: إذا لم يستطع، قيل: مثل الحُمّى؟ قال: وأي مرض أشدّ
من الحمى؟ وحكي عن بعض السلف: أنه أباح الفطر بكل مرض، حتى من
وجع الأصبع والضرس لعموم الآية، ولأن المسافر يباح له الفطر وإن لم يحتج
إليه، فكذلك المريض، ولنا؛ أنه شاهد للشهر، ولا يؤذيه الصوم، فلزمه
كالصحيح، والآية مخصوصة في المسافر والمريض جميعاً، بدليل أن المسافر
لا يباح له الفطر في السفر القصير.
والفرق بين المسافر والمريض: أن السفر اعتبرت فيه المظنة، وهو السفر
الطويل، حيث لم يمكن اعتبار الحكمة بنفسها، فإن قليل المشقة لا يبيح،
وكثيرها لا ضابطة له في نفسه، فاعتبرت بمظنتها، وهو السفر الطويل، فدار
(١) ((المغني)) (٤٠٣/٤).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٤.
٢٢٢

١٧ - كتاب الصيام
(١٥) باب
(٦٠١) حديث
٤١/٦٠١ - قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الأَمْرُ الَّذِي
سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْم؛ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا أَصَابَهُ الْمَرَضُ الَّذِي يَشُقُّ
عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَعَهُ، وَيُتْعِبَّهُ، وَيَبْلُغُ ذُلِكَ مِنْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ.
الحكم مع المظنة وجوداً وعدماً، والمرض لا ضابط له، فإن الأمراض
تختلف، منها: ما يضر صاحبه الصوم، ومنها: ما لا أثر للصوم فيه، كوجع
الضرس، وجرح في الأصبع، وأشباه ذلك، فلم يصلح المرض ضابطاً، وأمكن
اعتبار الحكمة وهو ما يخاف منه الضرر، فوجب اعتباره، فإذا ثبت هذا فإن
تحمل المريض وصام مع هذا فقد فعل مكروهاً لما يتضمنه من الإضرار بنفسه،
وتركه تخفيف الله تعالى وقبول رخصته، ويصح صومه ويجزئه، لأنه عزيمة أبيح
تركها رخصة، فإذا تحمله أجزأه، انتهى. قلت: وسيأتي من أباح الفطر
للمريض مطلقاً قريباً.
٤١/٦٠١ - (قال يحيى: سمعت مالكاً) الإمام (يقول: الأمر الذي سمعت
من أهل العلم؛ أن المريض إذا أصابه المرض الذي يشقّ عليه الصيام معه) أي
مع ذلك المرض (ويُتْعبه) بضم أوله، أي: يكون المرض بحيث يُوقع الصائم
في التعب (ويبلغ ذلك) الإتعاب (منه) في محل يعتدّ به، وعلم منه أن المناط
المرض الذي يشقّ معه الصوم، لا ما لا يشقّ، فكيف بالذي يكون الصوم
علاجاً له كالتخمة والإسهال. (فإن له أن يفطر) قال الباجي (١): ومقدار المرض
الذي يبيح ذلك لا يستطاع أن يقدر لنفسه، ولذلك قال مالك: والله أعلم بقدر
ذلك من العبد، ومن ذلك ما لا تبلغ صفته.
.
وفي (روح المعاني)): أن المراد في الآية مرض يعسر عليه الصوم معه،
كما يؤذن به قوله تعالى فيما بعد: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ
الْعُسْرَ﴾(٢) وعليه أكثر الفقهاء، وذهب ابن سيرين وعطاء والبخاري إلى أن
(١) ((المنتقى)) (٦١/٢).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٥.
٢٢٣

١٧ - كتاب الصيام
(١٥) باب
(٦٠١) حديث
وَكَذْلِكَ الْمَرِيضُ الَّذِي اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ، وَبَلَغَ مِنْهُ،
وَمَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِعُذْرِ ذُلِكَ مِنَ الْعَبْدِ، وَمِنْ ذُلِكَ مَا لَا تَبْلُغُ صِفَتُهُ.
فَإِذَا بَلَغَ ذُلِكَ، صَلَّى وَهُوَ جَالِسٌ. وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ.
وَقَدْ أَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ، فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ. وَهُوَ أَقْوَى
عَلَى الصِّيَامِ مِنَ الْمَرِيضِ.
المرخص مطلق المرض، عملاً بإطلاق اللفظ، وحكي أنهم دخلوا على
ابن سيرين في رمضان وهو يأكل فاعتلّ بوجع أصبعه، وهو قول للشافعية،
انتھی .
(وكذلك المريض) توضيح للمسألة بذكر النظير. (الذي اشتد عليه القيام)
وفي النسخ الهندية: وكذلك المريض إذا اشتد عليه القيام. (في الصلاة وبلغ)
ذلك (منه) مبلغاً (ما الله) كذا في النسخ الهندية، وفي بعض النسخ المصرية
بزيادة الواو في أوله بلفظ: ((وما الله)). قال الزرقاني: الواو زائدة، وفي
الباجي: ((والله أعلم)) بدون لفظ: ما. (أعلم بعذر) بعين وذال معجمة في أكثر
النسخ، وفي الباجي: بالقاف والدال المهملة. (ذلك من العبد) أي: مقدار
ذلك المرض (ومن ذلك ما لا تبلغ صفته) أي: لا تبلغ بهذا المقدار. (فإذا بلغ
ذلك) المقدار منه (صلى وهو جالس)، لسقوط القيام بالعذر. (ودين الله يسر)
قال الله عز اسمه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾(١) وقال عز
اسمه: ﴿هُوَ أَجْتَبَنَكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ اٌلِيْنِ مِنْ حَرَجْ﴾(٢).
(وقد أرخص الله) وليس في النسخ الهندية لفظ الجلالة فببناء المجهول.
(للمسافر في الفطر في السفر وهو) أي المسافر (أقوى على الصيام من المريض)
وهذا استدلال بالأولوية، يعني لما أبيح الفطر للمسافر مع أن مشقته أقل من
مشقة المريض فبالأولى أن يباح للمريض.
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٥.
(٢) سورة الحج: الآية ٧٨.
٢٢٤
۔

١٧ - كتاب الصيام
(١٥) باب
(٦٠١) حديث
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنَكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ
مِنْ أَبْتَامِ أُخَرَّ﴾ فَأَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ، فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ
أَفْوَى عَلَى الصَّوْمِ مِنَ الْمَرِيضِ.
فَهِذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ .
(قال الله) - تبارك و(تعالى - في كتابه) العزيز (﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى
سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾﴾ أي: فعليه عدد ما أفطر (﴿مِّنْ أَنَّامٍ أُخَرُّ﴾)(١) يقضي فيها ما
أفطر (فأرخص الله - عز اسمه - للمسافر، في الفطر في السفر. وهو أقوى على
الصَّوم) وفي الهندية: على الصيام (من المريض) أعاده توضيحاً وتأكيداً.
قال الباجي(٢): استدل مالك - رحمه الله - على جواز فطره المشقة الصيام
عليه بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا﴾ الآية، قال: فأرخص الله للمسافر
إلى آخره، فجعل جواز الفطر للمسافر بيسير المشقة، دليلاً على جواز الفطر
للمريض الذي يلحقه من مشقة الصيام أكثر من ذلك، وهذا من باب الاستدلال
بالأولى أنه إذا كان أصل علة الفطر في السفر المشقة، وكان مشقة المريض
أشد، فأن يباح الفطر معها أولى. وهذا احتجاج على من أنكر الفطر للمريض
إلا لخوف الهلاك دون ما ذكرناه. وما أعلم أحداً قال به، ولكنه لعله خاف
اعتراض معترضٍ به فتبرع بالحجة، انتهى.
وقوله: ((لا أعلم أحداً قاله)) يردّه ما حكى ابن عبد البر(٣): أنه قيل: لا
يفطر لخشية زيادة المرض لأنه ظنّ لا يقين معه، وقد وجب عليه الصيام بيقين،
انتهى. ويمكن أن يقال: إن الباجي لم يعلمه أو لم يعتدّ به، وبه سقط
ما يتوهم، كيف يستدل بالقياس مع أن المرض منصوص عليه في الآية قبل
السفر؟. (فهذا أحبّ ما سمعت إليّ في ذلك) هذا يشعر بأنه سمع غيره أيضاً.
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٥.
(٢) ((المنتقى)) (٦٢/٢).
(٣) ((الاستذكار)) (١٦٤/١٠).
٢٢٥

١٧ - كتاب الصيام
(١٦) باب
(٦٠٢) حديث
وَهُوَ الأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ.
(١٦) باب النذر في الصيام والصيام عن الميت
٦٠٢ / ٤٢ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ
الْمُسَيَّب أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلِ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرِ. هَلْ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ؟ فَقَالَ
سَعِيدٌ: لِيَبْدَأُ بِالنَّذْرِ قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّعَ.
وهذا أيضاً يرد على الباجي ما قال: لا أعلم أحداً قاله (وهو الأمر المجتمع
عليه عندنا) بالمدينة المنورة.
(١٦) النذر في الصيام والصيام عن الميت
هذا الباب متضمن لبابين: الأول: باب أحكام النذر في الصيام من تقديم
النوافل عليه، ومن أداء الوصية فيه، والنذر ما يلزمه الإنسان على نفسه، يجب
على الإنسان وفاؤه بشرائطه، قال الله عز اسمه: ﴿وَلَيُوفُواْ نُذُورَهُمْ﴾(١)،
والباب الثاني: في الصوم عن الميت هل يجوز أم لا؟.
٦٠٢ /٤٢ - (مالك، أنه بلغه عن سعيد بن المسيب) بكسر الياء وفتحها
(أنه سئل) ببناء المجهول (عن رجل نذر صيام شهر) غير متعين، أما المتعين
فليس هذا حكمه كما سيجيء. (هل له أن يتطوع؟) أي: يصوم تطوعاً قبل
الصوم بنذره. (فقال سعيد: ليبدأ بالنذر قبل أن يتطوع) قال أبو عمر (٢): هذا
على الاختيار واستحسانِ البدارِ إلى ما وجب عليه قبل التطوع.
قال الباجي(٣): فإن قدم التطوع، صح صومه في التطوع وبقي النذر في
ذمته، وقد أساء لنفسه، وإنما قلنا: يصح تطوعه، لأن الزمن لا يختص بصوم
(١) سورة الحج: الآية ٢٩.
(٢) ((الاستذكار)) (١٦٥/١٠).
(٣) ((المنتقى)) (٦٢/٢).
٢٢٦

١٧ - كتاب الصيام
(١٦) باب
(٦٠٢) حديث
.....
٠٠٠٠٠
النذر، بل يصح فيه التطوع وغيره، وهذا إذا كان النذر غير معين، فإن تعلق
بزمن معين لم يجز له أن يصوم فيه غيره، فإن فعل أثم؛ لأنه لم يفِ بنذره،
وكان عليه قضاء نذره، لأنه قد ترك صومه مع القدرة عليه، فإذا مضى زمن
النذر ولم يصمه فيه لما ذكرنا، تعلق قضاء صومه بذمّته، وكان حكمه حكم
النذر الذي لم يتعين بزمن معين، انتهى.
قال الموفق(١): اختلفت الرواية عن أحمد في جواز التطوع بالصوم ممن
عليه صوم فرض، فَنَقَل عنه حنبلٌ: أنه لا يجوز أن يتطوع بالصوم، وعليه صوم
من الفرض حتى يَقْضِيَه، وروى حنبل عن أحمد(٢) بإسناده عن أبي هريرة: أن
رسول الله وَ لو قال: ((من صام تطوعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه، فإنه لا
يُتَقَبَّلُ منه حتى يصومه))، وروي عن أحمد: أنه يجوز له التطوع؛ لأنها عبادة
تتعلق بوقت موسّع، فجاز التطوع في وقتها قبل فعلها، كالصلاة يتطوع في أول
وقتها، والحديث يرويه ابن لهيعة، وفيه ضُعْفٌ، وفي سياقه ما هو متروك، فإنه
قال في آخره: ((ومن أدركه رمضان، وعليه من رمضان شيء لم يُتَقَبَّلْ منه))،
انتھی .
قال في ((الشرح الكبير))(٣): كره تطوع بصيام قبل صوم نذر غير معين، أو
قضاء وكفارة بصوم، وأما المعين فلا يكره التطوع قبله، ولا يجوز التطوع في
زمانه، فإن فعل لزمه القضاء، لأنه فوته بغير عذر، انتهى. قال الدسوقي: لا
يكره التطوع قبله، لأنه لا أثر له قبل زمنه، لعدم اشتغال الذمة به، انتهى.
وقد علم مما سبق أن ههنا ثلاثة مسائل، والحنفية موافقة المالكية في
واحدة منها دون الاثنتين.
(١) ((المغني)) (٤/ ٤٠١).
(٢) أخرجه أحمد في «المسند» (٣٥٢/٢).
(٣) (٥١٨/١).
٢٢٧

١٧ - كتاب الصيام
(١٦) باب
(٦٠٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ مِثْلُ ذُلِكَ.
قَالَ يَحْيَىُ: قَالَ مَالِكُ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ مِنْ رَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا،
أَوْ صِيَام،
ےے
الأولى: تقديم صيام التطوع على النذر غير المعين، أو القضاء، قالت
المالكية: يكره كما تقدم، وقالت الحنفية: لا كراهة فيه، ففي ((الدر
المختار))(١): وقضوا ما قدروا بلا فدية وبلا ولاء، لأنه على التراخي، ولذا
جاز التطوع قبله، قال ابن عابدين: قوله: جاز التطوع قبله، ولو كان الوجوب
على الفور لكره، لأنه يكون تأخيراً للواجب عن وقته المضيق، انتهى.
والثانية: تقديمه على الصوم المعين، قالوا: لا يكره؛ لأنه لا أثر له قبل
زمنه، وكذلك قالت الحنفية: لا كراهة فيه؛ لأنه لا كراهة عندهم في غير
المعين، ففي المعين بالأولى.
والثالثة: إن صام التطوع في يوم النذر المعين لا يجوز عندهم، أثم
الفاعل، وكان عليه قضاء ذلك اليوم، وقالت الحنفية: يتأدى صوم النذر بذاك
الصَّوم، ففي ((الدر المختار)): يصح صوم رمضان، والنذر المعين بمطلق النية،
وبنية نفل، لعدم المزاحم، انتهى.
(قال مالك: وبلغني عن سليمان بن يسار مثل ذلك). أي: مثل الذي تقدم
عن سعيد بن المسيب. وفي ((المسوّى))(٢): معناه: أنَّ المستحب أن يبادر إلى
أداء الواجب لا التطوع، فهو قول أهل العلم، انتهى.
(قال يحيى: قال مالك: من مات وعليه نذر من رقبة يعتقها) صفة الرقبة،
يعني نذر عتق رقبة باقٍ عليه لم يوفه. (أو صيام) يحتمل الرفع عطفاً على نذر،
أي: يجب عليه شيء من الصيام كالقضاء والكفارة وغيرها، ويحتمل الجر
(١) (٤٦٥/٣).
(٢) (٣٠١/١).
٢٢٨

١٧ - كتاب الصيام
(١٦) باب
(٦٠٢) حدیث
أَوْ صَدَفَةٍ، أَوْ بَدَنَةٍ، فَأَوْصَى بِأَنْ يُوَفَّى ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، فِإِنَّ
الصَّدَقَةَ وَالْبَدَنَةَ فِي ثُلُثِهِ .
عطفاً على رقبة، وهو الأوجه عندي لمناسبة الباب، وإليه يشير كلام الباجي(١)
إذ قال: أدخل مالك هذه المسألة فيمن مات وعليه نذر صوم ولم يجب عليه،
لأنه اقتصر في ذلك على جواب عبد الله بن عمر: لا يصوم أحد عن أحد، ولا
يصلي أحد عن أحد، انتهى.
(أو صدقة) يحتمل الرفع والجر كما تقدم، وكذلك قوله: (أو بدنة) هي
الواحدة من الإبل، ذكراً أو أنثى، فالتاء فيها للوحدة لا التأنيث، كذا في
((الشرح الكبير))، وهل تختص بالإبل، أو يشمل البقر أيضاً؟ مختلف عند
الأئمة. (فأوصى بأن يوفى ذُلِكَ) أي النذر المذكور (عنه من ماله) والتقييد
بالوصية إذا كان النذر نذر صحة، قال الدسوقي: إن كان النذر في الصحة فلا
بدّ من الإيصاء به حتى يخرج من الثلث، وإلا كان من قبيل الهبة، لا يتم إلا
بالحوز قبل المانع، وإن كان النذر في المرض، فإنه يخرج من الثلث وإن لم
يوص به، لأن التبرعات في المرض تخرج من الثلث وإن لم يوص بها،
انتھی .
وفي ((المدونة)): كل شيء مما أوجب عليه من زكاة أو غيره ثم لم يوص
بها لم تجبر الورثة على أداء ذلك إلا أن يشاؤوا. (فإن الصدقة والبدنة في ثلثه)
أي: في ثلث ماله بشرط الوصية، لا في جميع ماله، وكذلك الصيام وغيره،
قال في ((المدونة)) (٢): قلت: أرأيت لو أن رجلاً أفطر في رمضان من عذر ثم
صح أو رجع من سفره ففرط ولم يصمه حتى مات، وقد صح شهراً أو قدم
فأقام في أهله شهراً فمات وأوصى أن يطعم عنه؟، قال مالك: يكون ذلك في
ثلثه، انتهى.
(١) انظر: ((المنتقى)) (٦٣/٢).
(٢) (١٨٧/١).
٢٢٩

١٧ - كتاب الصيام
(١٦) باب
(٦٠٢) حدیث
وَهُوَ يُبَدَّى عَلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْوَصَايَا إِلَّا مَا كَانَ مِثْلَهُ. وَذُلِكَ أَنَّهُ
لَيْسَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنَ النُّذُورِ وَغَيْرِهَا، كَهَيْئَةٍ مَا يَتَطَوَّعُ بِهِ مِمَّا لَيْسَ
بِوَاجِبٍ. وَإِنَّما يُجْعَلُ ذُلِكَ فِي ثُلُثِهِ خَاصَّةً، دُونَ رَأْسٍ مَالِهِ. لأَنَّهُ لَوْ
جَازَ لَهُ ذُلِكَ فِي رَأْسِ مَالِهِ لأَخَّرَ الْمُتَوَفَّى مِثْلَ ذُلِكَ مِنَ الأُمُورِ
(وهو) أي النذر (يُبَدَّى) ببناء المجهول أي يقدم. (على ما سواه من
الوصايا) النفلية (إلا ما كان) من الوصية (مثله) أي: مثل النذر في كونها واجباً.
(وذلك) أي وجه تبدية ذلك (أنه ليس الواجب عليه) أي على الموصي (من
النذر) بالإفراد في النسخ الهندية، والنذور أي بالجمع في النسخ المصرية
(وغيرها كهيئة ما يتطوع به) خبر ليس (مما ليس بواجب) يعني وجه تقديم النذر
وغيره من الواجبات؛ أن الواجبات آكد من المتطوعات، فلا تكونان
متساويتين .
قال في ((الشرح الكبير)): لو أوصى بوصايا، أو لزمه أمور تخرج من
الثلث، وضاق عن جميعها، قدم فك أسير أوصى به، ثم مدبَّر صحةٍ، ثم
صَداق مريضٍ لمنكوحة فيه، ثم زكاة أوصى بها وقد فرط فيها، ثم زكاة الفطر،
ثم كفارة الظهار، وقتل خطأ، ولفظ الكفارة يشمل الإطعام، فهذا أولى من
قولهم: ثم عتق رقبة الظهار، ثم كفارة يمينه، ثم كفارة بفطر رمضان، وإنما
أخرت عن كفارة اليمين، لأنها وجبت بالقرآن، وكفارة الفطر بالحديث، ثم
الكفارة للتفريط في قضاء رمضان، ثم النذر، ثم وثم إلى آخر ما قاله، انتهى
بتغير وزيادة.
(وإنما يجعل ذلك) أي: أداء المذكور من النذر وغيره (في ثلثه) أي ثلث
ماله، (خاصة دون رأس ماله) أي: جميع ماله خلافاً لقوم إذا قالوا: كل واجب
عليه في حياته إذا أوصى به فهو في رأس ماله، (لأنه لو جاز له ذلك) أي: أداء
الواجبات من إيفاء النذر وغيره (في رأس ماله) أي كل ماله (لأخّر) فعل ماض
من التأخير، بزيادة اللام في أوله. (المتوفى) الميت (مثل ذلك من الأمور
٢٣٠

١٧ - كتاب الصيام
(١٦) باب
(٦٠٣) حديث
الْوَاحِبَةِ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، وَصَارَ الْمَالُ لِوَرَثَتِهِ، سَمَّى
مِثْلَ هُذِهِ الأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَتَقَاضَاهَا مِنْهُ مُتَقَاضٍ. فَلَوْ كَانَ ذُلِكَ
جَائِزَاً لَهُ، أَخَّرَ هُذِهِ الأَشْيَاءِ. حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ سَمَّاهَا، وَعَسى
أَنْ يُحِيطَ بِجَمِيعِ مَالِهِ. فَلَيْسَ ذُلِكَ لَهُ .
٤٣/٦٠٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
◌ُمَرَ كَانَ يُسْأَلُ: هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ أَوْ يُصَلِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ؟
فَيَقُولُ: لا يَصُومُ أَحَذٌ عَنْ أَحَدٍ وَلا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ.
الواجبة عليه، حتى إذا حضرته الوفاة) أي قرب علامات الموت، (وصار المال
لورثته سمى) هكذا في النسخ المصرية، وهو الظاهر، فيكون جزاءً لقوله: إذا،
وفي جميع النسخ الهندية بدل ذلك: سيما، فإن سلم من التحريف يكون بياناً
للأمور الواجبة .
(مثل هذه الأشياء) وعينها وأظهرها (التي لم يكن يتقاضاها منه متقاض)
وذلك لأن الديون التي لها مُطَالِبٌ ومتقاضٍ لا يؤخرها إلى الموت، والجملة
جزاء لقوله: إذا حضرته الوفاة. (فلو كان ذلك جائزاً له، أخّر هذه الأشياء،
حتى إذا كان عند موته) وحان وقت الموت. (سَمَّاها) أعاد هذا الكلام لمزيد
التوضيح بتغير العبارة. (وعسى أن تُحِيطَ) أي هذه الأشياء، وفي النسخ
المصرية: (يحيط)) بالتذكير، بتأويل المذكور. (بجميع ماله. فليس ذلك له) لما
فيه من الإضرار بالورثة، والتهمة من قصد حرمانهم بذلك.
٤٣/٦٠٣ - (مالك، أنه بلغه أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(كان يُسْأل) ببناء المجهول (هل يصوم أحد عن أحد، أو يصلي أحد عن أحد؟
فيقول: لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد) قال الباجي(١): يريد
لا يجزئ أن ينوب أحد عن أحد، فمن لزمه من ذلك شيء ففعله فقد أدى
(١) انظر: ((المنتقى)) (٦٣/٢).
٢٣١

١٧ - كتاب الصيام
(١٦) باب
(٦٠٣) حديث
٠٠
ما عليه وأبرأ ذمته، وإن لم يفعله فلا ينوب عنه غيره في صيامه، ولا تبرأ ذمته
بذلك.
وذلك أن العبادات على ثلاثة أضرب: ضرب منها من عبادات المال، لا
تعلق له بالبدن كالزكاة، فهذا يصح فيه النيابة، والضرب الثاني له تعلق بالمال،
وتعلق بالبدن كالحج والغزو، وقد اختلف أهل العلم في صحة النيابة فيه،
وسيأتي ذكره في كتاب الحج، إن شاء الله تعالى، والضرب الثالث له
اختصاص بالبدن، ولا تعلق له بالمال كالصوم والصلاة، وهذا لا يدخله النيابة
بوجه، وبه قال جمهور الفقهاء، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي، وقال
بعض أصحاب الشافعي: يصوم عنه وليه، وبه قال أهل الظاهر، انتهى.
قال الموفق(١): من مات وعليه صيام من رمضان، لم يخلُ من حالين؛
أحدهما؛ أن يموت قبل إمكان الصيام، إما لضيق الوقت، أو لعذر من سفر،
أو عجز عن الصوم، فهذا لا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن
طاووس وقتادة أنهما قالا: يجب الإطعام عنه، لأنه صوم واجب سقط بالعجز
عنه، فوجب الإطعام عنه، كالشيخ الهرم إذا ترك الصيام لعجزه، ولنا؛ أنه حقٌّ
لله وجب بالشرع، ومات قبل إمكان فعله فسقط.
والثاني: أن يموت بعد إمكان القضاء، فالواجب أن يطعم عنه لكل يوم
مسكين، وهذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن عائشة وابن عباس، وبه قال
مالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، والحسن بن حي(٢)، وابن علية،
وأبو عبيد في الصحيح عنهم، وقال أبو ثور: يصام عنه، وهو قول الشافعي، لما
روت عائشة: أن النبي ◌َّ﴾ قال: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه)) متفق عليه(٣).
(١) ((المغني)) (٣٩٨/٤).
(٢) وفي الأصل ((الخزرجي)) وهو تحريف.
(٣) أخرجه البخاري في الصوم. (١٩٥٢)، ومسلم (٨٠٣/٢).
٢٣٢

١٧ - كتاب الصيام
(١٦) باب
(٦٠٣) حديث
+
ولنا؛ ما روى ابن ماجه عن ابن عمر: أن النبي وَلّه قال: ((من مات وعليه
صيام شهر، فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً)). قال الترمذي: الصحيح عن
ابن عمر موقوف، وعن عائشة أيضاً: قالت: يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام
عنه، وأما حديثهم فهو في النذر، لأنه قد جاء مصرحاً به في بعض ألفاظه، انتهى.
وقال الخطابي: ذهب إلى ظاهر الحديث أحمد وإسحاق، وهو قول أهل
الظاهر، وتأوّله بعض أهل العلم، فقال: معناه؛ أن يطعم عنه وليه، فإذا فعل
ذلك فكأنه صام عنه، وسمي الإطعام صياماً على سبيل المجاز والاتساع، إذ
كان الطعام قد ينوب عنه، وقد قال سبحانه: ﴿أَوَّ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ فدل على
أنهما يتناوبان، وذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يجوز صيام أحد عن أحد،
واتفق عامة أهل العلم على أنه إذا أفطر في المرض أو السفر، ثم لم يفرط في
القضاء حتى مات، فإنه لا شيء عليه، ولا يطعم عنه، غير قتادة، فإنه قال:
يطعم عنه، وقد حكي ذلك عن طاووس أيضاً، انتهى.
قال الزرقاني(١): ((لا يصوم أحد عن أحد، إلى آخره)) هو إجماع في
الصلاة، ولو تطوعاً عن حي أو ميت، وفي الصوم عن الحي خلاف، حكاه
ابن عبد البر وعياض وغيرهما، وأما الصيام عن الميت فكذلك عند الجمهور،
منهم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد، وذهبت طائفة من
السلف، وأحمد في رواية، والشافعي إلى أنه يستحب لوارثه أن يصوم عنه
ويُبرّأُ به الميت، ورجحه النووي لحديث الصحيحين عن عائشة مرفوعاً: ((من
مات وعليه صيام صام عنه وليه))، ولحديثهما عن ابن عباس: أتت امرأة
رسول الله *، فقالت: إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، فقال: ((أرأيت لو
كان عليها دين، أكنت تقضيه؟)) قالت: نعم، قال: ((فدين الله أحق))، قلت: لم
يقل به الشافعي في القديم أيضاً، بل علّق القول.
(١) (١٨٦/٢).
٢٣٣

١٧ - كتاب الصيام
(١٦) باب
(٦٠٣) حدیث
قال الحافظ: أجاز الصيام عن الميت أصحاب الحديث، وعلّق الشافعي
في القديم القول على صحة الحديث كما نقله البيهقي في ((المعرفة))، وقال في
الجديد، ومالك، وأبو حنيفة: لا يصام عن الميت، وقال الليث وأحمد
وإسحاق وأبو عبيد: لا يصام عنه إلا النذر، حملاً للعموم الذي في حديث
عائشة على المقيد في حديث ابن عباس، وليس بينهما تعارض حتى يجمع
بينهما، انتهى.
وقال القاري(١): ذهب إلى ظاهر حديث ((صام عنه وليه)) ابن عباس،
وقيل: هو قول أحمد وإسحاق، وإن صام أجنبي بإذن الولي، جاز عند من
يجوز صوم الولي، وقال داود: هذا في النذر، وفي قضاء رمضان يطعم عنه
وليه، ولا يصوم، وذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عنه، وبه قال مالك
وأبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه، انتهى.
وبسط العلامة العيني(٢) بيان المذاهب في ذلك، فذكر ستة مذاهب
للفقهاء في ذلك: الأول: إباحة الصيام عن الميت مطلقاً، سواء كان عن
رمضان أو كفارة أو نذر، وحكاه عن قديم الشافعي وداود الظاهري وابن حزم
وجماعة من السلف، والثاني: يطعم عنه كل يوم مداً من قمح، وحكاه عن
مالك وجديد الشافعي، والثالث: يطعم عنه كل يوم نصف صاع، وحكاه عن
الثوري، والرابع: يطعم عنه كل يوم نصف صاع من البر أو صاعاً من غيره،
وحكاه عن أبي حنيفة، والخامس: التفرقة بين صوم رمضان وصوم النذر،
وحكاه عن أحمد وإسحاق، والسادس: لا يصوم عنه الأولياء إلا إذا لم يجدوا
ما يطعم عنه، وهو قول سعيد بن المسيب والأوزاعي، انتهى مختصراً.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٢/٤).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٩/١١).
٢٣٤

١٧ - كتاب الصيام
(١٦) باب
(٦٠٣) حديث
٠٠٠٠
٠٠٠٠
moni mminis
قلت: والمرجح عند الحنابلة هو ما حكاه الحافظ عنه، ففي
((الروض))(١): وإن مات بعد أن أخره لعذر فلا شيء عليه، ولغير عذر أطعم
عنه لكل يوم مسكيناً من رأس ماله، أوصى به أو لا، وإن مات وعليه صوم
كفارة، أطعم عنه، كصوم متعة، ولا يقضى عنه ما وجب بأصل الشرع من
صوم وصلاة، وإن مات وعليه صوم نذر، أو حج نذر، أو صلاة نذر، استحب
لوليه قضاؤه، لحديث ((الصحيحين)). ولأن النيابة تدخل في العبادة بحسب
خفتها، وهو أخفّ حكماً من الواجب في أصل الشرع، انتهى.
وتوضيح مسلك الحنفية في ذلك كما في ((الدر المختار))(٢): فدى لزوماً
عنه، أي عن الميت وليه الذي يتصرف في ماله بوصيته من الثلث، وإن لم
يوص وتبرع وليه جاز إن شاء الله، وإن صام عنه، أو صلى عنه الولي لا،
الحديث النسائي: ((لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، ولكن
يطعم عنه وليه))، انتهى.
قال ابن عابدين: هو موقوف على ابن عباس، وأما ما في (الصحيحين))
عنه أيضاً: جاء رجل إلى النبي وَّ، فقال: إن أمي ماتت، الحديث. فهو
منسوخ، لأن فتوى الراوي على خلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ، وقال
مالك: لم أسمع عن أحد من الصحابة ولا من التابعين بالمدينة أن أحداً منهم
أمر أحداً يصوم عن أحد، ولا يصلي عن أحد، وهذا مما يؤيد النسخ، وأنه
الأمر الذي استقر الشرع عليه، وتمامه في ((الفتح)) و ((شرح النقاية)) للقاري،
انتهى .
قلت: وفي ((شرح النقاية)): حديث: ((دين الله أحق))، الاتفاق على صرف
(١) (٤٣٥/١).
(٢) (٣ /٤٦٧).
٢٣٥

١٧ - كتاب الصيام
(١٦) باب
(٦٠٣) حديث
ظاهره، فإنه لا يصح في الصلاة الدَيْنُ إجماعاً، وقد أخرج النسائي في
((الكبرى)) عن ابن عباس - وهو راوي الحديث - أنه قال: لا يصوم أحدكم عن
أحد، وفتوى الراوي على خلاف مرويه بمنزلة رواية الناسخ، وأخرج عبد
الرزاق عن ابن عمر: لا يصلين أحدكم عن أحد، ولا يصومن أحد عن أحد،
ولكن إن كنت فاعلاً تصدقت عنه أو أهديت.
وأخرج الترمذي(١) عن ابن عمر مرفوعاً في رجل مات وعليه صيام:
((فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً)) وقال: لا نعرفه مرفوعاً، إلا من هذا
الوجه، والصحيح عن ابن عمر موقوفٌ، وروى ابن ماجه بإسناد حسن - كما
قاله القرطبي - عن ابن عمر: أن رسول الله مَ لو قال: ((من مات وعليه صوم
شهر، فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً))، وقال مالك: لم أسمع عن أحد من
الصحابة ولا من التابعين بذلك، وهذا يؤيد النسخ وأنه الأمر الذي استقر
الشرع عليه آخراً (٢)، انتهى مختصراً.
ثم اختلف مجيزو الصوم عن الميت ههنا في مسألتين: الأولى: في
حكمه، قال العلامة العيني في ((شرح الصحيح)): أطلق ابن حزم النقل عن
الليث بن سعد وأبي ثور وداود: أنه فرض على أوليائه كلهم أو بعضهم، وبه
صرح أبو الطيب الطبري في تعليقه بأن المراد منه الوجوب، وجزم به النووي
في ((الروضة)) من غير أن يعزوه إلى أحد، وزاد في ((شرح المهذب))، فقال: إنه
بلا خلاف، وقال زین الدين: هذا منه عجيب، انتهى.
وقال الحافظ(٣): ليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور، وبالغ إمام
(١) أخرجه الترمذي (٧١٨).
(٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٣/٤).
(٣) ((فتح الباري)) (١٩٣/٤).
٢٣٦

١٧ - كتاب الصيام
(١٦) باب
(٦٠٣) حديث
الحرمين ومن تبعه، فادعوا الإجماع على ذلك، وفيه نظر؛ لأن بعض أهل
الظاهر أوجبه، فلعله لم يعتد بخلافهم على قاعدته، انتهى.
والثانية؛ في المراد بالولي فقيل: كل قريب، وقيل: الوارث خاصة،
وقيل: عصبته، وقال الكرماني: الصحيح أن المراد به القريب، سواء كان
عصبة أو وارثاً أو غيرهما، انتهى. وإن صام عنه أجنبي، قال في ((شرح
المهذب)): إن كان بإذن الولي صح وإلا لا، انتهى.
وقال القاري(١): ثم لا بد من الإيصاء عندنا في لزوم الإطعام على
الوارث، خلافاً للشافعي، وإن أوصى فإنما يلزم الوارث إخراجه، إذا كان
يخرج من الثلث، فإن زاد على الثلث لا يجب على الوارث، فإن أخرج كان
متطوعاً، ويحكم بجواز إخراجه، وهذا كله إذا فاته شيء بعد إمكان قضائه،
وأما من فاته شيء من رمضان قبل إمكان القضاء فلا تدارك له ولا إثم، وأجمع
العلماء على ذلك، إلاّ طاووساً وقتادة، فإنهما يوجبان التدارك بالصوم أو
الكفارة ولو مات قبل إمكان القضاء، انتهى.
واستدل المانعون عن النيابة في ذلك بالصيام بحديث ابن عباس عند
النسائي المذكور قبل، وبحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال
رسول الله وَي: ((من مات وعليه صوم شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً))،
قال القرطبي في ((شرح الموطأ)»: إسناده حسن، قال العيني (٢): هذا الحديث
رواه الترمذي، ثم قال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، والصحيح عن
ابن عمر موقوف.
ورواه ابن ماجه أيضاً ووهم فيه، ثم ذكر ما يورد على هذا الحديث،
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٢/٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٥٤/٨).
٢٣٧

١٧ - كتاب الصيام
(١٦) باب
(٦٠٣) حديث
وأجاب عنه، وقال: رفع هذا الحديث قتيبة في رواية الترمذي عن عبثر بن
القاسم، قال أحمد: صدوق ثقة، وقال أبو داود: ثقة ثقة، وروى له الجماعة،
وهو يروي عن الأشعث وهو ابن سوّار الكندي الكوفي، نص عليه المزي،
وثقه يحيى في روايته، وروى له مسلم في المتابعات، والأربعة، ومحمد بن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال العجلي: كان فقيهاً، صاحب سنة، صدوقاً،
جائز الحديث، فمثل هؤلاء إذا رفعوا الحديث لا ينكر عليهم، لأن معهم زيادة
علم مع أن القرطبي حسن إسناده، انتهى.
قال الحافظ (١): وأجاب المالكية عن حديث الباب - وهو حديث عائشة
في النيابة - بدعوى عمل أهل المدينة كعادتهم - وتقدم في كلام ابن عابدين -
وأجاب الماوردي بأن المراد صام عنه وليه أي: فعل عنه ما يقوم مقام الصوم،
وهو الإطعام، قال: وهو نظير قوله: التراب وضوء المسلم، ولو إلى عشر
سنين، وتعقب بأنه صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل، ـ ورُدَّ بأن الدلائل
موجودة كما ترى ۔۔
وأما الحنفية فاعتلوا لعدم القول بهذين الحديثين بما روي عن عائشة:
أنها سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم، قالت: يطعم عنها، وعن عائشة:
قالت: لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم، أخرجه البيهقي، وبما روي
عن ابن عباس: قال في رجل مات وعليه رمضان، قال: يطعم عنه ثلاثون
مسكيناً. أخرجه عبد الرزاق، وروى النسائي عن ابن عباس: قال: لا يصوم
أحد عن أحد، قالوا: فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه، دل ذلك
على أن العمل على خلاف ما روياه، وهذه قاعدة لهم معلومة، انتهى. وما
أورد عليه الحافظ رد عليه العيني.
(١) ((فتح الباري)) (٤/ ١٩٤).
٢٣٨
-- --
-- -

١٧ - كتاب الصيام
(١٦) باب
(٦٠٣) حديث
قال الزرقاني: وذلك لأن فتوى الصحابي بخلاف ما رواه بمنزلة روايته
للناسخ ونسخ الحكم يدل على إخراج المناط عن الاعتبار، وفي
(الاستذكار))(١): لم يخالف بفتواه ما رواه إلا لنسخ علمه وهو القياس على
الأصل المجمع عليه في الصلاة، انتهى.
وقد أخرج الطحاوي فتاواهما بعدة طرق في ((معاني الآثار)) و((مشكله)).
وقال العيني(٢): أما الجواب عن حديث الباب وهو حديث عائشة المذكور،
فقد قال مُهَنَّا: سألت أحمد عن حديث عبيد الله بن أبي جعفر عن محمد بن
جعفر عن عروة عن عائشة مرفوعاً: ((من مات وعليه صيام)). فقال أبو عبد الله:
ليس بمحفوظ، وهذا من قبل عبيد الله بن أبي جعفر، وهو منكر الحديث،
وكان فقيهاً، وأما الحديث فليس بذاك، ثم أخرج أثر عائشة في الإطعام دون
الصيام، وقال: هذا سند صحيح.
ثم قال: وقد أجمعوا على أنه لا يصلي أحد عن أحد، فكذلك الصّوم،
لأن كلاً منهما عبادة بدنية. وقال ابن القصّار: لما لم يجز الصوم عن الشيخ
الهرم في حياته فكذا بعد مماته، فيرد ما اختلف فيه إلى ما أجمع عليه، وحكى
ابن القصار أيضاً في ((شرح البخاري)) عن المهلب أنه قال: لو جاز أن يصوم
أحد عن أحد في الصوم لجاز أن يصلي الناس عن الناس، فلو كان [ذلك]
سائغاً لجاز أن يؤمن رسول الله وَّر عن عمه أبي طالب لحرصه على إيمانه،
وقد أجمعت الأمة على أن لا يؤمن أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد،
فوجب أن يرد ما اختلف فيه إلى ما أجمع عليه، انتهى.
قال الزرقاني(٣): أو يقال: إن الحديثين تعارضا فيرجع إلى قوله تعالى:
(١) (١٧٢/١٠ - ١٧٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٥٤/٨).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٨٦/٢).
٢٣٩

١٧ - كتاب الصيام
(١٧) باب
(٦٠٤) حديث
(١٧) باب ما جاء في قضاء رمضان والكفارات
٦٠٤ /٤٤ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
أَخِيهِ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَفْطَرَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي
رَمَضَانَ، فِي يَوْمِ ذِي غَيْمِ،
٣٩
وقد أعلّ حديث ابن عباس بالاضطراب،
(١)
﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى
ففي رواية: أن السائل امرأة أن أمها ماتت، وعليها صوم شهر، وفي أخرى:
وعليها خمسة عشر يوماً، وفي أخرى: أن أختي ماتت، وعليها صوم شهرين
متتابعين، وأخرى: قال رجل: ماتت أمي، وعليها صوم شهر، وأجيب: بأنه
ليس اضطراباً إنما هو اختلاف يحمل على اختلاف الوقائع، ورُدَّ بأنه بعيد
لاتحاد المخرج، فالروايات كلها عن ابن عباس.
(١٧) ما جاء في قضاء رمضان و(ما جاء في صيام) الكفارات
أي: باب ما يوجب القضاء في الصيام، وهل يجب التتابع فيه أم لا؟
وغير ذلك، وكذلك هل يجب التتابع في صيام الكفارات أم لا؟ وأما وجوب
الكفارات وأنواعها فقد تقدم قبل ذلك.
٤٤/٦٠٤ - (مالك، عن زيد بن أسلم)، العدوي المدني (عن أخيه
خالد بن أسلم)، القرشي العدوي المدني أخو زيد بن أسلم مولى عمر بن
الخطاب، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، له في أوائل الزكاة من البخاري حديث
بلفظ: قال أحمد بن شبيب نا أبي، ووقع في بعض نسخ الصحيح: ثنا أحمد،
فعلى هذا كان ينبغي أن يرقم له (خ)) كذا في ((تهذيب الحافظ)). وذكره
الكلاباذي في أفراد البخاري (أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - ثاني
الخلفاء الراشدين (أفطر ذات يوم في رمضان في يوم ذي غيم) أي سحاب
(١) سورة النجم: الآية ٣٩.
٢٤٠
-