النص المفهرس

صفحات 141-160

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حديث
فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ
وَهُ أَنْ يُكَفِّرَ، بِعِتْقِ رَقَبَةٍ،
(فأمره رسول الله وَّج: أن يكفر) عن فطره صيام رمضان (بعتق رقبة) استدل
بالحديث على مسألتين، إحداهما: على وجوب الكفارة، قال ابن رشد(١): شذ
قوم فلم يوجبوا على المفطر عمداً بالجماع إلا القضاء فقط، إما لأنه لم يبلغهم
هذا الحديث، وإما لأنه لم يكن الأمر عزمة، إذ لو كان عزمة لوجب إذ لم
يستطع الإعتاق أو الإطعام أن يصوم، انتهى.
وقال الموفق(٢): إن الكفارة تلزم من جامع في الفرج في رمضان عامداً
أنزل أو لم ينزل، في قول عامة أهل العلم، وحكي عن الشعبي والنخعي
وسعيد بن جبير: لا كفارة عليه، لأن الصوم عبادة لا تجب الكفارة بإفساد
قضائها فلا تجب في أدائها كالصلاة، ولنا؛ ما روي عن أبي هريرة: بينا نحن
جلوس عند النبي ◌َّ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكتُ، قال: مالك؟
قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، الحديث، متفق عليه. وقال الخطابي:
وجوب القضاء والكفارة قول عوام أهل العلم غير سعيد بن جبير وإبراهيم
النخعي وقتادة، فإنهم قالوا: عليه القضاء ولا كفارة، انتهى.
والثانية: استدل به الحنفية وموافقوهم على عدم اشتراط إيمان الرقبة
لإطلاقه، واشترط إيمانها مالك والشافعي لقوله ◌ّر في حديث السوداء: أعتقها
فإنها مؤمنة، ولتقييدها بالإيمان في كفارة القتل، فيحمل المطلق وهو الصَّوم
والظهار على المقيد، وتوقف في ذلك الأبي بأن حمل المطلق على المقيد إذا
اتحد الموجب، فإن اختلف كالظهار والقتل، فالذي ينقله الأصوليون عن مالك
وأكثر أصحابه عدم الحمل كمذهب الحنفية، قاله الزرقاني.
قلت: وصرح في ((الشرح الكبير)) للدردير بإيمان الرقبة وكذا قيدها
(١) (بداية المجتهد)) (٣٠٢/١).
(٢) («المغني)) (٣٧٢/٤).
١٤١

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حديث
بالإيمان صاحب ((الروض المربع))، فالأئمة الثلاثة متفقة على تقييد الرقبة
بالمؤمنة .
قال العيني(١): إطلاق الرقبة في الحديث يدل على جواز المسلمة
والكافرة، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، وهو مذهب أبي حنيفة
وأصحابه، وجعلوا هذا كالظهار مستدلين بما رواه الدارقطني من حديث
إسماعيل بن سالم عن مجاهد عن أبي هريرة: أن النبي ◌َ ط # أمر الذي أفطر في
رمضان يوماً بكفارة الظهار، انتهى.
قلت: والأحاديث التي وردت في هذه القصة كلها مطلقة. فينبغي العمل
على إطلاقها، ولا شك أن تحرير الرقبة المؤمنة أفضل لإيمانها، ولا كلام في
ذلك، إنما الكلام في أن من أعتق رقبة كافرة في كفارته هل أدَّى كفارته أم لا؟
فصريح الروايات المطلقة الكفاية، ومن قيدها فعليه البيان، وما ذكروا من
حديث السوداء خارج عن البحث ليس في الكفارة، وآية القتل وإن كانت مقيدة
بالمؤمنة لكن آية الظهار مطلقة.
وفي ((البدائع)): لنا وجهان: أحدهما: طريق مشايخنا بسمرقند، وهو إن
حمل المطلق على المقيد ضرب النصوص بعضها في بعض وجعل النصين
كنص واحد مع إمكان العمل بكل واحد منهما، وهذا لا يجوز. والثاني: طريق
مشايخ العراق، وهو أن حمل المطلق على المقيد نسخ للإطلاق وليس النسخ
إلا بيان منتهى مدة الحكم، فلا يجوز نسخ الكتاب بالقياس ولا خبر الواحد،
انتھی .
قال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢): اختلفوا في الرقبة الكافرة عن
(١) ((عمدة القاري)) (١١١/٨).
(٢) انظر: (٤٢٥/٣).
١٤٢
- - ---
----

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حدیث
أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُنْتَابِعَيْنِ، أَوْ إِطْعَامِ سِنِينَ مِسْكِيناً.
الظهار، فقال عطاء ومجاهد وإبراهيم وإحدى الروايتين عن الحسن: يجزئ
الكافر، وهو قول أصحابنا والثوري والحسن بن صالح، وظاهر قوله تعالى :
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يقتضي الجواز، ولا يجوز القياس على كفارة القتل لامتناع
جواز القياس المنصوص بعضه على بعض، ولأن فيه إيجاب زيادة في النص،
وذلك عندنا يوجب النسخ، انتهى.
(أو صيام شهرين متتابعين) قال الباجي(١): على هذا جمهور الفقهاء،
وقال ابن أبي ليلى: ليس التتابع بلازم في ذلك، انتهى. قال العيني: هو
مذهب كافة العلماء إلا ابن أبي ليلى، والحديث حجة عليه، انتهى. وسيأتي
بيان الحكمة في إيجاب صوم الشهرين في الكفارة.
وقال الموفق: إذا عدم الرقبة انتقل إلى شهرين متتابعين، ولا نعلم خلافاً
في دخول الصيام في كفارة الوطء، إلا شذوذٌ لا يُعَرَّجُ عليه لمخالفة السنة
الثابتة .
ولا خلاف بين من أوجبه أنه شهران متتابعان للخبر أيضاً، فإن لم يشرع
في الصيام حتى وجد الرقبة لزمه العتق، وإن شرع فيه قبل القدرة على الإعتاق
ثم قدر عليه لم يلزمه الخروج إليه إلا أن يشاء العتق فيجزئه، ويكون قد فعل
الأولى، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يلزمه الخروج لأنه قدر على
الأصل قبل أداء فرضه بالبدل، فبطل حكم البدل، كالمتيمم يرى الماء، انتهى.
(أو إطعام ستين مسكيناً) قال الموفق(٢): لا نعلم خلافاً بين أهل العلم
في دخول الإطعام في كفارة الوطء في رمضان وهو المذكور في الخبر،
والواجب فيه إطعام ستين مسكيناً في قول عامتهم، وهو في الخبر أيضاً،
(١) ((المنتقى)) (٥٤/٢).
(٢) ((المغني)) (٣٨٢/٤).
١٤٣

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حدیث
واختلفوا في قدر ما يطعم، قلت: وسيأتي الكلام عليه في الحديث الآتي.
ثم قال ابن عبد البر(١): هكذا روى هذا الحديث مالك لم تختلف رواته
عليه فيه بلفظ التخيير، وتابعه ابن جريج وأبو أويس عن ابن شهاب، ورواه
جماعة من أصحاب ابن شهاب على ترتيب كفارة الظهار، كما سيأتي في
الحديث الآتي، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي في طائفة، فقالوا: لا ينتقل
عن العتق إلا عند العجز عنه ولا عن الصوم كذلك.
وقال مالك وجماعة: هي على التخيير لظاهر حديث الباب الدال على أن
الترتيب في الرواية الثانية ليس بمراد، ولأنه اقتصر على الإطعام في حديث
عائشة - رضي الله عنها - في الصحيحين وغيرهما، ولذا قال مالك: الإطعام
أفضل، ولأنه سنة البدل في الصيام، ألا ترى أن الحامل والمرضع والشيخ
الكبير لا يؤمر واحد منهم بعتق ولا صيام، فصار الإطعام له مدخل في
الصيام، فلذا فضله مالك وأصحابه، وما في ((المدونة)) عن مالك مما يوهم
تعين الإطعام مؤول بأن المراد أفضل.
وقال المازري: ليس في قوله: ((هل تستطيع)) دلالة على الترتيب لا نصاً
ولا ظاهراً، إنما فيه البداءة بالأوَّل، وهو يصح على التخيير والترتيب، فبان من
رواية ((أو)) أن المراد التخيير، قاله الزرقاني (٢).
وحكى الحافظ في ((الفتح))(٣) عن مالك الجزم في كفارة الجماع بالإطعام
دون غيره من الصيام والعتق، ثم قال: واختلفت الرواية عنه في ذلك،
فالمشهور عنه ما تقدم، وعنه يكفر في الأكل بالتخيير وفي الجماع بالإطعام
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٩٥/١٠).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٧٢/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (١٦٢/٤).
١٤٤

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حديث
فقط، وعنه التخيير مطلقاً، وقيل: يراعى زمان الخصب والجدب، وقيل: يعتبر
حالة المكفر، وقيل غير ذلك، انتهى.
قال الأبّي في ((شرح مسلم)) (١): الأقوال في ذلك ستة: ١ - الترتيب
وجوباً كالظهار، ٢ - الترتيب استحباباً، ٣ - التخيير بدون ترجيح، ٤ - التخيير
إلا أن الأولى البداءة بالإطعام، ٥ - في الجماع العتق والصيام وفي الأكل
الإطعام، وهو قول أبي مصعب. السادس: أنها بحسب الزمان، انتهى.
وقال الموفق(٢): المشهور من مذهب أبي عبد الله أن كفارة الوطء في
رمضان ككفارة الظهار في الترتيب، وهذا قول جمهور العلماء، وبه يقول
الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى: أنها
على التخيير بين الثلاثة وبأيها كفر أجزأه وهو رواية عن مالك لحديث الباب،
أخرجه مسلم، و((أو)) حرف تخيير، وللجمهور أن الحديث رواه معمر ويونس
والأوزاعي والليث وموسى بن عقبة وعبيد الله بن عمر وعراك وإسماعيل بن
أمية وابن أبي عتيق وغيرهم عن الزهري بلفظ الترتيب، فهو أولى من رواية
مالك، انتهى.
قال الخطابي: الترتيب هو قول أكثر العلماء إلا أن مالك بن أنس زعم
أنه مخير بين الثلاثة وحكي عنه أن الإطعام أحب إليَّ من العتق، انتهى.
وفي ((البذل))(٣): وقع في ((المدونة)): لا يعرف مالك غير الإطعام، ولا
يأخذ بعتق ولا صيام، قال ابن دقيق العيد: هي معضلة، لا يهتدى إلى توجيهها
مع مصادمة الحديث الثابت، غير أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا
(١) ((إكمالُ إكمالِ المعلم)) (٥١/٤).
(٢) ((المغني)) (٣٨٠/٤).
(٣) ((بذل المجهود)) (٢١٨/١١).
١٤٥

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حدیث
اللفظ، وتأوله على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخصال، انتهى.
قلت: وهو مختار الفروع، ففي ((الشرح الكبير)): كفر بإطعام وهو
الأفضل ولو للخليفة، أو صيام شهرين متتابعين، أو عتق رقبة مؤمنة. قال
الدسوقي: قوله: ((ولو للخليفة)) أي خلافاً لما أفتى به يحيى بن يحيى أمير
الأندلس عبد الرحمن من تكفيره بالصوم بحضرة العلماء، فقيل له في ذلك
فقال: لئلا يتساهل ويجامع ثانياً، انتهى. قلت: لله دره ما أجاد.
وبسط هذه القصة الأبي في ((شرح مسلم))، وقال عبد الرحمن بن معاوية:
هذا أول ملوك بني أمية بالأندلس، سأل الفقهاء عن وطئه جارية له، فبادر
يحيى وأفتاه بالصوم، وسكت الحاضرون، إلى آخره.
وحجة الجمهور في إيجاب الترتيب أن الذين رووا الترتيب عن الزهري
أكثر ممن روى التخيير، وتعقبه ابن التين بأن الذين رووا الترتيب ابن عيينة
ومعمر والأوزاعي، والذين رووا التخيير مالك وابن جريج وفليح بن سليمان
وعمرو بن سليمان، وهو كما قال في الثاني دون الأول، فالذين رووا الترتيب
عن الزهري تمام ثلاثين نفساً أو أزيد، ورجح الترتيب أيضاً بأن راويه حكى
لفظ القصة على وجهها فمعه زيادة علم من صورة الواقعة، وراوي التخيير
حكى لفظ الراوي، فدل على أنه من تصرف بعض الرواة إما لقصد الاختصار
أو لغير ذلك.
ويترجح الترتيب أيضاً بأنه أحوط، لأن الأخذ به مجزئ سواء قلنا
بالتخيير أو لا، بخلاف العكس، وجمع بعضهم بين الروايتين كالمهلب
والقرطبي بالتعدد، وهو بعيد لأن القصة واحدة والمخرج متحد والأصل عدم
التعدد، كذا في ((الفتح)»(١).
(١) ((فتح الباري)) (١٦٨/٤).
١٤٦
------ -

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حديث
فَقَالَ: لَا أَجِدُ. فَأْتِيَ رَسُولُ اللَّهِ لَّ
وقال القاري(١): وأجابوا بأن ((أو)) كما لا تقتضي الترتيب لا تمنعه، كما
بينته الروايات الأخر، وحينئذ فالتقدير: أو يصوم إن عجز عن العتق أو يطعم
إن عجز عن الصوم، ورواتها أكثر وأشهر، فقد رواها عشرون صحابياً، وهي
حكاية لفظ النبي وَل﴾، ورواة هذا اثنان وهو لفظ الراوي، انتهى.
ثم قال الحافظ(٢): ذكر في حكمة هذه الخصال أن من انتهك حرمة
الصوم فقد أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن يعتق رقبة فيفدي نفسه، فقد
صح: من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار، وأما الصيام
فمناسبته ظاهرة لأنه كالمقاصة بجنس الجناية، وأما كونه شهرين فلأنه أمر
بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء، فلما أفسد منه
يوماً كان كمن أفسد الشهر كله من حيث إنه عبادة واحدة بالنوع، فكلّف
بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة، وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة لأنه مقابلة
كل يوم بإطعام مسكين، انتهى.
(فقال: لا أجد) وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - قال: ((تصدق))،
فقال: يا نبي الله ما لي شيء، وما أقدر عليه، زاد ابن عيينة عن ابن شهاب،
فقال: اجلس (فأتي) بضم الهمزة ببناء المفعول (رسول الله ضخ18) ولم يسم
الآتي، لكن للبخاري في الكفارات: فجاء رجل من الأنصار، وللدارقطني عن
سعيد بن المسيب مرسلاً: فأتى رجل من ثقيف.
قال الحافظ: فإن لم يحمل على أنه كان حليفاً للأنصار أو إطلاق
الأنصار بالمعنى الأعم وإلا فما في الصحيح أصح، ووقع في رواية
ابن إسحاق: فجاء رجل بصدقة يحملها، وفي مرسل الحسن عند سعيد بن
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٤/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (١٦٦/٤).
١٤٧

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حديث
بِعَرَقِ تَمْرٍ .
منصور: بتمر من تمر الصّدقة، كذا في ((الفتح)) (بعرق تمر) بفتح العين المهملة
والراء بعدها قاف.
قال الحافظ (١): قال ابن التين: كذا لأكثر الرواة، وفي رواية القابسي
بإسكان الراء، قال عياض: الصواب الفتح وهو المشهور رواية ولغة، وقال ابن
عبد البر: أكثرهم يرويها بإسكان الراء، والصواب عند أهل الإتقان فتح الراء،
وكذا قال أهل اللغة، قال الباجي: قال بعض رواة ((الموطأ)): العرق(٢) وهو
عندي وهم على اللغة المشهورة، إنما العرق بإسكان الراء. العظم الذي عليه
اللحم، انتھی.
قال العيني(٣): وفي (شرح الموطأ)) لابن حبيب: رواه مطرف عن مالك
بتحريك الراء، وفي ((لسان العرب)): قال ابن الأثير: هو زبيل منسوج من
نسائج الخوص، وكل شيء مضفور فهو عرق وعرقة بفتح الراء فيهما، قال
الأزهري: رواه أبو عبيد عرق وأصحاب الحديث يخفضونه، انتهى. وقال
ابن التين: أنكر بعضهم الإسكان؛ لأن الذي بالإسكان هو العظم الذي عليه
اللحم.
قال الحافظ: إن كان الإنكار من جهة الاشتراك مع العظم فلينكر الفتح؛
لأنه يشترك مع الماء الذي يتحلب من الجسد، نعم الراجح من حيث الرواية
الفتح ومن حيث اللغة أيضاً، إلا أن الإسكان ليس بمنكر بل أثبته بعض أهل
اللغة كالقَزَّاز، انتهى.
وفسره الزهري في رواية الصحيحين: بأنه المكتل بكسر الميم وفتح
(١) (فتح الباري)) (١٦٨/٤).
(٢) بإسكان الراء.
(٣) ((عمدة القاري)) (١٠٨/٨).
١٤٨

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حديث
فَقَالَ: «خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ)».
الفوقية، قال الأخفش: سمي المكتل عرقاً لأنه يضفر عرقة عرقة، والعرق جمع
عرقة كعلق وعلقة، والعرقة الضفيرة من الخوص، وفي رواية منصور عند
البخاري: فأتي بعرق فيه تمر، وهو الزبيل وهو بفتح الزاي وتخفيف الموحدة
على وزن رغيف، المكتل.
قال القاري(١): وفي ((المغرب)): يسع ثلاثين صاعاً، وقيل: خمسة عشر،
قال ابن دريد: يسمى زبيلاً لحمل الزبيل، وفيه لغة أخرى: زنبيل بكسر أوله
وزيادة النون الساكنة، وقد تدغم النون فتشد الباء مع بقاء وزنه، وجمعه على
اللغات الثلاثة زنابيل، قاله الحافظ، ووقع في بعض الروايات: فجاءه عرقان،
وسيأتي الكلام عليه في الحديث الآتي.
(فقال) النبي ◌َ﴾: (خذ هذا، فتصدق به) أي بالتمر الذي فيه، قلت:
وفيه حجة للجمهور أن الإعسار لا يسقط الكفارة، قال ابن رشد (٢) في أحكام
من أفطر متعمداً في رمضان: المسألة السابعة: هل يجب عليه الإطعام إذا أيسر
وكان معسراً في وقت الوجوب؟ فإن الأوزاعي قال: لا شيء عليه إن كان
معسراً، وأما الشافعي - رحمه الله - فتردد في ذلك، انتهى. وسيأتي البسط في
ذلك في آخر الحديث.
قال الحافظ(٣): زاد ابن إسحاق: فتصدق به عن نفسك، ويؤيده رواية
المنصور عند البخاري بلفظ: ((أطعم هذا عنك))، ونحوه في مرسل سعيد بن
المسيب، واستدل بإفراده بذلك على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة،
وكذا في المراجعة ((هل تستطيع)) و((هل تجد)) وغير ذلك، وهو الأصح من قولي
(١) (مرقاة المفاتيح)) (٢٦٤/٤).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٠٦/١).
(٣) ((فتح الباري)) (١٦٩/٤).
١٤٩

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حديث
الشافعية وبه قال الأوزاعي، وقال الجمهور وأبو ثور وابن المنذر: تجب
الكفارة على المرأة أيضاً على اختلاف وتفاصيل لهم في الحرة والأمة
والمطاوعة والمكرهة، وهل هي عليها أو على الرجل عنها؟.
واستدل الشافعية بسكوته عليه السَّلام عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة
مع الحاجة، وأجيب بمنع وجود الحاجة إذ ذاك لأنها لم تعترف ولم تسأل،
واعتراف الزوج عليها لا يوجب حكماً ما لم تعترف، وبأنها قضية حال
فالسكوت عنها لا يدل على الحكم لاحتمال أن تكون المرأة لم تكن صائمة
لعذر من الأعذار، ثم إن بيان الحكم للرجل بيان في حقها لاشتراكهما في
تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصوم كما لم يأمره بالغسل، والتنصيص على
الحكم في حق بعض المكلفين كافٍ عن ذكره في حق الباقين، ويحتمل أن
يكون سبب السكوت عن حكم المرأة ما عرفه من كلام زوجها بأنها لا قدرة
لها على شيء، إلى آخر ما بسطه الحافظ (١).
قال ابن التركماني(٢): وفي ((المعالم)) للخطابي ما ملخصه: في أمر
الرجل بالكفارة دليل على أن على المرأة كفارة مثله، لأن الشريعة سوت بينهما
إلا فيما قام عليه دليل التخصيص، وإذا لزمها القضاء بجماعها عمداً لزمها
الكفارة لهذه العلة كالرجل، وهذا مذهب أكثر العلماء. وفي ((نوادر الفقهاء))
لابن بنت نعيم: أجمعوا على أن المرأة إذا طاوعت على الجماع في رمضان
ولا عذر لها، فعليها كفارة أخرى إلا الأوزاعي والشافعي قالا : كفارة تجزئ
عنهما، انتهى.
وقال الموفق(٣): يفسد صوم المرأة بالجماع بغير خلاف في المذهب
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٧٠/٤).
(٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٢١٩/١١).
(٣) انظر: ((المغني)) (١٢٣/٣).
١٥٠
-
-----
------
----
------

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حديث
نعلمه، وهل يلزمها الكفارة؟ على روايتين: إحداهما: يلزمها، وهو اختيار
أبي بكر، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر، والثانية: لا كفارة
عليها. قال أبو داود: سُئل أحمد: من أتى أهله في رمضان، أعليها كفارة؟
قال: ما سمعنا أن على المرأة كفارة، وهذا قول الحسن، وللشافعي قولان
كالروايتين، وإن أكرهت المرأة على الجماع فلا كفارة عليها، رواية واحدة في
المذهب، وعليها القضاء، وهو قول الحسن والثوري والأوزاعي وأصحاب
الرأي، وقال مالك: على المكرهة القضاء والكفارة، وقال الشافعي وأبو ثور
وابن المنذر: إن كان الإكراه بوعيدٍ حتى فعلت فكقولنا، وإن كان إلجاءً لم
تفطر .
وإن أكره الرجل على الجماع فسد صومه، وأما الكفارة فقال القاضي:
عليه الكفارة، لأن الإكراه على الوطء لا يمكن، لأنه لا يطأ حتى ينتشر ولا
ينتشر، إلا عن شهوة فكان كغير المكره، وقال أبو الخطاب: فيه روايتان؛
الثانية: لا كفارة عليه وهو مذهب الشافعي، لأن الكفارة إما أن تكون عقوبة أو
ماحية للذنب ولا حاجة إليها مع الإكراه لعدم الإثم، انتهى.
وقال الخطابي: في أمره الرجل بالكفارة لما كان منه الجناية دليل على
أن على المرأة كفارة مثلها، لأن الشريعة قد سَوَّت بين الناس في الأحكام إلا
في مواضع قام عليه دليل التخصيص، وإذا لزمها القضاء لأنها أفطرت بجماع
متعمد، كما وجب على الرجل، وجبت عليها الكفارة لهذه العلة كالرجل
سواء، وهذا مذهب أكثر العلماء. وقال الشافعي: يجزئهما كفارة واحدة وهي
على الرجل دونها، وكذلك قال الأوزاعي، إلا أنه قال: إن كانت الكفارة
بالصيام كان على كل واحد منهما صوم شهرين، واحتجوا بأن قول الرجل:
((أصبت أهلي)) سؤال عن حكمه وحكمها، لأن الإصابة معناها أنه واقعها
وجامعها، فإذا حصل الفعل منهما معاً.
١٥١

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حديث
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!
ثم أجاب النبي وَلّر عن المسألة فأوجب فيها كفارة واحدة على الرجل،
ولم يعرض لها بذكر، دل أنه لا شيء عليها. قال الخطابي: وهذا غير لازم،
لأن هذا حكاية حال لا عموم لها، وقد يمكن أن تكون المرأة مفطرة بعذر من
مرض أو سفر، أو تكون مكرهة أو ناسية لصومها، أو نحو ذلك من الأمور،
وإذا كان كذلك لم يكن ما ذكروه حجة، انتهى.
وفي ((البرهان)): لنا ما روينا عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي :
أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، الحديث. علّق الكفارة بالإفطار وقد
وجد منهما، لأن سبب الكفارة جناية إفساد الصوم، لا نفس الوقاع، لأنه
تصرف في محل مملوك له، وقد تحققت في جانبها بالتمكين من الفعل، كما
يحصل منه بالفعل، لأن الصوم عبادة قهر النفس بالكف عن قضاء الشهوتين،
وقد قضت شهوتها كما قضى شهوته، ألا ترى أنها لما شاركته فيما تعلق به
الحد وهو قضاء الشهوة بما هو حرام محض شاركته في الحد كذا ههنا،
انتھی .
قلت: واستدل على وجوب الكفارة على المرأة أيضاً بما سيأتي في
حديث الباب من قوله: ((هلكت وأهلكت)) وسيأتي الكلام على هذه الزيادة
قريباً. وقال ابن العربي(١): لا شك في وجوب الكفارة عليها، لأنها أفطرت
في يوم رمضان هاتكة للحرمة، فإن قيل: لم سكت النبي وَل عنها؟، قلنا: لأن
بيانه له بيان لها، انتهى.
(فقال: يا رسول الله) ولفظ البخاري: فقال الرجل: على أفقر مني يا
رسول الله؟ قال الحافظ: هذا يشعر بأنه فهم الإذن له في التصدق على من
يتصف بالفقر، وقد بَيّن ابن عمر في حديثه ذلك فزاد فيه: إلى من أدفعه؟ قال:
(١) ((عارضة الأحوذي)) (٢٥٤/٣).
١٥٢

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حديث
مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّي. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ و ◌َ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ.
إلى أفقر من تعلم، أخرجه البزار والطبراني. (ما أحد أحوج) بالنصب على أنها
خبر ما النافية، ويجوز الرفع على لغة تميم، قاله الزرقاني(١).
قلت: وهذا على ما في أكثر النسخ الهندية والمصرية بالحاء المهملة في
أحد، وفي بعضها بالجيم على المضارع المتكلم من الوجدان، فأحوج منصوب
على المفعولية، وفي ((المشكاة)) عن المتفق عليه: ما أهل بيت أفقر مني، قال
القاري(٢): بالرفع على الوصفية، وبالنصب على الخبرية، وقال الزركشي:
((أهلُ)) مرفوع على أنه اسم ما، وأفقر خبره إن جعلتها حجازية، وبالرفع إن
جعلتها تميمية، انتهى. (مني) زاد يونس: ومن أهل بيتي، ولفظ البخاري:
((فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي)).
وَس ** حتى بدت أنيابه) وفي رواية ابن إسحاق: حتى
( فضحك رسول الله
بدت نواجذه، ولأبي قرة في ((السنن)) عن ابن جريج: حتى بدت ثناياه، ولعلها
تصحيف من أنيابه، فإن الثنايا تبين بالتبسم غالباً، وظاهر السياق إرادة الزيادة
على التبسم، ويحمل ما ورد في صفته وَ لّ أن ضحكه كان تبسماً على غالب
أحواله، وقيل: كان لا يضحك إلا في أمر يتعلق بالآخرة، فإن كان في أمر
الدنيا لم يزد على التبسم.
قيل: وهذه القضية تُعَكِّر عليه وليس كذلك، فقد قيل: إن سبب
ضحكه 8* كان من تباين حال الرجل حيث جاء خائفاً على نفسه راغباً في
فدائها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع في أن يأكل ما أعطيه من الكفارة،
وقيل: ضحك من حال الرجل في مقاطع كلامه وحسن تأنّيه وتلطفه في
الخطاب وحسن توسله في توصله إلى مقصوده، كذا في ((الفتح)) (٣)
(١) (١٧٢/٢).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٤/٤).
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (١٧١/٤).
١٥٣

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حدیث
ثُمَّ قَالَ: ((كُلْهُ)).
أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٣٠ - باب إذا جامع في رمضان
ولم يكن له شيء، فتصدق عليه، فليكفر.
ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١٤ - باب تغليظ تحريم الجماع في نهار
رمضان على الصائم، حديث ٨١.
وقال الباجي: لعله وَلّ ضحك منه، إذ وجبت عليه كفارة يخرجها
فأخذها صدقة فحملها وهو مع ذلك غير آثم، وهذا من فضل ربنا وسعة رفقه
بنا وإحسانه إلينا، انتهى.
(ثم قال: كله) ولفظ البخاري: أطعمه أهلك، وفي أخرى له: أطعمه
عيالك، واستدل به على المسألتين: أولاهما: أن الكفارة تسقط بالإعسار كما
تقدم عن الأوزاعي. قال العيني: هو إحدى الروايتين عن أحمد، قلت: هي
مختارة فروعه. ففي ((نيل المآرب)): فإن لم يجد شيئاً يطعمه للمساكين سقطت
عنه بخلاف غيرها من الكفارات، وهكذا في ((الروض))، واستدل بحديث
الأعرابي هذا.
قال الموفق(١): إن عجز عن العتق والصيام والإطعام سقطت الكفارة عنه
في إحدى الروايتين، بدليل أن الأعرابي لما دفع إليه النبي ◌َّ التمر وأخبره
بحاجته قال: ((أطعمه أهلك))، ولم يأمره بكفارة أخرى، وهذا قول الأوزاعي،
وقال الزهري: لا بد من التكفير، وهذا خاص بذلك الرجل، بدليل أنه أخبر
النبي ◌َّ بإعساره قبل أن يدفع إليه العرق ولم يسقطها عنه، ولأنها كفارة واجبة
فلم تسقط بالعجز عنها كسائر الكفارات، وهذا رواية ثانية عن أحمد وهو قياس
قول أبي حنيفة والثوري وأبي ثور، وعن الشافعي كالمذهبين.
ولنا؛ الحديث المذكور، ودعوى التخصيص لا تُسْمع بغير دليل،
(١) («المغني)) (٣٨٥/٤).
١٥٤
----

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حدیث
وقولهم: إنه أخبر النبي ◌َّيقوم بعجزه فلم يسقطها، قلنا: قد أسقطها عنه بعد
ذلك، وهذا آخر الأمرين من رسول الله وَلّ، ولا يصح القياس على سائر
الكفارات، لأنه اطراح للنص بالقياس، انتهى.
وأنت خبير بأن النص محتمل للتخصيص، وجواز كفاية الإطعام لأهله
وغير ذلك وعدم الإسقاط في أول الحديث نص فلا يترك بالمحتمل. قال ابن
دقيق العيد: تباينت في هذه القصة المذاهب، فقيل: إنه دل على سقوط الكفارة
بالإعسار المقارن لوجوبها، لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس ولا إلى العيال،
ولم يبين النبي ◌ّر استقرارها في ذمته، إلى حين يساره، وهو أحد قولي
الشافعية، وجزم به عيسى بن دينار من المالكية، وقال الأوزاعي: يستغفر الله
ولا يعود، وليس في الخبر ما يدل على استمرارها على العاجز.
وقال الجمهور: لا تسقط الكفارة بالإعسار، والذي أذن له في التصرف
فيه ليس على سبيل الكفارة، ثم اختلفوا، فقال الزهري: خاص بهذا الرجل،
وإلى هذا نحا إمام الحرمين، كذا في ((الفتح))(١).
قال ابن قدامة: هو رواية ثابتة عن أحمد، وهو قياس قول أبي حنيفة
والثوري وأبي ثور، وهو أحد قولي الشافعي وإليه نحا إمام الحرمين، ورُدَّ بأن
الأصل عدم الخصوصية، كذا في ((ابن رسلان)).
قلت: ويؤيد الخصوصية ما ورد في بعض روايات الفقه من ((البدائع))
وغيره من زيادة: ولا تجزئ أحداً بعدك، ولم أجد الزيادة في كتب الحديث
التي عندي .
قال الزرقاني(٢): ليس في الحديث نفي استقرارها عليه بل فيه دليل
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٧١/٤).
(٢) (١٧٣/٢).
١٥٥

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حديث
لاستقرارها، لأنه أخبر النبي ◌ّة بعجزه عن الخصال الثلاث، ثم أتي وَله
بالتمر، فأمره بإخراجه في الكفارة، فلو كانت تسقط بالعجز لم يأمره بذلك،
لكن لما احتاج إلى الإنفاق على عياله في الحال أذن له في أكله وإطعام عياله،
وبقيت الكفارة في ذمته ولم يبين ذلك، لأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز
عند الجمهور.
قلت: ولم يؤخر البيان، بل قدّمه، فإن الرجل لما أخبر أولاً أنه ليس
عنده شيء كان معسراً فلم يسقط الكفارة عنه، ثم لما أعطاه وصار موسراً ذكر
احتياج أهله فأذن له في الأكل، وحينئذ لا يكون الاحتجاج بالحديث إلا على
سقوط الكفارة عن موسر إذا احتاج إليه ولم يقل به أحد، فتأمل.
وإليه مال الخطابي إذ قال: فأمر له النبي ◌َّ بطعام ليتصدق به فأخبر أنه
ليس بالمدينة أحوج منه، وقد قال النبي ◌َّيقول: ((خير الصَّدقة ما كان عن ظهر
غنىَ))، فلم ير له أن يتصدق على غيره ويترك نفسه وعياله، فلما نقص من ذلك
بقدر ما أطعم أهله لقوت يومهم صار طعاماً لا يكفي ستين مسكيناً، فسقطت
عنه الكفارة في ذلك الوقت، فكانت في ذمته إلى أن يجدها، وصار كالمفلس
يمهل ويؤجل، وليس في الحديث أنه قال: لا كفارة عليك، انتهى.
وقال ابن العربي(١): كان هذا رخصة لهذا الرجل خاصة، وأما اليوم فلا
بد من الكفارة، وقال عياض: قال الزهري: هذا خاص بهذا الرجل، أباح له
الأكل من صدقة نفسه لسقوط الكفارة عنه لفقره، وقيل: هو منسوخ، وقيل:
يحتمل أنّه أعطاه ليكفّر به ويجزيه إذا أعطاه من لا يلزمه نفقته من أهله، وهو
قول بعض الشافعية. وقيل: يحتمل أنه لما كان لغيره أن يكفر عنه جاز لغيره
أن يتصدق عليه عند الحاجة بتلك الكفارة.
(١) ((عارضة الأحوذي)) (٢٥٠/٣).
١٥٦
---
----- -
محد

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٨) حديث
وقال القاري (١): الظاهر أنه خصوصية؛ لأنه وقع عند الدارقطني في هذا
الحديث: فقد كفر الله عنك، انتهى. وقيل: لما كان عاجزاً عن نفقة أهله جاز
له أن يصرف الكفارة لهم. قال الحافظ: هذا هو ظاهر الحديث وهو الذي
حمل أصحاب الأقوال الماضية على ما قالوه، لأن المرء لا يأكل من كفارة
نفسه، قال الشيخ تقي الدين: وأقوى من ذلك أن يجعل الإعطاء لا على جهة
الكفارة بل على جهة التصدق عليه وعلى أهله بتلك الصدقة لما ظهر من
حاجتهم، وأما الكفارة فلم تسقط بذلك، انتهى.
قلت: وههنا مذهب ثالث شاذ، حكاه القاري عن سعيد بن جبير فقال:
قال الزهري: إنما كان هذا رخصة له خاصة ولو أن رجلاً فعل ذلك اليوم لم
يكن له بد من التكفير، قال المنذري: قول الزهري ذلك دعوى لا دليل عليها،
وعلى ذلك ذهب سعيد بن جبير إلى عدم وجوب الكفارة على من أفطر في
رمضان بأي شيء أفطر، قال: لانتساخه بما في آخر الحديث بقوله: كُلُّها أنت
وعيالك، والجمهور على قول الزهري، انتهى.
قلت: ومثل قول سعيد بن جبير حكي عن الشعبي والنخعي، كما حكي
عنهما في أول الحديث في كلام الموفق.
المسألة الثانية: هل يجوز صرف الكفارة إلى عياله الفقراء؟ وبه أوّل
الحديث بعضهم كما تقدم من الأقاويل، فمصرفها عند الحنفية مصرف الزكاة،
صرح بذلك أهل الفروع، فيجوز أن يكون المراد في الحديث من العيال من
يجوز صرف الزكاة إليهم كالأخوات وغيرها، ففي ((الدر المختار)) (٢): لا يجوز
دفع الزكاة إلى من بينهما ولاد، قال ابن عابدين: قيد بالولاد لجوازه لبقية
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٥/٤).
(٢) (٣٧٩/٢ وما بعدها).
١٥٧

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٩) حديث
٢٩/٥٨٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَطَاءِ بْن عَبْدِ اللَّهِ
الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أنَّهُ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ وَل﴿ يَضْرِبُ نَحْرَهُ، وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ،
الأقارب، كالإخوة والأعمام والأخوال الفقراء، بل هم أولى لأنه صلة
وصدقة، ولو دفع زكاته إلى من نفقته واجبة عليه من الأقارب جاز إذا لم
يحسبها من النفقة، ويجوز دفعها لزوجة أبيه وابنه وزوج ابنته، انتهى. فعلى
هذا لا بعد أن يكون أهل بيته نوعاً من هؤلاء الأقارب وأمر وَليل بصرفها إلى
هؤلاء .
عجيبة: قال الحافظ(١): قد اعتنى به (أي بالحديث المذكور) بعض
المتأخرين ممن أدركه شيوخنا، فتكلم عليه في مجلدين جمع فيهما ألف فائدة
وفائدة .
٢٩/٥٨٩ - (مالك، عن عطاء بن عبد الله) وهو عطاء بن أبي مسلم
(الخراساني) قال الزرقاني (٢): لمالك عنه ثلاثة أحاديث، قاله في ((التمهيد)).
(عن سعيد بن المسيب؛ أنه قال: جاء أعرابي) لم يسم (إلى رسول الله وَلّة) قال
ابن عبد البر: هكذا هذا الحديث عند جماعة رواة ((الموطأ)) مرسلاً، وهو
متصل بمعناه من وجوه صحاح إلا قوله: ((أن تهدي بدنة)) فغير محفوظ(٣).
(يضرب نحره وينتف شعره) زاد الدارقطني: ((ويحثي على رأسه التراب))،
وفي رواية: ((ويلطم وجهه ويدعو ويله)) قيل: فيه جواز ذلك لمن وقعت له
مصيبة في الدين، لما يشعر به حاله من شدة الندم وصحة الإقلاع، ويفرق بين
(١) ((فتح الباري)) (١٧٣/٤).
(٢) (١٧٣/٢).
(٣) هكذا نقلها الزرقاني (١٧٤/٢). لكن قال أبو عمر في ((الاستذكار)) (١١٥/١٠): وقد
وجدنا ذكر البدنة في هذا الحديث من غير رواية عطاء الخراساني، فلا وجه لإنكار من
أنكر ذلك عليه، والله أعلم وانظر: ((التمهيد)» (١١/٢١).
١٥٨

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٩) حدیث
وَيَقُولُ: هَلَكَ الْأَبْعَذُ.
مصيبة الدين والدنيا، ويحتمل أن تكون الواقعة قبل النهي عن لطم الخدود
وحلق الشعر عند المصيبة، قاله الحافظ.
(ويقول: هلك الأبعد) يعني نفسه، كنى عنه بلفظ: ((الأبعد)) على عادة
العرب، إذا حكت عن نفسها بما لا يحمل فعله، وفي ((المجمع)): الأبعد: أي
المتباعد عن الخير والعصمة، ((بَعِدَ)) بالكسر فهو باعد أي هلك، انتهى. وفي
حديث عائشة عند البخاري: ((احترقت))، وفي الأخرى له: ((إن الأخِرَ هلك))،
وفي بعض الطرق: ((هلكت وأهلكت)) أي زوجتي، واستدل بهذه الزيادة على
وجوب الكفارة على المرأة، وتقدمت المذاهب في ذلك قريباً.
قال الحافظ: لا يلزم منه إيجاب الكفارة عليها، بل يحتمل أن يريد
بقوله: ((هلكت)): أثمت، ((وأهلكت)) أي كنت سبباً في تأثيم من طاوعتني
فواقعتها، إذ لا ريب في حصول الإثم على المطاوعة، أو المعنى: هلكت أي
حيث وقعت في شيء لا أقدر على كفارته، وأهلكت أي نفسي بفعلي الذي جرّ
عليّ الإثم، وهذا كله بعد ثبوت الزيادة المذكورة، ثم بسط الكلام على هذه
الزيادة .
وفي ((العيني)): قال زين الدين: وردت هذه اللفظة مسندة من طرق ثلاثة:
أحدها: الذي ذكره الخطابي، وقد رواه الدارقطني من رواية أبي ثور، قال:
حدثنا معلى بن منصور، نا سفيان بن عيينة، فذكره. قال الدارقطني: تفرد به
أبو ثور عن معلى عن ابن عيينة قال: وهم ثقات، الطريق الثاني: من رواية
الأوزاعي عن الزهري، وقد رواها البيهقي بسنده، ثم نقل عن الحاكم أنه
ضعف هذه اللفظة. والطريق الثالث: من رواية عقيل عن الزهري رواها
الدارقطني في غير ((السنن)).
ثم تكلم العيني(١) على سنده، ثم قال: وأجود طرق هذه اللفظة طريق
(١) ((عمدة القاري)) (١١٥/٨).
١٥٩

١٧ - كتاب الصيام
(٩) باب
(٥٨٩) حديث
المعلى بن منصور، على أن المعلى وإن اتفق الشيخان على إخراج حديثه فقد
تركه أحمد، وقال: لم أكتب عنه، كان يحدث بما وافق الرأي، وكان كل يوم
يخطئ في حديثين أو ثلاثة.
قال العيني: هو من أصحاب أبي حنيفة وثقه يحيى بن معين، وقال
يعقوب بن شيبة: ثقة فيما تفرد به وشورك فيه، متقن، صدوق، فقيه، مأمون.
وقال العجلي: ثقة صاحب سنة، وقال ابن سعد: كان صدوقاً، صاحب حديث
ورأي وفقه، انتهى.
وأوردوا على حديث المعلى بأن الحاكم نظر في كتاب الصوم له فوجد
فيه هذا الحديث بدون هذا اللفظ، قال ابن التركماني: أسند الدارقطني هذا
الحديث من رواية أبي ثور عنه كذلك، وأبو ثور فقيه معروف جليل القدر،
أخرج عنه مسلم في ((صحيحه)) فلا تترك روايته هذه بسقوطها في خط رجل
مجهول، ويحتمل أنها سقطت سهواً من الكاتب، وليس إسقاط من أسقط حجة
على من زاد، كيف وقد تأيدت روايته، ثم ذكر المؤيدات له، قال الحافظ في
((التلخيص))(١): وقد رواها الدارقطني من رواية سلامة عن عقيل عن ابن شهاب،
انتھی .
-- - -
وقال الحافظ (٢) أيضاً في موضع آخر: استدل بالحديث على أنه كان
عامداً، لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدي إلى ذلك، فكأنه
جعل المتوقع كالواقع، وبالغ، فعبّر بلفظ الماضي، وإذا تقرر ذلك فليس فيه
حجة على وجوب الكفارة على الناسي، وهو مشهور قول مالك والجمهور،
(منهم الحنفية والشافعية)، وعن أحمد وبعض المالكية: تجب على الناسي،
(١) ((تلخيص الحبير)) (٢٠٧/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (١٦٤/٤).
١٦٠