النص المفهرس
صفحات 161-180
١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٩) حديث وتمسكوا بترك استفساره والر عن جماعة هل كان عن عمد أو نسيان، وترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول كما اشتهر، والجواب: أنه قد تبين حاله بقوله: ((هلكت واحترقت)) فدل على أنه كان عامداً عارفاً بالتحريم، وأيضاً فدخول النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البُعد، انتھی . وقال الأبّي(١): أسقطها عن الناسي الجمهور وهو مشهور قول مالك وأصحابه، وأوجبها عليه ابن الماجشون وابن حبيب، وروي عن مالك أيضاً، وفيها قول ثالث: أنه يتقرب بما شاء من الخير. وعلى السقوط فقال مالك والليث والأوزاعي: يقضي، وقال غيره: لا يقضي، انتهى. وقال الموفق(٢): إذا جامع ناسياً فظاهر المذهب أنه كالعامد، نص عليه أحمد، وهو قول عطاء وابن الماجشون، وروى أبو داود عن أحمد أنه توقف عن الجواب وقال: أجْبُنُ أن أقول فيه شيئاً، وكان مالك والأوزاعي والليث يوجبون القضاء دون الكفارة، لأن الكفارة لرفع الإثم وهو محطوط عن الناسي، انتهى. وقال ابن رشد (٣): إذا جامع ناسياً لصومه فإن الشافعي وأبا حنيفة يقولان: لا قضاء عليه ولا كفارة، وقال مالك: عليه القضاء دون الكفارة، وقال أحمد وأهل الظاهر: عليه القضاء والكفارة، وسبب اختلافهم معارضة الأثر القياس، أما القياس فهو تشبيه ناسي الصوم بناسي الصلاة، وأما الأثر فهو ما خرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من نسي وهو صائم (١) ((الإكمال)) (٤ /٤١). (٢) ((المغني)) (٣٧٤/٤). (٣) ((بداية المجتهد)) (٣٠٣/١). ١٦١ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٩) حدیث فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ مَ له: ((وَمَا ذَاكَ؟))، فَقَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي، وَأَنَا صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةَ؟))، فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه))، وهذا الأثر يشهد له عموم قوله ميلر: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان))، أما من أوجب القضاء والكفارة على المجامع ناسياً فضعيف، فإن تأثير النسيان في إسقاط العقوبات بُيِّن في الشرع، والكفارة من أنواع العقوبات، انتهى. قال القاري(١): ولنا ما روى ابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، من حديث أبي هريرة: أن النبي وسلم صَلىالله قال: ((من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة))، انتهى. (فقال له رسول الله صلّر: وما ذلك؟) أي الذي هلكت به، وفي رواية: ((ما الذي أهلكك))، وفي أخرى: ((ويحك ما صنعت)) (قال: أصبت أهلي) أي جامعت زوجتي، وفي أخرى: ((وطئت أهلي))، وفي مرسل ابن المسيب عند سعيد بن منصور: ((أصبت امرأتي طهراً في رمضان)) كذا في ((الفتح)) (وأنا صائم في رمضان) جملة حالية من قوله: ((أصبت))، ويؤخذ منه أنه لا يشترط في إطلاق اسم المشتق بقاء المعنى المشتق منه حقيقة لاستحالة كونه صائماً مجامعاً في حالة واحدة، قاله الحافظ. قال الموفق(٢): لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن من جامع في الفرج أنزل أو لم ينزل، أو دون الفرج فأنزل، أنه يفسد صومه إذا كان عامداً، وقد دلت الأخبار الصحيحة على ذلك، انتهى. قلت: وفي التقييد برمضان، حجة على أن الكفارة تختص بالفطر برمضان كما سيأتي في آخر الباب، (فقال له رسول الله ◌َ﴾: هل تستطيع) أي تقدر (أن تعتق رقبة؟) لم يقيد بالمؤمنة في هذا (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٢/٤). (٢) ((المغني)) (٣٧٢/٤). ١٦٢ ..-- ..- ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٩) حديث فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: ((هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِيَ بَدَنَةَ؟))، قَالَ: لا. قَالَ: («نا جلِس)) . الحديث أيضاً كما تقدم (قال: لا) وفي حديث ابن عمر: ((والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط)) (قال: فهل تستطيع أن تهدي بدنة؟ قال: لا). قال الباجي(١): انفرد عطاء بهذه اللفظة عن سعيد، وقد أنكره سعيد، وقال: كذب عطاء الخراساني، وإنما قلت له: فقال: (تصدق))، قال ابن عبد البر: ما ذكر في هذا الحديث محفوظ من رواية الثقات الأثبات إلا هذه الجملة فإنها غير محفوظة، ونقل القاسم بن عاصم عن سعيد بن المسيب أنه قال: كذب عطاء الخراساني، ما حدثته، إنما بلغني أن النبي وَّر قال له: ((تصدق)). والبخاري أدخل عطاء في الضعفاء لهذا الخبر ولم يتابع عليه. قال الحافظ: وذكر ابن عبد البر أن عطاء لم ينفرد بذلك، فقد ورد من طريق مجاهد عن أبي هريرة موصولاً ثم ساقه، لكنه من رواية ليث بن أبي سليم عن مجاهد، وليث ضعيف، وقد اضطرب في روايته سنداً ومتناً فلا حجة فيه، وذكر الزرقاني بعض متابعاته حاكياً عن أبي عمر (٢) ثم قال: إلا أن جمهور العلماء لم يروا نحر البدن عملاً بحديث ابن شهاب، ولا أعلم أحداً أفتى بذلك إلا الحسن البصري، انتهى. قال الأبي في ((شرح مسلم)): قال الحسن وعطاء: إن لم يجد المكفر رقبة أهدى بدنة إلى مكة، قال عطاء: أو بقرة، انتهى. وحكى القاري عن غيره: أن خبر أنه مخير بين عتق ونحر بدنة ضعيف، وإن أخذ به الحسن، انتهى. وقال ابن العربي(٣) بعد ذكر حديث الباب: إن دخول البدنة شاذ. (قال: فاجلس) قيل: أمره بذلك انتظاراً لما يأتيه كما وقع، ويحتمل أنه (١) ((المنتقى)) (٥٦/٢). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١١٤/١٠ - ١١٥). (٣) ((عارضة الأحوذي)) (٢٥٤/٣). ١٦٣ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٩) حدیث فَأْتِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ بِعَرَقِ تَمْرٍ. فَقَالَ: ((خُذْ هُذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ))، فَقَالَ: مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّي. فَقَال: «كُلْهُ، وَصُمْ يَوْماً مَكَانَ مَا أَصَبْتَ)). رجا فضل الله، أو انتظار وحي ينزل في أمره (فأتي) ببناء المجهول (رسول الله ◌َ* بعرق من تمر) أي بعرق فيه تمر، وفي رواية لمسلم عن عائشة: فجلس فبينما هو على ذلك إذ أقبل رجل يسوق حماراً عليه طعام، قال الحافظ: ووقع في بعض طرق عائشة عند مسلم: ((فجاءه عرقان)) والمشهور في غيرها ((عرق)) ورجحه البيهقي، وجمع غيره بتعدد الواقعة، وهو جمع لا نرضاه لاتحاد مخرج الحديث، والأصل عدم التعدد. والذي يظهر أن التمر كان قدر عرق لكنه كان في عرقين في حال التحميل على الدابة ليكون أسهل في الحمل، فيحتمل أن الآتي به لما وصل أفرغ أحدهما في الآخر، فمن قال: ((عرقان)) أراد ابتداء الحال، ومن قال: ((عرق)) أراد ما آل إليه الأمر، انتهى. وأنكر العيني(١) هذا الجمع، وقال: لم يقل به الحافظ إلا تمشيةً لمذهبه، وإلا فأي دليل على أن التمر كان قدر عرق، وأنت خبير بأن من قال: ((عرقان)) معه زيادة علم، والظاهر هو ذلك، فإن عرقين من طعام يكونان ثلاثين صاعاً، فإذا فرق على ستين مسكيناً يكون لكل مسكين نصف صاع، فيوافق على هذا سائر الكفارات. (فقال: خذ هذا فتصدق به، فقال: ما أحد أحوج) بالنصب والرفع كما تقدم، وفي المصرية ههنا أيضاً بالجيم (مني، فقال: كله وصم يوماً مكان) بالنصب والإضافة (ما أصبت) من فطر الصوم، وفيه إيجاب القضاء مع الكفارة وهو قول الأئمة الأربعة والجمهور، وأسقطه بعضهم لأنه لم يرد في خبر أبي (١) انظر: ((عمدة القاري)) (١١٠/٨). ١٦٤ ۔۔ ------------ ..---- --- ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٩) حدیث هريرة ولا خبر عائشة، ولا في نقل الحفاظ لهما ذكر القضاء، وأجيب: بأنه جاء من طرق يعرف بمجموعها أن لهذه الزيادة أصلاً يصلح للاحتجاج، وعن الأوزاعي: إن كفر بعتق أو إطعام قضى اليوم، وإن صام شهرين دخل فيهما قضاء ذلك اليوم، ويؤخذ من تنكير يوم عدم اشتراط الفورية، قاله الزرقاني. قال الموفق (١): من أفسد صوماً واجباً بجماع فعليه القضاء، سواء كان في رمضان أو غيره، وهذا قول أكثر الفقهاء، وقال الشافعي في أحد قوليه: من لزمته الكفارة لا قضاء عليه، وحكي عن الأوزاعي أنه قال: إِنْ كفر بالصيام فلا قضاء عليه لأنه صام شهرين متتابعين، ولنا أن النبي ◌ُّ قال للمجامع: ((وصم يوماً مكانه)) رواه أبو داود بإسناده وابن ماجه والأثرم، انتهى. قال ابن العربي: هذا لا يشبه منصب الأوزاعي ولا الشافعي، وهل في القضاء كلام وهو قد أفسد العبادة؟ قال ابن رشد: شذّ قومٌ فقالوا: ليس عليه إلا الكفارة فقط، إذ ليس في الحديث ذكر القضاء، والخلاف فيه شاذ، انتهى. قلت: والاختلاف في إثبات الحديث في القضاء ونفيه عنه مبنيٌّ على صحة الحديث وضعفه . قال الحافظ: وقد ورد الأمر بالقضاء في هذا الحديث - وهو حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة - في رواية أبي أويس وعبد الجبار وهشام بن سعد كلهم عن الزهري، وأخرجه البيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الليث عن الزهري، وحديث إبراهيم بن سعد في الصحيح عن الزهري بغير هذه الزيادة، وحديث الليث عن الزهري في ((الصحيحين)) بدونها، ووقعت الزيادة أيضاً في مرسل سعيد بن المسيب ونافع بن جبير والحسن ومحمد بن كعب القرظي، وبمجموع هذه الطرق يعرف أن لهذه الزيادة أصلاً، انتهى. (١) ((المغني)) (٣٧٢/٤). ١٦٥ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٩) حديث وقال أيضاً في ((التلخيص)) (١): وله طريق أخرى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومن طريق مالك عن عطاء عن سعيد بن المسيب مرسلاً، ومن حديث ابن جريج عن نافع بن جبير مرسلاً، وقال سعيد بن منصور: ثنا عبد العزيز بن محمد عن ابن عجلان عن المطلب بن أبي وداعة عن سعيد بن المسيب، قال: جاء رجل إلى النبي وَل﴾، الحديث. وفيه: ((وتصدق واقض يوماً مكانه))، انتهى. قلت: أخرج ابن أبي شيبة برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في حديث الكفارة، وقال: ((صم يوماً مكانه)). قلت: وأشكل الطحاوي في ((مشكله))(٢) على حديث أبي هريرة في القضاء بأنه يخالف رواية أبي هريرة بلفظ: ((لم يقضه صيام الدهر وإن صامه)). أخرجها أبو داود وغيره. ثم جمع بينهما بأن المراد أنه غير مدرك بذلك القضاء ما كان يصيبه لو صامه في عينه، انتهى. وسيأتي قريباً عن ((المغني)) ما قال أحمد: إن حديث أبي هريرة ((لم يقضه ولو صام الدهر)) ليس بصحيح، قال ابن العربي: ثبت من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومن رواية عطاء في ((الموطأ)) ومن رواية هشام بن سعد عن ابن شهاب: أن النبي وَلّ أمره أن يصوم يوماً، انتهى. ثم الواجب في القضاء عن كل يوم يوم في قول عامة الفقهاء، قال أحمد: قال إبراهيم ووكيع: يصوم ثلاثة آلاف يوم، وعجب أحمد من قولهما، وقال سعيد بن المسيب: من أفطر يوماً متعمداً يصوم شهراً، وحكي عن ربيعة أنه قال: يجب مكان كل يوم اثنا عشر يوماً، لأن رمضان يجزئ عن جميع السنة، وهي اثنا عشر شهراً. -- -- (١) (٢٠٧/٢). (٢) انظر: ((مشكل الآثار)) (١٨٠/٤). ١٦٦ ------ -- ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٩) حدیث قَالَ مَالِكٌ: قَالَ عَطَاءٌ: فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ: كَمْ فِي ذُلِكَ الْعَرَقِ مِنَ الثَّمْرِ؟ فَقَالَ: مَا بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعاً إِلَى عِشْرِينَ . ولنا قول الله تعالى: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ وقوله ◌َلَّ في حديث الباب: ((صم يوماً مكانه)) رواه أبو داود(١)، ولأن القضاء يكون على حسب الأداء بدليل سائر العبادات، ولأن القضاء لا يختلف بالعذر وعدمه بدليل الصلاة والحج، وما ذكروه تحكم لا دليل عليه، والتقدير لا يصار إليه إلا بنص أو إجماع وليس معهم واحد منهما، وقول ربيعة يبطل بالمعذور، وذكر لأحمد حديث أبي هريرة: ((من أفطر يوماً متعمداً لم يقضه ولو صام الدهر)) فقال: ليس يصح هذا الحديث، كذا في ((المغني)) (٢). (قال مالك: قال عطاء) الخراساني: (فسألت سعيد بن المسيب كم في ذلك العرق من التمر؟ فقال: ما بين خمسة عشر صاعاً إلى عشرين) قال الباجي(٣): قول سعيد في العرق: ما بين خمسة عشر إلى عشرين صاعاً، وروى أبو سلمة عن أبي هريرة: أنه قدره بخمسة عشر صاعاً، وروي عن عائشة أنها قالت في هذه القصة: فأتي بعرق فيه عشرون صاعاً، هذا - والله أعلم - أنها بمعنى الحرز والتقدير واختلافه، ويحتمل أن يكون ذلك قدر العرق إلا أن ما كان فيه من التمر خمسة عشر صاعاً، انتهى. قلت: اختلفت الروايات في مقدار ما في العرق، ولفظ البخاري في الصيام: ((أتي بعرق فيه تمر، والعرقُ: المكتل)) قال الحافظ(٤): ولم يعين في (١) أخرجه أبو داود (٢٣٩٣). (٢) (٣٦٦/٤) وانظر: ((بذل المجهود)) (٢٢٨/١١). (٣) ((المنتقى)) (٥٦/٢). (٤) ((فتح الباري)) (١٦٩/٤). ١٦٧ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٩) حدیث هذه الرواية مقدار ما في المكتل من التمر، بل ولا في شيء من طرق الصحيحين في حديث أبي هريرة، ووقع في رواية أحمد في حديث أبي هريرة: ((خمسة عشر صاعاً))، وفي رواية مهران عن الثوري عند ابن خزيمة: ((خمسة عشر أو عشرون)) وكذا عند مالك وعبد الرزاق في مرسل سعيد بن المسيب، وفي مرسله عند الدارقطني: الجزم بعشرين صاعاً، وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة: ((فأتي بعرق فيه عشرون صاعاً)). قال البيهقي: قوله: ((عشرون صاعاً)) بلاغ، بلغ محمد بن جعفر، يعني بعض رواته، وقد بيّن ذلك محمد بن إسحاق عنه، فذكر الحديث . وقال في آخره: قال محمد بن جعفر: فحدثت بعد أنه كان عشرين صاعاً من تمر. قال الحافظ(١): ووقع في مرسل عطاء بن أبي رباح وغيره عند مسدد ((فأمر له ببعضه))، وهذا يجمع الروايات، فمن قال: إنه كان عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومن قال خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفارة، ويبين ذلك حديث علي عند الدارقطني: ((تطعم ستين مسكيناً لكل مسكين مد)) وفيه: ((فأتي بخمسة عشر صاعاً، فقال: أطعمه ستين مسكيناً»، وكذا في رواية حجاج عند الدارقطني في حديث أبي هريرة، وفيه رد على الكوفيين في قولهم: إن الواجب من القمح ثلاثون صاعاً ومن غيره ستون صاعاً، لقول عطاء: إن أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعاً، وعلى أشهب في قوله: لو غذَّاهم أو عَشّاهم كفى تصدق الإطعام، ولقول الحسن: يطعم أربعين مسكيناً عشرين صاعاً، أو بالجماع أطعم خمسة عشر، وفيه رد على الجوهري، حيث قال في ((الصحاح)): المكتل يشبه الزبيل، يسع خمسة عشر صاعاً لأنه لا حصر في ذلك، انتهى كلام الحافظ بزيادة. (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٦٩/٤). ١٦٨ ----- ----- --- - ۔ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٩) حديث ورد العلامة العيني (١) على كلام الحافظ هذا كما سيأتي شيء منه، والبسط في شرحه على البخاري، وقال الزرقاني: الحديث حجة للكافة في أن الكفارة مدٌّ لكل مسكين، لأن العرق خمسة عشر صاعاً وهو أربعة أمداد، انتھی . وفي ((العيني)): قال بعض أصحابنا: خص هذا الرجل بأحكام ثلاثة بجواز الإطعام مع القدرة على الصيام، وصرفه على نفسه، والاكتفاء بخمسة عشر صاعاً، انتهى. قال الخطابي: ظاهر هذا الحديث يدل على أن قدر خمسة عشر صاعاً كافٍ للكفارة عن شخص واحد، لكل مسكين مُدٌّ، وقد جعله الشافعي أصلاً لمذهبه في أكثر المواضع التي يجب فيها الإطعام، إلا أنه قد روي في خبر سلمة بن صخر وأوس بن الصامت في كفارة الظهار أنه قال في أحدهما: إطعام ستين مسكيناً وسقاً، والوسق ستون صاعاً. وفي الخبر الآخر عند أبي داود: أنه أُتي بعرق، وفسره محمد بن إسحاق في روايته: ثلاثين صاعاً، وإسناد الحديثين لا بأس به، وإن كان حديث أبي هريرة أشهر رجالاً . فالاحتياط أن لا يقصر على المد الواحد، لأن من الجائز أن يكون العرق الذي أتي به النبي ◌َّر المقدر بخمسة عشر صاعاً، قاصراً في الحكم عن مبلغ تمام الواجب عليه، مع أمره إياه أن يتصدق به، ويكون تمام الكفارة باقياً عليه إلى أن يؤديه عند اتساعه لوجوده، كمن يكون عليه لرجل ستون درهماً فيأتيه بخمسة عشر درهماً، فيقال لصاحب الحق: خذه، ولا يكون في ذلك إسقاط ما وراءه من حقه ولا براءة في ذمته، انتهى. قال ابن رشد(٢): إن مالكاً والشافعي وأصحابهما قالوا: يطعم لكل (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٥/١١/٦). (٢) ((بداية المجتهد)) (٣٠٥/١). ١٦٩ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٩) حديث مسكين مداً بمد النبي وَله، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجزئ أقل من مدين بمد النبي #، وذلك نصف صاع لكل مسكين، وسبب اختلافهم معارضة القياس الأثر، أما القياس فتشبيه هذه الفدية بفدية الأذى المنصوص عليها، وأما الأثر فما روي في بعض طرق حديث الكفارة: أن العرق كان فيه خمسة عشر صاعاً، لكن ليس يدل كونه فيه خمسة عشر صاعاً على الواجب من ذلك لكل مسكين إلا دلالة ضعيفة، انتهى. وفي ((الروض)): لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو أقط، انتهى. وقال الموفق(١): اختلفوا في قدر ما يطعم كل مسكين، فذهب أحمد إلى أن لكل مسكين مُدَّ بُرِّ، وذلك خمسة عشر صاعاً، أو نصف صاع من تمر، أو شعير، فيكون الجميع ثلاثين صاعاً، وقال أبو حنيفة: من البر لكل مسكين نصف صاع ومن غيره صاع، لقول النبي ◌ّ﴾ في حديث سلمة بن صخر: ((فأطعم وسقاً من تمر)) رواه أبو داود، وقال أبو هريرة: يطعم مداً من أي الأنواع شاء، وبهذا قال عطاء والأوزاعي والشافعي، لما روى أبو هريرة في حديث المجامع: أن النبي ◌َّ ر أتي بمكتل من تمر قدره خمسة عشر صاعاً فقال: ((خذ هذا فأطعمه عنك))، رواه أبو داود (٢). ولنا؛ ما روى أحمد بسنده إلى أبي زيد المدني قال: جاءت امرأة بني بياضة بنصف وسق شعير، فقال رسول الله وَ﴿ للمظاهر: ((أطعم هذا فإن مُدَّي شعير مكان مد بر))، ولأن فدية الأذى نصف صاع من التمر والشعير بلا خلاف، فكذا هذا، والمد من البر يقوم مقام نصف صاع من غيره بدليل (١) ((المغني)) (٣٨٢/٤). (٢) أخرجه أبو داود في: كتاب الصيام، باب كفارة من أتى أهله في رمضان (٢٣٩٣). ١٧٠ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٩) حديث حديثنا، ولأن الإجزاء بمد منه قول ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وزيد ولا مخالف لهم في الصحابة، وأما حديث سلمة بن صخر فقد اختلف فيه، وحديث أصحاب الشافعي يجوز أن يكون الذي أتى به النبي و الر قاصراً عن الواجب، فاجتزئ به لعجز المكفر عما سواه، انتهى. قال العيني(١): عندنا الواجب لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من تمر، كما في كفارة الظهار، لما روى الدارقطني عن ابن عباس: يطعم كل يوم مسكيناً نصف صاع من بر، وعن عائشة - رضي الله عنها - في هذه القصة: أتي بعرق فيه عشرون صاعاً، ذكره السفاقسي في ((شرح البخاري))، ويروى: ما بين خمسة عشر إلى عشرين، وفي ((صحيح مسلم)): فأمره أن يجلس، فجاءه عرقان فيهما طعام، فأمره أن يتصدق به، فإذا كان العرق خمسة عشر صاعاً فالعرقان ثلاثون صاعاً على ستين مسكيناً لكل مسكين نصف صاع. وما قال بعضهم - أي الحافظ -: المشهور في غيرها عرق إلخ، كون المشهور في غير طرق عائشة عرقاً لا يستلزم ردَّ ما روي في بعض طرق عائشة أنه عرقان، ومن أين ترجيح رواية غير مسلم على رواية مسلم، هذا مجرد دعوى لتمشية مذهبه إلخ. قال ملك العلماء: أما الإطعام في كفارتي الظهار والإفطار فالكلام في جوازه صفة وقدراً ومحلاً كالكلام في كفارة اليمين. وقال فيها: وأما الذي يرجع إلى مقدار ما يطعم فالمقدار في التمليك هو نصف صاع من حنطة أو صاع من شعير أو صاع من تمر، كذا روي عن سيدنا عمر وسيدنا علي وسيدتنا عائشة - رضي الله عنهم -. وذكر في الأصل: بلغنا عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - قال ليرفأ مولاه: إني أحلف على قوم لا أعطيهم ثم يبدو لي فأعطيهم، فإذا أنا فعلت (١) ((عمدة القاري)) (١١٠/٨). ١٧١ ١٧ - كتاب الصيام (٩) باب (٥٨٩) حديث قَالَ يَحْيَىُ: قَالَ مَالِكٌ: سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لَيْسَ عَلَى مَنْ أَقْطَرَ يَوْماً فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ بِإِصَابَةِ أَهْلِهِ نَّهَاراً أَوْ غَيْرِ ذُلِكَ، الْكَفَّارَةُ الَّتِي تُذْكَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ لَيهِ، فِيمَنْ أَصَابَ أَهْلَهُ نَهَاراً فِي رَمَضَانَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ قَضَاءُ ذُلِكَ الْيَوْمِ . ذلك، فأطعم عشرة مساكين كل مسكين نصف صاع من حنطة أو صاعاً من تمر، وبلغنا عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال في كفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين نصف صاع من حنطة، وبه قال جماعة من التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإبراهيم ومجاهد والحسن، وهو قول أصحابنا - رضي الله عنهم -. وروي عن ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت ومن التابعين عطاء وغيره: لكل مسكين مد من حنطة، وبه أخذ مالك والشافعي، والترجيح لقول سيدنا عمر وسيدنا علي وسيدتنا عائشة - رضي الله عنهم - لقوله عزَّ اسمه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾(١) والمد ليس من الأوسط، بل أوسط طعام الأهل يزيد على المد في الغالب، ولأن هذه صدقة مقدرة بقوت مسكين ليوم، فلا تنقص عن نصف صاع كصدقة الفطر والأذى، فإن أعطى عشرة مساكين كل مسكين مداً من الحنطة فعليه أن يعيد عليهم مداً مداً، فإن لم يقدر عليهم استقبل الطعام، انتهى. وسيأتي الكلام على مقدار الصاع والمد في أبواب صدقة الفطر. (قال يحيى: قال مالك: سمعت أهل العلم يقولون: ليس على من أفطر يوماً من قضاء رمضان) مثلاً (بإصابة أهله نهاراً) عمداً (أو غير ذلك) أي من الأكل والشرب (الكفارة) بالرفع (التي تذكر عن رسول الله (ضلة) كما تقدم في الروايات المذكورة (فيمن أصاب أهله نهاراً في رمضان) وذلك لأن الكفارة مخصوصة بفطر أداء رمضان كما تقدم في المباحث المختلفة (وإنما عليه) أي على المفطر لقضاء رمضان (قضاء ذلك اليوم) الذي أفطر فيه لا غير. (١) سورة المائدة: الآية ٨٩. ١٧٢ .. .- .. - ----- ١٧ - كتاب الصيام (١٠) باب (٥٨٩) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَهْذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ فِيهِ إِلَيَّ. (١٠) باب ما جاء في حجامة الصائم (قال مالك: وهذا أحب ما سمعت) بضم التاء على بناء المتكلم (فيه إليَّ) قال الزرقاني: وعلى هذا الكافة إلاّ قتادة وحده فقال: عليه الكفارة، وإلا ابن وهب، ورواية عن ابن القاسم، فجعلا عليه قضاء يومين قياساً على الحج(١)، انتھی. قال الباجي: لا خلاف في ذلك إلا ما يروى عن قتادة، والدليل على ما يقوله الجمهور أن هذا زمن ليست له حرمة، فلم يجب بالفطر فيه كفارة، كما لو صامه نذراً أو كفارة، انتهى. وقال الموفق: لا تجب الكفارة بالفطر في غيررمضان في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء، وقال قتادة: تجب على من وطئ في قضاء رمضان؛ لأنه عبادة تجب الكفارة في أدائها، فوجبت في قضائها كالحج، ولنا أنه جامع في غير رمضان فلم تلزمه كفارة، كما لو جامع في صيام الكفارة، انتهى. قلت: وما ورد في هذه الروايات من التقييد بلفظ: ((رمضان)) في قوله: ((أصبت أهلي في رمضان)) دليل على أن العبرة في ذلك لرمضان، وإلا لم يقل ذلك بل اكتفى على قوله: ((أصبت أهلي وأنا صائم)) فتأمل. (١٠) ما جاء في حجامة الصائم قال المجد(٢): الحجم: المصُّ، يَحْجِمُ ويَحْجُمُ، والحجّام: المصاص والمِحْجَم والمِحْجَمة ما يُحجَم به، وحرفته الحجامة ككتابة، واحتجم طلبها، وفي ((لسان العرب)): الحجم: المصّ، يقال: حجم الصبي ثدي أمه، والحجام: المصاص، والمِحْجَم ما يحجم به، قال ابن الأثير: بالكسر الآلة (١) انظر: ((الاستذكار)) (١١٦/١٠). (٢) ((القاموس المحيط)) (٩٣/٤). ١٧٣ ١٧ - كتاب الصيام (١٠) باب التي يجمع فيها دم الحجامة عند المص، وحرفته وفعله الحجامة، انتهى. قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الحجامة تفطر الصوم حاجماً كان أو محجوماً. قال العيني(١): أراد بالقوم عطاء بن أبي رباح والأوزاعي ومسروقاً ومحمد بن سيرين وأحمد بن حنبل وإسحاق فإنهم قالوا: الحجامة تفطر مطلقاً، انتهى. زاد الزرقاني: داود وابن المبارك وابن مهدي. وقال الموفق (٢): الحجامة: يفطر بها الحاجم والمحجوم، وبه قال إسحاق وابن المنذر ومحمد بن إسحاق وابن خزيمة، وهو قول عطاء وعبد الرحمن بن مهدي، وكان الحسن ومسروق وابن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم، وكان جماعة من الصحابة يحتجمون ليلاً في الصوم، منهم: ابن عمر وابن عباس وأبو موسى وأنس، ورخص فيها أبو سعيد الخدري وابن مسعود وأم سلمة وحسين بن علي وعروة وسعيد بن جبير، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي: يجوز للصائم أن يحتجم ولا يفطر، لما روى البخاري(٣) عن ابن عباس: أن النبي ◌َّ﴾ احتجم وهو صائم، ولأنه دم خارج من البدن أشبه الفصد، ولنا حديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) رواه عن النبي ◌َّر أحد عشر نفساً، انتهى. قلت: وفيه أن من لم ير من التابعين الاحتجام، أو كان يحتجم في الليل من الصحابة لا حجة فيه في الإفطار بالاحتجام، فإنه يحتمل أنهم يفعلون ذلك توقياً عن ظاهر الحديث كما هو معروف عن دأبهم، أو توقياً عن الضعف، أو (١) ((عمدة القاري)) (٣٩/١٠)، و((الاستذكار)) (١٣٠/١٠). (٢) ((المغني)) (٣٥٠/٤). (٣) أخرجه البخاري في: كتاب الطب، (٥٦٩٤)، وأبو داود (٥٦٩٤)، والترمذي (٧٧٥)، وابن ماجه (١٦٨٢). ١٧٤ --- -- -* . - .-- - ---- ---- ١٧ - كتاب الصيام (١٠) باب ٠٠٠ ٠٠ عملاً بالاحتياط عند الاختلاف. وفي ((الروض المربع))(١): حجم أو احتجم وظهر دم عامداً ذاكراً لصومه فسد صومه، قال ابن خزيمة: ثبتت الأخبار عن رسول الله وَ# بذلك، ولا يفطر بفصد ولا شرط ولا رعاف ولا إن كان ناسياً أو مكرهاً، انتهى. قال ابن رشد (٢): الذي أوجب القضاء والكفارة في الاحتجام من القائلين بأن الحجامة تفطر هو عطاء وحده، انتهى. قلت: وذلك لأن أحمد لا كفارة عنده في المشهور عنه إلا في الجماع وما في معناه، أما بقية المفطرات من الأكل والشرب فلا كفارة فيه، ومع ذلك ففي الاحتجام عنده كفارة في رواية، قال الموفق بعدما حكى المفطرات: ولا كفارة في شيء مما ذكرنا في ظاهر المذهب، وعنه في المحتجم: إن كان عالماً بالنهي فعليه الكفارة، انتهى. ثم قال الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا تفطر الحجامة حاجماً ولا محجوماً. قال العيني: أراد بهم عطاء بن يسار والقاسم بن محمد وعكرمة وزيد بن أسلم وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبا العالية وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمداً ومالكاً والشافعي وأصحابه إلا ابن المنذر، فإنهم قالوا: الحجامة لا تفطر، انتهى. وقال ابن رشد في ((البداية)) (٣): إن في الحجامة ثلاثة مذاهب، الأول: الفطر، وهو مذهب أحمد وداود، والثاني: الكراهة، وهو مذهب مالك والشافعي، والثالث: الإباحة بدون الكراهة وهو مذهب أبي حنيفة. ثم ذكر سبب اختلافهم، وأجاد الكلام حسب عادته، لكن التفريق بين المذهب الثاني (١) (١/ ٤٢٢). (٢) ((بداية المجتهد)) (٣٠٦/١). (٣) (٢٩١/١). ١٧٥ ١٧ - كتاب الصيام (١٠) باب (٥٩٠) حدیث ٣٠/٥٩٠ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، قَالَ: ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْدُ. فَكَانَ إِذَا صَامَ لَمْ يَحْتَجِمْ، حَتَّى يُفْطِرَ. والثالث لا يوافق الفروع، فإن الحنفية مصرحة بالكراهة عند الخوف، وكذا المالكية كما في ((الشرح الكبير)) وغيره مصرحة بعدم الكراهة عند الأمن، وسيأتي في كلام الإمام مالك - رضي الله عنه - التصريح بلا بأس عند الأمن، نعم عند الشافعية تركها أفضل مطلقاً فتأمل. ٣٠/٥٩٠ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أنه كان يحتجم وهو صائم) لما يرى من جوازه (قال) نافع: (ثم ترك ذلك) أي الاحتجام صائماً (بعد) أي بعد ما كان يحتجم (فكان إذا صام لم يحتجم حتى يفطر) وأخرجه البخاري تعليقاً ولفظه: كان ابن عمر يحتجم وهو صائم ثم تركه فكان يحتجم بالليل، يعني لما بلغته فيها أحاديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) وكان من الورع بمكان، قاله ابن عبد البر(١). وقال الباجي(٢): يريد أنه لما كبر وضعف كان يخاف على نفسه أن يفطر بالضعف من الحجامة، ولذا يكره لكل من خاف الضعف على نفسه أن يحتجم حتى يفطر، لأن الحجامة ربما أدته إلى إفساد صومه، انتهى. قلت: ويؤيد كلام الباجي ما في ((الفتح)) (٣) إذ قال: روينا في نسخة أحمد بن شبيب عن الزهري: كان ابن عمر يحتجم وهو صائم في رمضان وغيره ثم تركه لأجل الضعف، هكذا وجدته منقطعاً، ووصله عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه، انتهى. (١) انظر: ((الاستذكار)) (١١٨/١٠). (٢) ((المنتقى)) (٥٦/٢). (٣) ((فتح الباري)) (١٧٥/٤). ١٧٦ ----- - -- ١٧ - كتاب الصيام (١٠) باب (٥٩١ - ٥٩٢) حدیث ٣١/٥٩١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَّبِي وَّاصٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَا يَحْتَجِمَانَ وَهُمَا صَائِمَانِ. ٣٢/٥٩٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ . قَالَ: وَمَا رَأَيْتُهُ احْتَجَمَ فَقََّ إِلا وَهُوَ صَائِمٌ. ٣١/٥٩١ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (أن سعد بن أبي وقاص) أحد العشرة المبشرة، وهذا منقطع عن سعد (وعبد الله بن عمر كانا يحتجمان وهما صائمان) قال الباجي: هذا على ما تقدم من فعل ابن عمر، قيل: هذا إذا كانا يحسان من أنفسهما وقوتهما أن الحجامة مع الصوم لا تضعفهما ويعلمان أنه لا يدخل نقصاً في صیامهما، انتهى. وتقدم عن نافع: أن ابن عمر - رضي الله عنهما - ترکه بعد. قال ابن عبد البر(١): هذا منقطع، ثم أخرجه من وجه آخر عن عامر بن سعد عن أبيه، ثم قال: وفعل سعد يضعف حديثه المرفوع: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) وقد انفرد به داود بن الزبرقان، وهو متروك، وإن صح الحديث عن غیر سعد، وعندي أنه منسوخ(٢)، انتهى. ٣٢/٥٩٢ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يحتجم وهو صائم، ثم لا يفطر) لأن الحجامة ليس بمفطر عنده كما عليه الجمهور (قال: وما رأيته) أي عروة (احتجم قط) بشد الطاء، أي أبداً (إلا وهو صائم) قال الباجي: يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كان يسرد الصوم فلذلك لم يتفق له حجامة إلا وهو صائم، والثاني: أنّه لا يسرد لكنه قصد ذلك ليبين جوازه أو لمنفعة كان يرجو ذلك، والثالث: أن يريد به غير الصوم الشرعي إنما أراد أن يحتجم قبل أن يأكل لقوته على هذا المعنى أو لمنفعة أخرى، انتهى. (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٧٦/٢) و((الاستذكار)) (١١٨/١٠). (٢) انظر: ((بذل المجهود)) (١٨٤/١). ١٧٧ ١٧ - كتاب الصيام (١٠) باب (٥٩٢) حدیث قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُكْرَهُ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ، إلا خَشْيَةً مِنْ أَنْ يَضْعُفَ. وَلَوْلَا ذُلِكَ لَمْ تُكْرَهْ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً احْتَجَمَ فِي رَمَضَانَ. ثُمَّ سَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ. لَمْ أَرَ عَلَيْهِ شَيْئاً. وَلَمْ آمُرْهُ بِالْقَضَاءِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي احْتَجَمَ فِيهِ. لأَنَّ الْحِجَامَةَ إِنَّمَا تُكْرَهُ لِلصَّائِم، لِمَوْضِعِ التَّغْرِيرِ بِالصِّيَامِ. فَمَنْ احْتَجَمَ وَسَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ، حَتَّى يُمْسِيَ، فَلا أَرَى عَلَيْهِ شَيَّئاً. وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذُلِكَ الْيَوْمِ. قلت: وهذا الثالث خلاف الظاهر، وقال ابن عبد البر: ذلك لأنه كان يواصل الصوم، وقال أبو عبد الملك: يحتمل أنه حكى أكثر أفعاله. (قال يحيى: قال مالك: لا تكره الحجامة للصائم إلا خشية من أن يضعف) المحجوم فيضطر إلى الفطر (ولولا ذلك لم تكره) وفي ((البخاري)): إن ثابتاً سأل أنس بن مالك: ((أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا إلا من أجل الضعف))، انتهى. وفي ((الدر المختار)): لا تكره حجامة، قال ابن عابدين: أي الحجامة التي لا تضعفه عن الصوم، وينبغي له أن يؤخرها إلى الغروب، وذكر شيخ الإسلام أن شرط الكراهة ضعفٌ يحتاج فيه إلى الفطر. (ولو أن رجلاً احتجم في رمضان، ثم سلم من أن يفطر، لم أر عليه شيئاً) لأنه سلم من الضعف، والكراهة لمن خشي الضعف. (ولم آمره بالقضاء لذلك اليوم الذي احتجم فيه) لأنه لم يفطر، وبه قالت الحنفية والشافعية (لأن الحجامة إنما تكره للصائم لموضع التغرير) بغين معجمة ورائين مهملتين بينهما ياء، يعني كراهة الحجامة للمخاطرة بالصوم، لا إذا أمن على نفسه لقوته (بالصيام فمن احتجم وسلم) لقوته (من أن يفطر حتى يمسي، فلا أرى عليه شيئاً، وليس عليه قضاء ذلك اليوم) وتقدم أن ذلك مسلك الجمهور والأئمة الثلاثة، خلافاً لأحمد مستدلاً بقوله وله: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، وهو حديث مشهور، بسط ١٧٨ ١٧ - كتاب الصيام (١٠) باب (٥٩٢) حديث ٠٠ الكلام على طرقه الحافظ في ((التلخيص))(١). وأجاب عنه الجمهور بوجوه: منها أنه منسوخ، قال ابن عبد البر: إنه منسوخ لحديث ابن عباس، يعني عند البخاري وغيره: ((أن النبي ◌َّر احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم))، لأن في حديث شداد وغيره: أنه وَلَّ مر عام الفتح على من يحتجم لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان فقال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، وابن عباس - رضي الله عنهما - شهد معه حجة الوداع. وشهد حجامته حينئذ وهو محرم صائم، وحديث ابن عباس لا مدفع فیه عند أهل الحديث، فهو ناسخ لا محالة، لأنه لم يدرك بعد ذلك رمضان مع النبي ◌َّل، انتهى. قال العيني(٢): حديث ابن عباس متأخر ينسخ المتقدم، فإن ابن عباس لم يصحب النبي ◌َّ وهو محرم إلا في حجة الإسلام، وفي حجة الفتح(٣) لم يكن النبي ◌َّ﴾ محرماً، وقد أشار الإمام الشافعي إلى هذا، وأورد عليه ابن خزيمة بأنه وَ لّ لم يكن قط محرماً مقيماً ببلده، إنما كان محرماً وهو مسافر، وللمسافر الفطر على الصحيح، فإذا جاز له ذلك جاز أن يحتجم وهو مسافر، فليس في خبر ابن عباس ما يدل على إفطار المحجوم فضلاً عن الحاجم، وأجيب بأن الحديث ما ورد هكذا إلا لفائدة، فالظاهر أنه وجدت منه الحجامة وهو صائم لم يتحلل من صومه واستمر. ومما يصرح فيه بالنسخ حديث أنس أخرجه الدارقطني: أن رسول الله وكله احتجم وهو صائم بعدما قال: أفطر الحاجم والمحجوم، وهذا صريح بانتساخ (١) ((تلخيص الحبير)) (١٩٣/٢). (٢) ((عمدة القاري) (٤٠/١١). (٣) أي فتح مكة. ١٧٩ ١٧ - كتاب الصيام (١٠) باب (٥٩٢) حديث الحديث وسيأتي في بيان الدلائل، قال ابن حزم: صح حديث: ((أفطر الحاجم صَلىالله والمحجوم)) بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد: ((أرخص النبي في الحجامة للصائم))، وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة، سواء كان حاجماً أو محجوماً، انتهى. ومنها: ما قال ابن عبد البر أيضاً: إن الأحاديث متعارضة، فسقط الاحتجاج بها، والأصل: أن الصائم على صومه لا ينتقض إلا بسنة لا معارض لها . ومنها: ما أجاب الطحاوي بأنه ليس فيها ما يدل على أن الفطر كان لأجل الحجامة، بل إنما كان ذلك لمعنى آخر، وهو أنهما كانا يغتابان رجلاً، فلذلك قال رسول الله وسلّ ما قال، وكذا قال الشافعي، فحمل ((أفطر الحاجم والمحجوم)) بالغيبة على سقوط الأجر، وجعل نظير ذلك أن بعض الصحابة قال للمتكلم يوم الجمعة: لا جمعة لك، فقال النبي وَلّ: ((صدق))، كذا في ((العيني)). ومنها: ما قيل: إن فيها التعرض للإفطار، أما المحجوم فللضعف، وأما الحاجم فلأنه لا يؤمن أن يصل إلى جوفه من طعم الدم، وهذا كما يقال للرجل يتعرض للهلاك: هلك فلان، وكقوله: من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين، كذا في ((العيني))، وإليه مال البغوي في ((شرح السنة)). ومنها: ما قيل: إنه وَلَ﴿ مرّ بهما مساءً فقال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، فكأنه عذرهما بهذا، أو كانا أمسيا ودخلا في وقت الإفطار، قاله الخطابي. ومنها: ما قيل: إن هذا على التغليظ لهما، كقوله: ((من صام الدهر لا صام ولا أفطر))، فمعناه على هذا التأويل: أي بطل صيامهما، فكأنهما صارا مفطرين، ومنها: ما قيل: إن معناه جاز لهما أن يفطرا، كقوله: ((أحصد الزرع)) ١٨٠